منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > منتديات اللغة العربية والآداب الإنسانية > منتدى البلاغة والنقد والمقال الأدبي

منتدى البلاغة والنقد والمقال الأدبي هنا توضع الإبداعات الأدبية تحت المجهر لاستكناه جمالياته وتسليط الضوء على جودة الأدوات الفنية المستخدمة.

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
غير مقروء 20-05-2008, 05:09 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
وليد محمد الشبيبـي
أقلامي
 
الصورة الرمزية وليد محمد الشبيبـي
 

 

 
إحصائية العضو







وليد محمد الشبيبـي غير متصل


إرسال رسالة عبر MSN إلى وليد محمد الشبيبـي إرسال رسالة عبر Yahoo إلى وليد محمد الشبيبـي

افتراضي (الخندق الغميق لسهيل أدريس)دراسة ونقد للشاعرة نازك الملائكة -طباعة وليد محمد الشبيـبي

(الخندق الغميق لسهيل أدريس)(1)
دراسة ونقـد(2)
للشاعرة العراقية الراحلة
نازك الملائكة

طباعة وليد محمد الشبيـبي

لعل أعمق ما تعيش به رواية (الخندق الغميق) في نفس قارئها هو الجو السحري المعطّر الذي يحف بها من أولها إلى أخرها.
فهذه رواية ذات نكهة خاصة بها تغلّفها وتترك أثرها المضمّخ في حس القارئ ، فيعيش هناك حتى اذا نسيت الأحداث تفصيلاً ، واللمسة الروحية التي تتغلغل في الرواية كلها تبقينا على صلة بالسحر الذي يشيعه صوت مؤذن منفرد يرفع صوته بـ(سبحان خالق الاصباح..) في غبش فجر شرقي ، في حي من احياء بيروت ذات الطابع العربي الصرف. ونحن لا ننسى قط غلاماً يافعاً متحمّساً يحب الصوت الجميل وينفعل للجو الديني فيفيق على هتاف المؤذن وتسري رعشة في جسمه الصغير اذ يصغي، ولا نغفل عن هذا الغلام وقد كبر وتفتحت عواطفه فبات يخرج إلى الشرفة ويؤذن بأعلى صوته العذب، لا ليؤدي واجب الآذان ، وانما لكي ينبّه الحبيبة الغافلة في بيت الجيران. وبعين الخيال نرى هذا المراهق يصعد إلى مسجد المدرسة ويصلّي ركعتين ويبتهل إلى الله بحرارة ان يحفظ له حبيبته ويعيدها إليه. ان سحر العاطفة الدينية الحقة التي تنبع من أعماق الشعور الإنساني الفطري تواكب أحداث هذه الرواية ، ذلك على الرغم من ان بطلها كان متمرّداً ثائراً على ما يلوح انه الجو الديني ، وهو في الواقع ، جو بعض ذوي التزمت والجمود من الشيوخ.
ولقد ساهم أسلوب سهيل أدريس ، بما يتصف به من اشراق وتنغيم وتعبيرية عالية غير عادية ، في تكثيف هذا الجو الروحي المرهف ، فكانت الكلمات تضيف إلى الشعرية التي تغلب على الرواية ، حتى نستطيع ان نقول ان للأثر الروحي الذي تركته مشاهد قرية (المريجات) ، ونبرات صوت المؤذن في سكون الليل ، لا تزيد على الأثر الذي تتركه لغة الرواية . والواقع ان سهيل أدريس يملك في انتاجه كله ، قدرة خاصة متميزة على أختيار الكلمات المعبّرة التي تشخّص المعاني تشخيصاً نادر المثيل. تلك صفة أسلوبه ، وهي تبرز في (الخندق الغميق) وتبلغ أوجها.
أننا نلح ، في هذه التوطئة ، على الجانب الجمالي ، من الرواية لانه يبدو لنا خاصة بارزة لها. وقد يكون ذلك مرتبطاً بأصالة الموضوع الذي عالجه المؤلف ، وهو موضوع غني بالعاطفة الشرقية الجزلة والحرارة التي تمتاز بها حياتنا العربية الخالصة. ان هؤلاء الناس الذين يتناولهم سهيل أناس شرقيون فيهم بساطتنا وعاطفيتنا وأخطاؤنا وضعفنا. وما أكثر الذين يتحكّم فيهم آباؤهم كما تحكّم هذا الأب المتسلّط في حياة سامي. لذلك تقرأ ، بعطف وتفهّم ، سيرة هذا الغلام الموهوب ، الممتلئ بالحياة ، المتعطّش للمعرفة والحركة ، الذي يذهب ضحية لبساطة أبيه وتعسّفه ، فيخطئ فهم نفسه ويسيء تحديد هدفه وينخرط في جو مشيخة متزمتة متصنّعة لا تنسجم مع روحيته ولا مع حركات ذهنه. ورواية (الخندق الغميق) تقص علينا قصة كفاح الغلام من أجل ان يعود إلى الطريق الذي أضاعه ويتلمّس السبيل ، ثانيةً ، إلى النور والحياة.

