من وفيات لم تمت بعد
هاأنذا ألملم بقاياى ، تلتقط روحى أنفاس الدنيا ، تلتئم مخاوفها ، ترجع إلى مستقرها ، حيث جسدى العائد بها إلى الحياة ، أستشعر جينات التمرد التى التقطت صيحات الأمة بعد كل هذه السنين ، أتحسس ملامحى بعد طول غياب ، ما زالت تلك الملامح الحادة وجبهتى العريضة سرا من أسرار التمرد ، أقرأ أسمى على مقابر الشهداء وذلك التاريخ المشئوم المدون أسفل الشاهد ، فتحضرنى دموع أمى التى ما زالت تبلل القبر ، فهل سأرجع إليه مرة أخرى ؟ أم أن زوجتى ستهنأ بى هذه المرة ؟
توجهت إليها فدائما أنسى معها احتضاراتى المتكررة ، أقرأ حبى فى عينيها ، حاولت الاندماج معها لكن صيحات التلفاز المستمرة تحثنى على النهوض .
- صوتك ... صوتك .. صوتك أمانة
نهضت على الفور ملبيا النداء ، بعض الأصداء بالخارج تأمرنى بالجلوس فأجلس ، ألقى نظرة فاحصة لأركان الحجرة ، أمر على وجه ولدى ، ابحث عن جينات التمرد بداخله فلا أجدها ، يعاود التلفاز ثرثرته فأنتفض ناهضا ، بعد أن أكدوا لى أن أسمى بين قوائم الأحياء ، ثم تعود الأصداء الرافضة لصيحاتها فأخر جالسا مرة أخرى .
أتذكر عادتى فى مؤانسة النافذة ، بعض التحركات السريعة على مرمى البصر ، وأصوات لم تختلف رغم مرور السنين ، واختلاف الكلمات ، تزداد مشاعر الترقب لدى زوجتى كى تغلق الباب ، وتلقى بالمفتاح فى خزانتها المعهودة ، اقطع أمتار الغرفة ذهابا وإيابا ، يثيرنى بلاط الأرض .
- تلات بلاطات بالطول ، وتلاته بالعرض ، يبقوا ستة فى أربع بلاطات على جنب يبقوا أربعة وعشرين .. أربعة وعشرين !! لما هما تسعة .. باين عليا اتجننت .
يرتفع صوت التلفاز ، يختلط بالصيحات الخارجية وطلقات الرصاص ، أقفز من النافذة ، أقترب من رفاقى فى القبور المجاورة ، يتردد نشيد بلادى ، تنتابنى القشعريرة ترتفع درجة حرارتى ، تحملنى أكتافهم ، تمر شوارع القاهرة من أمامى ، ومعها تلك الهراوات التى بدأت عملها وتناستنى على غير العادة ، تنتابنى حالة من الدهشة ، لقد كنت دائما صيدا سهلا للأقدام المتدافعة ، رجعت منتشيا ، أحاول استنشاق رائحة الأمان من خلال مكونات البيت ، إلا أن وقع أقدام الفلول الهاربة المقتربة من البيت ، يغتال نشوتى تنطلق إحدى الطلقات كى تستقر بجدار الشقة تصرخ زوجتى ، نلتف حولنا ، يحتمى ولدى بملابسى المبعثرة على جسدى ، تخترقنى إحدى الرصاصات لكى تستقر فى جسده تصعد روحى سريعا هذه المرة قبل أن أفعل شيئا .
- يشتد صراخ زوجتى ، تحتضن ولدها النازف ، تستقر به داخل سيارة الإسعاف ، تزداد سرعتها ومعها تلك الرصاصات التى اخترقت قلب زوجتى ، كى تنفرج شفتاها بابتسامة لم اعهدها :
- - أنا معاك يا حبيبى
- لسه عينيكى قاعدة حلوه
- عينيا حلوة وأنا ميته ، هات المرايه كده
أنت ملاك والملايكة عمرها ما شافت نفسها فى المرايه
لم تسترح روحها بعد صعودها جوارى .. كان همها روح ولدها التى تحاول الخلاص وجسدها المحشور داخل السيارة ، كان السائق قد أعلن توجهه إلى أقرب صندوق ، على مرمى البصر شرعت بعض القوات فى إقامة الحواجز ، لم ترتعش يد السائق ، اخترقت الحواجز ، والتحمت الأجساد داخل الصندوق الأخير ، عندما أعلن المذياع عن انتهاء العملية بسلام .