رسالة ٌ تحمل ُ بين أسطرها ، أسو أ خبر ٍ ،
بهجة ُ الأحرف ِ تلذعه ُ كالنار ، تزف ّ له ُ خبر َ تصدّر روايته الجديدة ،
قائمة - أكثر المبيعات - !
نار ٌ لن تخمد َ ، ستشتعل ُ أكثر كلّ الطريق الى احتفال ِ خسارته ِ !!
هي الحياة من التناقض ،
ُتصر ّ دائما ً أن تحتفظ لنفسها بحق المفاجئة ،
ما بين تفاصيل العمق والسخافة ،
تبدأ وتنتهي أسطر الحكاية !
تذكّر َ في عز ّ ثورة وجدانه صديقه الناقد - صامد - حين كان َ ُيردّد دائما ً
أمامه مقولته ُ ... بعض الرجال من العمق ِ أنهم حين يسقطون
تكون تفاصيل السقوط خالية من العمق ،
لا تحمل بين طيّاتها سوى تفاصيل السخافة وأبعادها !
تاريخ الصمود ، قد لا يشفع ُ أمام لحظة اغراء ٍ استثنائيّة ٍ ،
ُتثير ُ الُمنبهر َ ، ثورة الساذج ِ حين يلمح ُ دربا ً من الدهاء والاغراء
تحتاج ُ لكثير ٍ من العمق لعبورها .
الشهوة ُ المُقيّدة ُ بلباس ِ التحشّم ، حينَ تخلع ُ ثيابها ،
غالبا ً ليس الاغراء ما ُيغريها ! بقدر ِ ما تشاء ُ لنفسها اختبار َ
ملامح شكلها بزيّ ٍ آخر !
عيش الحياة من دون الخوض ِ بتناقضاتها ، قد ُيفرز قطيعة ً وجفاءا ً ،
يجعلان النفس َ يوم َ ُتستثار ُ .. ُتسرع ُ لتلحق َ بما قد فاتها ..
فيأتي الركض أسرع وأكثر تصميما ً !
لحظة ُ التحرّر ، لحظة الانطلاق ِ من القفص ِ ، هما أخطر اللحظات ،
حين َ تكسر ُ النفس َ قيودها ، تختبر ُ لذّة التسيّب ِ ،
قد ُتقبل ُ من دون ادراك ٍ نحو لحظات ٍ تتعرّى عندها من كل وسائل الحذر ،
فلا ُتبصر بعدها .. أنها تسير ُ بخاطرها صوب قيد ٍ آخر ،
قيد ٌ من دون ِ قضبان ٍ ، من دون ِ سجّان ٍ ،
فالسجن ُ الأسو أ .. يوم ُيصبح ُ سجّان النفس ِ ..َ نفسها !
لا أجد ُ ما ُأبرّر ُ به موافقتي لعرضها .. سو ى لحظة ضعف ٍ امتلكت ْ وجداني
جعلته ُ لا ُيبصر ُ أبعد .. من جمالها العانق أمامي .
فوضى الاستفزاز والانبهار ،
لحظة ُ تحرّر ٍ هيمنت ْ على المنطق فجرّدتْه ُ من منطقه ..
لينغمس َ بسحر الرهان ِ ُمقتنعا ً بالفوز ِ !
دون أن ْ َأعي دخلت ُ ملعبا ً ليس َ ملعبي ،
ولبست ُ ثوبا ً ليس َ على قياسي !
كان َ من الواضح لحظتها أن الرهان منصف ٌ ،
أو هكذا على الأقل ّ شعر َ وجداني المبهور ِ بتحد ّ ٍ ُأنثوي ّ ٍ ..
كان لا بد ّ له من تحريك فحولة رجولتي ..
حين
ُيفكّر
الرجال ُ
بمنطق
الفروسيّة ِ ....
يا لدهائها وذكائها .. جعلتني طريدة من دون علمي !
اصطادتني !
َأدخلتني ساحة نزالها ُمصمّمة أن َأستخدم َ أقوى أسلحتي !
نقاط القوة تبقى قويّة حتّى يرصد الند ّ ما فيها منْ قوّة ٍ ُيسخّرها لصالحه !
فإن أفلح َ انقلب َ سلاحي ضدّي
يخدم ُ ندّي كي يصل َ أولا ً خط ّ النهاية ..
لحظة صحوت ُ من لحظتي التي خطفني الزمن بها من زمني ..
َأبصرت ُ انني قد دخلت ُ رهانا ً غريبا ً ،
انْ فزت ُ به خسرت ُ !
وان ْ خسرته ُ فاز َ به ِ ند ّي ! ...
معضلة ٌ من السخافة ِ لم ُيصادفها ابداعي من قبل ،
لا على أسطر رواياتي ، ولا في مجالات حياتي ،
وتأتي السخرية أن ّ التحدّي جاء .. ليفضح َ سخافتي على أسطر الحياة ،
من خلال روايتي !!
هاتفتني قبل َ بضع دقائق ،
هاتفتني لتطمئن َ على مشروع الرهان ِ ، أو لعلّها شاءت ْ سماع َ
بحّة صوتي ، فنبرة الكلام ِ تكشف ُ الكثير ممّا ُيخفيه ِ كلّ الكلام !
رواية ُ الرهان في طريقها نحو خاتمتها ..
حاولت ُ أن ُأحمّل َ موجات صوتي عبر الاثير زخم الثقة والتمكّن ِ ..
حاولت ُ .. لكن يبدو أنّها لم تقتنع بمناورتي ،
انْ شئت َ فضّ الرهان ِ فلا بأس ، كل ما عليك َ قوله ُ أنّك َ
تريد الانسحاب .
لن ْ ُأهديك ِ لذّة هزيمتي بهذه السهولة .. أجبتها بآخر قطرة ٍ من كبريائي !
وكأنّها كانتْ تقرأ أفكاري .. ففجّرت ْ بسؤالها التالي .. ناري ...
لماذا يشعر ُ الرجل ُ حين تنتصر ُ الانثى عليه أن ّ حجم الفاجعة ..
وقبل أن ُتنهي سؤالها أجبتها بسرعة البرق ..
لم ْ تنتصري بعد يا عزيزتي ، تذكّري هذا ...
سأتذكّر أنّ من يضحك أخيرا ً يضحك كثيرا ً ،
وبثقة الانثى الواثقة من تأثير ُأنوثتها سارعت ْ إلى اقفال الخط ّ ِ .
عايشت ُ بعدها برهة ً من الزمن وكأنّي ألمح بسمتها دون ان أراها ،
بسمة ُ المنتصر ِ الذي يعي أن الطريدة َ قد دخلت ْ القفص ولا تجرؤ على
الخروج منه ، مع أن باب القفص ما زال َ مفتوحا ً !!
بدأت ْ معركتي معها في ساحة حفل ٍ تكريمي ّ ٍ ُيكرّم نجاحاتي
الابداعيّة السابقة ،
جاءتْ بجمالها المُبهر ، وثيابها البراق لتخطف َ الاضواء وقلوب
كل ّ من كان في الحفل .
كانت ْ قد أصدرت ْ سابقا ً مجموعة قصص ٍ قصيرة ، لا أذكر ُ حتّى عنوان
المجموعة ،لكنني كنت ُ قد تابعت ُ انقسام النقّاد ما بين الاطراءات
والاستخفاف بالقيمة الابداعيّة للمجموعة ...
لاحقا ً بدأت ِ الالسن تتناقل أخبار مغامراتها العشقيّة ،
وكيف أنّها تتنقّل بين غرف النوم دون أيّ حاجز ٍ أو قيد .
وكان للنقّاد القسط الأكبر من الصيد .
فربط البعض ُ بين أدائها فوق السرير , ومدح قيمة عملها الابداعي ّ
على الاسطر .
تزوّجت ْ قبل سنة ٍ أو أكثر بقليل من رجل ٍ لا علاقة له بالفن والابداع
سوى أنّه أصبح يملك أكبر دار ِ نشر ٍ في المنطقة ِ ،
كان قبلها يعمل حارسا ً في الليل ، فبزغ َ فجره ُ عند موت عمّ ٍ له في
استراليا كانتْ أخباره ُ قد انقطعت ْ منذ زمن ٍ طويل .
أمّا الورثة الطائلة التي حطّت ْ على الحارس جعلته ُ ُيبدّل من مهنته ِ ،
وتفاصيل حياته التي انتهت بالزواج منها ..
فالمسكين كان قد تجاوز الاربعين حين داهمه الثراء ، وهي كانت ْ في بداية
العشرينات من ربيعها ..
اشترطتْ عليه انشاء دار نشر ٍ لترضى به زوجا ً ، فاستثمر بضع مئات الاف الدولارات
ليُساهم في تطوّر زوجته ابداعيّا ً ، وأصبح لها العذر في المغيب عن البيت ،
لعدّة أيّام ٍ كل شهر ٍ ، بحجّة المشاركة بمؤتمرات ٍ ثقافيّة ٍ أو ندوات ٍ حول
الادب بشكل ٍ عام ،
صحيح أنّها كانت ُتشارك وتحرص على توثيق مشاركتها بالصور لتظهر على غلاف
مجلّة ( الفن الراقي ) التي موّل اصدارها زوجها شهريّا ً ،
لكنها كانت ْ تنتهز الليل لتكشف لبعض النقّاد عن مواضع القوّة في ابداعها
وسر ّ جمال أسطر أعمالها ...
