أعطانيها مدرس التاريخ عندما كنت في الصف الرابع الابتدائي. كان مدرساً جديداً، مكث في المدرسة أربعة أشهر فقط. لم يكن أفضل المدرسين، ولكنه كان يحادثنا في أشياء كثيرة، وكان يعاني من شقاوتنا ومن الشكاوى بأنه لا يشرح شيئاً. وإذا به ذات يوم يعلن علينا :
- هذه هي آخر حصة لكم معي.
رغم كل شيء أفزعنا الخبر. كان البعض يعلن دائماً أمامه أنه لا يفهم منه ولا يريده. ولكن لا أحد ظهر عليه الفرح. سأله أحد الأولاد :
- لم يا أستاذ؟
- سأترك المدرسة.
ساد الهرج في الفصل. كلٌ يقول كلمته الطفولية .طرق بعصاه على الكرسي وقال:
- انتبهوا معي للدرس.
بعد انتهاء الحصة ذهبت إليه. كنت أفضل تلميذة في فصله ودائماً يخبرني أنني الوحيدة التي تبيض وجهه بدرجاتي النهائية. سألته:
- لم يا أستاذ ستترك المدرسة ؟
قال لي وهو يبتسم :
- التدريس ليست مهنتي. ألم أقل لك ذلك من قبل؟
لم أهتم كثيراً وقتها بما قاله، فقط اهتممت بمثل ما يسمح به سني:
- أريد منك تذكاراً.
- تذكار؟
- نعم. خطاب منك أحتفظ به.
ظهرت عليه السعادة .أخرج المحفظة من جيبه وقال:
- سأعطيكِ شيئاً أفضل.
أخرج ورقة من المحفظة وأعطاها لي. كانت ورقة تشبه الجنيه لكن أضخم ، وعليها كتابة بلغة أقرب للإنجليزية.
- احتفظي بها ولا تعطيها لأي أحد. وتذكريني بها دائماً.
قالها وسار مبتعداً . ولم تقع عليه عيني من يومها.
*********
عدت للمدرسة بعد عشرين عاماً من آخر لقاء به . عدت بسببه . رغم أنني نسيته كلية بعد أسبوع واحد من مغادرته المدرسة. إلا أن العملة ظلت معي. سعدت بها وأخفيتها بين كراساتي وكتبي، وأحيانا في ملابسي. لم أطلع أحد عليها خوفاً من أن يأخذها مني. وفي بريطانيا حيث أعيش وأدرس . رأى العملة أحد زملائي. كنت أبحث في محفظتي أمامه فلمحها. قال في حماس:
- هل يمكنني أن أشاهد تلك العملة؟
عاد إليّ خوفي القديم، ولكنني استعدت توازني وسخرت من أفكاري الطفولية. أخرجت له العملة .أمسكها أمام عينيه وأخذ ينظر إليها في انبهار، ثم قال لي في صوت عال جداً:
- إنها هي. عملة ألمانيا في بداية القرن التاسع عشر. إنها تساوي الملايين.
تسارعت الأحداث بعدها. فجأة وجدت بين يدي مليونين من الجنيهات الإسترلينية . فجأة تذكرت صاحب العملة مرة أخرى. وبعد غياب ست سنوات عن مصر أعود إليها. وبعد خمسة عشر عاماً أو يزيد أذهب إلى مدرستي القديمة. هي المكان الوحيد الذي أعرفه ومن الممكن أن يدلني على الأستاذ هشام صاحب العملة النادرة ،و المستحق الأول لثمنها.
********
كان لي زميلة في المدرسة القديمة. وكانت أختها تدرس لنا الرسم . ذكرت لي مرة أنها جارة قديمة لأستاذ هشام، وتأكدت من ذلك عندما كنت ألمحه يسألها عن والدتها ووالدها .كان أملي كله منحصراً أن أجد أختها لا تزال في المدرسة، أو حتى أجد من يدلني عليها. أول ما ذهبت كان إلى غرفة الناظر. وجدت امرأة في العقد الخامس. أخذت أفكر أين رأيتها من قبل. نظرت نحو مكتبها لعلني أجد ما يشير إلى اسمها. صادف الاسم المكتوب على لافتة من الخشب هوى في نفسي. تحت كلمة ناظر المدرسة وجدت أكثر اسم أتمنى أن أراه. مدرسة الرسم القديمة . الأستاذة فاطمة بكري.
- هشام مصطفى؟
- نعم
تنهدت وكأنها تستعيد الذكريات ، ابتسمت في ضعف ثم قالت:
- لم أره منذ خمسة عشر عاماً.
أحسست بأن ضوء الأمل الوحيد سينطفئ في الكلمة القادمة.
- كنت أنا من أحضر له الوظيفة. ولكن أحلامه كانت أكبر من ذلك. كان يريد أن يصبح أديباً. وانظري ماذا فعل بنفسه.
- ماذا؟
- آخر ما سمعت أن يعيش عاطلاً. يهيم على وجهه في الطرقات بلا هدف، لا يفعل سوى أن يكتب قصصه ويرسلها للجرائد ،ويمكث منتظراً أن يرد عليه أحد.
تساءلت وقد أخذتني القصة:
- ثم؟
تنهدت مرة أخرى وقالت:
- لا شيء انقطعت عن البيت القديم . سمعت أن أمه توفيت وذهبت للعزاء. لكنني لم أره هناك .
بدت وكأنها قالت ما عندها . لكنها سألتني فجأة:
- ولكن أخبريني : ما سبب سؤالك عنه؟ كان لك أساتذة كثيرون هنا .لم هو بالذات؟
فكرت أن أخبرها السبب الحقيقي . ولكنني قلت:
- أحضر دراسة فلسفية وكنت أعلم أن لديه كتب نادرة في الفلسفة. ألا يمكنك أن تخبريني بعنوان البيت القديم أو عنوان أحد إخوته.
بدت غير مقتنعة ولكنها قالت:
- عنوان البيت القديم لن ينفعك فلا أحد هناك.
- ربما أجده بنفسه هناك.
ضحكت في تهكم وقالت:
- ربما . سأكتب لك العناوين الثلاث.
*********************
كانت أول صدمة لي أنني لم أجد للبيت القديم أثراً. كل ما وجدت هو أرض فضاء . دخلت بقالة في المنزل المقابل وسألت صاحبها . كان كهلاً في العقد السابع . أخذ يتذكر بهدوء ثم قال:
- هشام؟ عندما هدموا البيت كان خالياً من السكان.
- نعم ولكن أين ذهب هشام مصطفى؟
- هشام لم يظهر في المنزل منذ وفاة أمه. قبل هدم البيت جاءت أختاه وحملوا الأثاث وذهبوا به. أما هو فلم أره منذ سنوات.
- ولم تسمع عنه أي شيء؟
- سمعت من أخته أنه قاطعها .
- أي أخت؟ رانيا أم هبه؟
- رانيا. وربما قالت لي انه قاطع الأخرى أيضاً. لا أذكر. السن يا ابنتي له أحكام.
شكرته وكنت على وشك المغادرة ، ولكنه قال فجأة:
- لن تجدي أخته الصغرى في العنوان القديم. إنها تعيش في فيللا الآن.
نظرت في ورقة العنوان ووجدت أن العنوان الموجود لمنزل في حي شعبي.. سألت البقال:
- وهل لديك عنوان الفيللا؟
ابتسم كاشفاً عن فم خال من الأسنان وقال :
- نعم أنا صديق للعائلة كما يقولون. وأخته رانيا أعطتني العنوان حتى أعطيه لهشام إذا وجدته. مازال لديها أمل أن يرجع لعقله.
*****************
جلست أنتظر رانيا وأتأمل ما حولي. أخذت أتساءل "إن كانت أخته ثرية فلم كان يعيش كما يقولون؟". سمعت صوت خطوات على السلالم المؤدية للطابق العلوي. استدرت فوجدت امرأة في العقد الرابع. ذكرتني بأستاذي في آخر لقاء بيننا. جلست ودعتني للجلوس ثم قالت :
- أي خدمة؟
- حضرتك لا تعرفينني. ولكنني..... الموضوع باختصار أنني قد جئت لأسألك عن أخيك الأستاذ هشام.
تقلص وجهها عند سماعها الاسم . ابتسمت في ارتباك ثم قالت:
- الحقيقة أنني لا أعلم عنه شيئاً.
لم أشعر بالمفاجأة بعد ما قاله البقال. انتظرت أن تكمل كلامها، أو تتساءل عن سبب بحثي عنه لكنها لم تفعل. هممت أن أقوم للمغادرة . وجدت نفسي أقول لها:
- أنا أبحث عنه لأعطيه ثروة.
نظرت إليّ باهتمام ثم قالت:
- ثروة؟ هل نجحت إحدى قصصه؟
حركت رأسي يميناً ويساراً ثم قلت:
- يهمني أن أعرف مكانه حتى أعطيها له . ولو أنكِ قلت لي عن سبب القطيعة بينكما لساعدني ذلك.
بدا لي أن ذكر القطيعة قد مس وتراً فيها ، امتلأت عيناها بالدموع. لم تسألني عن مصدر معلوماتي. وكأنها اعتبرت أن تلك المعلومة تجعلني واحدة من الأسرة ، انهارت أمامي معترفة:
- طوال عمره وهو إنسان غريب. ليس له صديق دائم ، ولم يكن له حبيبة يوماً. لا يعرف شيئاً عن المجاملات. حتى مأتم أمه لم يحضره واكتفى بحضور الدفن فقط. عندما تخرج جاءته فاطمة جارتنا السابقة بوظيفة مدرس. عمل فيها شهرين أو ثلاثة ثم قال لنا: " أنا فيلسوف ، درست الفلسفة ولم أدرس التاريخ". قلنا له حسناً اعمل مدرس فلسفة فقال" أنا لا أحب التدريس، أنا أريد أن أكون أديباً". ومن يومها لم يعمل في شيء أكثر من شهر . عمل في المكتبات وفي الكازينوهات ودور السينما. كل وظيفة يُطرد منها لأنه لا يركز في عمله. يترك العمل ليقرأ أو يكتب. استمر على هذا يعيش بأموال المعاش الذي تأخذه أمي حتى ماتت. أصبح يعيش وحيداً في المنزل القديم. كنا نذهب إليه لننظف أو نحضر له الطعام تماماً كما كنا نفعل مع أمي. مرة جربت أن أسقط بعض المال على الأرض ليجده ويساعده، أو حتى ليحس أنه يحتاج أن يعمل. أتاني بعدها وفي يده المال طالباً ألا أفعلها مرة أخرى. وهكذا عاش كوجع في قلوبنا حتى جاءت الطامة الكبرى. عندما ترك زوجي الوظيفة وبدأ العمل الحر،و عرض عليه أن يتولى وظيفة في شركته الجديدة. مكث شهراً واحداً ثم أثار فضيحة في الشركة والبيت، متهماً زوجي بالفساد والغش وتقديم الرشوة . وأتاني في شقتي السابقة وقال لي" زوجك لص ويجب أن يطلقك" . أجبته بأنه ليس لصاً وأن ما يفعله هو الطبيعي لرجل أعمال مثله. ثار وقتها وقال:" أللعنة على الأعمال إن كانت تجعل السرقة حلالاً. وهل سألت نفسك من أين أتى زوجك بالمال ليبدأ أعماله؟". لم أرد ولم أطعه فتركني و لم أره من يومها. ست سنوات ولم أر أخي ولا أعرف إن كان حياً أم ميتاً.
تركت السيدة في حزنها و قمت. كنت أعلم بأن الأخرى لا تعلم عنه شيئاً هي الأخرى، ولكن البحث لم يعد هو هدفي الوحيد، بل أن أعرف كل شيء عن هذا الرجل. أن أعرف من كان هشام مصطفى سليمان.
**********
كانت شقة الأخت الكبرى تقع في بناية فخمة جداً . فتحت الباب لي امرأة تلبس الخمار. أشارت لي بالانتظار خارجاً وأغلقت الباب . أتت بعد دقيقة لتدعوني إلى الداخل. جلست في غرفة صالون مليئة بالآيات القرآنية . أتت امرأة تغطي جسدها بالكامل برداء أسود ولا يظهر منها سوى عيناها، وأتى معها شخص ضخم ملتحي له نظرة مرعبة. جلسا أمامي وبدأت هبة في الحديث:
- لقد حدثتني أختي رانيا عن زيارتك لها. وأحب أن أخبرك أنني لا أعلم أي شيء عن هشام.
- ولكن.
قاطعني زوجها في برود:
- لا يوجد لكن. لقد قالت زوجتي ما عندها.
أشرت له بيدي أن ينتظرني حتى أكمل:
- طبيعي ألا تعلم رانيا عنه شيئاً لأنه هجرها منذ سنوات. لكن أنتم .....
ظلت الزوجة صامتة بينما قال الزوج في لهجة أرهبتني:
- إنه لا يستطيع أن يأتي إلى هنا. إنه كافر.
- كافر؟
- نعم كافر. طوال عمره وهو يصدمنا بآرائه المجنونة.لا يعترف بفريضة ولا يحترم عالماً ولا داعية. يرفض السنة ويفسر القرآن على هواه. حاولت أن أرشده لكنه أبى. لم أجد سوى أن نقاطعه كلنا حتى لا ندنس أنفسنا.
- ولكنه ليس كافراً. بمعنى أنه مسلم.
قاطعني بصوت كالرعد:
- وماذا تعرفين أنتِ عن الإسلام لكي تتحدثي؟
تجاهلت سؤاله وقلت موجهة حديثي لهبة:
- منذ متى لم ترينه؟
- منذ وفاة أمها.
تطلعت إلى الزوجة في تساؤل. رفعت رأسها وارتسمت في عينيها نظرة كأنها تتوسل.
- لي سؤال أخير. هل تعرفان سبب قطيعة هشام ورانيا؟
- نعم .لأنه حاقد على نجاح زوجها . ويدعي أنه شريف ويرفض أساليب رجال الأعمال.
- هل تعني أن ما قاله عن زوج رانيا صحيح؟
- نعم .
- ولكن إن كان صحيحاً فلم تتهمه بالحقد؟ وكيف تقاطعه ولم تقاطعان رانيا وزوجها؟
- ولم أقاطع زوج رانيا؟ إنه رجل صالح يصلي ويصوم وأدى فريضة الحج. زائد أنه يطهر أمواله بالصدقات. وعلى يديّ يتبرع كل عام للإخوة في حملاتهم لمساعدة الفقراء والمساكين والمجاهدين.
انتهت أسئلتي فلم أجد بداً من القيام. ثم ألح عليّ سؤال شخصي فسألت هبة وأنا أعلم أن الزوج هو المجيب:
- مدام هبة. لم تغطين وجهك؟ ألست امرأة مثلك؟
قال زوجها بهدوء:
- ألست نصرانية؟ أنت إذن كالرجل الأجنبي. أنت أيضاً لا ينبغي لك الدخول هنا.
- ولم سمحت لي بالدخول؟
- لكي أقول لك ما يبعدك عن طريقنا. ابحثي عن أمثالك في مكان آخر.
خرجت من عندهما وقد بدأ اليأس يتسرب إلى قلبي. بدا لي أن هشام مصطفى عملة نادرة أخرى يصعب الحصول عليها.
(تتبع)