السلام عليكم
قد يقول قائل:" أن الأحكام تؤخذ من القرآن والسنة معا، ولا نقتصر في الفهم على أحدهما... وقد يقول آخر:" أن بعض المفسرين ذهب الى القول بلبس الجن الإنس.
وقبل أن أجيب أود ان أذكر وأوضح طبيعة العلاقة بين الجن والإنس...
خلق الله الجن قبل الإنسان ,وبعد أن خلق الله آدم وامر الله الملائكة والشيطان السجود له_لآدم_ تكبر وعصى ربه ظنًا منه أنه أفضل من الإنسان ,والله سبحانه وتعالى فضل الإنس على الجن بمجرد أن امر الملائكة والشيطان بالسجود مما جعل الشيطان يخرج عن امر ربه ,وأصبح الإنسان العدو الأول والوحيد للشيطان وطلب من الله أن يمهله ويجعل له قدرة الوسوسة في قلب الإنسان...وعالم الجن والملائكة من الغيبيات, ولا يمكننا أن نحكم على هذه العالم إلا من خلال القرآن والسنه,وقد أخبرنا القرآن وكذلك السنة عن طبيعة هذه العلاقة ...وهي علاقة حقد وعداوة من قِبل الشيطان للإنس ..وعلاقة غواية وضلال ...وعلاقة وسوسة وإيحاء.
والله سبحانه وتعالى قد أعطى الشيطان خاصية تميز بها عن الإنسان وتعينه على إمضاء غوايته ووسوسته , يقول الله تعالى في سورة الآعراف:"إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ",فالآية تبين أن للشيطان مصدر قوة تنبع من كونهم يرون الإنسان ولا يستطيع الإنسان أن يراهم وفي هذا إظهاراً للتّفاوت بين جانب كيدهم وجانب حذر النّاس منهم، فإنّ جانب كيدهم قويّ متمكّن وجانب حذر النّاس منهم ضعيف، لأنّهم يأتون المكيد من حيث لا يدري, والشيطان سهل عليه أن يأتي الإنسان على حين غرة ويفاجئه ويراه في كل أحواله ويعرف كل صغيرة وكبيرة عن ذلك الإنسان.
والآن القول عن أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام في لبس الجن...فالأحاديث في هذه الصدد هي أحاديث آحاد , والجن وتأثيره على الإنس أمر غيبي يتطلب أدلة قطعية...والأحاديث التي يتناقلوها من يقول بلبس الجن..حديث المرأة التي تصرع وكانت تتكشف ,وطلبت من الله ان لا يدعها تتكشف,وليس في هذا الحديث ما يدل على اللبس!...وفي هذا المعنى قال الإمام النووي في شرحه للحديث : " حَدِيث الْمَرْأَة الَّتِي كَانَتْ تُصْرَع وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الصَّرْع يُثَاب عَلَيْهِ أَكْمَلَ ثَوَاب".
وحديث آخر هو قول النبي علية السلام:"ما من بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان غير مريم وابنها "...فهذا لا يدل على لبس الجن الإنس..فالمولود يصرخ عند مس الشيطان له ...ولا يصرع, ثم لاحظ قوله عليه السلام :"غير مريم وابنها "...وهذا يعني أن باقي لبشر قد مسه الجن ولبسه وحتى الأنبياء _غير عيسى وأمه الصديقة_...وهذا ينافي الحقيقة والواقع.
وكما أن الملاحظ أن أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام في بيان العلاقة بين الجن والإنس أكثر ما تكون في التفريق بين المرء وزوجه...عن جابر عن النبي عليه الصلاة والسلام: "أن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة, يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا فيقول: ما صنعت شيئا, فيجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته, فيدنيه ويقول: نعم أنت".
فهذا الحديث إن دل على شئ فأنما يدل على مقدرة الشيطان على وسوسة الإنس وقوة إيحائه...فالشيطان يزين او يقبح شكل الزوج في عيون الآخر بإيحائه أن أمرأة جارك_مثلاً_ أجمل من زوجك أو أعذب أو أغنى أو..أو..أو.., والنفس البشرية تواقة الى ما هو جميل وبعيد وهكذا...
وأما الأحاديث الواردة عن الرسول عليه الصلاة والسلام في قبضه الشيطان وتقييده...فهو في الرسول لما أعطاه الله من معجزات وقدرات... وهذا الامر غير اللبس, بل هنا كان الشيطان هو المتأثر وليس المؤثر, ولم يذكر أن قام غير الرسول بمثل هذا العمل _إلا سيدنا سليمان لما سخر الله له الجن_.
وأما القول عن المفسرين الذين قالوا بلبس الجن للإنس منهم البغوي:" لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ أي الجنون. يقال مس الرجل فهو ممسوس إذا كان مجنونا"اهـ
فهذا التفسير لا يدل على أن الشيطان يلبس الجن بدليل قول البغوي"يقال مس الرجل فهو ممسوس إذا كان مجنونا".
وكذلك قول إبن كثير:"الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ أي لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشيطان له وذلك أنه يقوم قياما منكرا"...وهذا ايضًا لا يدل على اللبس,فقول الأمام إبن كثير جاء على سبيل التشبيه وعلل كلامه بقوله:" وذلك أنه يقوم قياما منكرا"...
والحقيقة أن الإمام القرطبي هو الذي قال بوضوح بتأثير الجن على الإنس وصرعه إياه.
ولكن هناك امر آخر في تعبير (يتخبطه الشيطان من المس), فالعرب رغم طول باعهم في اللغة والبلاغة فقد كانوا يعزون كل امر جلل وحادث غامض مبهم ,وكل قبيح وشاذ الى الجن ,ويزعمون أن الجن يؤثر في الإنس وفي قدراته حتى أنهم زعموا ان للشعر شيطانأ, فيقولون جاءه شيطان شعره, وأن الاودية يسكنها الجن وغير ذلك من زعماتهم ,وكانوا يعزون السرعة والنشاط الى لبس الجن للشئ . قال الأعشى يصف ناقته بالنشاط وسرعة السير، بعد أن سارت ليلاً كاملاً:
[poem=font="Simplified Arabic,5,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
وتُصبح عن غِب السري وكأنّها *** ألمّ بها من طائف الجنِّ أوْلَقُ[/poem]
وجاء في القرآن على هذه الصبغة كما في قوله تعالى:"طَلْعُها كأنّه رُؤوس الشياطين".
وقولهم خَبَطه إذا ضربه ضرباً شديداً فاضطرب له، أي تحرّك تحرّكاً شديداً، ولما كان من لازم هذا التحرّك عدم الاتّساق، أطلق التخبّط على اضطراب الإنسان من غير اتّساق.
والذي يتخبّطه الشيطان هو المجنون الذي أصابه الصرع. فيضطرب به اضطرابات، ويسقط على الأرض إذا أراد القيام، فلما شبهت الهيأة بالهيأة جيء في لفظ الهيأة المشبه بها بالألفاظ الموضوعة للدلالة عليها في كلامهم وإلاّ لَما فهمت الهيأة المشبّه بها.(إبن عاشور).
هذا والله أعلم