منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > منتديات اللغة العربية والآداب الإنسانية > منتدى البلاغة والنقد والمقال الأدبي

منتدى البلاغة والنقد والمقال الأدبي هنا توضع الإبداعات الأدبية تحت المجهر لاستكناه جمالياته وتسليط الضوء على جودة الأدوات الفنية المستخدمة.

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
غير مقروء 30-04-2007, 04:12 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
فكري داود
أقلامي
 
إحصائية العضو







فكري داود غير متصل


افتراضي قراءات متباينة في قصص دمياطية / جزء أول / فكري داود

من الأوراق البحثية التي قدمت في مؤتمر الأدبي السادس
لإقليم شرق الدلتا االثقافي
الذي عقد بدمياط في الفترة من 1 إلى 3 ابريل 2007
***
قراءات متباينة في قصص دمياطية / الجزء الأول

[size="4"]فكري داود

تقديم


رغم صعوبة الفصل بين الأجيال، حظت القصة في دمياط، بالعديد من الميزات، منها تباين الخصوصيات، وتمايز الأجواء وتداخل الأجيال، وقليل من التحولات...
فإذا ذُكر العظيم المرحوم عبد الفتاح الجمل، ذُكر العديدون معه كطاهر السقا، ويوسف القط، وحسين البلتاجي ـ رحمهما الله ـ، ومصطفى الأسمر، وصلاح عبد السيد، وبشير الديك،...
ثم محسن يونس، وسمير الفيل، ومحمد الزكي، وعيد صالح، وأحمد زغلول الشيطي،... ثم زينب مصطفى عبده، ومحمد الشربيني، وأحمد عبد الرازق أبو العلا، وحلمي ياسين، وأشرف أمين، وفكري داود وجمال سعد، وأشرف الخريبي، وأحمد عفيفي، ومحمد شمخ، ومحمد مختار، وأحمد منصور، وصلاح مصباح، وعبد الوهاب الشربيني، ود. عزة بدر، وأيمن مصطفى الأسمر، ومحمد بركة، وسوسن عبد الملك، وسمية عبد العليم، وبديعة صلاح،... وعوض عبد الرازق، والسيد شليل، وعابد المصري، وسادات طه، و ... وصولا إلى وائل عبد الخالق، والدسوقي البدحي، وهشام عبد الصمد، وماهر الشيال، وإنجي البرش، وحسام السيد، ونوران رفعت...
وإذا كان البعض، قد تحول عن كتابة القصة، إلى الأجناس الأخرى؛ كبشير الديك ـ الذي صار من كتاب السيناريو المرموقين، ود.عيد صالح ـ شعر الفصحى ـ، ومحمد الزكي ـ شعر العامية والنقد ـ، ومحمد الشربيني ـ المسرح ـ، وأحمد عبد الرازق أبو العلا ـ النقد ـ، فإن هناك من كتب القصة مع الشعر والنقد، كسمير الفيل، ود. عزة بدر، أومع الشعر كأحمد عفيفي،... وهناك من اختفى تماما، دون إبداء الأسباب، كالسيد شليل وسمية عبد العليم، أو لأسباب تقليدية مثل زينب مصطفى عبده...
ومن بين هؤلاء، من اختار المواصلة بعيدا عن دمياط ، كانتقال المرحوم عبد الفتاح الجمل، وصلاح عبد السيد، وبشير الديك، ومحمد الشربيني، وأحمد عبد الرازق، وأشرف أمين إلى القاهرة، وانتقال سوسن عبد الملك إلى بورسعيد ،كما أن من بينهم، من لم يستثمر موهبته كقاص، بالشكل المستحق، مثل محمد مختار، و صلاح مصباح، وأحمد منصور، وغيرهم .
وتظل دمياط دائما منبعا للحكي وموضعا للحكائين...
ولقد تصورت أن أنجز عملي هذا، ليتناول ما يمكن أن أسميه، تشكيلا متباينا من بين هؤلاء، عامدا إلى الكتابة ،عن مجموعات، لم يكتب عنها من قبل، وإن حظى كتابها بكتابات أخرى، حول أعمال أخرى، كـ ’’أرجوحة‘‘ سمير الفيل، و ’’ربما ..هكذا‘‘ لجمال سعد أو عن أعمال تحتاج، إلى قراءة جديدة لها، مثل:’’قلب جمار عزيزة‘‘ لمحمد مختار ـ،... أو الكتابة عن أسماء، ربما لم يكتب عنها ـ ضمن بحوث أحد المؤتمرات ـ من قبل، مثل أيمن مصطفى الأسمر ومجموعته ’’الوقوف على قدم واحدة‘‘، و الدسوقي البدحي ـ في مجموعته الأولى ’’صخب الصمت‘‘..

السرد القصصي والولع الشديد، بالتأرجح بين الحلم والحقيقة
قراءة في’’أرجوحة‘‘سمير الفيل. (1)

تضم المجموعة بين دفتيها، اثنتين وعشرين قصة قصيرة، في قسمين أو وجعين؛ الوجع الأول: ’’غربة الشتاء‘‘، ويضم اثنتي عشرة قصة, والوجع الثاني: ’’حنين قديم‘‘, ويضم عشر قصص.
في هذه المجموعة، ينفض سمير الفيل الغبار عن الذاكرة، ناحتاً شخوصه المحورية من نفسه، مستغلاً امتلاكه لشطر حقيقي، من الفطرة والإنسانية, فرقُ مقلقُ لديه، بين حلم المنام وحلم اليقظة, يبُحر في خِضَم الأحلام، يطاول الشاطئ مرةً، وتجاهد كل حواسه للوصول إليه مرات، لاتكلُّ محاولاته أبداً..
وهو هنا غالباً ما يُعنى، برسم لقطات جزئية، من الحياة الخارجية، أو من حياة الشخصية القصصية، أو تفكيرها، أو رؤيتها المباشرة للمدركات الحِِسِّية، وتطل ما يمكن أن نطلق عليها ( لحظة حياة )، وقد يستخدم القاص فعل الحدث الخارجي، أو استبطان لا وعي الشخصية، يتحرك الحدث بعفوية، وفق قوانين الحياة، إذ ينجح القاص في استخدام مهارته في القنص، فيتأمل الأشياء، ويلتقط الأصوات، ولذا يحتل الوصف مكانةً هامّةً لديه، على اعتباره أحد تقنيات السرد القصصي الهامة ، كما تُعدَّ الذاكرة أيضا في هذه المجموعة، إحدى أهم وسائط تشكيل سيناريو حيوي، لتحرك السياق والعبارات.
وتقف العبارات القصيرة المتسارعة ـ سيما في قصص الوجع الثاني ـ عَبْرَ الذاكرة والخيال، تقف بين شاطئي نهر، أحدهما بوح النثر, والثاني كتمان البيان ...

الوجع الأول : ـ غربة الشتاء :
تتملك هذا القسم، لمحات من غربة ذاتية، عَبْر لقطات إنسانية حميمة، تتأرجح بين الرغبة الحالمة، في امتلاك لحظات الحياة, والتي في كل مرة، يقف الواقع حائلا دونها، نطالع في قصة: ’’نوارس‘‘ص21 قول البطل:’’ ... عذبني البون الشاسع بين الحلم الذي أراه في منامي, وبين الحلم الذي يراودني في يقظتي ...، ... حلمي أن أطير ... تعيقني الحقيقة .. ‘‘
والأم تدفع بصغارها إلى الورشة، تحايلاً على ضيق ذات اليد، ولكنهم لا يفون بالغرض، الذي دُفعوا من أجله : ’’.. فلمَا حمَّلَهُ صاحبُها ألواح الخشب الثقيلة نخّ ... ولم يعُد ثانية .. ضربتُ ابن المعلم المدلل .. ‘‘ص22 ، وكان علية أن يهرب خوفاً من المعلم ..
هنا يبحث طفل سمير الفيل دائما، عن ليلة يمتلكها، حتى ولو كانت الليلة الأخيرة، من ليالي ألف ليلة وليلة، يقول: ’’ .. الليلة التي تزيد عن الألف هي ملكنا .. ‘‘ص24...
ـ وفي قصة : ’’أرجوحة‘‘ص25، التي تحمل المجموعة اسمها، نجد السَّائق قاتل الأب يتزوج الأم، تاركَين الابن مذعوراً من سيارة الزوج، وباحثاً عن ثأر لا يأتي أبداً، ولايجد أمامه الفناء .. ’’ ولم يكن أمامه إلاَّ أن يعلق جسده هكذا في الهواء .. ‘‘ ص 27
ـ ويحاول البطل التحليق من أجل الكتابة، حتى ولو كان على حساب كل ما تعلَّمه في الدنيا .. ولكن ... : ’’ .. تتملكني الحروف، أمحو كل ما تعلمته في الدنيا ، .. كي أتمكن من التحليق .. ‘‘ .. ’’ .. كان علىَّ أن أمزَّق الأوراق مِزقاً صغيرة ‘‘ .. هكذا لكي يبدأ ـ مُرغماً ـ المحاولة من جديد...
يحاول التمرد : ’’ .. كانت هناك نخلة وحيدة ثمرها قريب دانٍ قطْفُه ... قالت .. : لا تأكل ... ورحت أقطف .. ‘‘ ولكن التمرد أيضاً لا يسعفه:
’’ .. أحسست بصوت أجسام غريبة تسعي، كانت عقارب .. تندفع رغم صراخي الهائل .. ‘‘ .. وهكذا.. قصة: ’’أعمدة وحيدة‘‘ ص11 .
ـ ويقول البطل المقهور: ’’ وأسلمت جفنين مسهدين على عينين مليئتين بالحزن والأرق .. ‘‘ قصة ’’تقاطع طرق‘‘ ص 17 .
ـ وفي قصة ’’سنة حلوة يا جميل‘‘ ص29، يعتريه الشك المُلْبِس، حيث يقول: ’’ .. وكان علىَّ أن أحتضن الولد وأشم رائحة التمر حنة، فربما تعود للنهر النوارس .. ‘‘، وربما أيضاً لا تعود !!
* يستمر الفيل في استدراجنا، لندخل عالم أبطاله، من خلال تفاعلنا بضياعها في لغة راقية، وفطرة عذبة، لا نملك حيالها إلاَّ أن نستمر في القراءة دهِشين ..
ـ ’’ يدُ المنيَّة دفعته فسقط قاربه، ونهشته أسماك القرش .. ‘‘
ومحاولات البحث عن أسباب جديدة للتعايش لا تتوقف : ’’ .. نقَّبَ في أكوام النفايات عن آلة موسيقية قديمة .. لم يجد إلاَّ برتقالات معطوبة ... والمنية تدفعه إلى دوَّامة لا تكفَّ لحظة عن الدوران المحموم‘‘ قصة ’’المنيَّة‘‘ ص53.
ـ ورحلات البحث لا تنتهي، دون جدوى تُذكر، فالمسافر يفوته سفره، من أجل البحث، عن مشبكين خشبيين لا قيمة لهما : ’’ .. ما قيمة مشبكين ؟ ..
ما زالا حتى اللحظة يبحثان ‘‘ قصة ’’البحث‘‘ ص55 .
*وبانتهاء هذه القصة، يمكن لي أن أجزم، بأنَّ ما سبق يُعدُّ جزءاً أولاً من الوجع الأوّل ..
أما الجزء الآخر: فيتناول قصصا ثلاثةً، من قصص الحرب ـ وللكاتب في قصص الحرب باع طويل ـ، وهذه القصص، تحمل نفس نسيج مجموعة أخرى له بعنوان: ( خوذة ونورس وحيد )؛ وهي تحوي عالما ثرياً، من حياة الجندية، بآلامها وانكساراتها وآمالها، مستعيدة لغتها المركزة، بدلالاتها الإنسانية العميقة، والتي لا يملك القلبُ إزاءها، إلاَّ أن يتوجع ألماً وتعاطفاً ...
ـ يعود الجندي ـ الراوي ـ، ليبحث عن أشياء رفيقه ـ الشهيد ـ البسيطة،
بعد تسع عشرة سنة، حيث دفنها في الرمال، لحين عودته، سيعيدها إلى زوجة الشهيد وفاءً، مع أنها ـ كما جاء بالنص ـ ’’ .. لا تعني لديها إلاَّ نكأ الجرح من جديد ـ ‘‘ وتندهش؛ حيث في مواجهته، كان هناك الزملاء السابقون، يفعلون نفس فعله ـ البحث ـ، الذي لا يُفضي إلى شيء، ... فالبحث أحد أهم هموم أبطاله ... قصة ’’ البحث‘‘ ص 55 .
ـ أما أهم قصص المجموعة ـ كما أرى ـ قصة ’’ذاكرة البندقية‘‘،
بمقاطعها الثلاثة الآسرة : ففي نوبة راحة من المعارك، يكون قريبا من جرحى اليهود العطشى، تمر زمزميته فترويهم جميعًا في صمت:
’’.. هل ظنوه واحداً منهم ؟ .. ‘‘ و .. ’’.. ارتفعت يده بالزمزمية ليشرب .. شعر بنصل حاد يشق كتفه .. ‘‘ المقطع الأول ’’ نوبات الراحة‘‘ ص 45
هكذا يشق الكاتب قلوبنا، ليملأها أنينا وبغضاً، لكل خِسَّة ونذالة.
وبنفس الخسَّة، يستشهد جندي الإشارة المغَنّي، تاركاً الهواء يردد أغنيته: ’’على بلد المحبوب وديني ‘‘ المقطع الثاني ’’جندي الإشارة‘‘ ص47.
ويأتي الجندي الفقير، الذي يبدو مقهوراً ومظلوماً، ليمكر بالرفاق ـ والمكر هنا ليس كمكر اليهود ـ، فتبدو مخلاته كمخزن طعام كبير، إلاَّ أنه لا يملك إلا أن يتخلص من محتوياتها، لا لشيء سوى أن ثقلها يعوقه، عن الانسحاب بكل انكساراته ... المقطع الثالث ’’حبَّة الجوافة‘‘ ص49.
وهاهم المقاتلون، يتخذون من سيرة زملائهم الشهداء، دافعاً لمواصلة الكفاح، وإن كان الاستشهاد يعني الموت، فهو عندهم يعني ضرورة الاستمرار ... ’’ .. وقبل أن يبدأ في إطلاق النار بضراوة لم يعهدها من قبل لثم صورة هيثم وأحكم رباط خوزته الجلدي ‘‘ قصة ’’صحراء المقاتل‘‘ ص51.

الوجع الثاني : ـ حنين قديم:
في قصص هذا الوجع، يقدم لنا الفيل أغنية حب طويلة، مُفعمة بالشَّجن، والأسلوب السردي هنا، متميز في الصَّوغ، يزداد اعتماده على التكثيف، والجمل القصيرة، ولعل مبعث الشجن، يعود إلى القريب البعيد دائما، ففي اللحظة التي يوقنُ السَّاعي فيها، أنه نائل مراده لا محالة، يفاجؤه انفلات شعاع النَّوال، من بين ثنايا الوجدان المثحن بالجراح ..
نطالع في قصة’’غرفة عمليات‘‘ ص61 :’’.. أما هو فقد تماسك .. فوجئت بحركة، لاحظتْ أنه يبتسم ..احتضنته .. ‘‘ وعند الاحتضان تحين لحظة الامتلاك فهل يتحقق ؟!!.. ’’ .. قال بصوت مرتعش : كم أنا حزين .. يا شجرة الدر !!.. ثم هوي ساكناً إلى الأبد ‘‘ .
ـ وفي قصة أخرى بعنوان ’’ تغريد الطيور‘‘ ص 63 ، وفي لحظة انتظار التغريد، وما يحمله من سعادة، تجد زفرات الصدور صارت متألمة .. ’’كان الضوء الوليد يجاهد أن يتفتح كزهرة، والنيل على مقربة لا يلتفت لزفرات الصدور المتألمة!‘‘ص64
ـ ويعود الكاتب لينكأ جرحنا، فيجسد لنا كم هي قبيحة الخسَّة، فيأتي القط الذي ربَّاه راوينا ـ كمعادل لمحبوبته الناكرة، والمستهترة بكل ما يقدم من مشاعر نبيلة .. ـ ، ليمارس تلك الخسة : ’’.. ابتاع فطيرة بالعجوة، قدمها للقط، وعلى حين بغتة خربش القط يده، ثم انطلق يعدو في الطرقات ‘‘ ’’القط‘‘ ص65.
ـ ونقرأ في قصة ’’أوراق رسمية‘‘ ص67 :
.. ’’ ما اسمكِ ؟ راحت تصنع بيدها إشارات لم يفهمها، أدرك أنها خرساء .. اتسعت مساحة الحزن .. ‘‘
.. كانت البنت بين مقابر الأموات، وقد فقد الموت هنا سطوته، فهو كائن كل الوقت، في مفارقة تساوى بالضبط، مفارقة السؤالين الفلسفيين : لماذا جئنا ؟ ثم لماذا نذهب ؟! .
ـ كما يأتي التردد أيضاً، في عدم حسم العلاقات الإنسانية، حتى البديهي منها، يتبدَّى في قصة مؤثرة : ’’ .. يختلج قلبها بمشاعر متضاربة .. ‘‘ نحو الطرف الآخر بالطبع والذي لا يقل عنها تردداً : ’’ .. لست موقناًُ أنك ستعدينني إلى جنتك ‘‘ قصة ’’الأستاذ‘‘ ص 69
ـ ويعود الانتظار، الذي هو خطوة، تسبق البحث دون جدوى، ليلقي بظلاله، في ظل اشتعال جذوة التهيوء، لاستقبال الحبيبة التي وعدت، فيأتي بدلاً منها صبي المكوجي، بلفَّة خطابات قديمة، وهاهي قلة الحيلة تطل : .. ’’ .. كل ما استطعته أنني أطفأت الشموع وسبحت في الظلمة ! ‘‘ قصة ’’ تهيوء‘‘ ص 71 .
ـ وفي قصة موجعة؛ يذهب البطل في محاولة للتخلص من تعاسته :
’’ .. أنا هنا لأنني تعس! ‘‘ فينكسر لوح البلور، بما في ذلك من دلالة مقبضة ’’لوح البلور‘‘ ص 75 .
ـ وتستمر المجاهدة الشائكة، يعتريها التردد والحيرة : ’’ .. فتحت زر فستانها العلوي، بدا نهداها ناصعين متوردين ... مدَّ يده فأغلق الزرَّ، قال لها: تبردين..ضحكت وكان في صوتها بحَّة مؤثرة : أنت لا تريدني !!‘‘ قصة ’’ تواطؤ‘‘ ص 78 .
ـ وها هي الأبجدية تتلاعب بالبطل، كمعادل لتلاعب المحبوبة به، ومردود ذلك عليه فيما بعد .. ’’ لحقت بها .. قلت والكلمات تتلاحق وتتدافع شاردة:الأبجدية لعينة .. لكن .. من .. الممكن .. أن .. تفهمي ! ‘‘ .. ’’ أمسكتُ بيديها .. انتزعت يديها وسارت غاضبة ‘‘ .. ’’ .. عدوت إلى الميدان المواجه، بين السيارات المتدافعة، خلعت سترتي، قذفتُ بها على امتداد ذراعي .. تضاحك الرجالُ وقذفني الأطفال بقطع الحجارة .. ‘‘ قصة ’’رونق الكلام‘‘ ص 79 .
ـ ويعود الفيل، في آخر قصص الوجع الثاني، ليذكرنا ، بفترة جنديته ـ وكأن مجموعتين سابقتين، وعشرات القصص الأخرى، لا تكفي لشفاء غليله ـ ، ولكنه هذه المرة، يعود في محاولة لاستقدام الحبيبة المفقودة، والتي جاءه منها ـ كما يتصور ـ، أحد رفاق الجندية بخطاب : ’’ .. قال : هذا الخطاب منها . قلت : هي لا تعرف عنواني، كيف أرسلَتْ ؟! ... طاردتني في الصحو والمنام، سعتْ إلى حيث أرقد، تقدمتْها الأسماك الصغيرة، لم تخف النهر وأتتْ .. مددتُ يدي فتلاشى الصمتُ، وتبدد وجهه الحبيب ‘‘ص85 ، يصف وجه الصديق المتبدد بالحبيب، إنَّه لا يريد أن ينظر، إلى رفاق الجندية، نظرة عابر السبيل، يحاول التمسك، بتسجيل اللحظة الحاسمة ولكن ..’’ .. أمسكت قلمي, وحين تأهبت للكتابة أحسست بالسقف يتراجع .. صرتُ نقطة صغيرة .. تبحث عن ظلال الحقيقة، بينما الورقة ما زالت بيضاء ‘‘ قصة ’’كوب.. حجرة‘‘ ص83.
* وكأن القاص، وبعد كل هذا الزخم المتنوع، من الكتابة ـ شعراً وقصة ورواية ودراسة، وحوارات ـ ،وكأنه لم يكتب نصَّه، الذي يريده كاشفاً للحقيقة بعد، يحاول دائما، أن يصل إلى كُنْه هذا النص، وأظنه سيصل ..
**لقد ساهمتْ الكلمةُ المكتوبة، والكلمةُ المحذوفة أيضا, في بناء ’’أرجوحة‘‘ سمير الفيل، التي يُعدُّ بحرُ الذاكرة، وطناً حيوياً لتحريك شخوصها، في محاولات دائمة، لتحقيق الحلم، أو على الأقل تضييق البون الشاسع بينه، وبين ما هو كائن بالفعل..
المجموعة واقعة في (88) صفحة قطع متوسط، و وهي تُعدُّ بحق نقلة هامة، في كتابات سمير الفيل ـ الشاعر ـ النثرية.

العجز، والاقتراب من الموروث الشعبي

قراءة في مجموعة ’’قلب جمار عزيزة‘‘ لمحمد مختار ( 2)

عندما يأتي السرد، محملا بروح الحكي الشفاهي، محاولا التوفيق بين لغته الخاصة به، وبين لغة التيمات الشعبية،أو حكايات البسطاء، فنحن نجد أنفسنا، بصدد بعض نصوص محمد مختار القصصية، في مجموعته الوحيدة، التي بعنوان: ’’ قلب جمار عزيزة‘‘.
*وسنجد ذلك بصورة أكثر تحديدا،ً مع ذلك النص ،الذي تحمله المجموعة كعنوان لها، وكذلك نص ’’قلب جمار عزيزة من تاني‘‘، الذي جاء ترتيبه طباعيا، قبل النص الفائت، رغم أنه تتمة له، ذلك العنوان الذي لا يبوح بدلالته الشعبية الموروثة، إلا بعد الولوج إلى النصوص.
ـ تحاول قصص محمد مختار التأطير للعجز...، ومنذ الوهلة الأولى، لتجاوز غلاف المجموعة، يبدأ فك الشفرات، حيث (عزيزة) ما هي إلا تلك النخلة، التي غرسها (هنداوي أبو السعد) قديما، والتي صارت شائخة الآن، ولاتخفى علينا دلالة الاسم (عزيزة)، الذي اختصر علينا الكاتب متعة الاستمتاع بدلالته، فإلى جانب معرفتنا، بحرص الغارس على غرسه، فقد صرح الكاتب قائلا : ’’...ولما لا يصبح قدرها هكذا وهي أطول نخلة في القرية كلها وأكثرها بلحا وأحلاها طعما ....‘‘ص14 .
وكان على ( هنداوي) أن يصعد النخلة ’’... بعدما طلبت أم العيال في لحظة مزاج أن يأتيها بقلب جمار عزيزة ...‘‘ ص14 ... والجمار ( مخ النخلة)، إذا قُطع توقفت النخلة عن الإثمار، وصارت عجزا لا قيمة له، وربما تَوافَقَ ذلك، مع من قال: بأن النخلة ـ دون سائر النباتات ـ كالإنسان، إذا قُطعتْ رأسُها، انقطع نفعها وأجلها، واستحال إعادته لها، ومع من قال أيضا: بأن ثمة حديث ـ لسنا بصدد الحكم على صحته ـ يقول : ’’اتقوا الله في عماتكم النخل ‘‘ بما لكلمة عماتكم من أهمية، ...ويعتمد طلب امرأة هنداوي، لقلب جمار عزيزة، على الشائع شعبيا، حول نفعه جنسيا للرجال، وهذا هو القصد من قوله ( ساعة مزاج)،...
وتبدو النخلة هنا، معادلا مناسبا لهنداوي نفسه، فقد توقفت عن الإثمار، وضربتها الشيخوخة مثله ’’ ... فقد شاخت منذ أمد مثلما شاخ ...‘‘ص14، ولكنه يتصدى دوما، لمن حاول قطعها، حتى جاء طلب الحرمة، فتلبَّسَه التصميم، على نزع جُمّارها، وسط تعجب المحيطين، وعندما سقط من فوقها لم يمُتْ، ربما أشفقتْ عليه النخلة، رغم هوانها عليه، ولكن في المقابل، كيف استقبلت الحرمة فعلته، الذي لم يكن ليفعلها دون طلبها ـ سواء كانت جادة أو مازحة ـ، ’’...وأم العيال لما رأته قالت يا ما جاب الغراب لأمه روح غطس نفسك في الترعة علشان تنضف الوسخ!! عندها قرر هنداوي أبو السعد أن يذهب إلى النخلة من جديد ويسقط ويموت‘‘ ص18، وربما أصابنا هذا بالشعور بالتناقض ...
ويعود الكاتب بنا إلى الوراء، مبررا رغبة هنداوي في الموت؛ فقد زفه أهل القرية، وأشعره كلام الزوجة بالهزيمة ’’... وأن ما قام به طوال حياته قد مُحى من ذاكرة الزوجة والناس وأن حياته الباقية مجردة من أي معنى...‘‘ص8...، وتبدأ رحلة التراجع، من عند النخلة أيضا، فعندما صعدها وهزهزها، وجد تجاوبا كبيرا منها مع قوته، وأيقن أنه لا يزال قويا، والنخلة مجرد نبتة شاخت وذبلت، وتستحق لذلك القطع ، ثم ـ وفي خطوة مفاجئة، لم يتمكن السرد من جعلها طبيعية ـ ، يقرر الزواج من جديد بفتحية أخت عبد الواحد، يقول الراوي المتوحد مع الكاتب ’’ ... وسحبها خلفه إلى أم العيال التي صاتت وناحت ...‘‘ص10، ’’وتركها ـ العروس ـ وخرج ... ساقته قدماه إلى النخلة النائمة في حضن الأرض والجنيات يدسن عليها فتغوص في الأرض تذكر جمار قلبها وحلاوته وأنه كان الأصلح لليلة كهذه..‘‘ص11
هكذا يتركنا الكاتب لنتساءل، وماذا بعد يا هنداوي؟ .
**وفي حالة عميقة من حالات الحوار الذاتي، تأتي قصة’’ العصفور يحاول الغناء‘‘ في مقاطع ثلاثة، في المقطع الأول: يحاول البطل النوم، إلا أن ذهنه لايترك له الفرصة، فيغرقه في حوار ذاتي، فيما يشبه الانفصام، يأمره أحدهما بالنوم، فيما يروح الآخر محاصرا بمئات المشاهد، المستوحاة من الذاكرة، أو المتخيلة في شقوق السقف، وقروحات الجدران، فيخال نفسه على كل هيئة ممكنة، من الحشرة إلى الفارس الراكب فرسه، وسط حصار واقعي، من الحر والبراغيث، والصراصير، وماسورة الصرف المعلقة بسقف الحمام، موشكة على الانفجار فوق رأسه، هذا في الداخل، فيما الناموس متحفز للهجوم، خارج الشباك لو انفتح...
إذن فلنرض بالمقسوم وبالحصار، دون فتح للشباك الذي يجلب علينا المعلوم ـ الناموس ـ وغير المعلوم ـ المجهول ـ، ونعود إلى المأثور الشعبي:’’اللي تعرفه أحسن من اللي ما تعرفوش‘‘ و ’’ الباب اللي يجيلك منه الريح سده واستريح‘‘، والباب المردود يمنع القضاء المستعجل‘‘
يقول:’’ لعن الله الشبابيك التي تساعد على إدخال الناموس.. الذي يصنع الطنين.. الجو الحار خير ألف مرة .. على الأقل تستطيع مناجاة الذي خلقك وهو يستمع إليك ويبعث في نفسك السكينة فترضى بما قسم حتى وإن كنت مستاء من القسمة‘‘ ص33
ويستمر الحوارالذاتي، فينتج أسئلة عديدة، يبدو بعضها غريبا، في إشارة إلى تباين حيوات البشر، لائما نفسه أحيانا، على مجرد التفكير في أشياء كتلك :’’ حرارة الجو ملك لكل الناس، ولكن لماذا لايعاني منه كل الناس؟‘‘ ،’’ هل لا يتقبل الله الدعاء لأني أفكر كثيرا؟‘‘ و ماذا’’ لو أن إبليس قد تاب عن المعاصي‘‘؟ ص33
ثم يعود ليعتذر عن التفكير، وكأنه خطيئة، مستسلما، مارا على ليلي العامرية، في شعر قيس، واليهود الذين تسربوا إلى فراشها، في محاولة لجعل مأساته الفردية، جزءا من مآس تاريخية فائتة، لم تتوقف فصولها حتى اليوم...يقول’’ ونحن غيرنا شهاداتنا.. وأنكرنا علاقاتنا.. وأحرقنا ملفات القضية...‘‘’’...وكان المؤذن قد وصل إلى الصلاة خير من النوم عندما كان مضرا أن يبدو نائما‘‘ص37
ـ في المقطع الثاني: المقتضب، يستمر الحوار الذاتي، في صورة صديقين، يرى أحدهما ماء النيل قد صدأ، حتى أن الأسماك تخرج منها، فرحة بمغادرتها، رغم ما في ذلك من موت لها، فالموت النظيف أفضل من حياة ملوثة، في إشارة لصدأ كل الأشياء من حولنا، ويرى الآخر، أن هذا ليس سوى منحنى، لابد من المرور به’’منحنى تاريخي لابد من تجاوزه‘‘ ص38
ـ في المقطع الثالث: دعوة إلى الرحيل، وسط تردد شديد، يشد الرحال، ثم يحل الرحال، ليبقي ظرفا جديدا مناسبا، يستدعي (فاطمة) ’’كان يشتهيها ولكنها كانت تقول لم أحبك بعد‘‘ص39، ربما استدعاها في الحلم لينالها، ... ويعود ليشد الرحال...، ثم يقرر العودة من حيث رحل، ليجد كل شيء كما كان’’ ...عند الوصول كانت هناك أطراف عواميد محترقة وماسورة الصرف معلقة مازالت في سقف الحمام الذي مازال قائما...‘‘ص40 و’’اللي تعرفه أحسن من اللي ما تعرفوش‘‘
ـ قصص تحتاج إلى عشرات الصفحات للكتابة عنها كما يجب’’القرار، اللدودان،المتوائمون، يحدث دائما، عشر لقطات من مشهد تاريخي، عن الولد الذي تاه، قراءة في شرنقة الميلاد الأولى، قرد جبلي عصا بشرية‘‘
ـ إلا أن قصة’’ حبة من العقد الذي سوف ينفرط ‘‘ تطل برأسها، لا لشيء فالجماعة ـ جماعة ضفاف الأدبية ـ* إبان طقوس دفن (كريمة عبد الخالق)، وهي ليست مجرد إحدى عضوات الجماعة، إنما هي التي تمثل الكل في واحد، أو الواحد الذي يحتضن الكل، وكأنها أمهم ـ رغم الصغرـ :
’’... وتحكي عن الولد عبد الله الذي غازلها وكيف قالت له أنها في عمر أمه وضحكنا وقالت هذه هي الحقيقة التي أشعر بها تجاه من حولي فعاملوني كذلك ...‘‘ص82 ، نعم كانت تشعر وكأنها أمهم جميعا...
هكذا يعود بنا الكاتب الراوي، الذي هو أحد الأبطال صراحة، ليزاوج بين لحظات الطقوس، ولحظات أخرى سابقة لهم معها...
حلمي ياسين الأكثر التصاقا، ربما تأهبا لإتمام مشروع زواج، يحتل المقعد المجاور لسائق سيارة الجثمان، لماذا؟ ليقول لها شيئا، تواعدا على قوله معا، ينظرون إليه، يخالونه يقول لها ’’يا بايخة‘‘!
مكررا ما قاله لها في لحظة حياة سابقة ، قالت له ’’... أنا حاسة أني هاموت قريب...‘‘ وقال هو’’... لو مُتي وسبتيني تبقي بايخة...‘‘ ص81، لكن ’’الموت حق‘‘ص80 هذه حقيقة لامراء فيها، وتراه كريمة سيفا’’... ضحكت وقالت الموت سيف...‘‘ ص82.
حلمي ياسين وأحمد منصور، وأشرف أمين ومحمد مختار كلهم لـ (ضفاف)، وكلهم لكريمة كيوسف أخيها، تملؤهم الخشية، من مفاجأة محمد علوش لهم بالسؤال:’’..أي قرابة تربطكم بها كي تبكوها كل هذا البكاء ولكنه لم يسأله‘‘ص83... فحسه الإنساني، معهم على نفس الحافة، ‘‘ فقط قال’’ لاتتركوا حلمي وحده الليلة‘‘ ص83، ’’فالحي أبقى من الميت‘‘ هكذا علمهم الموروث الشعبي، ’’وإنا لله وإنا راجعون‘‘ (سورة البقرة156).
تراهن القصة على العامل الإنساني كأساس، كما تبرهن على قدرة الكاتب، على تحويل أية واقعة حياتية، بما تحوي من أسماء حقيقية، إلى نص أدبي باذخ ومحكم، عبر تقنيات واضحة المعالم.
** وأرى الختام بقصة ’’الجامح‘‘ ص19، إذ ينتقل بنا الكاتب نقلة نوعية كبيرة، على الأقل من حيث الموضوع، ففي مشهد يبدو واقعيا، ينقل لنا معاناة من نوع آخر، هي معاناة الكاتب ـ أي كاتب ـ خاصة الجديد، في مواجهة تابو السلطة، وتابو التابعين لها، متمثلة هنا في رأس أو رب الجلسة الأدبية، والأدباء الملتفين حول الطاولة، أو بالأحرى حول رأس الجلسة
’’ ..يشق الصمت صوت رب الجلسة، يستنفر المتحدثين، تنطق فتاة في أقصى اليمين على استحياء... أعتقد أنها إباحية..‘‘ص20، إنها لعبة السلطة الغاشمة، في مواجهة الفرد المطحون، قليل الحيلة ـ كما يظنون ـ، والبنت التي تشجعت، لم تكن لتتشجع لولا استنفار رب الجلسة، ورأيها ليس سوى في قصة جديدة للراوي الكاتب، وتتوالى الآراء، التي لن تبتعد عما يريد الرئيس، ألا وهو ممارسة الأستاذية، ورمي كل الأعمال دون أعماله وأعوانه بكل نقيصة، حتى تصل في النهاية، إلى رأيه القاطع:’’.. يتدخل رأس الطاولة يصمت يعطي رأيا سديدا... نتمنى لك التوفيق في المرات القادمة...
أباغته.. وهذه؟
يمط شفتيه يمهد..هذا رأي خاص..لاتصلح..‘‘ص24
والغريب أن أحدا، لم يستطع الوصول، إلى ما أراد الكاتب ـ الجامح ـ من قصته.
ولعل هذه القصة بالذات، توضح لنا سببا جوهريا، لقلة إنتاج الكاتب، وتوقفه عن الكتابة، لأوقات طويلة جدا، إذا قيست بتواجده القديم، في قلب الحركة الإبداعية بدمياط...
**مهموم ٌمختار في قصصه بحكايات الغائبين، عبر أسماء مجردة، أو بصفاتهم، أوبضمائر الغائب المنفصلة، سواء كانت مستترة كفاعل الفعل: يجز ـ حيث الفاعل ضمير مستتر تقديره هو ـ، و فاعل قالت ـ وتقديره هي ـ،.... أو بالضمائر البارزة ـ هو هي هن هما ـ، أو بالأفعال المتصلة بواو الجماعة، مثل :ضحكوا، أو المتصلة بالواو والهاء مثل : زفوه، و... الخ
مزاوجا بين أولئك الغائبين، وبين شخوص أو جماعات يعرفها حق المعرفة، كما هو الحال مع هنداوي أبو السعد، وزوجته، وفتحية، وأخيها عبد الواحد ’’ قلب جمار عزيزة‘‘ ص13 و’’قلب جمار عزيزة من تاني‘‘ ص7 ... وعبر الذات المتمثلة في ضمير مفرد المتكلم ’’ أنا عفي...، أنا خيال...، أنا موافقة... ص10، وأنا الأمين على أسراري ...‘‘ ص86
أو تاء الفاعل’’ سقطتُ...، تخابثتُ...، دستُ...‘‘، وياء المتكلم’’ أسراري...، جسدي... ،أذني...‘‘، وكذلك الراوي المتكلم، الذي هو البطل غالبا ’’ أشعر...، أترك...، أملس...‘‘ ـ قصة ’’عشر لقطات من مشهد تاريخي‘‘ ص85.
** أناس محمد مختار من دم ولحم، يعرفهم ويعرفونه، يخالطهم ويخالطونه، يفرحون معا ويحزنون معا، سواء من تحدث عنهم، أو من جعلهم يتحدثون بأنفسهم، يشعر القاريء بحركتهم العفوية بين السطور، متوائمة مع لغة سردية بسيطة وتلقائية...
تستحق قصص هذه المجموعة ـ من وجهة نظري ـ ، أن تحتفظ لنفسها بمكانة مرموقة، في صفحات القص العربي، إذ يمتلك كاتبها عالما ذاتيا فريدا، استطاع أن يخالط بينه، وبين عوالم خارج إطار ذاته، وخارج إطار بيئته المحدودة، عبر سرد تلقائي يعتمد كأساس ،على موهبة حكائية فطرية، لاتخلو مِن مكر مَن ثقف نفسه بنفسه، ضاربا في العديد من المناحي الفكرية والسياسية والاجتماعية...
فقط أستحثه، على مداومة الكتابة بجدية، احتراما لموهبته الفريدة، فمنجزه هو الذي سيبقى، حتى لايجد الآتون بعدنا أنفسهم ذات يوم ، يتبادلون مجموعته الوحيدة هذه، كما نتبادل نحن مجموعة يوسف القط، قائلين رحمة الله عليه، لقد كان هنا كاتب عظيم.
** تقع المجموعة في (115) صفحة قطع متوسط، تضم أربع عشرة قصة، سقط فهرسها سهوا، وحوت كمَّا هائلا من الأخطاء الطباعية.

’’ رُبَّما .. هكذا ‘‘لجمال سعد محمد(3)
وتحولات الذائقة الفنية للنص

تقنية القصة القصيرة جداً لم تظهر على نطاق واسع، إلاَّ في أواخر الستينيات، ومطلع السبعينيات, ثم تقلصت نسبياً في الثمانينيات, ثم عادت بقوة في التسعينيات, وهذه الكتابة المكثفة والموجزة تعدُّ تحولاً له أهميته في الذائقة الفنية، عند كلًَّ من الكاتب، والمتلقي على حدّ سواء.
ولا أستطيع أن أخفي مفاجأة نصوص جمال سعد هذه لي , ليس لتلك الذائقة الفنية التي تكتنفها فحْسب, ولكن لأن كاتبها بدأ كتاباته كقاصَّ تقليدي, ثم ما لبث أن حوَّل دفَّة إبداعه نحو النقد، محققاً فيه خطوات جيدة, وإذا بمعين إبداعه يفجؤنا بهذه النصوص، التي تحمل من الجديد الكثير, ولعلَّ أهمه أنها لا تترك المتلقي متفرجاً, إنما تجبره علي المشاركة، من خلال جدلية قد لا تنتهي ... :
تري هل انتهي النص؟ هل هذا كل ما يعنيه ؟!
فيعود للقراءة من جديد, وعندها تعود دائرة الحوار لتتسع, وها هو ( سارتر) يقول : ’’ إنَّ الاتصال الأدبي هنا يعني وجود تعاقد بين الكاتب والقارئ .. ‘‘.. فالقارئ هو الذي يُضفي علي العمل صفة الوجود المطلق، بإنتاجه عن طريق القراءة, وهنا يصبح جهد القارئ معادلاً لجهد المؤلف, وهذه النصوص تحتاج لقارئ من نوع خاص, فهناك إشكالية مؤكدة، سوف يصطدم بها القارئ التقليدي, فالنصوص غير مهمومة بصناعة عقدة أو حبكة أو فعل درامي، كالذي تعمد إليه القصة التقليدية، من خلال سرد قصصي كلاسيكي, فهذه النصوص لا تقدم سردية تقليدية تتضمن مقدمة ونمواً ونهاية, لأنها بطبيعتها تحاول التمرد على بنية السرد التقليدي, فصدمة القارئ تكمن في عدم تقديم حركة بانورامية عريضة لأحد مناحي الحياة, من خلال حبكة متكاملة وشخصيات متعددة, والعيب هنا قد يكون في المتلقي، الذي مرَّن نفسه على نمط ثابت، مُغلقاً بذلك الباب أمام خبرته لتتسع.
فأنت أمام ما يُسمي (بالنص) في النقد الحديث, وقارئ هذا اللون يمكن أن يملأ الفراغات الوجدانية، التي يتركها الكاتب عن عمد غالباً, ليشارك في عملية إنتاج النص وتأويله . فالكلمات لا تقف فقط عند ظاهر المعني, فالمتلقي لابد من تداخله لتكتمل لديه المتعة, و إلاَّ سيقع في مأزق قارئ نشرة الأخبار ولنأخذ إحدى القصص مثلاً : ’’ يغادرنا المكان
مربعات الأسمنت أولاً, ثم المقاعد في إثرها
الفراغ المباغت
يفرض تأثيث الروح ‘‘
( حضور ص 8 )
كيف يغادر المكان قاطنيه ؟ .. وكيف تتأثث الأرواح لتساير وضعاً جديداً لم يكن في الحسبان ؟!
لابد أن يقيم المتلقي جدليته الحتمية لتكتمل الرؤية ..
* ـ تحوي المجموعة ستاً وثلاثين قصة, يبدو ولع الكاتب بالنكرات عند انتقائه لعناوينها، خصوصاً النكرة المفردة, ربما لعلمه ـ وهو أحد مدرسي اللغة العربية ـ أن النكرة قد تفيد الشمول والاتساع : ثلاثة وثلاثون عنوانا نكرة, منها واحد وعشرون نكرة مفردة, كلهم مصادر صريحة ( خشونة، قدرة، لذة، عزف، ...إلخ ), واثنتا عشرة نكرة جمع ( جذور، خيوط، أعواد، ... إلخ) , وتبقي بعد ذلك عناوين ثلاثة : حرفان ( لا , ربما ) , واسم إشارة ( هكذا ) , ومن الغريب أن يأتي عنوان المجموعة من اثنين منها : ( ربما .. هكذا ) , وربما يظن البعض أنه لا توجد دلاله لما سبق, ولكن هذا ليس صحيحاً, فهذا التنظيم لا يمكن أن يأتي عشوائيا, إنما للقاص هنا منهج تنظيمي عمد إليه.
ـ يظهر تأثر الكاتب بتدريسه لعلم البيان داخل النصوص، فغالبية النصوص تغص بصوره :
’’ على الوقت أن يمهلنا كثيراً ‘‘
’’ ظلال‘‘ ص9,
’’ سيقودنا السَّيف‘‘
’’خشونة‘‘ ص 11 ,
’’ كشجر غادر غابته ‘‘
’’ أبواب‘‘ ص 12 ,
’’سيئن الخضب في المفاصل ‘‘
’’ لا‘‘ ص14 ,
’’ رأيت قصيدتي تغادر المكان ‘‘
’’عبور‘‘ ص 40 ... وهكذا.
ـ يبدو لجوء القاص إلى اللغة المقتصدة، الموحية، شديدة التركيز, فمن بين نصوص المجموعة الستة والثلاثين، توجد نصوص عشر لم تتجاوز نصف الصفحة, وست عشرة نصاً لم يتجاوز النص الصفحة الواحدة, فيما لم تتجاوز النصوص التي زادت مساحتها عن الصفحة العشر نصوص, ومن هنا يمكن للقارئ وبسهولة أن يكتشف مدي التكثيف اللغوي، كإحدى تقنيات تكوين الذائقة الفنية الحديثة, هذا مع الوضع في الاعتبار، أن حجم النص وحده ليس دليلا قاطعا، أو وحيدا على شدة التكثيف، على ولنري فيما يلي كيف يتبدى ذلك بجلاء :
’’ عبرتُ .
رأيتُ غابةً هادرةً .
أعرف الوجوه .
لا أذكر أسماءها . ‘‘
’’عبور‘‘ ص 40 .
وثمة مثال آخر :’’ كجزع هجرته العصافير
أقف وحدي
أكسر حدّة الفراغ
بقامة صئيلة . ‘‘
’’ وريد‘‘ ص 34 .
ـ والقاص هنا يميل إلى الحياد في نقل الحدث, وقلَّما يتدخل ليصادر على وعي المتلقي, تمر الأشياء أمامه , يسجلها بعدسته الخاصة , ولعلنا نتذكر على الفور مدرسة ( الرواية الجديدة ) في الأدب الفرنسي, خصوصًا في بعض أعمال ( ألن روب جرييه ) الغريبة في القصة القصيرة, وكذلك عند ( مارجريت دورا ), حيث يتحرك المشهد من سكونيته المكانية ، نحو حركة زمنية متصاعدة، لملاحقة حركة خارجية، أو مشهد جديد, في إحدى القصص يقول :
’’ ليست هذه مدينتي, أعلم .
الخواء ضيق, ما من رفاق في هذا البلد البعيد يوسعون الروح والأمكنة .
أكثر وحدة من جثة لم تألف عتمتها بعد
الذين أخمدوا صرختي بتراب
عادوا إلى منازلهم .
في انتظاره
سريرُُ وامرأة ‘‘
’’ حُب‘‘ ص 43 .
ـ وتحيلنا هذه المجموعة الصغيرة ( 52 صفحة )، إلى ما يسُمي حديثاً بتداخل الأجناس الأدبية, ونجدنا مرغمين علي ترديد مصطلحات: التجريب, القصة القصيدة, قصيدة النثر ... أو غير ذلك...
فالقاري المتمرس لن يستطيع تجاهل هذا النفس الشعري الواضح بالنصوص، لدرجة يشيع فيها النسق الموسيقي, وكأنَّك تقرأ قصيدةً طويلة، تتكون من عدة مقاطع, كل مقطع أقرب إلى قصيدة ( الهايكو ) اليابانية .
وسوف تدرك خبرة المتلقي ـ الخاص ـ خصوصية النسيج السردي العام للأقاصيص، حتى ليمكن ـ أيضاً ـ أن يعدها قصة مقطعية واحدة، تذكرنا بقصيدة التوقعات, أو القصيدة العنقودية في الشعر الحديث, بحيث تتكامل متعةُ القراءة والاستيعاب للقصص المتتابعة رؤيويًا:
يقول :’’ لن نألف الضغينة التي تجمعنا
وأقدامنا المثبتة في دائرة
لن تطأ هذه العتمة ثانية ... ‘‘
’’ أقدام‘‘ ص 18 .
ويقول في مقطع آخر لا يقل شاعرية عن سابقه:
’’ أرُجِّحُ الاحتمالات الطيبة لكل السُّوء الذي حدث
المحبة خدعة
والحنان مشبوه
لكنني ـ رغم جِدَّة الألم ـ سأستمر في تصديق مالا أراه ‘‘ .
’’ احتمال‘‘ ص 52 .
ـ وعلى ذلك، فقارئ هذه المجموعة، لابد أن يجد نفسه أمام تجربة لها خصوصيتها اللغوية والرؤيوية, تحاول أن تلامس أفكاره، بعيداً عن المباشرة والتقريرية, بلغة مكثفة، تعكس أهمية الاجتهاد المستمر، من أجل مزيد من التحولات في الذائقة الفنية، عند كلٍّ من المبدع والقارئ معاً ..
ولعلنا لا تخطئ القول إذا أكدنا أنَّ الأجمل لم يأتِ بعد.
ـــــــــــــــــــــــــ
يُتبع
بالجزء الثاني.







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 02-05-2007, 12:26 AM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
سمير الفيل
أقلامي
 
إحصائية العضو






سمير الفيل غير متصل


افتراضي مشاركة: قراءات متباينة في قصص دمياطية / جزء أول / فكري داود

أتقدم بالشكر للقاص والروائي فكري داود على جهده هنا حيث تبدو ملكة البحث والتقصي والتحليل والمقارنة وهي أمور اساسية في مرجعية البحث العلمي المتزن.
أظن للكاتب بحث مميز عن أدب الطفل . ليته يبثه هنا لعموم الاستفادة ..
تحياتي ..







التوقيع

سمير الفيل
شاعر وروائي وناقد مصري
عضو اتحاد كتاب مصر
عضو اتحاد كتاب الانترنت العرب
 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 07:20 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط