إن الأمور ليست كما تبدو دائماً، فوراء وضوحها غموض أسود يشع من وراء نور نجهل حقيقته كما نجهل حقيقتها، يركض وراء سراب ومن خلفه يقبع سؤال حائر، كذلك أنت كما يبدو على ملامح دربك التي تسلكها وتبدو مجبراً بمحض إرادتك على العبور بين الحطام وحطام الحطام.
ولكن تذكر عندما تعود إلى البيت وحيداً وتلقى السلام كمن يلقي عن كتفه حزمة حطب تعب من حملها، فيعود إليك صدى صوتك منكسراً ومهزوماً، وعادة ما يكون الصدى في الأماكن المهجورة والموحشة، نعم هناك شيء تغير وهناك شيء لم يعد موجوداً. تغلق النوافذ والستائر لتنعم بشيخوخة شبابك وحتى تشعر بأنك بعيد عن عالم مضجر دفنته خارج مدنك من أجل أن تحمله داخل جوفك الخاوي كأعجاز نخل، تقف أمام المرآة وأنت بالكاد ترى ملامح نفسك المهزومة والمنهارة ولكنك لا ترى دموع عينيك المنهمرة بسخاء المطر بل تشعر بأن هناك شيئاً يدفعك إلى الضحك والبكاء وللبكاء أكثر فأكثر، تطفئ السراج الذي كان ينير زاوية صغيرة في ظلمة فكرك، وترتمي بكامل همك على كرسي الأسى، وتبدأ بدندنة الأنين على ناي يبكي لا تتحرك وأنت جالس، حتى لا يوقظ صرير الكرسي النور النائم خلف غياهب العتمة فيفتضح أمرك، تبقى ضعيفاً ولا تقوى على ردع نظرك عن الأرض، تبقى كما أنت ملتحفاً عتمة الغرفة ومتخفياً بين حطام الظلام، لا تحاول حتى أن تثير غبار رجولتك المتبقية، لأنك تعتقد أنك سوف تهزم مرة أخرى، لا تشح بوجهك عن مكان موطئ قدميك، فربما يكون مقامك الأخير تأمله جيداً، إلى هذا المكان سيأتي أناس كثيرون، سيظنون بأنك مت شهيداً وأنت حقيقةً مت منتحراً بأفكارك السخيفة مت من أجل لا شيء فأبقى في الظلام قابعاً خير لك من أن يعريك النور أمام حقيقة واقعك، وواقع خيالك وما أنتَ عليه وما عليه أنت..
حسن محمد علي المغربي