موضوع الرواية

هناك مشكلتان نحب أن نقف عندهما ونحن نتحدث عن موضوع (الخندق الغميق) (أولاهما) هي أتجاه الصراع الذي تقوم عليه حبكة الأحداث ، فبين من ومن قام ذلك الصراع ؟ وماذا كان الغرض منه ؟
لقد كتب أكثر من ناقد واحد ممن تناول الرواية بالدراسة انها تروي قصة الصراع بين جيلين. ومعنى ذلك ان الصراع انما قام بين سامي وأبيه. غير اننا اذا أمعنّا النظر في الأحداث التي وضعها المؤلف بين أيدينا فسنجد انها لا تؤيد هذا الرأي. فهل حال الأب حقاً دون ان يترك سامي المشيخة حين أراد هو ذلك ؟ أم هل أستطاع هذا الأب المغلوب على أمره أن يمتع أبنته من خلع الحجاب ومواصلة دراستها ؟ في الحق ، لا . وانما كان المشكل الحقيقي ان يريد سامي نفسه أو لا يريد. ونحن قد عرفنا سامي ، عبر فصول الرواية ، إنساناً عنيداً يحكم ارادته في كل موقف ، وذلك يجعل كل عائق خارج عن نفسه تافهاً ثانوي الأهمية. ولقد كان أبوه عاجزاً عن ردعه عن أي شيء ، وأنتصر سامي في كل صراع خاضه. فعلام يدل ذلك ؟ وأين ذلك الصراع بين الجيلين ؟
لا بد لنا ، لكي نجيب عن هذا السؤال ، أن نلاحظ ان سامي الذي يفترض انه يمثل الجيل الجديد الطالع انما ينطوي هو نفسه على كثير من روحية الجيل الذي يقاومه. أننا نراه ، في الرواية ، يرتعش أنفعالاً لفكرة المعهد الديني ، ونسمعه يحدّثنا حديثاً شعرياً عن سماعه لآذان الفجر بخشوع عميق يبلغ درجة النشوة ، ونراه يتعطّش أشد التعطّش إلى ان يلبس الجبة ويضع العمامة (تاج العرب) على رأسه. وكل ذلك يدل على أن عواطف الجيل السابق وتقاليده كانت متأصلة في نفسه، أو انها – كما سنرى – تنبع من منبع شخصي في نفسه هو. وانما يقوم الصراع في أعماق ذهن سامي نفسه ، فيواجه الأسئلة الأخلاقية التي تحيّره وتبلبل تفكيره مما سنقف عنده حين سنحلل شخصيته. ولسوف نرى ان سامي انما كان ثائراً على نفسه أكثر مما كان ثائراً على أبيه ، وكان التغلّب على ممانعة أبيه أيسر بكثير من التغلّب على المقاومة الداخلية التي كان يحسّها في روحه.
لقد كان سامي يحتاج إلى أن ينمو ليغلب كل ما كان يمثل الجيل السابق في تكوينه النفسي والعاطفي ولم يكن أبوه الا عائقاً خارجياً عارضاً. وقد تميّز سامي بالصلابة وبأنه، كما يقول الشاعر ، اذا هم .. أمضى عزمه غير جازع. غير أنه لم يكن يستطيع أن يكون صلباً الا حين يدرس الأشياء ببطء ويقتنع بها.
فقد رأيناه عنيداً كل العناد حين أراد أن يلبس الجبة والعمامة مع رفقائه ، وقد عاند وخالف أمه بنفس الصلابة حين دخل المعهد الديني. والواقع أنه أراد أن يكون شيخاً ولم يكن لأحد تأثير عليه. ثم بدأ ، فيما بعد ، ينتفض ويغير أتجاه ارادته ، وقد أقتضاه التطور الكامل عدة سنوات ، ومن ثم واجه ارادته الكامنة الحقة.
وأما المشكلة الثانية فهي مشكلة تثيرها قصص سهيل أدريس ورواياته عموماً وهي ما أسميه بمشكلة سير الحياة ، ان سهيل ، كما هو معروف عنه ، يستمد الكثير من وقائع رواياته من حياته الشخصية. وذلك شئ لا يعني القارئ الموضوعي ولا الناقد ، فمن حق أي مؤلف أن يكتب حياته في قصص ما دام يضع ذلك في الإطار الفني المقبول ، وما دام لا يخرج به عن الحدود الطبيعية للرواية . ذلك ان المنبع الوحيد للرواية الحقة هو الحياة ، وتفاصيل حياة المؤلف لا تخرج عن حدود الحياة ، فمن الطبيعي اذن ان تدور رواية (الخندق الغميق) على سيرة مؤلفها .. وليس من أعتراض قط على ما تقصه علينا الرواية من الحكايات عن طفولة المؤلف والمعهد الديني الذي درس فيه ، وعلى ما وصف من ملامح أبويه وربما بعض أخوته مثل هدى. كل ذلك قد كان جميلاً ما دام قد أحتوى على الملامح الفنية للرواية الجديدة وقدم لنا حبكة مثيرة وأشخاصاً ذوي حيوية يملكون من الأصالة ما يجعلهم يساعدون في بناء رواية ذات جو. وأنه لواضح أنه ما دامت الأبعاد الفنية للرواية مكتملة فأن السؤال عن علاقة هذه الأحداث بحياة المؤلف الواقعية يصبح سؤالاً متطفّلاً لا حق للناقد بأن يلقيه.
وانما تأتي واقعية الرواية ، لا من انها قد وقعت فعلاً في الحياة ، وانما من انها قد وقعت في داخل الرواية نفسها. أننا بهذا الحكم نميّز ، في الواقع ، بين دائرتين تقع فيهما الأحداث : دائرة الحياة ودائرة العمل الفني ، وكل دائرة منهما مستقلة عن الأخرى تمام الأستقلال ، ويكون الخط الفاصل من القوة بحيث يصبح من المعقول تماماً أن يقع الحادث في الحياة الفعلية مع ذلك يبدو غير واقعي حين يدخله المؤلف في روايته ، ولقد وقعت في سياق (الخندق الغميق) بعض من هذه الأحداث غير الواقعية فأساء ورودها إلى تماسك العمل الفني وأحدث تخلخلاً في بعض جهاته. والحق ان الأحداث التي يمكن سردها في سيرة حياة المؤلف ليست كلها مما يمكن سرده في رواية مشتقة من هذه السيرة. وسبب ذلك هو الفرق بين (سيرة الحياة) و(الرواية) فالأولى هي الحياة نفسها بلا تشذيب ، وأما الثانية فهي الحياة مصوغة في اطار فني ، وذلك يخضعها لكثير من الحذف والتركيز والتلوين لكي يكتمل العمل الأدبي.
ان خير نماذج هذا الخروج من السياق الروائي إلى سياق سيرة الحياة هي اشارة المؤلف(3) إلى الحرب العالمية الثانية ، نحن نحب ان نقف عند هذه الاشارة وندرس علاقتها بأحداث الرواية من الناحية الفنية. وسوف نلاحظ أولاً ان ايراد الحرب العالمية الثانية في خط الأحداث في الرواية يفيد التوقيت ، اذا أردنا أبسط الفوائد ، فما يكاد سهيل يقول (كانت قد مرّت عليهما ثلاثة أيام حين أعلنت الحرب العالمية الثانية.) حتى نعلم ان الشخصين المشار اليهما قد غادرا قرية المريجات بتاريخ 27/8/1939 وذلك لأن تاريخ اعلان الحرب معروف لنا جميعاً. والسؤال الآن هو: إلى أي حد كانت رواية (الخندق الغميق) تحتاج إلى هذا التوقيت ؟ وماذا تخسر اذا نحن حذفناه ؟
في الواقع ان (الخندق الغميق) ليست رواية تاريخية لان أحداثها لا تقوم على التواريخ وهي أصلاً لم تبدأ بتأريخ ، وقد كان المؤلف مصيباً عندما لم يشر فيها قط إلى تاريخ السنة التي دخل فيها بطله المعهد أو أي تاريخ آخر غير ذلك. ولذلك تصبح ناحية التوقيت ضعيفة. ونحن نقطع هنا ثقة ان سهيل لم يقصد إليها ولم يحاول ان يعطينا تاريخ مغادرة بطله للمريجات حين ذكر الحرب. فلماذا اذن ذكرها ؟
لعل بعض القراء سينبرون للرد على هذا السؤال قائلين بحرارة انه ما من شيء على الاطلاق يمنع المؤلف من الاشارة إلى الحرب العالمية الثانية ، فما دام ذلك قد وقع في الحياة فان ذكره في الرواية سيزيدها واقعية ويشعرنا بأنها رواية حية أصيلة تنبض بالصدق والأصالة ، ولسوف يحتج علينا أكثر من قارئ متحمّس قائلاً: ألا يجوز اذن ان نذكر الحرب في رواية من الروايات ؟ أو ليست الحرب حادثاً من الأحداث ؟ أو لم تهز حياة الملايين من النس في وطننا العربي الكبير ؟ لماذا اذن ، وبأي حق نطردها من مملكة الفن الروائي هذا الطرد ؟ ولماذا ينبغي لنا أن نسمح لسهيل ان يحدّثنا بكل حرية عن مغامراته العاطفية مع بنت الجيران ونعتبر ذلك واقعياً ، بينما ننتقد حديثه عن الحرب ونسميه اقحاماً لا صلة له بأحداث الرواية ؟
في الحق ان السؤال يبدو وجيهاً ، ولكن هذه الوجاهة ، لو دققنا ، ظاهرية وحسب. أننا ، مع القارئ ، في ان الحرب العالمية في ذاتها ، لا تمتنع ان تكون موضوعاً لرواية عظيمة. لا بل أننا نزيد فنقول انها تصلح لأن تكون منبعاً لأعظم الروايات ، وفي امكان سهي لان يدخلها في سياق (الخندق الغميق) بمنتهى الحرية والأصالة والجمال. ذلك كله حق. وانما أعتراضنا هو على مدى صلة هذه الحرب بأحداث الرواية ، على ما هي بين أيدينا الآن. وبكلمة أخرى ، ما مدى واقعية الحرب العالمية الثانية في داخل رواية (الخندق الغميق) ؟ وهل تكفي الواقعية الضخمة التي تملكها هذه الحرب في نفوسنا لجعلها على مثل تلك الواقعية في رواية سهيل ؟
أما جوابنا القاطع هو النفي . ونحن نجزم بان هذه الحرب التي تملك كل الواقعية في أذهاننا ونفوسنا ، قد تجرّدت من واقعيتها في رواية (الخندق الغميق) ، وبدلاً من ان تعطي صفة الصدق إلى الأحداث ساهمت في تبديد بعض الواقعية الجميلة التي حفلت بها الرواية. وسبب ذلك ان الحياة الواسعة الكبرى قد أعطت للحرب صفتها الواقعية في نفوسنا بما عانينا نحن منها ومن أهوالها سنين ، وبما تركت من آثار في أرضنا وأفكارنا وعواطفنا ، وأما في رواية سهيل فان هذه الحرب لا تعيش ، لا تتنفس وانما يأتي ذكرها في موضعين عابرين ثم تغيب نهائياً(4). أننا لا نراها تؤثر أي تأثير في حياة سامي أو أهله فلا نسمع مثلاً أن الحبيبة قد قتل أبوها بشظية قنبلة فأضطرها ذلك إلى الأبتعاد عن سامي لسبب من الأسباب ، ولا نرى هذه الحرب تتسبب في تشريد أسرة سميا أو سامي بحيث يصبح ممكناً أن نقول انها غيّرت مجرى حياة الأشخاص ولذلك أوردها المؤلف. لا ، لم يكن للحرب أي من هذه التأثيرات . ولو كان لها لأصبحت جزءً واقعياً من الرواية وكان ذلك سينزع عنها صفة التاريخ ويجعلها فناً. وأما وهي قد وردت هذا الورود العابر الذي نزع عنها أهميتها الفظيعة ، فانها قد أصبحت ، ولا ريب ، في مستوى حمى التيفوئيد التي أصيب بها سامي عند دخوله الكلية(5) فلم يشر إليها الا اشارة عابرة في سطرين ثم لم نسمع بها ثانية.
ان المؤلف ، اذا تأملنا موقفه ، انما أورد هذه الأحداث لمجرد انها قد وقعت فعلاً في حياته ، ولقد أجتذبته الواقعية العميقة التي تلتصق بها في نفسه فأدخلها إلى روايته ، ناسياً أن يجعلها (تقع) أولاً في داخل الأحداث التي كتبها وبذلك يسبغ عليها واقعيتها الفنية. والواقع أنه لا يكفي ، لكي تكون أحداث الرواية واقعية ، أن تكون تلك الأحداث قد وقعت فعلاً في حياة المؤلف ، وانما ينبغي أن يتكرر حدوث هذه الأحداث في سياق الرواية وكأنها لم تحدث قبل ، وكأن البطل يعانيها لأول مرة ، وكأن القارئ لا يعرف عنها شيئاً. وذلك لأن البطل انما يعيش في أحداث الرواية نفسها ولا صلة له بالحياة الحقة التي يرمز إليها بالنسبة للمؤلف. وانما الرواية دنيا مستقلة منفصلة لها زمانها ومكانها وأشخاصها. ان زمننا الخارجي الذي نعرفه غريب فيها ولا معنى له ولا كيان ، ولذلك لا يحق لنا أن نقحم أي جانب منه في داخلها. أن المؤلف الذي يكتب رواية يخلق دنيا جديدة وزمناً جديداً ويدير أحداثاً لم تقع قبل ولم تخطر على بال إنسان ، وانما تقع الآن بتأثيرات تنبع من أحداث الرواية نفسها ، وتؤدي إلى نتائج تقع ضمن تلك الأحداث. وعند ذاك تلوح الأحداث كلها (ضرورية) لا مفر من وقوعها ، وتصبح الحرب نفسها مبررة.
وانما تكمن صفة الواقعية ، سواء أفي الفن أم في الحياة ، في ان الأحداث تلوح (ضرورية) بحيث اذا حذفناها تغيّر وجه التاريخ كله ، تاريخنا نحن أو تاريخ البطل الذي تدور حوله الرواية ، فاذا قال لنا سهيل أن سامي قد أصيب بالتيفوئيد ، ثم ترك ذلك الحادث وأهمله أهمالاً تاماً يجعل له تأثيراً فعلياً في حياة سامي بعده ، فأنه بذلك ينزع صفة الواقعية عن الحادث لأنه يجعله يبدو (غير ضروري). وما ذلك الا لأن حمّى التيفوئيد حين تصيبنا في الحياة تترك آثاراً عميقة لا تمحى في كياننا وشخصياتنا وعواطفنا . ان الطفلة ذات الشعر الغزير الذي يتساقط على كتفيها حتى تضيق به أمها ، قد تصاب بالتيفوئيد فيسقط شعرها وتتغير طبيعته ويفقد لونه ، وهذه الطفلة قد تصبح من رهافة العاطفة ، بعد هذا المرض ، بحيث يؤثر ذلك في دراستها ويحولها من أتجاه إلى أتجاه. وذلك كله وغيره يعطي لمرض التيفوئيد صفة (الضرورة) حين يقع لنا في الحياة الحقة. وحين ننظر إلى الوراء نراه حادثاً محتوماً ، وندرك أنه ، لو لم يقع لنا ، لكانت حياتنا شيئاً آخر. وذلك يجعل التيفوئيد شيئاً واقعياً جداً. ولذلك ينبغي ، حين نكتب الرواية ، ونشير إلى اصابة البطل بالتيفوئيد ان نمد لهذا المرض المزعج سبيلاً كاملاً يمتد فيه بحيث يترك أثاره في أحداث الرواية بكل ما فيه من أزعاج وهز للنفس والفكر والحياة. وبذلك وحسب يصبح التيفوئيد واقعياً ويكتسب أبعاده الكاملة.
لقد أطلنا في شرح هذه النقطة لانها وردت في عدة مواضيع من (الخندق الغميق) ومنها ذلك الفصل الذي أستعرض فيه المؤلف ذكريات حياته المدرسية في المعهد الديني(6) وهو في ذاته طريف الا أنه لا يضيف إلى أحداث الرواية شيئاً ولا يلقي حتى لمسة تحليل على سيرة سامي نفسه. والظاهر ان هذه الذكريات عزيزة على المؤلف لأنها جزء من حياته المدرسية ولذلك وجد لذة في سردها. غير ان تلك شيء وسياق الرواية شيء آخر.
ولقد كان في الخندق الغميق أشخاص غير ضروريين مثل (عبد الكريم) و(سامية) وسوف نعرض لهذا حين نتناول تحليل الأشخاص.

أنتظر أدناه (من فضلك) الجزء التالي

(الرواية بأعتباراتها الشكلية)

من هذه الدراسة النقدية للشاعرة العراقية الراحلة
نازك الملائكة

الهوامش ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
(1) بقلم الشاعرة العراقية الراحلة نازك الملائكة. وهي دراسة نقدية لرواية الأديب اللبناني الراحل الدكتور سهيل ادريس الصادرة عام 1958 .
(2) نشرت هذه الدراسة في مجلة (الآداب) بيروت ، العدد (3) آذار/ مارس 1960 م. كذلك ضمها الكتاب الموسوم بـ(نازك الملائكة – دراسة ومختارات) تأليف الدكتور عبد الرضا علي ، ط 1 ، بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة – 1987 الصفحات 277 – 333 .
(3) (الخندق الغميق) للدكتور سهيل أدريس (مطابع دار العلم للملايين. بيروت 1958) ص 94 . (هامش من وضع كاتبة الدراسة).
(4) ص 4 . و 96 (هامش من وضع كاتبة الدراسة).
(5) ص 135 (هامش من وضع كاتبة الدراسة).
(6) الصفحات 43 – 48 (هامش من وضع كاتبة الدراسة).






 
رد مع اقتباس
غير مقروء 21-05-2008, 04:30 AM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
عبد العظيم هريرة
أقلامي
 
الصورة الرمزية عبد العظيم هريرة
 

 

 
إحصائية العضو







عبد العظيم هريرة غير متصل


افتراضي رد: (الخندق الغميق لسهيل أدريس)دراسة ونقد للشاعرة نازك الملائكة -طباعة وليد محمد الشب

الشكر الجزيل لأخي وصديقي
وليد محمد الشبيبي
على تكبده مشقة طبع هذه الدراسة، للشاعرة العراقية الراحلة نازك الملائكة، للإفادة خصوصا ونحن نعلم مدى الصعوبات التي تعترض إخواننا بالعراق العزيز،
لقد نهلت من هذه الدراسة الكثير مما لم ألحظه أثناء قراءتي للرواية والتي انتهيت منها اليوم فقط وكذلك أكدت عددا من ملاحظاتي التي ضمنتها قراءة نقدية بسيطة بعثها لك على الميسنجر.

شكرا جزيلا مرة أخرى
وتقبل ودي واحترامي







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 21-05-2008, 05:12 PM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
وليد محمد الشبيبـي
أقلامي
 
الصورة الرمزية وليد محمد الشبيبـي
 

 

 
إحصائية العضو







وليد محمد الشبيبـي غير متصل


إرسال رسالة عبر MSN إلى وليد محمد الشبيبـي إرسال رسالة عبر Yahoo إلى وليد محمد الشبيبـي

افتراضي رد: (الخندق الغميق لسهيل أدريس)دراسة ونقد للشاعرة نازك الملائكة -طباعة وليد محمد الشب

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبد العظيم هريرة مشاهدة المشاركة
الشكر الجزيل لأخي وصديقي
وليد محمد الشبيبي
على تكبده مشقة طبع هذه الدراسة، للشاعرة العراقية الراحلة نازك الملائكة، للإفادة خصوصا ونحن نعلم مدى الصعوبات التي تعترض إخواننا بالعراق العزيز،
لقد نهلت من هذه الدراسة الكثير مما لم ألحظه أثناء قراءتي للرواية والتي انتهيت منها اليوم فقط وكذلك أكدت عددا من ملاحظاتي التي ضمنتها قراءة نقدية بسيطة بعثها لك على الميسنجر.

شكرا جزيلا مرة أخرى
وتقبل ودي واحترامي
اخي الكريم
الاستاذ الفاضل
عبد العظيم هريرة
المحترم
شكرا لك اخي العزيز على ردك الكريم وشيء جميل ان تنجز مطالعة هذه الرواية بهذه السرعة ، ولكن لم يصلني منك اي شيء على الميسنجر ، بالمناسبة ما نشر اعلاه لا يمثل سوى 20 % من كامل دراسة ونقد الشاعرة الراحلة نازك الملائكة عن هذه الرواية وان شاء الله سأنجز طباعتها كاملة خطوة خطوة واضعها هنا ولكن العمل المتراكم لدي وطبيعة تالمهنة التي أمارسها تتطلب في بعض الايام الابتعاد ساعات طويلة بل وايام عن عالم الأدب الجميل فضلا عن الكهرباء التي نعاني من انقطاعاتها المتواصلة.

تحياتي واحترامي






 
رد مع اقتباس
غير مقروء 21-05-2008, 05:50 PM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
وليد محمد الشبيبـي
أقلامي
 
الصورة الرمزية وليد محمد الشبيبـي
 

 

 
إحصائية العضو







وليد محمد الشبيبـي غير متصل


إرسال رسالة عبر MSN إلى وليد محمد الشبيبـي إرسال رسالة عبر Yahoo إلى وليد محمد الشبيبـي

افتراضي رد: (الخندق الغميق لسهيل أدريس)دراسة ونقد للشاعرة نازك الملائكة -طباعة وليد محمد الشب

الاستاذ الفاضل
عبد العظيم هريرة
المحترم
اعتذر استاذي الكريم اذ لم الحظ رسالتك الكريمة والتي ضمت رؤيتك ونقدك للرواية هذه وكانت جيدة وفي محلها رغم اني اتفق معك على كونها رواية جيدة عموماً ، وبالمناسبة تعد هذه الرواية عند ظهورها عام 1958 من اهم ثلاث روايات لبنانية (حديثة) آنذاك ، رغم ما وقع به المؤلف رحمه الله الا اننا لا نستطيع الا ان نعترف بالجو السحري الذي نعيشه عند مطالعة هذه الرواية واللغة السلسة والرسم الدقيق لملامح شخصية البطل سامي وتوصيل مشاعره بدقة (وكيف لا وهو ينقل الشيء الكثير من تفاصيل حياته الشخصية) ، فكل من يقرأ الرواية سوف لن ينسى بسهولة شخصيات مثل: سامي ، سميا ، هدى ، والده الصارم (مع ذلك لن ننكر تعاطفنا معه في بعض المواقف وهو يرى ابنته ترمي الحجاب وابنه يرمي الجبة والعمامة ويمزقها بأسنانه ..الخ) ، ولا زلت اذكر إلى الان منذ مطالعتي لها مطلع عام 2003 (قبيل احتلال العراق الحبيب) المشهد الكوميدي عندما كان جميع طلبة المعهد الديني يقفون لاداء صلاة الجماعة في مسجد المعهد فجاء احد المتأخرين وكان بديناً فأهتزت الأرض تحت خطوات اقدامه فما كان من الامام الا ان يقرأ السورة الكريمة الزلزلة(إذا زلزلت الأرض زلزالها. وأخرجت الأرض أثقالها. وقال الإنسان ما لها. يومئذٍ تحدث أخبارها.) (سورة الزلزلة الآيات 1 - 4) فضج المسجد بضحك المصلين فبطلت الصلاة واضطروا لإعادتها !!

تحياتي وتقديري ،
وسأنقل بقية الدراسة أدناه بإذن الله تعالى .






 
رد مع اقتباس
غير مقروء 23-05-2008, 02:33 AM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
عبد العظيم هريرة
أقلامي
 
الصورة الرمزية عبد العظيم هريرة
 

 

 
إحصائية العضو







عبد العظيم هريرة غير متصل


افتراضي رد: (الخندق الغميق لسهيل أدريس)دراسة ونقد للشاعرة نازك الملائكة -طباعة وليد محمد الشب

[mark=CCFF33]"...لا نستطيع الا ان نعترف بالجو السحري الذي نعيشه عند مطالعة هذه الرواية واللغة السلسة والرسم الدقيق لملامح شخصية البطل سامي وتوصيل مشاعره بدقة (وكيف لا وهو ينقل الشيء الكثير من تفاصيل حياته الشخصية) ، فكل من يقرأ الرواية سوف لن ينسى بسهولة شخصيات مثل: سامي ، سميا ، هدى ، والده الصارم .."[/mark]

فعلا أخي وليد
أوافقك على هذا الرأي ولعل انشغال مؤلفنا بنقل تفاصيل عن حياته الشخصية كونها كانت مؤثرة فيه إلى أبعد الحدود جعله يزج بشخوص أخرى لا تخدم الخط التسلسلي للرواية بل إنه لم يبين لنا جزئيا أو كليا دورها في مسار حياته فضلا عن شخصيات أخرى لم يعطها حقها كما أتى بأحداث كالحرب مثلا ولم يبين مدى تأثير مجرياتها على الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية في جيله .. ناهيك عن عدد من الهفوات الأخرى على مستوى الروابط المنطقية ما بين الفصول ...
شكرا لك أخي على التوضيحات الأخيرة وننتظر بقية الدراسة مع دعواتنا لك بالعون على مهنتك العسيرة وكذا الظروف الصعبة في العراق الشقيقة.

أخوك عبد العظيم هريرة







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 23-05-2008, 06:32 AM   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
وليد محمد الشبيبـي
أقلامي
 
الصورة الرمزية وليد محمد الشبيبـي
 

 

 
إحصائية العضو







وليد محمد الشبيبـي غير متصل


إرسال رسالة عبر MSN إلى وليد محمد الشبيبـي إرسال رسالة عبر Yahoo إلى وليد محمد الشبيبـي

افتراضي رد: (الخندق الغميق لسهيل أدريس)دراسة ونقد للشاعرة نازك الملائكة -طباعة وليد محمد الشب

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبد العظيم هريرة مشاهدة المشاركة
[mark=CCFF33]"...لا نستطيع الا ان نعترف بالجو السحري الذي نعيشه عند مطالعة هذه الرواية واللغة السلسة والرسم الدقيق لملامح شخصية البطل سامي وتوصيل مشاعره بدقة (وكيف لا وهو ينقل الشيء الكثير من تفاصيل حياته الشخصية) ، فكل من يقرأ الرواية سوف لن ينسى بسهولة شخصيات مثل: سامي ، سميا ، هدى ، والده الصارم .."[/mark]

فعلا أخي وليد
أوافقك على هذا الرأي ولعل انشغال مؤلفنا بنقل تفاصيل عن حياته الشخصية كونها كانت مؤثرة فيه إلى أبعد الحدود جعله يزج بشخوص أخرى لا تخدم الخط التسلسلي للرواية بل إنه لم يبين لنا جزئيا أو كليا دورها في مسار حياته فضلا عن شخصيات أخرى لم يعطها حقها كما أتى بأحداث كالحرب مثلا ولم يبين مدى تأثير مجرياتها على الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية في جيله .. ناهيك عن عدد من الهفوات الأخرى على مستوى الروابط المنطقية ما بين الفصول ...
شكرا لك أخي على التوضيحات الأخيرة وننتظر بقية الدراسة مع دعواتنا لك بالعون على مهنتك العسيرة وكذا الظروف الصعبة في العراق الشقيقة.

أخوك عبد العظيم هريرة
اخي الفاضل
الاستاذ عبد العظيم هريرة
المحترم
اشكرك جدا على تواصلك معي وتعليقاتك النبيهة والتفاتاتك الذكية عن الرواية وعذرا لتأخري في وضع بقية الدراسة هذه وأدناه جزء آخر منه وما بقي عدا ذلك يبلغ تقريبا 60 % منها ، ولكن المهم ان النشر هنا بأمانة وبالتسلسل المتواصل .

احترامي وتقديري






 
رد مع اقتباس
غير مقروء 23-05-2008, 06:40 AM   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
وليد محمد الشبيبـي
أقلامي
 
الصورة الرمزية وليد محمد الشبيبـي
 

 

 
إحصائية العضو







وليد محمد الشبيبـي غير متصل


إرسال رسالة عبر MSN إلى وليد محمد الشبيبـي إرسال رسالة عبر Yahoo إلى وليد محمد الشبيبـي

افتراضي رد: (الخندق الغميق لسهيل أدريس)دراسة ونقد للشاعرة نازك الملائكة -طباعة وليد محمد الشب

(الرواية بأعتباراتها الشكلية)


يشعر عنوان (الخندق الغميق) بأن الرواية تستند إلى فكرة المكان وان عقدتها قائمة على الخطوط العريضة للحياة في حي معيّن. ومثل هذه الرواية تقوم على أساس الأوضاع القائمة في مكان ما. وتكون تلك الأوضاع هي العوامل التي تخطط أحداث الرواية. أن الخندق الغميق حي من أحياء بيروت يتحدّث عنه سامي الصبي الصغير بمحبة وحرارة. ونحن نشعر عبر الرواية ان العنصر الذي يسيطر عليها هو تقاليد هذا الخندق الغميق وعاداته ، وعلى ذلك يصبح والد سامي رمزاً مجسداً لفكرة المكان وسيطرتها على جو القصة. فهو والخندق الغميق كل واحد لا ينفصل وما أنقياد سامي لأفكار أبيه الا صورة غير مباشرة لأنقياد أعمق ، للخندق الغميق نفسه . فهؤلاء أناس يسيطر عليهم جو ذلك الشارع الذي يصفه سامي وصفاً عاطفياً شائقاً حين يتحدث عنه.
وقد كان المؤلف موفقاً في أختيار العنوان لأنه لّم به شمل القصتين اللتين جمعهما تحت اطار واحد ، فقصة سامي ليست هي قصة هدى ، ولكنهما كليهما يكوّنان قصة (الخندق الغميق) ذلك الحي الذي خيمت روحه على حياة سامي وهدى وأسرتهما معاً.
أما من ناحية البناء فان الرواية تتمتع بحبكة فنية كثيفة يبرز فيها عنصر الحكاية ، وذلك دون ان تفقد أي عنصر من عناصر التحليل النفسي ، وانما هي ، على العكس ، رواية تحليلية الأتجاه. أن الجمع بين كثرة الأحداث والتحليل النفسي هو ، بلا ريب ، نقطة قوة في الرواية ، لأن ذلك يجعلها أقرب إلى اصالة الحياة وعفوية البساطة. وانما تتساقط اللمسات النفسية عبر الأحداث نفسها . وقد لجأ المؤلف إلى أساليب خفية في إظهار اللفتات السايكولوجية عبر روايته فأستعمل الاشارة والتلميح والمقارنة الصامتة بمجرّد وضع الأشياء متجاورة. وذلك هو أعلى أساليب التحليل النفسي. ونحن نرى سهيل أدريس يحققه في روايته هذه بعد ان كان في (الحي اللاتيني) لا يصل إلى كشف نفسية أشخاصه ، غالباً الا بأن يتحدّث عنهم بالعبارة الصريحة. ولذلك نجده هنا أكثر بساطة وعمقاً ، وأقرب إلى الحياة الإنسانية الحقة. ذلك ان الحياة لا تعلق الا بالأحداث ولا تكشف عن النفسيات الا بصمت عميق. وذلك ما تحقق في رواية سهيل هذه وهي بذلك قد نجت من أن تكون ، كبعض القصص العربية الحديثة والروايات ، مغرقة في تحليلات ذهنية لا أول لها ولا آخر ، دونما احداث حقة ولا حركة زمنية. وانما الرواية الجيدة قبل كل شيء حومة أحداث ، شأنها في ذلك شأن الحياة. ولا تأتي اللمسات النفسية ولا تبرز عواطف الأشخاص الا نتيجة للأحداث وبصورة غير مقصودة.
ولقد برزت في (الخندق الغميق) محاولات واضحة لتأليف الأحداث ورصفها وموازنتها ، بحيث تخرج الحبكة عن أن تكون أنثيالاً مضطرباً غير موزون كما يحدث لبعض الروايات العربية ، فرأينا المؤلف ينثر بعض الرموز الخفية عبر الأحداث يشير بها إلى ما سوف يقع في مستقبل الأحداث مثل المصادفة المحضة التي جعلت القرعة تسقط على قلم الحبر هدية لسامي ، مما نتذكّره فيما بعد كإشارة تنبؤية بالمستقبل الأدبي الذي ينتظر الصبي ، ومثل أنفراط العمامة التي كان الأستاذ يعدها لسامي ، وهو أمر جعل الأستاذ الفظ يقول للغلام عبارته الموجعة (ستكون شيخاً منحوساً). وهي عبارة تنبأت بمستقبل العلاقات بين سامي وعمامته هذه. أن أمثال هذه الاشارات الحية تشير إلى ان المؤلف قد خطط روايته وعاش أحداثها كاملة قبل أن يبدأ بكتابتها. وقد أفادت الرواية من ذلك فكان شكلها طيباً على العموم.
غير ان مما يؤخذ على تأليف الرواية ان عناصر التوتر غير موزّعة بالتساوي عليها فالأحداث كثيفة في مكان ، مخلخلة في مكان آخر. ان العمل الفني يبلغ ذروته حين يخلع سامي العمامة والجبة ويجابه أباه الغاضب الثائر بقراره ذاك. ومنذ هذا تصبح الأحداث أقل توتراً وحيوية. ان هدى التي تبرز إلى ميدان البطولة بعد هذه النقطة ، لا تملك من لمعان الشخصية ولا من قوة الفكر ما يجعلها تكون العمود الفقري لخاتمة موفقة للرواية. وبالمقارنة مع سامي الذي يملك الأصالة والحرارة والحيوية ، نجد هدى باهتة وغير مركّزة . وهي في محاولتها أن تنحّي نفسها أحياناً وتضع سامي بطلاً لا تزيد نفسها الا ضآلة وقلة حيوية . ولذلك نشعر ان القسم الثاني من الرواية أقل حياة وأصالة من القسم الأول ، وان الأحداث فيه منشورة لا تشدها عقدة مهيمنة ، فكأن المؤلف لم يؤلفها وانما أكتفى بسردها. ومع أن أسلوب سهيل في عرضها كان أسلوباً جذاّباً يحبب نفسه إلى القارئ بمختلف الأساليب الخفية ، الا ان الأحداث تبدو منفصلة عن بعضها لا يربط بينها رابط وثيق. والحقيقة ان القسم الأول من (الخندق الغميق) كانت أكثر وحدة ، وأملك لخصائص حبكة روائية طبيعية من القسم الثاني.
هذا ولابد لنا من كلمة عن عنصر الزمن في الرواية ، وقد لاحظنا ان المؤلف عالجه بشيء من قلة الأكتراث. ان هناك وقفة زمنية طولها ثلاث سنوات بين القسمين الأول والثاني ، وذلك يجعل الرواية مشقوقة شقين. أجل ، ان المؤلف انما قصد إلى ان ينتهي ، بعبور هذه السنين الثلاث ، إلى حل المشكلتين الرئيستين في القسم الأول وهما مشكلة الزي الديني ومشكلة غياب سميا في مصر. وكلاهما تنحل بأنصرام ثلاث سنين. غير ان ترك كل هذا الوقت ينصرم يجعل حبكة الأحداث ترتخي ويخفف من حدة التوتر إلى حد بعيد. اليس من المنطقي ، عند انصرام ثلاث سنوات لم تتصل خلالها سميا بسامي قط ، ان يخف أنشغال سامي بحبها إلى درجة تفقد عودتها كثيراً من حرارتها وحيويتها ؟ والواقع ان القانون في الحياة هو انه كلما تتابعت الأحداث في فترة أقصر ، كانت حدتها أشد وتأثيرها أعمق. وذلك ينبغي ان يكون القانون في الرواية أيضاً. وأما تلك الروايات التي تمتد على سنين طويلة فأن المؤلف يحتال عليها بأن يتابع كل فترة فيها بتفصيل مقدماً حلقات من الأحداث المثيرة المتلاحقة. وبذلك يزيل أحساسنا بوجود ثغرات زمنية.
أما من ناحية الزاوية التي نظر منها المؤلف إلى أشخاصه فأن الخندق الغميق مقسومة قسمين ، كان القسم الأول يتبع الأسلوب المسمّى بالمونولوج الداخلي وفيه تابع المؤلف عواطف سامي وأفكاره بضمير الغائب ، فأسلم إليه قياد الزمن ، وصحبه في كل مكان تاركاً من أجله كل الأشخاص الآخرين. وأما القسم الثاني فأنه مكتوب على لسان هدى شقيقة سامي . وقد كان الأنتقال من الأسلوب الأول إلى الأسلوب الثاني في الفصل الثاني من القسم الثاني ولم يمهّد له المؤلف بأي شيء. ومن الحق أن نلاحظ ان ذلك يفاجيء القارئ مفاجأة غير هيّنة ويبلبله أول وهلة فلا يعرف من هذا المتكلّم وكيف بزغ فجأة.
وقد يكون الأعتراض على مجرّد تغيير زاوية النظر التي يتطّلع منها القاص تعسّفاً منّا اذا وقعنا فيه ، فأن أبسط دراسة لهذه النقطة في الروايات الأوروبية الكبرى تثبت أن التلاعب بزاوية النظر شيء وارد ومن أمثلته التي تحضرني – بداهة ودونما مراجعة أو اعمال ذهن – ما وقع في رواية فلوبير (مدام بوفاري) حيث نجد المتكلّم في الفصل الأول تلميذاً صغيراً في صف اللغة اللاتينية ، ثم سرعان ما يتلاشى هذا المتكلّم ولا نسمع به قط ويروح المؤلف نفسه يسرد الأحداث. ومثل ذلك يحدث في رواية دوستويفسكي الرائعة الجمال (الشياطين) التي كان المتكلّم فيها شخصاً ضعيف الأثر في القصة فكان المؤلف ينساه عبر مئات الصفحات أحياناً حتى كأنه لم يعد موجوداً ثم يعود وينعشه ببعض الحركة والحياة. وانما الأعتراض في رواية سهيل على انه أنتقل من ملازمة سامي بالضمير الغائب إلى ملازمة هدى بالضمير المتكلّم. وفي ذلك محذوران:
(الأول) ان المونولوج الذي يتناول البطل من أعماقه النفسية يبقى ، رغم كل شيء ، خيطاً في يد المؤلف يحرّكه من الخارج.
أن المؤلف ما زال هو الراوية . ولذلك فعندما تبزغ هدى بضميرها المتكلّم يعني ذلك انها تنحّي المؤلف جانباً وتأخذ مكانه. وقد كانت المفاجأة تهون لو ان المؤلف تحدّث عن هدى بالمونولوج الداخلي كما تحدّث عن سامي.
(الثاني) ان سامي الذي شغل ثلاث أرباع الرواية وكان محورها الوحيد ومركز أحداثها ، قد أصبح أقوى من أن يمكن لأي شخص في الرواية أن ينحّيه ويأخذ مكانه. ذلك ان المؤلف قد لازمه وجعله بؤرة النظر التي نتطلّع منها على الأشخاص الآخرين والأحداث. فكنّا دائماً نقف حيث يقف. اذا ذهب إلى المعهد ذهبنا معه ولم نعد نعرف ما يجري في البيت . واذا عاد إلى المنزل فنحن نصحبه إلى هناك. ان كل أنطباعاتنا عن الآخرين تأتينا بواسطته هو ولم يحدث لنا قط أن تركناه في مكان وذهبنا إلى مكان آخر. ولذلك نفاجأ ونشعر بالضيق حين نتركه ذلك الصباح واقفاً أمام منزل الحبيبة المتغيبة ونعود وحدنا إلى (الخندق الغميق) لنصغي إلى هدى تحدّثنا بضميرها المتكلم عن نفسها. هذه كانت أول مرة نجول فيها ولا يرافقنا سامي. والمفاجأة غير هينة.
غير ان تغيير زاوية النظر ، بعد ان نتخطّى محذوراته ، لا يخلو من فائدة فنية. وذلك طبيعي ، كما في الحياة الكبرى خارج حدود الفن ، فما من شيء يزعجنا ويضايقنا الا ويعقب بعض المزايا. فماذا كسبنا من بروز هدى وأستلامها دفة النظر والتعليق ؟
أننا أولاً نكتسب نظرة خارجية نرى فيها بطلنا سامي . فبعد ان عرفنا سامي من وجهة نظر سامي ، نعرفه الان كما تراه أخته هدى.
وذلك يلقي ضوءاً على نفسيته وسلوكه. والفائدة الثانية هي ان القصة في القسم الثاني هي قصة هدى فهي اذن أقدر من سامي على رواية أحداثها ، وقد أراد سهيل أن يعطي الزمام إلى هدى نفسها فكان لا بد له ان ينحّي سامي من الميدان أولاً.
وهناك فائدة ثالثة تنبع من التشخيص الدقيق الذي أسبغه المؤلف على شخصياته فالملاحظ ان سامي محصور في نفسه غالباً وقلّما يلتفت حوله ليلاحظ الآخرين. أما هدى فهي شخصية مفتوحة النوافذ على ما حولها ، وهي أقوى أحساساً بالمواقف الخارجية من سامي ، فما كادت تستلم زمام الحكاية حتى أصبح أطلاعنا على شؤون الأسرة كلها أكبر . وكان سامي نفسه موضع عناية هدى فأكثرت من الحديث عنه حين أتيحت لها الفرصة. ولذلك أفاد تغيير موقف المؤلف في توسيع أفق الرواية.


