فـي مديـنتي , كـانت هنـاك مكتبة صغيرة تحتلّ أحد الأزقـّة في
" السوق الشعبي " من المدينة ......
مكتـبة صغيـرة .... باب ضيـّق ..... لوحة صغيرة فوق الباب ( مكتـــبة ) ...
بالرغم من موقعهـا الجغرافي المختبـئ , واللـوحة المهترئـة على بابهــا
إلا أنهــا أشبه بـ ( معـلم ) معروف في ذاك الســوق .....
وحين تدخلـها ..
الرفـوف مليـئة بالكتب .... والطاولات كذلك ...
الكتب في كل مكـان حتـّى على الأرضية ... بحيـث تخلق في المكتبة ممرات صغيرة لا تكفي إلا لمرور شخص واحد ( خصوصا إذا كان سمينا ً ) .....
قلـّما دخلـتُ المكتبة وخرجت منها دون أن أحصل على مرادي ...
جميـع الكتب فيها ...
الجديدة والقديمة ... في كل العلوم ....العربية والأجنبية ...
حتى أنني أستغرب كيف تكفي لكل هذا العدد من الكتـب ,,,,,
في ذلك الركن ......
رجل سوداني اسمه " أحمد " ....
كعادته ....جالس في يده كتاب يقرأه ...
وفي اليد الأخرى فنجان شاي ( أسود محترق ) ....
وأمامه بضعة كتب متناثرة قرأها أو سيقرأها .....
وهنا على طاولة ( الحساب ) بجوار الباب ..
يجلـس رجـل عجـوز ...
وجهه يشع بياضـا ً تخالجه حمرة ....
لحيتــه بيضـاء تنيــر مهـابة ً......
لـم يزل يستقبلنـي بابتسامته الجميـلة التي تزيده وقارا ً ....
قلما دخلت المكتبة ولا أجد في يده كتابـا ً ....
وطالما أتيته فيعطيني كتيّبا ً أو مظروفا ً أو أي هدية أخرى ....
طبعا .... بعد الـ ( Discount )
دائما ما كان يستقبلني بعبارات ...
( أهلا .. أهلا .. يا ابني ..
شوف الرف الأخير فيه الكتب الجديدة
والله لسه جايه من الشام قبل يومين ))
(( هل قرأت الكتاب الفلاني ؟؟ ))
(( عندي كتاب جميل جدا ً لو تأخذه تقراه ! ))
موسـوعة في كل شئ ...
( أذكر ذات مرة ناقشني في " تخصصي الطبي " وبهرت لمعلوماته الغزيـرة .. بل إنني إختلفت معه في معلومة .... وتبيـّن لي بعد ذلك أنه على الصواب )
,,,,,,,,
مرّت الأيام ....وبعد حوالي عـــام من الدراسة - خارج مدينتي -
عدت في الإجازة ومعي قائمة من أسماء الكتب التي كانت
على ( لائحة الإنتظــار )
قصدت المكتـبة ....
وحينما أقبلت ُ عليها ... لاحظتُ الفرق ..
اللوحة الصغيـرة استـُبدلت بأخرى كبيـرة ذات ألون زاهـية مضيئـة ....
المدخـل أصبح أكثر أنـاقـــة ...
دلفـت ُ إلى الداخـل .... ومنذ الوهلة الأولى ظننت أنني أخطأت المكان !!!
سلـّمت ُ على شـاب وسيم يجلس على طاولة (الحسـاب) ....
صـافحته ... ســألته عن الكتـب التي أريـد ...
بدا مدهوشـا ً منهـا ... أكثر من دهشتـي بالمكتبة التي تغيـّرت ....
استأذننـي أن يتأكد من وجودهـا بواسطة ( جهاز الكمبيوتر) الذي أمامه ...
وبينمـا هو كذلك , جالـت عيناي تتأمل المكــان ...
الرفوف زجاجيـة جذابة فيها أقلام , دفاتر , أدوات رسم وتلوين , وأدوات قرطاسية أخرى ....
لم يعد هناك كتب على الأرض ... (( الممرات واسعة جدا ً ))
وهنـاك .... حيث كان يجلس الأخ ( أحمد ) يوجد دولاب متحرك به عدد كبيـر من مجلات الموضة والأزياء والفن والريـاضة .....
وبينما شريط ذكرياتي يمر ... قاطعني الشاب :
للأسف لم أجد إلا كتـاب واحد من هذه القائـمة .....
قلـت له : لابد أنك ( جهــاد ) ابن ( العــم صدّيــــق )!!
أجابني : نعـــم .....
سألتــه عن والــده ( العـم صدّيــــق ) ؟؟
قال أنه تــوفي قبــل بضعـة أشهــر .......
ناولنـي الكتاب ...
خرجــتُ ....والحــزن يعتـصر قـلبــي ..
والهــم يعصـف بنفسي ....
حزنــتُ حزنــا ً شديـدا ً ....
ولا أدري على أيهما أحزن ,,,,
على رحيـل ( العـم صديـــق ) ؟؟
أم على رحيـل ( المكتبــة ) ؟؟؟
ســألت صديـقا ً لي ( كان يرافقـني للمكتبـة أحيانا ً ) :
لقد كان ( العـم صدّيـــق ) يكسب ويربـح من مكتبــته ...
لقد كان يطعـم أولاده ويلبسهم من ربح هذه الكتــب .....
لمــاذا تـنكـّروا لهذه المكـتبة ؟؟؟
لمــاذا- ياترى- غيـّروا بعده ؟؟؟
أجابنـي :
ليـس أولاد ( العـم صدّيـــق ) فـقط هم الذيـن تغيـّروا .... حتى النـاس تغيـّروا أيضا ً....
الحمد لله أنهـم حوّلوها من ( مكتـــبة ) إلى ( قرطـاسيـّة )
وليــس من ( مكتـــبة ) إلى ( مطـــعم )....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــ
خــاتمة :
في عصــر ٍ من عصـورنا الزاهــرة ....
دالــت الدنــيا على رجــل .... فاضـّطرإلى
بيـع كتـبه التـي كان يملـك ...
فكــتب عليــها :
أنـِستُ بها عشريـن حـولا ً وبعتـها
لقد طـال وجـدي بعدهـا وحنيـني
ومــا كـان ظنـّي أنني سأبيعـها
ولـوخلـّدتني في السجـون ديـوني
ولكـن لضعـف و افتـقار وصبيـة
صغـار عليـهم تستهـّل شؤونـي
(( قد يكــون هذا الرجـــل هو جـدّي أو جــدّك
أو جــدّ ( العـم صدّيـــق ) ؟؟ )) ..
فــانظر كيـف ارتــقى أجدادنا !!
وكيـف انحدرنـــا !!!!