كانت ْ تقنع بمنطقها كل ّ المحرومين من تضاريس شيطانيّة لا ُ تقاوم .
في نهاية الحفل التكريمي ّ ، اقتنصت ْ لحظة كنت ُ بها بمفردي ،
فتقدّمت ْ وبعد التحيّة أثنتْ على روايتي الاخيرة ببضع كلمات ٍ ،
ثمّ استطردت ْ قائلة :- حان الوقت أن تتطرّق لمواضيع أخرى ، أكثر بساطة من
الالتزام ، القيم ، والثوابت ، فأنت َ من التمكّن الابداعي ، يمكنك َ اقتحام
مساحات ٍ جديدة كالملل ، الضجر ، التسيّب ، السخافة كمواضيع أدبيّة ..
أم ْ أنّك َ تهاب التجارب الجديدة ؟
أنا ! .. بالعكس ، لكنني لست ُ مقتنعا ً بالفكرة ِ ..
وكيف َ تقتنع ما لم ْ ُ تجرّب ؟! أأنت َ من الذين َ يحكمون َ على الاشياء
دون أن ْ يخوضوا بتفاصيلها ؟! لم ْ َأتوقّع منك َ مثل هذا الرد ّ والتردّد ...
نظرة التحدّي تلك َ لن ْ َتغيب َ عن ذاكرتي أبدا ً ، فيها من الجرأة ،
من الثقة بالنفس ، فيها من الاستفزاز أنك َ تشعر ُ وتعي جيّدا ً
أبعاد مقولة شكسبير - أن تكون أو لا تكون -
ما الذي يدور بباللك ِ فالصراحة ُتقصّر المسافات ..
أعلم ُ أنك َ لا ُتقدّر ابداعي .. بل وتغار من شهرتي ، زاعما ً أنني لا أستحقّها ..
فماذا لو قمنا بتغيير الادوار ..
دعك ِ من المناورات ِ ، أفصحي بالايجاز ..
رهان ٌ .. هل تخشى من الرهان ؟
وبعد ُ عزيزتي ، عن أيّ رهان ٍ تتحدّثين ؟
أن تكتب رواية ً سخيفة ببراعتك الابداعيّة المعهودة ..
وماذا لو فزت ُ ؟
أنشر ُ اعترافا ً بسخافة ِ مجموعتي القصصيّة ..
أمّا اذا خسرت َ ...
ماذا لو خسرت ُ ..
تنشر قراءة نقديّة تشيد بها لقيمة ابداعي شكلا ً ، فكرا ً ، ومضمونا ً ..
ما رأيك َ ،
هل أنت َ من الذين َ يخوضون السباحة َ ضد التيّار أم أنّك َ من الذين يكتفون
بمرفىء ٍ آمن ٍ يقبعون في مكانهم فقط ...؟ ..
مرت ْ بضع ثوان ٍ كانّها أسابيع طويلة ..
لم أشعر ْ بنفسي حين سألتها .. ومن يكون الحكم بيننا ؟
قائمة - أكثر المبيعات - طبعا ً .. فانْ دخلت ْ روايتك َ في خلال عام ٍ
من صدورها لائحة المراتب العشر الاولى للأكثر مبيعا ً تفوز
أمّا بغير هذا .. فانّكَ تخسر الرهان ..
تذكّر لديك َ عاما ً للكتابة وعاما ً آخر من لحظة صدور الرواية حتّى النتيجة ..
هل من شروط اخرى عزيزتي ؟
فتبسّمت ْ وتركتني لقدر ٍ من المجهول أرعب َ عظامي ...
هنيئا ً لك َ .. نظرت ُ فاذ ْ به صديقي صامد ،
تستحق ّ هذا التكريم الُمشرّف ، فانت َ نموذج حقيقي ّ للالتزام
والاديب الذي يحمل في صدره رسالة هادفة ...
وبهذه المناسبة السعيدة سأدعوك َ الى العشاء .. على حسابك َ طبعا ً
كنت ُ في غاية الحاجة ِ لهذه المفارقة ِ كي ابتسم مخفّفا ً عن نفسي ...
فالحمل الذي بانتظاري أكبر من قدرتي على الاحتمال ...
عام من الكتابة ِ ،
حاولت ُ جاهدا ً أن ُأفقد ملامح روايتي من كل ّ ميزة ٍ ُتوحي بالقيمة الابداعيّة
الراقية ،
فبناء الشواهق فيه من الصعوبة ، ظننت ُ دائما ً أن الهدم أسهل بكثير ,
لكن ّ بناء رواية من السخافة لم يكن ْ سهلا ً كما ظننت ُ !
عام من سخافة التفاصيل ، من تبعثر المعنى والرابط الخفي ّ بين الاحداث ،
كنت ُ على يقين ٍ أنّ النقاد َ سيتهافتون على فضح ركاكة روايتي !
ما أصعب التواطىء على الاسطر ِ لكي ُنحافظ َ على قيمة ٍ في الحياة !
عام من كابوس ٍ كان َ لا بد ّ له ُ أن ْ ينتهي ،
لاستيقظ َ ، لاعاود نشاط عزيمتي ،
كنت ُ ُأراهن أن ّ تاريخي الابداعي ّ سيشفع ُ لي ،
فلكل ّ حصان ٍ كبوة ، ُتغفر ُ له ُ حين يعود الى السباق بجوهرة ابداعيّة
ُتغيّب من الذاكرة حادث السقوط !
سفري الُمفاجىء الى النمسا لم يكن ْ الا محاولة هرب ٍ خطّطت ُ لها
مسبقا ً ، لم ُأفصح لاحد ٍ عن وجهة سفري ،
كنت ُ آمل ُ أن تمر ّ الموجة ُ الاولى من زوبعة النقد اللاذع ، التي ستتهكّم على
سقوطي من خلال روايتي الجديدة التي ستوزّع بعد غد ٍ في الاسواق .
أسابيع عديدة ٍ من الراحة التامة ، ليالي الانس في فيينا ،
عدت ُ أدراجي بعدها بهمّة ٍ وعزيمة ٍ ،
كنت ُ َأعلم ُ أنّ المجابهة ستكون من العيار الثقيل ،
لكنني لم أهرب يوما ً من ساحة النزال ِ ...
حطّت ْ طائرتي مطار عودتها ،
كنت ُ في طريقي لاتمام معاملات الخروج من المطار ، حين َ استوقفتني ،
فتاة في ريعان شبابها ،
أتسمح ُ بتوقيع ٍ ؟
لي الشرف ُ ..
أخرجت ْ من حقيبتها مفاجئة ً كنت ُ َأتمنّى أن ْ ُتحذف من تاريخي ،
فاذ ْ بي ُأوقّع بخطّي وثيقة تأشيري لها لتأخذ َ موقعها في مسيرتي ..
وقّعت ُ للفتاة والتردّد ينعكس ُ في ملامحي ، ُيعبّر ُ عمّا يدور بداخلي ،
لم تنجح الفتاة بفك ّ ِ ُلغزي ومضت ْ الى دربها .. وانا أكملت ُ طريقي
خائفا ً من كل خطوة ٍ فوق الدرب الذي لم ْ أعد أدري الى أين يقودني ،
فبهجة ُ دخولي الى البيت ، الى غرفة المكتب ، كانت ْ قد أخذت ْ لونا ً
نابضا ً بالحزن ِ ...
هممت ُ بتحضير فنجان قهوة ٍ حين رن ّ الهاتف ُ ،
قالت ْ جملة واحدة فقط قبل ان ْ ُتقفل الخط ّ من دون سماع ِ ردّي ،
أهلا ً بعودتك َ أيّها الُمتألّق ...
ففتحت ْ بابا ً جديدا ً من فصول الرواية ِ اللعينة ، لأجد َ نفسي في قصّتي
مجدّدا ً أحياها بعد ان ْ ظننت ُ أنّها في طريقها ذاكرة النسيان ...
وقع َ بصري على رسالة ٍ كانت بتاريخ الامس وضعها مدبّر المنزل قطعا ً
كعادته على طاولة المكتب ،
كانت ْ من الناشر َتزفّ ُ لي نبأ تصدّر ِ روايتي الجديدة قائمة -أكثر المبيعات -
للشهر الفائت ...
ألقيتها على الارض كمن ْ لذعته ُ النار ، التي ستشتعل على مهل ٍ
أكثر وأكثر .. لتحرقني يوم أنشر ُ على الملىء شهادتي لها أنّها
من المبدعات اللامعات ..
هذا الاعتراف ُ الُمتخفّي بزيّ ٍ لا يفضح ُ سوى زي ّ الهزيمة والسخافة
في موضة العري ّ ..
دهاء المرأة .. ومجاراة الرجل ِ .. أحيانا ً لا يكون النزال ُ جديّا ً الا ..
على صفحات السخافة التي .. ُ تزيّن أسطر روايتي ..!!
( النهاية )