|
|
|
|||||||
| منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا.. |
![]() |
| مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان) |
|
|
أدوات الموضوع | تقييم الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
رقم المشاركة : 1 | |||||
|
صديق العصافير بقلم: سمير الفيل تلك ضرورة . أن أتجه إلى هناك بأقصى سرعة . فأطوي المسافات ، وأبحث عنه في الثكنات البعيدة التي أخذته ، وطوحته بعيدا عن الدار ، والعصافير ، وأسماك الزينة ، وكلاب السكك المبتردة التي كان يحنو عليها بشكل لم أر أحدا يفعله غيره. قالت لي أمه : جاءني صوته منكسرا وحزينا . انتفضت قلقا ، وزاد توجسي كلما أوغل الوقت في ريبته .سمعتها تبكي في حجرتها . رأيت أن أزوره على صعوبة ذلك . لم أفعلها غير مرة واحدة كنت أمر فيها بالقرب من الثكنات ، وانتظرت ساعتين حتى كادت روحي تزهق من الملل . جاءني يومها فرحا وبشوشا ومد يده ، وتحسس كيس الأطعمة والفواكه . غمز لي بعينيه : أما أنت أحلى أب . صحت فيه وأنا أتأمله مرحا بزيارتي المفاجئة له ، ومعي صديقي الكاتب : سبحان الله . جندي يحمي الوطن صحيح. ضحك ساخرا: أحمي الوطن بقطعة خشب لا ذخيرة فيها. مرت المزحة على خير، وأحضر لنا زجاجتين من المياه الغازية. جلسنا معه يومها لنصف ساعة ثم انصرفنا على الفور في خفاء . المكان بعيد ، وتحوطه الأسوار من كل جانب ، أما المحاذير فأصعب من أن نتخطاها بسهولة. قطار التاسعة الذي ركبته نغص علي ّ البقية الباقية من صفو ذهني ؛ فزحامه مروع ، والأجساد تتصارع كي تحصل على رقعة للوقوف فما بالك بالجلوس . قالت لي وهي تصر لي بعض الأطعمة المطهية منذ دقائق في ربطة محكمة : كان صوته مشروخا من النحيب . ـ هل أخبرك بشيء ؟ ـ لا . ـ فلماذا أذهب ؟ ـ أنا أدري بابني . ـ كيف؟ ـ إنه يتكتم كربه في صدره. هل لي أن أتوجه إلى القائد فأخبره أن لي حقا على " الكاكي "حين خدمت على الجبهة لسنوات ، ودونت كل ذلك في أوراقي . الطريق ملتو ، وأشجار الكافور مصفوفة في المنحدرات . كان يجب عليّ أن أتخطى مزلقان السكة الحديد. شعرت أن القطار دهمني ، وطسني طسا فتوجعت ، وكان الباب سيارة الميكروباس قد انزلق وسقطت بعد أن خدر الكسل جسدي فرحت أتوجع. السيارة التي ركبتها من محطة القطار حتى الثكنات كانت مفاصلها تطقطق ، وركابها محشورون حشرا كقطعة لحم واحدة . كوب ماء في يد شاب ملتح راح يقرأ " يس " ، وبرشامة صداع ، مع بعض الماء المزهرالمرشوش على الوجه. وصلت بعد أن عدلت من هيئتي . عساكر في نفس السن الغض أشاروا لي أن أبقى قليلا في الظل ريثما يمر الضابط في نوبته الروتينية . على الحشائش الخضراء جاءت جلستي ، وخط الجير الأبيض يحدد بوضوح المنطقة المحذورة. وجدته يتلفت ، وبيده قفص صغير من الخيزران ، كان يحركه مسرورا . يميل بجسده الصغير ، وهو يضع الحب في قبضة يده الصغيرة ليطعم عصافيره الملونة : إحذر أن تنقر أصابعك. ـ لا تخف يا أبت. ـ هل ميزت الذكر من الأنثى؟ ـ طبعا ، وسأريك. أدخل يده مترددا فانكمش طائر ، ودخل العش الخشبي في سقف القفص فيما بقى الطائر الآخر يقرب منقاره الصغير المسحوب من اليد في رهبة ينقرها نقرة إثر نقرة ، ويصدر صوتا أقرب للشقشقة الخجولة. اقتربت من كشك الشرطة وسألت : هل أخبرتموه أني هنا ؟ ـ نعم. سيأتي . ـ لقد تأخر . ـ عليك بالصبر قليلا. ـ أنا صابر. ـ اختف هناك لو سمحت . وجودك يسبب لنا المشاكل. في تلك اللحظة وجدته أمامي ، وقد طال شبرين. تراجع عندما رآني ، وتلجلج في الكلام : أنا نجحت. ـ مبروك . هديتك ستكون أول الشهر. ـ لا أريد هدية يا أبي. ـ لكنني وعدتك. ـ اسمح لي أن أربي الكلب . ـ ستغضب أمك فهو سينجس لها المطرح. ـ سأغسله بالماء والصابون كل صباح. ـ لن ترضى ، ستنقض وضوءها. ـ لكنني أريد أن يكون معي . سمح بفسحة صغيرة وسع بها المكان وأراني إياه. كان كلبا بلديا رخيصا لكنه في غاية المرح . يتمسح في بنطلونه ، ويهز ذيله في حبور . ـ لا داعي للمشاكل . ـ والله لن أحدث أية مشكلة . ـ أبعد عن الشر وغني له. ـ أي شر . الكلاب تجلب الخير. ـ يمكنك أن تشتري مسدسا بطلقات ، وتلعب " عسكر وحرامية" . ـ لم أعد طفلا. ـ قلت لك أن الكلب نجس . ـ لكنني لست أمرأة لأربي قططا . ـ لا قطط ولا كلاب. جاءت أمه في تلك اللحظة ، وحالما وقع نظرها على الكلب صرخت ، وأقسمت ألا يدخل البيت أبدا. هي أو هو . وقد انتصرت على الكلب فقد كانت هي الأهم . رأيته يبكي ويخفي دموعه بظاهر يده قبل أن يعطينا ظهره . مرت سيارة التعيين فاختفى الصغير وأمه ، ومرّ كلب هرم لا يشبه الكلب الذي كان الولد قد ربطه بحزام جلدي في عنقه مع شريط من الستان الأحمر منذ سنوات . سمعت لغطا وأصوات ترتفع كي يسرع العساكر بحمل "أروانات" التعيين لتدخل المعسكر بسرعة . مرت سحابة داكنة فأظلت المشهد ، وتفصد العرق على جبهتي ، وأنا أحرك مسبحتي الكهرمان في جلستي القرفصاء ، والعشب يتحرك بنسيم الشمال الذي يسري بنظام عجيب . وضع يديه الصغيرتين على وجهي ، وهمس بصوت خاله غليظا: من أنا ؟ ـ أنت الديك؟ ـ وما لون ريشي ؟ ـ أحمر على أسود. ـ هل أبيض أم ألد؟ ـ لا هذا ولا ذاك . الدجاجة هي التي تبيض . ـ وما كلمة السر؟ ـ الديك الفصيح يطلع من البيضة يصيح. رفع كفيه ، وقال لي في خيبة أمل مصطنعة : عليك واحد . لكنك كشفتني. وخلفه وجدت صندوق صغير وبداخله مجموعة من البلي الزجاجي الملون . طلب مني أن يلعب معي " في العش ولاّ في الطار " . غلبته مرة ، وغلبني مرتين ، دققت في ملامحح وجهه كانت سمرة خفيفة تميزه ، رأيت أنه قد قصر ثلاثة أشبار ؛ لأنني حينما حملته لأدور به في البلكونة مثلما كنت أفعل كلما عدت من العمل وجدته قد خف ، وخف حتى أنني شعرت أنه صار في خفة الريشة ، وحينما أدوخ وتدور بي الدنيا أجده ينزل بهدوء ، و يضع صدره اللاهث على الكنبة الخضراء بمنمنماتها البنية ، وهو يشهق : أنت سكرت. سألته وأنا اقرب وجهي من عينيه البنيتين : من أخبرك بمسألة السكر يا ولد؟ ـ أنت. ـ متى؟ ـ يوم ذهبنا للصيد قلت لي أن اصطياد كل هذا البلطي أسكرك . ورأيتك تتطوح؟ ـ أنا يا ابن الذين... حملت الصرة من جديد وحاذيت السور ، وذهبت إلى البوابة الخلفية ، فصدمت لأن الجنزير الحديدي كان يغلقها بإحكام شديد . عدت شاعرا بالضياع ، ومالبث أن غمرتني نوبة من الضيق . قربت وجهي من شبكة الحديد بفتحتها المدورة : أهو بخير؟ ـ نعم. ـ لماذا تأخر؟ ـ سيأتيك حالا بعد أن نجهز الأمر. ـ ما الذي تجهزونه ؟ ـ لا شيء . قبل أن أحتج وأضرب بقبضتي الباب المغلق ، وضعت يدي على شعره الناعم ، ولاحظت انه مبتل . ملابسه كانت هي الأخرى تقطر الماء . قسوت عليه وأنا أهدده بالكلام : سأضربك لو كذبت علي ّ. ـ لن أكذب. ـ هل نزلت النيل؟ ـ نعم. ـ لماذا عصيت أوامري؟ ـ كنت أريد أن أعرف كيف تسبح الأسماك. ـ بالزعانف والذيل . ـ عرفت ذلك لأنني صرت في النهر سمكة ! ـ وماذا لو غرقت ؟ ـ كان معنا طوق مطاط. ـ إذن هو شيء مدبر. ـ أبدا. ـ من كان معك من الأولاد. سأخرب بيوتهم . ـ لا أعرفهم. كنت أدرك أنه يتستر عليهم ، ويحميهم بصمته . خلصتنه أمه من ضرباتي الطائشة . فز الولد من مكانه عندما لوّحت له أن يذهب ليغير ملابسه ، وأقسمت برحمة أبي أن أحرمه من المصروف شهرا. ربما سمعني لأنه ابتعد عني ، واستعصم بالصمت وهو يجذف بيدين قويتين مبتعدا عن الشاطيء ، صحت فيه أن يعود ، لكنه طلب مني أن انتظر لدقائق ، وابتعد حتى لم أعد أرى القارب . بعد أن غفوت من التعب وجدته عائدا ويده تلوح لي والأخرى تحمل جرة من الفخار . كان ريقي جافا فتجرعت الماء السلسبيل . هبط من القارب ، ثم ربطه في حبل قصير مجدول بشجرة سدر ، وهزني : أفق. أفقت فعلا فإذا السور بنفس امتداده البعيد البعيد ، وصفوف من العساكر تدخل ، ويغلق الباب من جديد. أنّت المفاصل وسمعت من ينادي باسمه . فتح الباب المواجه لجلستي بشكل موارب، وسمحوا لي بالدخول. ـ ابني . كان حليق الشعر . ـ ماذا بك؟ صمته يؤرقني ، وفي عينيه دموع حبستها كرامة لشاب يقترب من حدود الرجولة. ـ هل آذوك يابني؟ لمحت خيطا لا يكاد يرى من الأسى يتسلل إلى الوجنتين. ـ لماذا جئت ؟ ـ لأراك؟ ـ حضورك أتعسني . ـ لم أقصد . ـ تحملت الألم وحدي . ـ والآن .. ـ أفسدت كل شيء . ـ لماذا تعاتبني ؟ ماذا حدث ؟ هل فعلوها معك؟ ـ نعم يا أبي . دخلت السجن . ـ وضح لي . ماذا فعلت ؟ ـ كنت في الخدمة ، وكاد زميلي يقع من طوله لأنه صائم طول اليوم. ـ ثم؟ ـ تركت مكاني للحظات كي حضر له زمزمية ماء. ـ ولماذا لم يذهب هو؟ ـ الواجب كان يقتضي أن أفعل أنا. ـ لماذا؟ ـ كان يغمغم كالشارد أنه عطشان . وقد ذهبت دون أن أفكر في العواقب .ثم أن الجميع يفعلها . أكملت : وجاء الضابط ، وأحالك " مكتبا " إلى القائد. ـ نعم. ـ والباقي معلوم. ـ لكنني ورحمة جدي لم أفعل ما يستوجب العار. ـ أعرف . لكنك أخطات. لا يترك جندي مكان خفرته. ـ آه . قوانين الضبط والربط. ـ بدون ذلك لا ينتظم الأمر . ـ أكنت أتركه يسقط من الإعياء؟ ـ وماذا حدث لك هناك؟ ـ لا شيء . ـ بل حدث . ـ قيدوا يديّ ، وصفدوا أقدامي بالأغلال لأسبوع كامل؟! ـ أسبوع. كان يكفي خدمتان زيادة . ـ نعم . لم أذق النوم يا أبي أسبوعا. تأملت وجهه الهضيم ، والتفت إلى العساكر الذين أخلوا لنا الحجرة الملاصقة للبوابة . كانوا يتحدثون في همهمة غاضبة ، وقلوبهم مع زميلهم . أبني . قال لي واحد من العساكر وهو يعدل الكاب: ابنك جدع . وجاء صوت لشاب نحيل في نفس سمرته : طيب وخدوم . أحضر ثالث كرسي وربت على كتفي : نحن نحبه جدا . تحركت أصابعه على الأورج ، وتصاعدت النغمات فملأت المكان " حمامة بيضا .. ومنين أجيبها " . كنت أشجعه بهزات من رأسي ، وكانت أمي تقف بالصينية على الباب متسمرة ، وهي توّقع دقات متتالية بمشط قدمها الأيسر. غنى بصوت ملائكي " طارت يا نينة . عند صاحبها " . صدمتني النظرات المصوبة نحوي من ثلاثتهم . انصرفوا وتركوني معه ثانية . صرنا بمفردنا . قلت لأنهي الحديث المليء بالمرارة : هي تجربة. ـ لم تعد الحياة مقبولة. ـ كلنا تعرضنا لأكثر من هذا. ـ أنا لم أتعود. غمرني السكون ، ورسفت في كثبان رملية هائلة أوشكت أن تبتلعني فصرخت في الصحراء اللانهائية : أريد جرعة ماء . سألني ، وأنا أمد يدي بالصرة : ماهذا؟ ـ طعام جهزته أمك؟ ـ لا أريده . ـ لو أرجعته ستقلق. ـ ضعه هنا. ـ حاضر. ـ من فضلك لا تخبرها بما حدث لي. ـ لا , لن أخبرها. ـ قل لها أنني بخير. ـ سأقول . ـ وقفص العصافير الذي كنت أخبئه فوق السطوح. ـ أعرفه . ماله ؟ ـ من فضلك تخلص منه. ـ لكن. ـ ولي عندك طلب بسيط يا أبي. ـ تفضل. ـ فتش لي عن عقد عمل عندما أنهي خدمتي. ـ لكنني لا أريد لك أن تسافر. ـ سأبحث أنا. كانت ضمته حنونة ، وموجعة . في كل مرة كان يغادر البيت كنت أكتفي أن أسلم عليه بحرارة. مع الضمة الرحيمة شعرت بروحه المتعبة تنهنه .تحاشيت أن يقع بصري عليه . تسرسب صوته مختنقا : مع السلامة. صوبت نظري إلى الرمل الأخرس . تأهبت للإنصراف ، ولم أنظر خلفي ، فيما كان العساكر يفكون الجنازير كي أعود للطريق الذي أتيت منه. القاهرة 17/7/2007
|
|||||
|
|
|
رقم المشاركة : 2 | |||
|
صديق العصافير نص جميل جدا |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 3 | ||||||
|
اقتباس:
شكرا لك يا صديقي يومك سعيد..
|
||||||
|
![]() |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| العصافير لا تموت في اليابان | سوزان النبواني | منتدى القصة القصيرة | 14 | 04-06-2007 02:19 AM |
| شجرة العصافير | خالد عبد الكريم شوكة | منتدى أدب الطفل | 1 | 27-05-2007 01:18 AM |
| حوارية نار الجسد والحديد والنحات السعودي (صديق واصل) | عبود سلمان | منتدى الفنون والتصميم والتصوير الفوتوجرافي | 16 | 17-10-2006 05:25 PM |
| صديق واصل والتحدي الكبير في النحت السعودي المعاصر | عبود سلمان | منتدى الفنون والتصميم والتصوير الفوتوجرافي | 0 | 17-03-2006 06:09 AM |
| أبحث عن صديق فهل ألقاه ؟ !!! | نور123 | منتـــدى الخـواطــر و النثـــــر | 3 | 19-10-2005 03:51 AM |