دراسة الشخصيات


– شخصية سامي –


لعل رواية (الخندق الغميق) تستمد أكثر جمالها وقوة تأثيرها من شخصية بطلها بما يملك من أبعاد فكرية وملامح عاطفية. والواقع ان شخصية سامي تطغى على سائر شخصيات الرواية حتى انهم يلوحون جميعاً باهتين اذا ما قورنوا به. ولذلك رأينا الرواية تشحب حين ينحّي المؤلف سامي ويهتم مكانه بهدى .
وأجمل صفة في سامي أنه بطل متطوّر تمر شخصيته عبر الرواية بسلسلة تحولات نفسية كما يحدث لإنسان يعيش الحياة الفعلية . ان رواية (الخندق الغميق) هي ، في حقيقتها ، دراسة حية للنمو العاطفي والفكري والاجتماعي في حياة الغلام سامي ، وقد أعطانا المؤلف هذه الدراسة بأن ترك بطله يعيش أمام أعيننا ويتفتح وينضج . وما بين دفتي الكتاب ، أنتقل سامي من طور إلى طور ، رأيناه يبدأ غلاماً مثالياً مرهفاً يضع (الواجب) فوق عواطفه وفوق مصلحته فينقاد أنقياداً كاملاً لما يغرسه فيه أبوه وبيئة الخندق الغميق ، ثم رأيناه ينتهي شاباً يضع إنسانيته فوق كل أعتبار ، ويعد الأنقياد لفكره وعواطفه الواجب الإنساني الأعظم ، مدركاً أن مطاوعة ميوله لا يمكن أن تسوقه إلى غير الابداع والسعادة الحقة.
أن الاتجاه الذي سار عليه خط النمو والتكامل لدى سامي قد بدأ بفكرة (الواجب) الذي كان سامي يعدّه أقدس شيء في الحياة، وأنتهى بفكرة (الحياة) التي أصبح سامي يعدها فوق الواجب وفوق كل شيء. فاذا كان واجب سامي نحو أبيه يضطره إلى ان يقص أجنحته ويقتل عواطفه ويعيش آلة تؤدي واجبات مجرّدة ، فان سامي يتمرّد على ذلك الواجب ويعده تصنعاً وكذباً على النفس. وسرعان ما يُدرك ان خيانة الذات هي أعظم الخيانات وأفدحها ، وأنه خير للمرء أن يرفض رغبة أب متسلّط من ان يخنق هتافات الحياة المزقزقة في نفس شابة موهوبة مملوءة بالحيوية والأمكانيات.
ويمكن ان نجعل تطوّر سامي من نقطة (الواجب) إلى نقطة (الحياة) في أربع مراحل تجري كما يلي:
أ – المرحلة الأولى وهي مرحلة الأنقياد الكامل لآراء أبيه . وتتمثل في حادث الشيخ الكسيح ذي العكازات ..
ب – المرحلة الثانية وهي مرحلة التأمل غير الواعي فكان سامي يشعر بأنه غير سعيد ، غير راضٍ بأنقياده وأستسلامه ، دون أن يجرؤ على تشخيص ضيقه. والرمز لهذه المرحلة هو الموقف الذي لم يكن سامي فيه يدري ان كان ما على وجهه دموعاً أم قطرات مطر.
ج – المرحلة الثالثة وفيها يندفع سامي إلى التمرد على الواجب ولكن دون ان يتخذ تمرّده مظهراً فكرياً مدروساً. وانما كان سامي يعيش تمرّده دون ان يشخّصه أو يتخذه مبدأً. وعنوان هذه المرحلة هو حب سامي لسميا وما صاحبه من أحداث.
د – المرحلة الرابعة وهي مرحلة التمرد الفكري المدروس الذي ينبع عن تصميم وإرادة وإدراك واع. وتتمثل هذه المرحلة في خلع سامي للجبة والعمامة.
ان هذه المراحل ليست قسرية ولا نظن المؤلف نفسه قد لاحظها وهو يكتب ، وانما هي تخطيطات نفسية لتسهل علينا متابعة تطور سامي. وقد يحدث ان تتداخل هذه المراحل ، غير ان سامي كان يتجه عبرها ببطء نحو التحرر الكامل من كل ما يشل إنسانيته ويبدد حيويته الفكرية والعاطفية. وسوف ندرس كل مرحلة على أنفراد.
(الرجاء أنتظار
الجزء التالي من
الدراسة في
القريب العاجل
بإذن الله)
















 
رد مع اقتباس
غير مقروء 24-05-2008, 02:52 AM   رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
عبد العظيم هريرة
أقلامي
 
الصورة الرمزية عبد العظيم هريرة
 

 

 
إحصائية العضو







عبد العظيم هريرة غير متصل


افتراضي رد: (الخندق الغميق لسهيل أدريس)دراسة ونقد للشاعرة نازك الملائكة -طباعة وليد محمد الشب

الأخ الفاضل
وليد محمد الشبيبي
كان الجزء التالي من الدراسة النقدية للشاعرة الراحلة نازك الملائكة، والذي تكرمت بنقله لنا، مشكورا، مبادرة طيبة وجد هامة، على الأقل لي وأنا حديث العهد بقراءة رواية "الخندق الغميق" والحقيقة أنني سررت كثيرا كون الدراسة زادتني عمقا في فهم الرواية وتذوقها فضلا على أنني ارتحت كثيرا لأنني اكتشفت أن تعليقي و نقدي المتواضع استطاع أن يتوافق نسبيا مع نقد الشاعرة الراحلة وقد لامس ولو باختصار معظم المناحي التي أثارت انتباهي وتناولتها بالتحليل والنقد، وما كان هذا ليحدث لولا بادرتك الأخوية النبيلة التي غمرتني بها ببعث نسخة الرواية علىبريدي الإلكتروني ..
لن أستمر في شكرك، أخي، فأحرجك أكثر وأجعلك تضطر لاستعمال عبارات جديدة لتبرر موقفك كونه أمرا عاديا وأنك كنت سعيدا جدا بتقديمك هذه الخدمة إلى أخ لك بالمغرب الأقصى .. ولكنني أؤكد لك أنني أتمنى أن تتهيأ الفرصة لي يوما ما لكي أخدمك بدوري .. فلا تتردد فإن الأمر عندي وإياك سيان.
أخوك عبد العظيم هريرة







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 24-05-2008, 06:31 AM   رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
وليد محمد الشبيبـي
أقلامي
 
الصورة الرمزية وليد محمد الشبيبـي
 

 

 
إحصائية العضو







وليد محمد الشبيبـي غير متصل


إرسال رسالة عبر MSN إلى وليد محمد الشبيبـي إرسال رسالة عبر Yahoo إلى وليد محمد الشبيبـي

افتراضي رد: (الخندق الغميق لسهيل أدريس)دراسة ونقد للشاعرة نازك الملائكة -طباعة وليد محمد الشب

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبد العظيم هريرة مشاهدة المشاركة
الأخ الفاضل
وليد محمد الشبيبي
كان الجزء التالي من الدراسة النقدية للشاعرة الراحلة نازك الملائكة، والذي تكرمت بنقله لنا، مشكورا، مبادرة طيبة وجد هامة، على الأقل لي وأنا حديث العهد بقراءة رواية "الخندق الغميق" والحقيقة أنني سررت كثيرا كون الدراسة زادتني عمقا في فهم الرواية وتذوقها فضلا على أنني ارتحت كثيرا لأنني اكتشفت أن تعليقي و نقدي المتواضع استطاع أن يتوافق نسبيا مع نقد الشاعرة الراحلة وقد لامس ولو باختصار معظم المناحي التي أثارت انتباهي وتناولتها بالتحليل والنقد، وما كان هذا ليحدث لولا بادرتك الأخوية النبيلة التي غمرتني بها ببعث نسخة الرواية علىبريدي الإلكتروني ..
لن أستمر في شكرك، أخي، فأحرجك أكثر وأجعلك تضطر لاستعمال عبارات جديدة لتبرر موقفك كونه أمرا عاديا وأنك كنت سعيدا جدا بتقديمك هذه الخدمة إلى أخ لك بالمغرب الأقصى .. ولكنني أؤكد لك أنني أتمنى أن تتهيأ الفرصة لي يوما ما لكي أخدمك بدوري .. فلا تتردد فإن الأمر عندي وإياك سيان.
أخوك عبد العظيم هريرة

اخي الكريم
الاستاذ
عبد العظيم هريرة
المحترم

بالعكس انا سعيد جدا لمطالعة الرواية والتواصل معي في الكتابة عنها وايضا مواصلة مطالعة دراسة الشاعرة الراحلة نازك رحمها الله فلا تدري كم يسعدني ذلك .
ارجو ان تصبر علي ريثما انجز طباعة بقية الدراسة النقدية هذه

احترامي وتقديري لك

اخوك وليد محمد الشبيـبي






 
رد مع اقتباس
غير مقروء 29-05-2008, 04:58 AM   رقم المشاركة : 10
معلومات العضو
وليد محمد الشبيبـي
أقلامي
 
الصورة الرمزية وليد محمد الشبيبـي
 

 

 
إحصائية العضو







وليد محمد الشبيبـي غير متصل


إرسال رسالة عبر MSN إلى وليد محمد الشبيبـي إرسال رسالة عبر Yahoo إلى وليد محمد الشبيبـي

افتراضي رد: (الخندق الغميق لسهيل أدريس)دراسة ونقد للشاعرة نازك الملائكة -طباعة وليد محمد الشب

أ – المرحلة الأولى

في رواية (الخندق الغميق) ، كما في الحياة نفسها ، تبرز الظواهر محوطة بالغموض والضباب ، فيبدو ان للحادث أكثر من سبب ، وتتداخل الظروف بحيث يصعب ان نعين شيئاً نقول عنه أنه السبب الوحيد في الظاهرة . ومن هذه الظواهر حماسة سامي المفاجئة لأن يكون شيخاً . فما الذي جعل هذا الغلام يتخذ مثل ذلك القرار ؟ ان المؤلف يترك السؤال معلقاً ولا يحاول ان يعطينا جواباً صريحاً له وأنما يكتفي بزرع بعض الاحتمالات هنا وهناك ، كما يحدث في الحياة ، فلا نستطيع نحن ان نقرر إلا باللجوء إلى التحليل النفسي ومن ثم التخمين.
أما في النص الحرفي للرواية فأننا نجد تعليلين عابرين يمكن أن يكون أي منهما هو السبب المباشر في قرار سامي هذا ، أحدهما ان سامي قد عاش في أسرة يؤمن ربها بأن أنخراط أولاده في سلك الشيوخ هو أعلى أنواع (البر) به ، ولذلك كان يستقبل سامي الذي لبس العمامة ، قائلاً: (أهلاً بالشيخ سامي.. أهلاً بالأبن البار.)(7) وقد كان يهيئه للجو الديني بأشراكه في حلقات الذكر ، وكان يسأله أن يحفظ الأحاديث النبوية ويلقيها في هذه الحلقات ، ويشجع على منحه الهدايا مكافأة له على ذلك. وعلى أساس هذه الظروف يكون سامي قد أختار المشيخة استجابة لرغبة أبيه.
والتعليل الآخر يكمن في ذلك الحادث الدال الذي وقع لسامي في صباه مع الشيخ الكسيح ذي العكازين. ففي براءة الطفولة التي تشعر أن كل شيء ينبغي أن يكون ملكاً لها ، مد سامي الصغير يده وأخذ علبة من حانوت ، في غفلة من البائع . وصدف ان شاهده شيخ كسيح كان يجلس في الحانوت فصاح وركض خلفه ليمسكه . وأنطلق الصغير يعدو في رعب شديد . وكانت النتيجة ان الشيخ عوقب على فظاظته مع الولد بأن سقط على وجهه وهو يسب ويلعن ، بينما أندفع سامي صارخاً يلتمس العفو والحنان من أمه دون أن يصارحها بما فعل. ثم مرض الصغير أياماً وعندما شفي قرر ان يكون شيخاً . ان الظاهر من هذه الحكاية ان سامي انما أتخذ قراره هذا بتأثير الحادث المذكور ، فكأن رغبته المشيخة قد كانت عملاً من فعل الضمير المرهف قصد به التكفير عن السرقة ، أو عن الاساءة إلى شيخ كسيح مسكين أو نحو ذلك.
هذان هما التعليلان اللذان يمكن ان يكونا سبباً لدخول سامي إلى المشيخة فأيهما هو السبب الحقيقي ؟ أننا نميل إلى أعتبار حادث الشيخ ذي العكازين مجرّد انضاج حاد لاستعداد نفسي طويل سبق لسامي ان مر به قبل هذه النقطة من حياته دون ان نعتبره السبب المباشر لدخول سامي إلى المشيخة. وسبب ترجيحنا هذا أننا لا نرى سامي يعود إلى التفكير في هذا الشيخ قط ، فلو كان ضميره مثقلاً به للازمته صورته سنين. والواقع ان الحادث كان عابراً ولم يزد علماً ان شحذ في ذهن سامي الفكرة التي سبق لأبيه ان غرسها فيه ، وهي فكرة الدخول إلى المشيخة.
ان السبب الحق لدخول سامي إلى المعهد الديني ، في رأينا ، هو أنه قد الف ان يكون ولداً مطيعاً وان يُقدّس طاعة الأب ويضعها فوق كل شيء. ولقد كان شاعراً بأن أباه يريده شيخاً فلم يكن له مفر من ان يحقق له رغبته مهما كلفه ذلك. ولعل معترضاً ان يحتج على رأينا هذا بأن سامي كان مسحوراً بالفكرة التي يسمعها من أبيه (العمامة تاج العرب) ، وان ذلك ينم عن ان هناك دافعاً من الحماسة الايجابية للمشيخة تنبع من نفس سامي ، فليس أبوه هو السبب في دخوله المشيخة ولا الشيخ الكسيح . والحق ان هذا الأعتراض يستحق التأمل وقد يميل المرء إلى أن يأخذ به ، غير ان نظرة فاحصة نلقيها على نص الرواية لابد ان تردعنا عن ذلك. فان كل سلوك سامي ، فيما بعد ، وكل أحاسيسه ومشاعره وأستجاباته ، تنم عن انه لم يسعد لحظة بفكرة المشيخة. وذلك لا يترك مجالاً لأن نعتبره متحمّساً.
لابد لنا اذن ان نعود إلى فكرة الطاعة التي يؤمن سامي بأنها واجب الولد نحو أبيه ، وسنجد ان سامي قد التقط تعريف أبيه للبر بالأب. وعلى هذا الأساس يمكن ان نعلل أفتتان سامي بالعمامة ، تاج العرب ، بأنه كان افتتاناً متصوّراً لا واقعياً. فقد يكون سامي أحس بثقل واجبه نحو أبيه ، وبنفوره من العمامة ، فأراد أن يخفف وقع ذلك على نفسه اليافعة وحياته ، بتلمس الناحية الجمالية لذلك الواجب وهذه العمامة. وفي هذه الحماسة التي يوحي بها سامي لنفسه ، عزاء لقلبه يعطي بعض السعادة للنفس اليافعة التي تتفتح للحياة على مثل هذا العبء الثقيل(8).
وهكذا تبرز الخاصية الرئيسية لهذه المرحلة من كيان سامي النفسي. فنجده في بداية حياته الفكرية الواعية ، ينقاد للواجب أنقياداً متطرّفاً فظيعاً ، فلا يكتفي بأن يتقبّله ويتعذّب به ، وانما يزيد فيقنع نفسه بأنه متحمّس له وأنه يحبّه ويفتتن به . وهذه هي المرحلة السلبية المتطرّفة من حياة سامي.
ب – المرحلة الثانية
في هذه المرحلة يكف سامي عن إبداع مغريات يجمل بها الواجب ويعطيه مظهر العمل اللذيذ الذي يرغب فيه لذاته ذلك ان الدخول إلى المعهد الديني يعطي لسامي أول فرصة يذوق فيها طعم هذا الواجب الذي كان يغني له ، فما كاد يلامس شفتيه حتى وجده مراً لا يحتمل . ولكن سامي الذي كان سلبياً إلى ذلك الحد ، لم يملك الآن الايجابية ولو بقدر يجعله يعترف بأن طعم الواجب مر. على ان أعترافه بتلك المرارة أو عدم أعترافه لم يغير من أحساسه شيئاً. فسرعان ما رأيناه ذات يوم يسير تحت المطر ويبكي دون ان يدري. وهذا الحادث هو خير تمثيل لهذه المرحلة التي أنتقل فيها سامي من السلبية المتطرّفة إلى السلبية المعتدلة . ولذلك سنقف عنده ونحلله حتى نصل إلى جذوره .
كان ذلك في أول يوم يخرج فيه سامي إلى الطريق بعد ان أرتدى العمامة والجبة وأصبح شيخاً. وما يلبث حتى يصطدم بفكرة تحاصره وهي أنه ينبغي أن يكون (رصيناً) كما تقتضي العمامة التي يلبسها وتتطلب هذه الرصانة أن يسير ببطء واتزان مع أن المطر كان ينهمر ويحتم عليه أن يركض تحاشياً للبلل. وعندما يوازن سامي بين ان يبتل ، وان يخون رصانة عمامته ، يفضل البلل ويواصل السير ببطء محتملاً أزعاج المطر في صمت. وعندما يمر الترام المزدحم ويفكر سامي في ان يأخذه إلى المنزل ، يتذكّر الرصانة التي تمنعه من أن يركض ويتعلّق بالترام فيتركه يفوته. وكل ذلك يجمع في نفس سامي غيظاً وألماً ومقاومة وبعض شعور بالمذلة الا أنه لا يشخص شعوره ولا ينتبه. ويكون صوت أمه أول جرس ينبعث من أعماق الواقع. فعندما يصل إلى البيت وتراه أمه يدخل بوجهه المبتل تسأله بداهة: (أنت تيكي ؟ لماذا يا حبيبي ؟ أتبكي لأنك أصبحت شيخاً ؟)(9) ويجيء هذا السؤال مشخصاً لشعور سامي تماماً ، ولكن سامي لا يشخّص أحساسه. وحين يسمع تعليق أمه يقرر فوراً ان هذه ليست دموعاً وانما هي قطرات مطر . وفجأة يأتي أبوه فيقول مؤنباً زوجته: (لماذا لا تفتحين عينيك جيداً لترى ان هذا من ماء المطر وليس من الدموع ؟ صدق النبي العظيم . النساء ناقصات عقل ودين.)
وفي حومة هذه المجادلة بين الأم والأب يقف سامي بوجهه المبلل مبهوتاً صامتاً لا ينبس بكلمة يفض بها الجدل. ولعل كل قارئ قرأ الرواية قد عجب منه لماذا لم يتكلّم ، وما هذا الصمت التائه الذي يغلّفه ويتركه يقف محايداً في جدل يقوم حوله هو. ولعل بعض القرّاء سيلومون المؤلف على أنه ترك سامي ساكتا هذا السكوت العجيب. والواقع ان هذا الصمت شديد التعبير ، وهو مرتبط أشد الأرتباط بشخصية الغلام بحيث نعده أكبر لمسة تحليلية أعطانا أياها سهيل. ومضمونها ان سامي انما يسكت ولا يتكلم ، لانه لا يدري فعلاً ما الحقيقة ، وهل هي دموع كما ترى أمه العاطفية الحنون ؟ أم انها قطرات مطر كما يعتقد أبوه المتسلّط ؟ هذا الجهل منه بالحقيقة هو بلا شك عنصر غريب. فما صنف هذه الشخصية التي لا تستطيع تشخيص أحاسيسها إلى هذا الحد ؟ وما تلك القوة الفظيعة التي تسيطر على الغلام بحيث يفقد القدرة على الشعور الطبيعي إلى هذا الحد حتى يقف مشلولاً لا إرادة له بين أمه وأبيه ؟
هنا تبرز فكرة الواجب وتقدم لنا نفسها ، كحل للمشكل. ان سامي لم يعد يفهم نفسه لان أنقياده المبالغ فيه لرغبات أبيه قد أفقده حرية الشعور. كل ما بات يعرف هو ان واجبه نحو أبيه شيء ذو قداسة ولا بد من أحتماله مهما كلّف ذلك. ان الإنسان العادي الذي يؤدي واجباً ، يدرك عادة الحدود بين الواجب والمتعة الشخصية ويفهم أنه انما يحتمل التضحية برضى النفس وطمأنينتها من أجل واجب يرضي به الآخرين. وهذا الإنسان يقرر مقدماً أنه سيتألم وان الواجب لم يكون عيداً ولا غناءًَ ورقصاً ، الا انه حين يوازن بين عذاب التحمّل والعذاب الذي تأتي به عدم تأدية الواجب ، يختار العذاب الأول. وبذلك يصبح الواجب بالنسبة لهذا الإنسان عملاً إرادياً واعياً مجرّداً من اللذة يقوم به المرء مضطراً. وأما سامي بطلنا المثالي فأنه يذهب في أدائه للواجب إلى درجة يمتنع معها عن الشعور نفسه. ولذلك فحسب نراه يقف متفرجاً على همومه ، ويترك دموعه تتساقط فلا يلقي على نفسه حتى سؤالاً حولها. ولعله يشعر براحة عندما يقدم له أبوه تعليلاً بان هذه قطرات مطر لا دموع. وهو يجب ان يصدق ذلك لينتهي قلقه. ولكن من حسن الحظ أنه حين يقف أمام المرآة لينشف الماء من على وجهه ينتفض في اعماقه السؤال: أتراها حقاً قطرات مطر ؟ أم انها دموع ؟ ومع أنه يحار ولا يعرف الجواب الا ان مجرّد قيام الشك في نفسه ذو دلالة نفسية عظيمة هنا. ان ذلك هو جرس الانذار الذي يؤذن بانتهاء المرحلة الأولى. فها ان سامي قد بدأ يتصور ان من الممكن الا يكون الواجب لذيذاً. على العكس ، ان هذا الواجب قد يوجع القلب ويسيل الدموع الحارة. ومنذ هذه اللحظة يبدأ صراع خافت غير واع بين العاطفة والواجب. وتكون عدم قدرة سامي على تعيين حقيقة القطرات التي يمسحها رمزاً واضحاً للسلبية التي ما زال يتصف بها في هذا الموضع من سيرته.
ولكن يتاح لنا أن نمضي في تحليل موقف سامي نحب ان نعود إلى الفكرة التي أشرنا إليها سابقاً حين تحدثنا عن أتجاه الصراع في الرواية. فاذا كان سامي عنيداً وذا شخصية مستقلة كل الاستقلال فكيف يتلقّى هذه (الأوامر) من أبيه وما تلك القوة التي تفرض عليه ذلك ؟ ولسوف نرى ثانية ان الأب ، في روح سامي ، ليس أكثر من مصدر عارض للأوامر. وانما يطيعه سامي لأن تلك الأوامر قد سبق أن أنطلقت من أعماق ذاته هو ، وهذا يضعنا أول مرة أمام صفة سامي العظمى التي تميّزه وهي المثالية. والحق اننا نشعر ، عبر الرواية ، بأن سامي لا يحب أباه ، ومن ثم فان طاعته له تصبح في نظرنا غير مبررة الا اذا حكمنا بأنها تسقط عليه من منابع فكرية محصنة دون ان تكون لها جذور عاطفية. والمصدر الوحيد لهذه الطاعة هو ان سامي يحب ان يكون نموذجياً في مسلكه ، وما دامت طاعة الأب أول مراحل الأخلاقية في الإنسان النموذجي فأن سامي يشعر انها أمر محتوم يجب الا يناقشه. ولذلك رأينا أول عمل يفعله ان يستسلم لمشيئة أبيه فيدخل المشيخة ويوحي إلى نفسه ، بكل صورة ، أنه انما يعمل بوحي إرادته الحقة. ولذلك فأن الصراع الحقيقي لا يقوم بين سامي وأبيه ، وانما بين سامي المثالي وسامي الإنسان. الأول يحب أن يكون كما ينبغي أن يكون ، والثاني يريد ان يعيش بملء كيانه. والرواية تدرس تطّور هذا الصراع.
والواقع ان طاعة الأب لا تفتأ أن تتحوّل وجهاً ثانياً هو طاعة النظام فكلا الأب والنظام مفروضان على سامي من أعماق مثاليته الطيبة. انه من أولئك الناس الذين لا يستطيعون ان يتذوّقوا لذة الحرية الا بأن يطيعوا القانون طاعة كاملة ويحتملوا مسؤولية سلوكهم كل الأحتمال. وربما كانت القاعدة الفكرية التي تسير حياة سامي هي ان الحرية الحقة انما تأتي من الالتزام بكل ما يفرضه الكمال الجميل الذي تؤمن به النفس. فلكي يكون سامي بعيداً ينبغي له أولاً أن يرضي نفسه المتعلّقة بالكمال ، ونفسه لا تسعد ولا ترضى الا اذا أطاع قانون المثالية الذي يتمثّل في طاعة النظام والبر بالأب . وعلى ذلك تكون الطاعة هي الحرية الكبرى في نظر هذا الغلام المرهف الذي يقص علينا سهيل سيرته في رواية (الخندق الغميق) .
بعد هذا العرض النظري لنفسية سامي نحب ان نأتي بأمثلة من سلوكه وندرسها ، ان الصراع بين (الواجب) و(الحياة) يبدأ على صعيد فلسفي محض. فقلما يسأل سامي نفسه: (هل ذلك يرضي أبي ؟) وانما نراه يضع السؤال هكذا: (ولكن هل يليق هذا بشيخ رصين ؟)(10) ان هذا السؤال يمثل ، في الواقع ، الفكرة التي تختفي وراء مسلكه كله خلال هذه المرحلة الثانية من نموه النفسي. ذلك ان مثالية سامي وحرصه المطلق على أداء الواجب يجعلانه ينتظر من نفسه مسلكاً نموذجياً في الحالات كلها. فإذا كان شيخاً ، فهو يجب ان يكون شيخاً كاملاً بكل ما تعنيه هذه الكلمة. وما دامت الرصانة هي أعلى صفات الشيوخ فأنها تصبح بالنسبة لسامي قانوناً. أنه شيخ وهو سيكون شيخاً رصيناً . ولذلك نراه يتأمل هذه الرصانة ويحاول ان يعّين حدودها وما تبيحه وما لا تبيحه . وعند هذا يبدأ الصراع الحق بين المثالية والإنسانية.
والواقع ان مثالية سامي تجيئه بسلسلة من القيود التي تحاول ان تخنق انسانيته وتهدم أستقلاله العاطفي . فقد سبق لنا أن رأيناه يخرج من المعهد بالجبة والعمامة ، ويرى المطر يتساقط أو الناس يتراكضون ليتخلّصوا منه ، فلا يجرؤ هو على أن يركض لئلا يخرج على الرصانة ، وانما يمشي ببطء وكأنه يسير في ضوء القمر. ورأيناه يضطر إلى أن يترك الترام يفوته خوفاً من أن يسيء إلى رصانته اذا هو تعلّق به – بجبته وعمامته – كما يتعلّق الناس غير الرصينين. ونحن نراه في مواضع أخرى يتعرّض إلى مضايقات أفظع ، مثل ان يمر بحي (الخندق الغميق) فيتجمّع الصبيان ويلحقون به هاتفين (شيخ صغير. شيخ صغير..) ويشعر هو بغيظ شديد ويهم بأن يطاردهم ويفرّقهم ولكنه سرعان ما يتوقّف وينشغل بما هو لديه من ذلك وهو السؤال: (ولكن هل يليق هذا بشيخ رصين ؟) ونحن نشعر ، دون ان يقول لنا المؤلف ان سامي قد أجاب عن السؤال بأن ذلك لا يليق. ولذلك أسكت ثورته المتأججة وقرر أحتمال غيظه اكراماً للعمامة والجبة. وهكذا تنتصر المثالية على بطلنا وترتفع راية الشيخ الكامل (أو الإنسان النموذجي بمعنى أوسع). وأما سامي الصغير الذي ينبغي ان يتفتح للحياة وينمو فأنه ينطوي على نفسه ويسكت.
غير ان الاستسلام لا يزيد المشكل الا تعقيداً ، فكلما زاد سامي مثالية عاد طريقه أشد وعورة. ونحن نبصره يسير في الطريق ذات جمعة بعد ان أدى فريضة الصلاة في المسجد ، وقد أرتفع صوت نسوي يناديه (يا شيخ ... يا شيخ ..) وما يكاد يحس بأنه يحب أن يتطلّع ويرى صاحبة الصوت حتى يعاوده سؤاله السابق فيقرر فوراً أنه (.. لا يليق بشيخ أن ينظر إلى النساء..)(11) ويجعله ذلك يتصرّف تصرّفاً آلياً فيقف مطرقاً ، ويتساءل في نفسه – دون ان ينظر – عمّا يمكن ان تريده المرأة التي نادته. ولا ريب في ان منظره في اطراقه وأنتظاره كان مضحكاً إلى درجة جرأت المرأة على ان تضحك منه فقالت له : (يا شيخ ... يا شيخ ... أنتظر قليلاً حتى أنادي أختي لتأتي فتتفرّج عليك .) ولا يخبرنا المؤلف هنا بما أحس به سامي من أشياء حين سمع ذلك ، ولكننا نستطيع ان نحدس ان هذه الملاحظة قد أزعجته أشد الازعاج. وأغلب الظن أنه لم يرد على المرأة بحرف ، لأن الرد في ظنه لا يليق بشيخ رصين.
ان هذا الاستسلام الطريف من الغلام سامي لفكرة الشيخ الرصين حري بأن يثير فينا تساؤلاً ، فما سر هذه المبالغة كلها ؟ في الواقع ان هذه المبالغة جزء أصيل من طبيعة سامي. فهو لا يستطيع ان يتعهّد بشيء ويخونه في الوقت نفسه. وما دام قد قرر ان يكون شيخاً وأخذ ذلك على نفسه فلا بد له أن يكون شيخاً كاملاً وأن يطيع كل قانون. أن حرية سامي – كما قلنا – لا تنال أبعادها الكاملة الا في حدود ضميره ، وهذه الحرية ضرورية لسعادته.


الهوامش ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ
(1) الصفحة 20 . (هامش من وضع كاتبة الدراسة).
(2) ربما ذلك يشبه تماماً أغاني الحب والتدليل التي خاطبت بها (الألم) و(الحزن) في قصيدتي (خمس أغاني للأم) و(ثلاث مراث لأمي). (هامش من وضع كاتبة الدراسة).
(3) ص 32 (هامش من وضع كاتبة الدراسة).
(4) ص 39 (هامش من وضع كاتبة الدراسة).
(5) ص 41 (هامش من وضع كاتبة الدراسة).



(الرجاء انتظار الجزء التالي
في القريب العاجل بإذن الله)






 
رد مع اقتباس
غير مقروء 29-05-2008, 05:03 AM   رقم المشاركة : 11
معلومات العضو
وليد محمد الشبيبـي
أقلامي
 
الصورة الرمزية وليد محمد الشبيبـي
 

 

 
إحصائية العضو







وليد محمد الشبيبـي غير متصل


إرسال رسالة عبر MSN إلى وليد محمد الشبيبـي إرسال رسالة عبر Yahoo إلى وليد محمد الشبيبـي

افتراضي رد: (الخندق الغميق لسهيل أدريس)دراسة ونقد للشاعرة نازك الملائكة -طباعة وليد محمد الشب

اخي الكريم
الأستاذ عبد العظيم هريرة
المحترم
كيف حالك ؟
ارجو ان تكون بخير
إن شاء الله
عذراً لتأخري في نشر
بقية الأجزاء
وهذا جزء آخر
ولم يبقَ إلا حوالي
جزئين
تحياتي واحترامي
أخوك
وليد محمد الشبيـبي






 
رد مع اقتباس
غير مقروء 30-05-2008, 03:08 AM   رقم المشاركة : 12
معلومات العضو
عبد العظيم هريرة
أقلامي
 
الصورة الرمزية عبد العظيم هريرة
 

 

 
إحصائية العضو







عبد العظيم هريرة غير متصل


افتراضي رد: (الخندق الغميق لسهيل أدريس)دراسة ونقد للشاعرة نازك الملائكة -طباعة وليد محمد الشب

الأخ الفاضل
وليد محمد الشبيبي
اشتقنا لطلعتك كأنك والله غبت دهرا ولكنك عدت لنا من جديد ومعك صك عذرك ...
الحقيقة أنني قرأت الجزء الثاني من الدراسة النقدية التحليلية بشغف ومتعة منقطعي النظير وكلما قرأت وتقدمت عبر الأفكار والتحاليل كلما تجلت لي أحداث الرواية وكأنني أعيشها في الواقع .. رحم الله الأديبة الشاعرة نازك الملائكة ... وشكرا لك بقدر نجوم السماء على كرمك وفضلك بنقل هذه الدراسة المتميزة لينهل من فوائدها كافة الإخوة الأقلاميين ..
مع مودة واحترم صديقك عبد العظيم هريرة







 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
المرأة التي جاءت في السادسة - قصة لماركيز - ترجمة شوقي فهيم -طباعة وليد محمد الشبيـبي وليد محمد الشبيبـي منتدى الأدب العالمي والتراجم 1 16-05-2008 01:59 AM
اللقاء الذي أجراه تلفزيون (الحريـة) مع الشاعر وليد محمد الشبيبي في شباط 2004 وليد محمد الشبيبـي منتدى البلاغة والنقد والمقال الأدبي 1 03-02-2008 06:53 AM
مختارات من قصصي محمود شاهين منتدى القصة القصيرة 45 17-01-2008 01:41 AM
بيانٌ للعلماء والمثقفين بشأن تهجُّم وزير الثقافة المصري على الحجاب .... وفاء الحمري المنتدى الإسلامي 1 05-12-2006 01:33 AM

الساعة الآن 09:12 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط