منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديــات الأدبيــة > منتدى القصة القصيرة

منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
غير مقروء 13-06-2008, 08:39 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
د.طارق البكري
أقلامي
 
الصورة الرمزية د.طارق البكري
 

 

 
إحصائية العضو






د.طارق البكري غير متصل


افتراضي سلسلة (عندما..)

سلسلة قصص (عندما...)


1 - عندما دخلت الروضة
د.طارق البكري


عندما دخلت الروضة لأول مرة.. وكان ذلك منذ سنوات.. كان الأمر بالنسبة لي يشبه الكارثة..
وأذكر أنّ أبي وأمي أخذاني معاً الى الروضة.. وكنت أرتدي ثوباً أصفر، بأزرار زرقاء داكنة.. وياقة بزنار أبيض يحيط بأطرافها.. لا أنكر أني كنت سعيداً بثوب الجديد.. ولكني ما أن وصلت إلى المدرسة.. وعرفت أني سأنفصل عن أسرتي حتى بدأت البكاء.. وبعد أن كنت متحمساً فقدت كل حماسي في اللحظة التي سلمتني أمي إلى المدرِّسة التي كانت طيبة القلب.. لكنها لم تستطع أن تمنع دموعي من الانهمار مثل المطر..
وفي اليوم التالي.. أعلنت وبكل صراحة أنني لا أحب الروضة.. ولا أريدها.. وبدلت كل آرائي نحوها.. لا أحبها... لكن كل اعتراضاتي تحطمت أمام إصرار أمي وأبي على ذهابي إلى الروضة..
أحسست أنني مظلوم.. كيف ترميني أمي هذه الرمية القاسية.. من قال لها إني أريد أن أتعلم؟ أنا أريد البقاء في البيت..
وعندها بدأت ألاحظ أن مشاعري هذه يشترك معي فيها كل الأطفال في روضتي.. فعلمت أنني لست وحدي في إحساسي.. وبدأت أتعاطف مع غيري.. وبدأ غيري يتعاطف معي.. لأننا جميعاً نشعر بالمشاعر المؤلمة نفسها..
وكان هذا الإحساس الجماعي أول مرة أشعر به في حياتي.. وكان شعوراً جميلاً.. صرت أنتظره في كل مناسبة.. وحتى عندما أذهب إلى السينما.. وأرى الجميع فرحين مثلي.. أو عندما يمر مشهد فيه رعب وخوف وترقب.. ودهشة.. أشعر بأن كل من حولي مثلي..
وصرت عندما أدخل مكاناً جديداً فيه ورود ورياحين وجمال.. أشعر بالهدوء والسكينة.. وأرى ذلك على وجوه كل من حولي..
هذه لحظات لا تنسى.. وخاصة عندما نراها تمر مع غيرنا...




2 - عندما حصلت على أول سيارة



عندما أنهيت مرحلة الروضة استعداداً للانتقال في العام التالي إلى المرحلة الابتدائية.. فاجأتني المعلمة في آخر أيام المدرسة بهدية جميلة.. عبارة سيارة حمراء كبيرة.. لها أبواب أربعة، تفتح كأنها سيارة حقيقية.. كما أنّ الغطاء الأمامي والخلفي يفتحان هما أيضاً.. كنت سعيداً بها.. وأنتظرت لحظة خروجي من الروضة لكي أقدمها لأمي وأبي وأخوتي باعتبارها هدية شرفية أخذتها من معلمتي في الروضة..
ومرت ساعات كأنها سنين طويلة.. شعرت بملل عظيم.. أريد الخروج..
صرت أدعو الله أن يمضي الوقت بسرعة من شدة اهتمامي بأن تشاهد أسرتي هذه الهدية غير المألوفة بالنسبة لي..
ومضى الوقت ببطء شديد.. وانتهى اليوم الأخير من الروضة.. وحملت لعبتي الجديدة أترقب وصول أسرتي لأنّ أبي وأمي وعداني أن يأتيا ليأخذاني من المدرسة في اليوم الأخير.. باعتباري أصغر الأبناء..
وركضت نحو أمي وأبي ألوح بالسيارة الحمراء وكأني فارس عاد منتصراً من حرب طاحنة.. يرفع سيف الانتصار..
وعندما وصلت إليهما واحتضنتني أمي.. قلت لها على عجل.. أمي أمي.. أنظرا هدية معلمتي..
وكانت الابتسامة الواسعة تغمر وجه أمي ذات الوجه الأبيض المائل إلى الحمرة.. وقبل أن تجيبني صاحت أختي التي تكبرني بسنوات قليلة وكانت برفقتهما: نعرف هذا.. فنحن من أعطى السيارة للمدرسة..
في هذه اللحظة.. كرهت السيارة.. لم أعد أريدها.. وددت أن أحطمها..
حاولت أمي أن تسكت أختي.. ولكن الأمر كان قد انتهى.. ولم تنفع بعدها كل محاولات تطييب الخاطر..
وصرت أعامل السيارة كعدوة لي..
صرت على صغر حجمها.. أركب فوقها.. وأرفع قدمي الصغيرتين.. وأتمسك بالجدران ثم أدفع نفسي بكل قوة، فتسير السيارة وأنا فوقها رغم أني بالنسبة لها حمولة فوق الزائدة.. فهي سيارة للعب لا للركوب..
وعندما تحطمت من سوء الاستعمال.. لم أكن حزيناً.. لأنني تمنيت لو أعطتني معلمتي سيارة لعبة ورقية وحتى لو كانت من دون إطارات.. ولو فعلت ذلك لاحتفظت بها طوال حياتي..



3 - عندما ضاعت مني حقيبتي


في أحد الأيام... وكنت في الصف الثاني ابتدائي.. وفي طريق عودتي إلى البيت من المدرسة... توقفت لاكمال الحديث مع بعض الرفاق قبل أن نفترق... كل واحد إلى طريقه..
ولا أذكر ما هو بالتحديد الحديث الذي استدعى وقوفنا على ناصية الطريق مدة من الزمن.. ولكنّه بالتأكيد كان عن لعب الصغار وتساليهم، وليس شأناً له علاقة بالدرس والدراسة.. ثم مضى كل واحد منّا في طريقه..
وقبيل وصولي إلى البيت.. شعرت أني فقدت شيئاً كنت أحمله لم انتبه إلى ذلك من قبل.. فبسطت يدي.. بحركة عفوية.. ثم عدت راكضاً أبحث عن حقيبتي الضائعة..
وتوقفت في المكان الذي كنت أقف فيه مع رفاقي..
نظرت غلى الحائط الذي انسدت عليه حقيبتي.. لكني لم أجدها... فقد كان أحدهم قد أخذها.. فعدت إلى البيت باكياً..
استغربت أمي بكائي.. وسألتني عن السبب؟ وبعد أن أخبرتها.. ارتدت ثياب الخروج ثم خرجت معي تريد المدرسة..
حاولتُ أن أشرح لها أنّي لم أنس الحقيبة في المدرسة.. لكنّها اعتقدت أنني نسيتها في الفصل وأرادت أن تتأكد من ذلك بنفسها..
عدت إلى المدرسة مع أمي ولم يكن أحد هناك غير الفراشين..
طلبت أمي من إحدى الفراشات أن تذهب معها إلى فصلي لتبحث عن الحقيبة..
كنت متأكداً أنها ليست في الفصل.. ولكن أمي لم ظنت أني لا أعرف المكان الذي نسيتها فيه..
وبعدما سألتني عن المقعد الذي كنا أجلس فيه.. بحثت ولم تجدها.. ثم قررت العودة إلى البيت على أمل أن نجدها على الطريق..
وفي أثناء عودتنا...
وفي الجهة المقابلة لمكان وقوفنا.. كان هناك بقالة على الشارع المقابل لصحابها العم نعيم.. وكانت الحقيبة موضوعه على كيس أرز أو كيس حمص... لم أعد أذكر تماماً.. لكني أذكر أنّ الكيس كان كبير الحجم.. ولونه بني.. وكانت حقيبتي موضوعة أعلى الكيس.. في مكان بارز.. فتركت يد أمي وقطعت الشارع مسرعاً فرحاً بعثوري أخيراً على حقيبتي..
وفي هذه اللحظة..
كانت سيارة مسرعة تسير في الطريق..
أطلق سائقها سيلاً من الشتائم وهو يضع يده على (الزمور) ويدوس بقدمه على مكابح السيارة التي كان زعيقها يملأ المكان..
لكني وصلت بسلامة إلى الحقيبة وأمسكتها بكلتا يدي وشددتها إلى صدري..
فأسرعت أمي وضمتني إليها بحنان بعدما أصابها رعب شديد..
التفتُ فرأيت الناس قد تجمعوا حولي للاطمنان عليّ.. لكنّي كنت مشغولاً بحقيبتي.. ولم اهتم بزعيق المكابح ولا ببوق السيارة.. ولا بكل الناس من حولي..
أخيراً... عادت لي حقيبتي..
17- 5 – 2008


4 – عندما رفعت علم بلادي

كنت أرى الكشافة في مدرستي يرفعون علم بلادي، وهم يعزفون على آلات موسيقية وينشدون النشيد الوطني، ويلقون التحية على العلم.. صباح كل يوم.
أعجبني كثيراً هذا المشهد.. فقلت لأبي إنّي أريد دخول الكشافة..
كنتُ صغيراً في الصف الأول الابتدائي..
رحّب أبي كثيراً برغبتي هذه.. وشجعني..
فسألت زملائي الطلاب الذين يرفعون العلم كل يوم عن طريقة اشتراكي في فرقة الكشافة.. فشجعوني هم أيضاً.. وطلبوا مني أن أحضر يوم العطلة الأسبوعية وهو يوم النشاط الرسمي للكشافة..
ومنذ ذلك اليوم بدأت أهتم كثيراً بهذا النشاط، وكنت أريد المشاركة في رفع العلم... لكن قائد الفرقة طلب مني التمهل بعض الوقت.. لأنّ من يرفع العلم عليه أن يمضي وقتاً في التدرب.. والأفضلية للأكبر سناً والأقدم في الكشافة..
ولكني كنتُ حريصاً على أن أراقبهم ماذا يفعلون بدقة..
وخاصة عند رفع العلم وأداء التحية..
وكان ذلك استعراضاً متكاملاً يشبه طريقة الجيش في رفع العلم..
وكنت حريصاً على ارتداء الزي الكشفي بشكل شبه يومي دون أن يطلب مني ذلك.. لأنّ الذين يرتدون هذا الزي يومياً هم من يطلب منهم رفع العلم فقط...
وفي أحد الأيام.. وكنت مرتدياً الزي الكشفي، وعندما حان وقت رفع العلم..
اكشف قائد الفرقة غياب أحد الطلاب، وكان مقرراً له أن يرفع العلم في ذلك اليوم..
فشاهدني قائد الفرقة مرتدياً زيّ الكشافة..
فسألني إن كنتُ واثقاً من معرفتي التامة لكيفية رفع العلم؟؟
وفي هذه اللحظة شعرت أنَّ الدنيا لا تسعني..
شعرتُ أنه يريد من خلال هذا السؤال أن أقوم بذلك لسبب طارئ..
فأكدت له أني اتقن هذا الأمر تماماً..
فقال: سنجربك اليوم.. هذه هي فرصتك قد حانت.. لو نجحت ستشارك الفرقة برفع العلم من حين إلى آخر.. ثم حذرني من الخطأ.. فناظر المدرسة لا يحب الخطأ في رفع العلم.. ولو علم قائد الكشافة سيمنعك من رفع العلم مرة ثانية.
قلت: له لا تقلق.. وسوف ترى ماذا سأفعل.
وكنتُ قد حفظت تماماً كامل الخطوات التي يؤديها الكشافة وهم يسيرون جنباً إلى جنب وفي خطوات ثابتة موحدة.. وكنت متأكداً من أنني من المستحيل أن أخطأ لأني تدربت على ذلك مراراً في البيت..
وكانت تجربة رائعة لا يمكن أن أنساها..
وقد هنأني قائد الفرقة على خطواتي الواثقة الصحيحة..
ومنذ ذلك اليوم رفعت العلم عشرات المرات أمام الناظر المدرسين والطلاب.. وفي احتفالات عدة داخل المدرسة..
ولكني لم أكن أريد أن أحظى لوحدي فقط بهذا الشرف.. بل كنتُ أتيح الفرصة لكلِّ من يحب أن يرفع العلم، وأساعده وأدربه ليقوم بذلك.. لأحقق حلمه برفع العلم، كما تحقق حلمي في أحد الأيام...
17-5-2008




5 - عندما سافر أبي..




كنت صغيراً .. ولا أذكر كم كان عمري.. عندما سافر أبي مع عمي إلى (مصر) في رحلة لمدة ثلاثة أسابيع.. وكانت هذه هي المرة الأولى التي أذكر سفر أبي فيها.. وقد أعطاني أبي خمس ليرات قطعة واحدة.. وكانت هذه الليرات الخمس - بالنسبة لي ثروة - حيث كان مصروفي اليومي لا يصل الى ربع ليرة..
وكانت هذه أكبر ورقة نقدية أحصل عليها..
وعندما أخذت الورقة النقدية، وكانت جديدة و(تطقطق).. أعطيتها لأمي وقلت لها:
أمي لو سمحت.. احتفظي لي بهذا المبلغ الكبير، لأني أخشى أن اصرفه أو يضيع مني.. وأريد منك أن تعطيني صباح كل يوم خميس (ليرة ونصف الليرة) لأشتري مجلتي المفضلة.
وكان اسمها مجلة (بساط الريح).. مجلة مصورة للأطفال..
ولحسن حظي أني فعلت ذلك..
فقد طال سفر أبي أكثر من أربعة أسابيع..
وظلّت أمي تعطيني كل صباح خميس (ليرة ونصف الليرة) لأشتري بها المجلة.. مع العلم أنني كنت أسحب منها نحو ربع ليرة وبشكل شبه يومي لحجج متعددة..
بالرغم من أني كنتُ أجمع سابقاً نصف سعر المجلة من مصرفي اليومي، والنصف المتبقي آخذه من أمي..
وما زلت أذكر تلك الليرات الخمس التي (تطقطق).. ومجلة (بساط الريح) وقصصها المصورة الجميلة..
وعندما عاد أبي من السفر.. أعطاني خمس ليرات أخرى.. لكنّها لم تكن (تطقطق) مثل الأولى.. وعندما أخذتها.. أعطيتها لأمي قائلاً: خذي منها المبلغ الإضافي الذي سحبته منك.. فضحكت أمي وقالت: احتفظ بهذه الليرات..
فأخذتها.. ولا أذكر ماذا فعلت بها.. لكنني بالتأكيد لم أشتر مجلات للأطفال..







6 - عندما وضعت النعجة في (الجبّالة)


في يوم أخذتني أمي لزيارة قريبة لنا في منطقة جبلية بعيدة..
وكان لقريبتنا هذه ابن أكبر مني ببضع سنوات.. وكان هذا الابن لطيفا جداً، وكان ينادي أمي بـ(يا خالتي)..
أراد هذا الصبي أن يلاعبني ويسليني.. فأخذني للعب خلف البيت..
وكان خلف البيت بستان واسع ممتد.. مزروع بالأشجار المثمرة..
وكان هناك ورشة بناء إلى جانب البستان..
رأيت (جبّالة) صغيرة يُخلط في داخلها التراب والبحص والماء.. يستخدم العمال الخليط في رصّ الأحجار فوق بعضها.. ولكنهم كما يبدو كانوا في راحة الظهيرة..
وكان بالقرب منا نعاج صغيرة ترعى العشب الأخضر..
فحملت أنا والصبي نعجة صغيرة ووضعناها داخل الجبالة..
وأطلقنا أرجلنا للريح.. ومن بعيد سمعنا صوت العمال ينادون بعضهم بعضاً ويصرخون لإنقاذ النعجة المسكينة من المحنة التي وضعناها فيها..
وعدنا إلى البيت وجلسنا وكأن شيئاً لم يكن..


عِنْدَمَا مَاتَ أخِي
د.طارق البكري



كنتُ لا أعرفُ معنى الموت.. أسمع عنه من دون أنْ أراه..‏فَجْأة.. ودون مقدمات، ماتَ أخي الأكبر مني بثلاث سَنَوات..
‏في ظهيرة ذلك اليوم، وبعد عودتنا المدرسة..
كنتُ على موعد غداء ‏أخير مع أخي.. الذي كان يتمتع بسُمْرة تزيده وَسَامة وَهَيبة..
‏كانَ بيني وَبينَه مَا بين الإشقاءالصِّغار من مشاكسات ومُناكفات..
‏في ذلك اليوم.. قرّر أنْ يدخلَ المُطبخ.. ودون أنْ يطلب من أمِّي أيَّة ‏مساعدة.. ‏
أخذَ عدَّة حبَّات بطاطا.. قشَّرها.. غسلها.. ثمَّ وضعها في المقلى.. ‏
وببراءة الأطفال جلستُ أنتظر البطاطاالمقليِّة..
‏وعندما وضعها أخي - رحمه الله - على الطاولة ليأكّل.. أكلتُ معه.. ‏فلم يعترض.. ولم يسجِّل أيَّة مُلاحظة.. ولا حتى من خلال ملامح ‏وجهه.. فوجئت بذلك..
فأنا أقتحم أشياءه من دون استئذان..
كان ‏صامتاً.. لم يعترض على هجومي على الطبق..
ما أثار فرحي..
‏وتماديتُ في مشاركته الطبق..‏لم يتكلِّم.. ‏فالتهمتُ معظم البطاطا المقليّة بكل شهيّة.. ‏وبهدوء جم.. وبحركات متأنيّة.. قام أخي.. حمل الطبق.. ووضعه في ‏المغسلة.. ثم غسل يديه وفمه.. وذهب إلى غرفته..‏
في ذلك اليوم.. لم يفتح أخي التلفزيون كعادته.. فقد كان يطيل السهر..
‏درس قليلاً.. ثم ذهب إلى السرير ونام، وكان ذلك في وقت مبكر، ‏وعادته التأخر على التلفزيون..
‏سمعتُ أبي يقولُ لأمِّي.. ‏ما به خالد؟ اذهبي واسأليه لماذانام باكراً؟؟
توجهت أمي نحو غرفة أخي.. وكانت قلقة أكثر منه ثم عادت تقول:لا شيءهناك.. فهو يشعر بالنعاس.. ‏
ثم قالتْ والقلق في عينيها: لا تقلق.. وصوتها يوحي بعكس ما ‏تقول.. ‏فلم يقتنع أبي بهذا الكلام.. ‏الوقت مازال مبكراً.. والشمس بالكاد غربت منذ قليل.
‏وفي صباح اليوم التالي.. نهضتُ كعادتي متكاسلاً أجرُّ حقيبتي جرّاً.. ‏وسرتُ نحو المدرسة وقد نسيتُ كلّ قصة الأمس..‏ ومَضَّى النَّهار في اللعبِ والمرح.. والدِّراسة.. ‏وعندما عدتُ في الظهيرة.. وجدتُ الطبيب عندنا.. ‏
‏"ضربة شمس"..
قال الطبيبُ ذلك بكلِّ ثقة..
ووضع له كيس (مصل).. ‏ثم ذهب مطمناً راضياً..
‏بعد وقت يسير.. جاء عدد من أصدقاء أخي في المدرسة يسألون عن ‏سبب غيابه عن المدرسة..
‏وكان أخي قد غاب عن الوعي تماماً.. ‏فوجئ أصدقاؤه..
‏قالوا: لقد وقع خالد بالأمس على رأسه.. ونحن نلعب.. ألم يقل لكم؟؟‏
كانت صدمة للجميع..
‏لماذا لم يخبرنا؟؟
‏لماذا لم يقل ذلك؟؟‏
مم كان يخاف..
وما الذي أخافه؟!
‏وتحول بيتنا إلى حركة غير طبيعية.. لم أكن أعرف ما يجري تماماً...
‏أسرعوا به إلى المستشفى.. ‏وكانت الصدمة الثانية..‏ الأمرُ غريبٌ.. الدماء تَملأ الرأس.. لماذ تأخرتم؟؟ النزيفُ أتلف الرأس كله..‏ بذلَ الأطباء وسعهم... ‏لكنَّ أخي رحَل بصمتُ..
‏رقدَ أخي في المستشفى أسبوعاً كاملاً يعيش على الآلة.. حتى نبضَ ‏القلب مرة أخيرة.. وودع أمي وأبي اللذين لم يتركاه لحظة واحدة ‏بعينين دامعتين ورحل.. ‏قال أبي: فتح عينيه قبل لحظات من موته.. فرحتُ.. وكانتْ فرحةً لم ‏تدُم فترةً طويلةً..
‏وعادَ أخي إلى البيت محمولاً..
‏وضعوه على فراشِه للمرَّةالأخيرة.. لنودِّعه..‏
كان سمرته أشدَّ وسامة من ذي قبل..‏
تذكرتُ طبق البطاطا..
‏الآن عرفتُ لماذا لم يعترض على اقتحامي لهذا الطبق واستيلائي على‏معظمه..‏لمتُ نفسي.. ‏وبكيت..‏عرفتُ الموتَ.. ورأيته.. ‏وانتقلنا إلى المقبرة.. حيث كان الوداع الأخير..
وكانت هذه هي المرة ‏الأولى أيضاً التي أعرف فيها المقبرة.. ‏شاهدتُ الدموع الحقيقية.. ‏شاهدتُ أبي يبكي للمرة الأولى.. وأمي تصرخ من أعماق قلبها..‏ودّعته.. قبل أن يغلقوا عليه القبر.. ‏خفت أن أقبله..
‏أخي الكبير.. صاح وقد وضعوه في قبره.. أن تمهلوا.. دعوني أرى ‏وجهه للمرة الأخيرة..‏ فرميت بنفسي على مقربة منه.. وألقيت معه آخر نظرة عليه..
‏كانت سمرته تزداد سمرة ووسامة..
‏ذهب طفلاً..
‏سمعت أمي تقول: إن الأطفال لا يعذبون.. وهم مثل العصافير في ‏الجنَّة.. يفرحون ولايحزنون.. ‏فرحْتُ لأخي بجَنَّته..
لكنَّ أمِّي كانتْ على الدَّوام حزينة..
كانت أوّل مرَّة أعرف فيها الموت وجهاً لوجه.. ‏
وظل أبي يتساءل دون جواب: ترى لماذا يخبرنا عن وقعته ذلك ‏اليوم؟؟
لماذا؟






 
آخر تعديل د.طارق البكري يوم 14-06-2008 في 11:46 AM.
رد مع اقتباس
غير مقروء 14-06-2008, 12:08 AM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
خليف محفوظ
أقلامي
 
الصورة الرمزية خليف محفوظ
 

 

 
إحصائية العضو







خليف محفوظ غير متصل


افتراضي رد: سلسلة (عندما..)

مذكرات حميمية مؤثرة ، لا سيما الأخيرة منها " عندما مات أخي " حركت أعماقي ، صيغت بأسلوب فني رائع .
تحية لقلمك المبدع.







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 14-06-2008, 01:07 AM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
أكرم حسن
أقلامي
 
إحصائية العضو







أكرم حسن غير متصل


إرسال رسالة عبر Yahoo إلى أكرم حسن

افتراضي رد: سلسلة (عندما..)

د . طارق
تحيتي لك
أعترف أني بدأت من نهاية الدرب و عدت معك إلى أوله ..
الجزء المسمى حين مات أخي .. اسلوبك في الكتابة عن هذا الموضوع المؤلم. شدني .. فرجعت إلى ما قبله .. ثم ما قبله و هكذا..حتى عذاب اليوم الأول في الحضانة .. حيث أسميه الفطام الثاني. لأن المرارة فيه شديدة.. وبخاصة الصدمة من الأم .. التي نحملها مسؤولية ما نعتبره نفياً إلى خارج الحضن .. وما أقساه.
شكراً على متعة القراءة ( رغم الحزن..) الذي قدمته لي .. وإن كنت أود أن اشير إلى أني أخص بالتمييز إلى جانب الحلقة الأخيرة .. الحلقة المسماة .. عندما حصلت على أول سيارة .. فإحساسك هنا فيه .. نبالة وشهامة وتقدير للذات .. أهنئك عليه وعلى العمل.
دمت بود
أكرم حسن ( منصورة)







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 22-08-2009, 01:56 PM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
د.طارق البكري
أقلامي
 
الصورة الرمزية د.طارق البكري
 

 

 
إحصائية العضو






د.طارق البكري غير متصل


افتراضي رد: سلسلة (عندما..)

شكرا على كلامكما الطيب..
مع كل الحب
وكل عام وانتم بخير







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 25-08-2009, 10:57 PM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
أحمد الجنديل
أقلامي
 
إحصائية العضو







أحمد الجنديل غير متصل


افتراضي رد: سلسلة (عندما..)

الدكتور طارق البكري
أسعدت وقتا
شكرا لك .. لقد كنت معك في سفرة ممتعة مع ( عندما ) .
( عندما ) كنتُ معك كنتَ معي كريما في سحر لغتك وعذوبة كلماتك وصدق مشاعرك .
تقبل فائق شكري واحترامي







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 25-08-2009, 11:11 PM   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
د.طارق البكري
أقلامي
 
الصورة الرمزية د.طارق البكري
 

 

 
إحصائية العضو






د.طارق البكري غير متصل


افتراضي رد: سلسلة (عندما..)

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أحمد الجنديل مشاهدة المشاركة
الدكتور طارق البكري
أسعدت وقتا
شكرا لك .. لقد كنت معك في سفرة ممتعة مع ( عندما ) .
( عندما ) كنتُ معك كنتَ معي كريما في سحر لغتك وعذوبة كلماتك وصدق مشاعرك .
تقبل فائق شكري واحترامي

بالغ الحسن في ثنايا كلماتك.. هذا عزاء في وحشة.
لك مني كل الود..






 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
عندما د.طارق البكري منتدى القصة القصيرة 1 31-05-2008 11:07 PM
قصة من الشيشان عبد الله عويس منتدى القصة القصيرة 0 13-07-2007 11:51 PM
سارع بتقبيل حبيبتك ... قبل فوات الاوان **منقول** كفا الخضر منتدى الأسرة والمرأة والطفل 2 12-04-2007 02:02 AM
سؤال مهم جداً جداً .... أرجو الإجابة عليه جواد العرب منتدى الحوار الفكري العام 11 17-04-2006 07:46 PM
امك ثم امك ثم امك هاجر الشهيد المنتدى الإسلامي 7 25-01-2006 03:25 PM

الساعة الآن 10:40 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط