|
|
|
|||||||
| منتدى الأدب العام والنقاشات وروائع المنقول هنا نتحاور في مجالات الأدب ونستضيف مقالاتكم الأدبية، كما نعاود معكم غرس أزاهير الأدباء على اختلاف نتاجهم و عصورهم و أعراقهم . |
![]() |
| مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان) |
| أدوات الموضوع | تقييم الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
رقم المشاركة : 1 | ||||||||||||||
|
في ظل الهجمة الشرسة على تراثنا الفلسطيني العريق والممتد في أعماق التاريخ وحتى يتعرف النشء الجديد على تاريخه دون تزييف سنقوم في هذا المكا ن بنشر مقتطفات من دارسة البحث والكاتب الفلسطيني جميل خرطبيل ...والتي تكشف عن الأخطاء التي وقع فيها حتى المؤرخون والمفسرون العرب القدماء ...حتى تستبين الصورة ..واضحة جلية امام كل ذي بصيرة...فتابعونا الحلقة الأولى * * *كتاب فلسطين وأخطاء المؤرخين العرب القدماء جميل خرطبيل الفهرس المقدمة. هوامش المقدمة. 1- الفصل الأول: رواة الأخبار والأنساب. هوامش الفصل الأول: رواة الأخبار والأنساب. 2- الفصل الثاني: قضية التحريف والتزوير. هوامش الفصل الثاني: قضية التحريف والتزوير. 3- الفصل الثالث: المؤرخون العرب القدماء: تمهيد - الطبري, ابن الأثير, ابن كثير, اليعقوبي, المقدسي, ابن الجوزي, ابن عساكر, ابن خلدون, النويري.. هوامش الفصل الثالث: المؤرخين العرب القدماء. 4- الفصل الرابع: الأرض المقدسة في التفاسير القرآنية. هوامش الفصل الرابع: الأرض المقدسة في التفاسير القرآنية. 5- الفصل الخامس: مسجد بيت المقدس. هوامش الفصل الخامس: مسجد بيت المقدس. 6- الفصل السادس: ما تجاهله المؤرخون العرب القدماء. هوامش الفصل السادس: ما تجاهله المؤرخون العرب القدماء. الخاتمة. هوامش الخاتمة. المصادر والمراجع. * * * المقدمة: ما بين التاريخ الديني والتاريخ الحقيقي ما بين التاريخ الديني والتاريخ العلمي السياسي والحضاري والذي هو ذاكرة الشعوب, هوة كبيرة لا يمكن ردمها. والمؤرخون المسلمون القدماء بكتاباتهم عن فلسطين وبلاد الشام والعراق ومصر قديماً, لم يقدموا سوى تاريخ ديني؛ محوره قصص الأنبياء وبني إسرائيل, ومصدرهم أسفار العهد القديم والإسرائيليات! وهم وإن قيدوه بالزمان والمكان, فلا يعني تحوله إلى تاريخ علمي. فقصص الأنبياء القرآنية الموغلة في أعماق التاريخ, لم ُتؤطر أحداثها بزمان أو مكان محددين. لأن غايتها تتعلق بالدعوة إلى التوحيد والتربية من خلال الوعظ والإرشاد والتوجيه. فتحديد الزمان والمكان يصير عائقاً في وجه القصص للوصول إلى فضاء أوسع, فضاء مطلق. كما أن القصص لا تهدف إلى تقديم تاريخ مادي حقيقي للبشرية, بل هي للعبرة: [لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ] (1). لذلك لا يمكن دراسة التاريخ الديني بالمقارنة أو بالموازنة التلفيقية مع التاريخ الحقيقي زماناً ومكاناً. والمؤرخون العرب القدماء بدءاً من الطبري وحتى ابن خلدون, كان همهم بالنسبة للتاريخ القديم هو حكاية التكوين والخليقة منذ آدم ومروراً بقصص الأنبياء, ثم قصص الملوك والحكام والصالحين والآثمين بهدف الوعظ... فوقعوا في تلك الغلطة الكبيرة وهي عدّ التاريخ الديني القديم هو نفسه التاريخ الحقيقي زماناً ومكاناً. لقد كانت التوراة رائدهم في المكان وتسلسل الزمن والمعلومة, وهم يتحدثون عن التكوين وتشكل المجموعات البشرية الأولى وتكون المدن والدول.. والمؤرخ القديم أخذ دور العالم (الجيولوجي والجغرافي والطبيعي والأحيائي والفلكي والآثاري...) لإكمال حبكة الوجود من الأزل وحتى القرون الأولى للميلاد, حيث أخذ التاريخ مفهومه شبه الحقيقي, ولكنه لم يكن نقياً وصافياً تماماً. بعد أن آمن المتدين قديماً بقصص الأنبياء القدماء, دفعه فضوله لمعرفة المزيد من المعلومات عنهم, وهنا دخل عنصر الخرافة والأسطورة والخيال الجامح للقاص أو المفسر لملء الفراغ. وكان المتلقي يتقبل الأمر برحابة صدر لأنه يشبع فضوله ويهدئ مشاعره المتأججة, ولم يكن همه البحث عن مصداقية تلك القصص زمانياً ومكانياً! إن ذاك التاريخ الموغل في القدم مغفل عند أولئك المؤرخين لأنه من اكتشافات العصر الحديث, فنحن لم نقرأ عند أيّ منهم حديثاً عن الفينيقيين أو البابليين أو السومريين أو المصريين.. ولم نقرأ عن الحضارات العظيمة التي صنعها العرب قبل الميلاد بآلاف السنين, بل قبل النبي نوح وأبنائه الذين نسلوا البشرية كما تقول التوراة. فالأرض العربية كانت مهد الحضارة والتي بدأت منذ آلاف السنين (2). ولنا أن نعذر مؤرخينا الذين لم يطلعوا على الوثائق أو الحفريات ولم يحظوا بالمعطيات العلمية فكل ذلك خارج إطار عصرهم, ولكن لن نعذرهم وقد وجدوا أمامهم مصدراً للمعلومات القديمة جاهزاً وعلى رأسه التوراة, فتلقفوه دونما دراسة أو تدقيق ومراجعة, ونقلوا منه دون تردد لأنه يسد النقص المطلوب عندهم, ويحقق بغيتهم ويريحهم من عناء التفكير والبحث. فهل تلك الغاية تبرر لهم ذلك؟! هناك من قرأ التوراة فلم تستوقفه بتحطيمها لشعب له حضارته, وهم رأوا بأعينهم آثار حضارات الشعوب القديمة في مصر والشام والعراق, ولم تثر دهشتهم, وإن هي أثارت وبشكل جزئي فسروها بشكل خرافي كما فعل بعضهم تجاه آثار تدمر إذ أوعز بناءها إلى جن سليمان, وجعلها مقبرة لبلقيس! من هنا يأتي لوم المؤرخين القدماء, فنحن لم نطالبهم بما هو فوق طاقتهم, فاللوم لأنهم أخذوا ينهلون من التوراة والرواة دون قيد أو شرط, وكان عليهم أن يفكروا في المطروح بين أيديهم. وقد انتقد ابن خلدون في مقدمته من سبقه على ذاك النقل دون أي تمحيص, إلا أن ابن خلدون نفسه ومن جاء بعده لم يلتزم بما قاله؛ فقد أذهب كلامه أدراج الرياح! لقد غيبت التوراة وأسفار العهد القديم كل تلك الحضارات لتحل مكانها رؤيتها هي للتكوين وبدء الخليقة وتفرع السلالات البشرية وحكايات الآباء المؤسسين لقبيلة بني إسرائيل, جاعلة منهم محور الكون. واستقطب المؤرخ المسلم الغزو الثقافي اليهودي, فتبنى تلك الرؤية المتهافتة ونقلها إلى التراث الإسلامي كحقيقة مسلم بها. فصار تاريخ فلسطين القديم ما قبل الميلاد بل وتاريخ بلاد الشام والعراق ومصر تاريخاً للمعلومة التوراتية, مع تعديلات (حذف, إضافة) هنا أو هناك أملتها مزاجية العقلية الراوية والمتلقية والمدونة, وما انتشر من شعبيات في الوسط العربي الإسلامي! إن خطأ الكتبة المسلمين الأول هو أنهم عدّوا النص التوراتي كتاباً إلهياً, وهذا ترتبت عليه القناعة بأن بني إسرائيل موحدون والكنعانيين وثنيون, وصارت كذبة مجيء الإسرائيليين إلى فلسطين أمراً حقيقياً عندهم. والأمر نفسه انعكس على التفسيرات الخاطئة التي قدمها المفسرون للآيات القرآنية المتعلقة ببني إسرائيل!! *** إن البعثات العلمية وعلماء الآثار الذين قدموا إلى فلسطين منذ القرن التاسع عشر لم يأتوا لدراسة تاريخ فلسطين القديم بروح العالم الموضوعي الباحث عن الحقيقة, إنما جاؤوا بخلفيات يسيطر عليها الهوس الديني والتعصب الأعمى وخاصة البروتستانت, وبهدف البحث أو الكشف عن جغرافية الرواية التوراتية لأرض الآباء المقدسين وأبناء إسرائيل شعب الله أجداد المسيح اليهودي (3)! كما أن المستشرقين الموظفين في دوائر المخابرات الغربية الاستعمارية, وكتبة القواميس والموسوعات والأطالس الخاصة بالكتاب المقدس, زوروا جغرافية وزمن النص التوراتي ليتلاءم مع رؤيتهم المتشنجة, ويتوافق مع الرؤية الاستعمارية والصهيونية اللتين تريدان فلسطين مكاناً, بل أكثر من هذا الأرض الممتدة عبر العراق وبلاد الشام ومصر أي من الفرات إلى النيل! هذه النظرة الضيقة الأفق والتي شجعتها من الخلف الإمبريالية والمسيحيون المتصهينون هي التي ولدت تلك الكارثة! وتم التلاعب أيضاً بقراءة الأعلام ولا سيما أعلام الأمكنة في المدونات الآثارية القديمة لشعوب المنطقة, فترجموها وكتبوها بما يساعد على إسقاطها قسراً على أعلام الأسفار.. (4) إن الفلسطينيين العرب كانوا وما زالوا في فلسطين منذ أكثر من عشرات الآلاف من السنين. ونظريات المستشرقين أو الباحثين الغربيين حول الكنعانيين ومجيئهم في منتصف الألف الثالثة قبل الميلاد سواء من غرب الجزيرة أو من البحرين أو من غيرها لا قيمة علمية لها, لأنها مجرد تخمينات ولا دليل عليها. لكن من المحتمل أن تكون هناك مجموعات عربية جديدة مهاجرة جاءتهم منذ ما يقارب الثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد شأنهم في ذلك شأن العرب في بلاد الشام والعراق, فاندمجت المجموعات الجديدة فيهم, فكلهم عرب ولهم لغتهم الواحدة ضمن الأرض العربية, وانصهر الجميع في بوتقة واحدة. ونظرية شعب كنعان في فلسطين والامتداد في بلاد الشام, هي نظرية المستشرقين والمستعمرين القائمة على الرواية التوراتية. ومثلها نظرية الفلسطينيين القادمين من البحر؛ فسكان فلسطين القدماء عرب فينيقيون/ فلسطينيون/ كنعانيون/ أموريون.. وأضف ما شئت من التسميات فكلها لمسمى واحد. ومع مجيء المستعمر الخارجي من فرس ويونان ورومان بقي الشعب الفلسطيني في أرضه صامداً ومغلوباً على أمره, إلى أن جاءت الفتوحات العربية الإسلامية فحررته من الرومان وأعادته إلى هويته المستلبة وإلى السيادة العربية الإسلامية. إن نصوص العهد القديم مليئة بالآيات الكثيرة التي تقر بوجود الكنعانيين في فلسطين وبأنهم أصحاب الأرض قبل مجيء الإسرائيليين المزعوم إلى أرض كنعان, وهذا ما سعت الأسفار لتهميشه, كما سعى المستشرقون والمؤرخون الغربيون - الصهاينة خاصة – إلى تهيمشه وتغييبه ومسخه لصالح وجود أحادي هو الوجود الإسرائيلي! إن النص التوراتي الذي بين أيدينا جوهره أيديولوجية الفكر الاستعماري لأرض كنعان والمنفعة والأنانية وأخلاقية عالم التجارة والمال.. وسواء أكانت كتابته على يدي عزرا أم المجموعة السبعينية أم س من المؤلفين, فذاك لا يبدل شيئاً من رؤية حقيقة النص! كما أن القارئ لجغرافية الرواية التوراتية بعمق وبحيادية وموضوعية, لا يستطيع أن يطبقها كاملة – سواء أكانت هي الأصلية أم المزورة - على فلسطين أو بلاد الشام والعراق ومصر, لأن ذكر أسماء الأمكنة وحدها دونما الانتباه إلى السياق العام وترابط الأعلام ببعضها دونما تناقض وعلى أرض الواقع الجغرافي والتاريخي دونما تعارض, يحتاج إلى جهد يفوق قدرة عقول مؤلفي نصوص العهد القديم على تحقيقه. ومن هنا أخفقوا في إتقان التلفيق والتزوير والتزييف والتلاعب. واللاهوتيون فيما بعد في دارستهم لجغرافية الأسفار لعبوا دورهم في الإسقاطات القسرية والملفقة إلا أنهم لم ينجحوا تماماً. وجاء الفكر الاستعماري الغربي عبر المستشرقين والمؤرخين الذين داروا في فلكه ليعطي تاريخاً مزيفاً بناه هو مستنداً إلى ما يمكن أن يسعفه من شواهد ومبتعداً عن النصوص التوراتية ذات الإشكالات. وصار ما كتبوه عن تاريخ فلسطين القديم هو الوثيقة البديلة والمرجعية للدراسات الأكاديمية في الغرب والعالم.. ولكن أخيراً كان لبعثات الدراسات الآثارية قولها الفصل في ذلك, وكذلك القراءة الجادة والدراسة المقارنة! فبدءاً من ثمانينات القرن الماضي بدأت تظهر في الغرب أفكار جريئة تشكك بصحة تاريخية التوراة, وأدرك بعض الباحثين والمؤرخين الغربيين الواعين (المؤرخين الجدد) زيف العهد القديم ومدى استغلال الفكر الاستعماري الصهيوني والأوروبي (المسيحي المتصهين) فكرة أرض الميعاد، لإقامة المشروع الاستعماري الصهيوني عليها. مما أدى ذلك إلى تغييب التاريخ الفلسطيني الزمكاني وطمسه لصالح الرواية التوراتية كما طرح كيت وايتلام وتوماس طومسون وغيرهما... ولم تعد مقبولة تلك الأفكار التي قزمت تاريخ فلسطين بعصر الآباء وعصر الخروج والغزو والعصر الذهبي الوهمي لبني إسرائيل في عهد داود وسليمان, ثم عصر الانقسام والسبي والعودة والإصلاح.. أو تقسيم تاريخ فلسطين إلى مرحلتين ترتبطان باليهود مرحلة الهيكل الأول وقد انتهت مع السبي البابلي المزعوم, ومرحلة الهيكل الثاني وانتهت عام 70 ميلادي... إن النص التوراتي ليس وثيقة تاريخية أو جغرافية أو علمية, وهذا ما أثبتته الحفريات والدراسات النزيهة. كما أثبته الدارسون الشرفاء وعلماء الآثار, والذين منهم من نفض يديه بعد أن فقد الأمل في العثور على أي دليل يثبت صحة أية مقولة في النص التوراتي. فنتائج البحث المحموم عن رواية العهد القديم على أرض فلسطين باءت بالإخفاق, وبالتالي رُفِضت التوراة كمعطى تاريخي وجغرافي (إسرائيل فنكلشتاين وإسرائيل شاحاك, ياكوف رابكان وكاثلين كِنيون وزيئيف هرتسوغ..) (5). وانعكس ذاك الأمر على بعض الباحثين العرب الواعين؛ فبدأ بعضهم يفكك عقد النقص تجاه الغربي, ولكن ما زالت عيون بعضهم ترنو إلى الغرب بشيء من الدفء. وهذا ما دفع د. زياد منى إلى محاولة إعادة كتابة تاريخ فلسطين القديم "مقدمة لتاريخ فلسطين القديم". فنتيجة الإخفاق في الحصول على أي أثر يدعم الرواية التوراتية, فتّح الآفاق لإعادة النظر بما كان يسمى مسلمات. .
|
||||||||||||||
|
|
|
رقم المشاركة : 2 | ||||||||||||||
|
|
||||||||||||||
|
|
|
رقم المشاركة : 3 | ||||||||||||||
|
الفصل الأول: رواة الأخبار والأنساباختلط العرب قبل الإسلام باليهود والمسيحيين, ولم يكونوا بمعزل عن الحضارات من حولهم. وقد عرفوا كثيراً من المعلومات عن الديانتين بالاعتماد على السماع, فعصرهم عصر الثقافة الشفوية التي يتلقونها شفاهة، وقد استمر عصر الثقافة الشفهية حتى عصر التدوين في الإسلام. فذاك عصر الثقافة السمعية إن جاز هذا التعبير. وفي العصر الإسلامي ازداد اطلاع العرب المسلمين على كتب اليهود والمسيحيين, وعرفوا أسفار العهد القديم والجديد (الكتاب المقدس) وأخذوا منها الكثير, كما استمعوا إلى علماء الديانتين. إضافة إلى اطلاعهم على بعض حكايات التلمود والشعبيات اليهودية والمسيحية. وإذا ما قفزنا إلى العصر العباسي نجد أن العراق صار البحيرة التي صبت فيها أنهر الثقافة اليونانية والرومية والفارسية والهندية, إضافة إلى تراث الديانتين اليهودية والمسيحية.. فالعرب قبل الإسلام عرفوا كثيراً من الحكايات والأنساب, ولكنها معارفهم كثرت وتضخمت في العصر الإسلامي, وحين توقدت العصبيات نتيجة الصراعات الداخلية صار موضوع الأنساب والافتخار به من صلب التكتلات المتعارضة والمتناحرة. وراجت أكثر هي والحكايات في زمن التدوين حيث ازداد الطلب عليهما. ونهضت البصرة والكوفة في عصر الثقافة الكتابية وحولهما تراث متنوع يضرب جذوره في أعماق التاريخ. فكل شيء كان جاهزاً بين اليدين المدونتين للثقافة الشفوية. وصار الراوي بطل الميدان بما يرويه مشبعاً النفوس بما تحتاجه. وبما أن المتلقي المدون يتلقف كل معلومة دون تدقيق, لم تبق هناك حدود أمام الراوي تمنعه من الأكاذيب والتلفيقات. لقد بدأت الثقافة الكتابية في خضم التيارات الثقافية المتنوعة, وكان الدين الإسلامي هو المحور المركزي للدائرة التي أخذت تتسع رويداً رويداً, وفي الوقت نفسه أخذت تتشعب وتبتعد عن المركز قليلاً قليلاً. وكان لليهود شهرتهم بأنهم أعلم الناس بأخبار الماضي, يقول القنوجي خلال حديثه عن اليهود بأنهم: (هم بنو إسرائيل وكانت عنايتهم بعلوم الشرائع وسير الأنبياء, فكان أحبارهم أعلم الناس بأخبار الأنبياء وبدء الخليقة وعنهم أخذ ذلك علماء الإسلام) (1). ومن ذاك المفهوم السائد عن أحبار اليهود أخذ المدونون ينقلون عنهم, أو عن طريق التوراة مباشرة, أو عن طريق الرواة كوسيط بين الطرفين. ولم يتحر المدون ما كان ينقله عن الرواة, بل قلما يفكر بما ينقل, فالهدف عند الجميع سد نقص في حكاية ما أو الإجابة عن استفسار ما.. وما أكثر الأسئلة المتوالدة من بعضها! ولم يدرك مؤرخونا أن الكتبة ألفوا التوراة وبقية الأسفار بهدف إعادة صياغة الوجود, ليكون اليهودي هو السيد وابن الله وهو مركز الوجود ومحوره ومبتدؤه ومنتهاه.. وبأنهم أعادوا تصنيف البشرية وفق منظورهم المبني على استعمار أرض كنعان, بعد الإطاحة بكنعان وجعله إبليس المطرود والملعون والعبد.. لقد تقبل المؤرخون الأنساب دونما نقاش جاد وحاسم. وهي وإن جعلتهم من النخب الأول أبناء سام, لكنها حققت لليهود روابط القرابة, ومكاناً في شجرة العائلة. ولم يكن هذا بمشكلة في تلك العصور عصور سيادة العرب المسلمين, ولكن في عصور الانحطاط والمشروع الصهيوني صارت قضية سام ذات أبعاد سياسية خطيرة يعاني العالم من طغيانها حتى الآن! *** لقد غزا سيل جارف من المعلومات اليهودية الساحةَ الإسلامية, وصار الهدف عند الكثيرين جمع أكبر كم ممكن, قبل أن يحظى به آخرون. ومنهم من كان يعدل في الخبر زيادة أو نقصاناً بحسب الذاكرة وما سمعته والخلفية الثقافية والمزاجية. وآخرون ارتجلوا الكثير ليلفتوا النظر إليهم فعندهم الجواب الفوري لكل سؤال! وقد انتقد بعض القدماء الرواة غير الموثوق بهم ففضحهم وكشف اختلاقهم وكذبهم, وذاك النقد ارتبط بنقد المادة المنقولة نفسها أي المعلومات الخرافية سواء أكانت متعلقة بالأنساب أم الحكايات والأخبار، والنقدان أديا إلى نقد المتلقي الذي يعتمد على جمع المعلومات دون دراسة وتدقيق. آ- نقد مبدأ التجميع دون دراسة وتدقيق: انتقد ابن خلدون المؤرخين قبله على قبول ما هب ودب من المعلومات, فقال: (إلا أن كتبهم ومنقولاتهم تشتمل على الغث والسمين والمقبول والمردود, والسبب في ذلك أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تتشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود, فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدونه منهم وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى, وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب ومعظمهم من حِمْيَر الذين أخذوا بدين اليهودية, فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها مثل أخبار بدء الخليقة وما يرجع إلى الحدثان والملاحم وأمثال ذلك. وهؤلاء مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سلام وأمثالهم فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم في أمثال هذه الأغراض أخبار موقوفة عليهم, وليست مما يرجع إلى الأحكام فتتحرى في الصحة التي يجب بها العمل. وتساهل المفسرون في مثل ذلك وملأوا كتب التفسير بهذه المنقولات وأصلها كما قلنا عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك إلا أنهم بعد صيتهم وعظمت أقدارهم لما كانوا عليه من المقامات في الدين والملة فتلقيت بالقبول من يومئذ....) (2). ولم يكتف ابن خلدون بنقد مناهج المؤرخين القدماء بل طرح المنهج الذي يجب أن يتمسك به المؤرخ: (فهو محتاجٌ إلى مآخذ متعدَدةََ ومعارف متنوعة، وحسن نظر وتثبت يفضيان بصاحبهما إلى الحق وينكبان به عن المزلات والمغالط لأن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل، ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا قيس الغائب منها بالشاهد، والحاضر بالذاهب، فربما لم يؤمن فيها من العثور، ومزلة القدم والحيد عن جادة الصدق. وكثيراً ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل المغالط في الحكايات والوقائع، لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثاً أو ثميناً، لم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة، والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار فضلوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط؛ ولا سيما في إحصاء الأعداد من الأموال والعساكر إذا عرضت في الحكايات إذ هي مظنة الكذب ومطية الهذر ولا بد من ردها إلى الأصول وعرضها على القواعد) (3). ولكن, هل التزم ابن خلدون نفسه بذاك المنهج وتلك الرؤية؟! لا! فهو وآخرون قد يقفون عند أمور جزئية وهامشية ينتقدونها, وإن كانت أحياناً تنم عن لفتة ذكية, ولكنهم ضمن السياق العام لا يلتزمون بها كمنهج, فهم ينسون ما يقولونه وبالتالي ينقلون كل شيء! ***
|
||||||||||||||
|
|
|
رقم المشاركة : 4 | ||||||||||||||
|
*** ب- نقد خرافات الأنساب وخرافات الحكايات والأخبار: حمل ابن حزم على خرافات السلالات والأنساب فقال: 1- نقد خرافات الأنساب: (إنه ليس على ظهر الأرض أحد يصل نسبه بصلة قاطعةٍ، ونقل ثابت، إلى إسماعيل، ولا إلى إسحاق عليهما السلام, نعني ابني إبراهيم خليل الله صلى الله عليه وسلم, فكيف إلى نوح, فكيف إلى آدم, عليهما السلام؟ هذا ما لا مرية فيه..)... (وأما الذين يسمونهم العرب والنسابون العرب العاربة كجرهم، وقطورا، وطسم، وجديس، وعاد، وثمود، وأميم، وإرم، وغيرهم، فقد بادوا؛ فليس على أديم الأرض أحد يصح أنه منهم، إلا أن يدعي قوم ما لا يثبت. وكذلك سائر ولد إبراهيم صلى الله عليه وسلم, كمدين بن إبراهيم وسائر إخوته. وكذلك بنو عمون المنسوبون إلى لوط عليه السلام. وكذلك ولد ناحورا أخي إبراهيم عليه السلام. وكذلك ولد عيصو بن إسحاق عليه السلام؛ فليس على وجه الأرض أحد يقال: "هذا منهم"، على ما كانوا فيه من كثرة العدد) (4). وهناك آخرون كان موقفهم ضبابياً يرفض من جانب ويتقبل من جانب آخر مثل ابن خلدون, فهو في هذا النص يرفض قضية الأنساب: (واعلم أنّ الامتياز بالنسب أضعف المميزات لهذه الأجيال والأمم لخفائه واندراسه بدروس الزمان وذَهابه. ولهذا كان الاختلاف كثيراً ما يقع في نَسَبِ الجيل الواحِد أوّ الأمَّة الواحدة، إذا اتصلت مع الأيام وتشعَّبت بطونُها على الأحقاب كما وقع في نسب كثير من أهل العالم مثل اليونانيين والفرس والبربر وقحطان من العرب. فإذا اختلفت الأنساب واختلفت فيها المذاهب وتباينت الدعاوى استظهر كل ناسب على صحَّة ما ادَّعاه بشواهد الأحوال والمتعارف من المقارنات في الزمان والمكان, وما يرجع إلى ذلك من خصائص القبائل وسمِات الشعوب والفِرَق التي تكون فيهم منتقلة، متعاقبة في بنيهم. وسُئلَ مالك رحمه الله تعالى عن الرجل يرفع نسبه إلى آدم، فكره ذلك وقال من أين يعلم ذلك؟ فقيل له فإلى إسماعيل فأنكر ذلك، وكره أيضاً أنّ يُرْفَعَ في أنساب الأنبياء، مثل أنّ يقال: إبراهيم بن فلان بن فلان، وقال من يخبره به. وكان بعضهم إذا تلا قوله تعالى: "وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ", "سورة إبراهيم 9", قال: كَذَبَ النسابون. واحتجوا أيضاً بحديث ابن عباس أَنَّه صلى الله عليه وسلم لما بلغ نسبه الكريم إلى عدنان قال من ههنا كذب النسابون. واحتجوا أيضاً بما ثبت في أَنه علم لا ينفع، وجهالة لا تضرّ، إلى غير ذلك من الاستدلالات) (5). وابن خلدون الرافض لقضية الأنساب كما في النص السابق, يظهر ليناً في تقبل ما يذكر من أنساب العرب المتأخرين عن طريق اليهود: (وأخبار هذا الجيل من العرب وإن لم يقع لها ذكر في التوراة إلا أنّ بني إسرائيل من بين أهل الكتاب أقرب إليهم عصراً، وأوعى لأخبارهم، فلذلك يعتمد نقل المهاجرة منهم لأخبار هذا الجيل، ثم أنّ هذه الأمم على ما نقل كان لهم ملوك ودول) (6). وفي النهاية يقبل ابن خلدون والآخرون الأنساب كلها, ويذكرونها في كتبهم دون تحفظ كما سيأتي! 2- نقد خرافات الحكايات والأخبار: لقد انتقد ابن حزم الخرافات بكل أنواعها سواء أتعلقت بالأنساب أم الحكايات والأخبار, وشن حملة قوية على بعض الأخبار الخرافية متهماً واضعيها بالزندقة: (هذه الطائفة لا يعمل عندهم إلا ما جاء من طريق مقاتل بن سليمان والضحاك بن مزاحم وتفسير الكلبي وتلك الطبقة وكتب القذى, التي إنما هي خرافات موضوعات وأكذوبات مفتعلات, ولدها الزنادقة تدليساً على الإسلام وأهله. فأطلقت هذه الطائفة كل اختلاط لا يصح من أن الأرض على حوت والحوت على قرن ثور, والثور على صخرة, والصخرة على عاتق ملك, والملك على الظلمة, والظلمة على ما لا يعلمه إلا الله عز وجل, وهذا يوجب أن جرم العالم غير متناه. وهذا هو الكفر بعينه, فنافرت هذه الطبقة التي ذكرنا كل برهان ولم يكن عندها أكثر من قولهم نهينا عن الجدال, فليت شعري من نهاهم عنه) (7). ***
|
||||||||||||||
|
|
|
رقم المشاركة : 5 | ||||||||||||||
|
ج- نقد الرواة: اشتهر كثير ممن رووا القصص والحكايات والأنساب نذكر منهم: ابن عباس - هشام بن محمد الكلبي – محمد ابن إسحاق - وهب بن منبه - عبد الله بن سلام - كعب الأحبار – أبي بن كعب - قتادة – مقاتل – السدي - الثعلبي.. (8).وقد طعن كثيرون في مصداقية معظم أولئك, لشهرتهم بالكذب. وهذه مقتطفات قيلت عن بعضهم: مقاتل والضحاك والكلبي والسدي: يتحدث القنوجي عنهم فيقول: (وأوهى طريقة طريق الكلبي عن أبي صالح. والكلبي هو أبو النصر محمد بن السائب المتوفى بالكوفة سنة ست وأربعين ومائة. فإن انضم إليه رواية محمد بن مروان السدي الصغير المتوفى سنة ست وثمانين ومائة, فهي سلسلة الكذب. وكذلك طريق مقاتل بن سليمان بن بشر الأزدي المتوفى سنة خمسين ومائة, إلا أن الكلبي يفضل عليه لما في مقاتل من المذاهب الردية. وطريق ضحاك بن مزاحم الكوفي المتوفى سنة اثنتين ومائة عن ابن عباس منقطعة, فإن الضحاك لم يلقه وإن انضم إلى ذلك رواية بشر بن عمارة فضعيفة لضعف بشر. وقد أخرج عنه ابن جرير وابن أبي حاتم وإن كان من رواية جرير عن الضحاك فأشد ضعفاً لأن جريراً شديد الضعف متروك, وإنما أخرج عنه ابن مردويه وأبو الشيخ ابن حبان دون ابن جرير) (9). ابن إسحق: تحدث عنه ابن النديم فقال: (أخبار بن إسحاق صاحب السيرة أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن يسار, مطعون عليه غير مرضي الطريقة. يحكى أن أمير المدينة رقى إليه أن محمداً يغازل النساء فأمر بإحضاره...).. (ويقال كان يعمل له الأشعار ويؤتى بها ويسأل أن يدخلها في كتابه في السيرة فيفعل, فضمن كتابه من الأشعار ما صار به فضيحة عند رواة الشعر, وأخطأ في النسب الذي أورده في كتابه. وكان يحمل عن اليهود والنصارى ويسميهم في كتبه أهل العلم الأول. وأصحاب الحديث يضعفونه ويتهمونه) (10). وهب بن منبه: يتحدث ابن عساكر عنه فيذكر بأنه روى أخباراً منكرة, وكان قاضياً في المدينة زمن هارون الرشيد فعزله: (روى منكرات فترك حديثه, ثم عزل عن المدينة) (11). وإلى جانب وهب هناك عبد الله بن سلام وكعب الأحبار, والثلاثة لعبوا الدور الأكبر في نقل الإسرائيليات إلى التراث الإسلامي! الثعلبي: يقول القنوجي عنه: (والإخباري ليس له شغل إلا القصص واستيفاؤها والأخبار عن سلف سواء كانت صحيحة أو باطلة ومنهم الثعلبي) (12). إن أولئك الرواة هم الذين فتحوا الآفاق لغزو الثقافة اليهودية بما نقلوه من التراث اليهودي إلى التراث الإسلامي, إضافة إلى ما تفتقت به عبقريتهم من الاختلاق والكذب, بدءاً من الأنساب وتوزع البشرية وانتهاء بالتاريخ والتفسير والحكايات.. والراوي كناقل للخبر أو ملفق له يتحمل جزءاً من المسؤولية وكذلك مصدر الخبر, ولكن المسؤول الأول والأخير هو المدون المؤرخ أو المفسر، وعليه تقع المسؤولية الكاملة؛ لأن الكتابة مسؤولية والتأريخ والتفسير يتطلبان الدقة والأمانة والتمحيص وليس مجرد الجمع والتدوين. وهذا ما يعطي المؤرخ أو المفسر المكانة التي يستحقها.
|
||||||||||||||
|
|
|
رقم المشاركة : 6 | ||||||||||||||
|
وفي العصر الحديث كتب كثيرون عن تلك القضايا كأحمد بهاء الدين في كتابه "الإسرائيليات", و د. طه حسين في كتابه "في الأدب الجاهلي", و د. جواد علي في كتابه "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" والذي سنستعرض منه بعض آرائه في ذلك:
|
||||||||||||||
|
|
|
رقم المشاركة : 7 | ||||||||||||||
|
ابن خلدون: ينفي ابن خلدون التحريف الجوهري في التوراة ولا سيما النسب والقصص:(وقد وقعت العناية في التوراة بنسب موسى عليه السلام وإسرائيل وشعوب الأسباط، ونسب ما بينهم وبين آدم صلوات الله عليه. والنسب والقصص أمرٌ لا يدخله النَسْخُ، فلم يبق إلا تحرّي النُسخ الصحيحة والنقل المعتبر. وأمَّا ما يقال من أنّ علماءَهم بدَّلوا مواضع من التوراة، بحسب أغْراضهم في ديانتهم. فقد قال ابن عباس، على ما نقل عنه البخاري في صحيحه: أنّ ذلك بعيد، وقال معاذ الله أنّ تَعْمد أُمَّة من الأمَم إلى كتابها المُنْزَل على نبَيها فتبدله أو ما في معناه، قال وإنما بدَّلوه وحرفوه بالتأويل. ويشهد لذلك قوله تعالى: "وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ" "سورة المائدة 43", ولو بدّلوا من التوراة ألفاظها لم يكن عندهم التوراةُ التي فيها حكم الله. وما وقع في القرآن الكريم من نسبة التحريف والتبديل فيها إليهم، فإنما المعني به التأويل، اللهم إلا أنّ يطرقها التبديل في الكلمات على طريق الغفلة وعدم الضبط. وتحريف من لا يحسن الكتابة بنسخها فذلك يمكن في العادة، لا سيما وملكهم قد ذهب، وجماعتهم انتشرت في الآفاق، واستوى الضابط منهم وغيرُ الضابط، والعالمُ والجاهل، ولم يكن وازع يحفظ لهم ذلك لذهاب القدرة بذَهاب الملك، فتطرَّق من أجل ذلك إلى صحف التوراة في الغالب تبديل وتحريف، غير متعمد من علمائهم وأحبارهم. ويمكن مع ذلك الوقوف على الصحيح منها إذا تحرى القاصد لذلك بالبحث عنه) (1). يستشهد ابن خلدون بابن عباس على أن التحريف هو في التأويل, أما الألفاظ فلم يمسها أي تحريف. وربما يقع بعض التغيير غير المتعمد نتيجة الغفلة وعدم الضبط! *** ابن كثير: ابن كثير يتظاهر بموقف متشدد, فهو يهاجم التوراة بشدة, ويتهم اليهود بالتحريف في المبنى والمعنى: (وهذه التوراة التي يبدونها ويخفون منها كثيراً فيما ذكروه فيها تحريف وتبديل وتغيير وسوء تعبير, يعلم من نظر فيها وتأمل ما قالوه وما أبدوه وما أخفوه. وكيف يسوغون عبارة فاسدة البناء والتركيب باطلة من حيث معناها وألفاظها. وهذا كعب الأحبار من أجود من ينقل عنهم وقد أسلم في زمن عمر وكان ينقل شيئاً عن أهل الكتاب فكان عمر رضي الله عنه يستحسن بعض ما ينقله لما يصدقه من الحق وتأليفاً لقلبه, فتوسع كثير من الناس في أخذ ما عنده, وبالغ أيضاً هو في نقل تلك الأشياء التي كثير منها ما يساوي مداده ومنها ما هو باطل لا محالة, ومنها ما هو صحيح لما يشهد له الحق الذي بأيدينا. وقد قال البخاري وقال أبو اليمان حدثنا شعيب عن الزهري أخبرني حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية يحدث رهطاً من قريش بالمدينة وذكر كعب الأحبار فقال إنه كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب, وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب يعني من غير قصد منه. وروى البخاري من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أنه قال كيف يسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل الله على رسوله أحدث الكتب بالله تقرأونه محضاً لم يشب, وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً, ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألته, لا والله ما رأينا منهم رجلاً يسألكم عن الذي أنزل عليكم. وروى ابن جرير عن عبد الله بن مسعود أنه قال لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل والله أعلم) (2). نجد هنا رأياً لابن عباس يتناقض مع رأيه الذي أورده ابن خلدون. وورود روايتين متناقضتين منسوبتين لراوٍ واحد ظاهرة عادية في تراثنا القديم. وستمر معنا في الفصول القادمة نماذج عن ذلك, كما سنرى أيضاً أن بعض آراء ابن عباس كانت ترفض. ولم يكتف ابن كثير بما ذكره, بل قال ما هو أكثر إن التوراة كلها منسوخة ويحرم أخذ شيء منها: (قد بدلوا دينهم وحرفوه وأولوه حتى صار كأنه غير ما شرع لهم أولاً, ثم هو بعد ذلك كله منسوخ. والتمسك بالمنسوخ حرام لا يقبل الله منه قليلاً ولا كثيراً ولا فرق بينه وبين الذي لم يشرع بالكلية) (3). ويفرق بين التوراة بلسانها العبري وبين التوراة المعربة؛ فالتوراة المعربة فيها تحريف كثير في المبنى والمعنى, والتي بلسانهم لا يعرفها ولكنه يظن أنهم كذابون: (وأما ما بأيديهم من التوراة المعربة فلا يشك عاقل في تبديلها وتحريف كثير من ألفاظها وتغيير القصص والألفاظ والزيادات والنقص البين الواضح. وفيها من الكذب البين والخطأ الفاحش شيء كثير جداً, فأما ما يتلونه بلسانهم ويكتبونه بأقلامهم فلا اطلاع لنا عليه, والمظنون بهم أنهم كذبة خونة يكثرون الفرية على الله ورسله وكتبه) (4). ولكن على الرغم من كلام ابن كثير السابق الحاسم ظاهرياً, إلا أنه وجد مخرجاً لقبول الاستشهاد بالتوراة؛ فقد قسم الموقف منها إلى ثلاثة أقسام, والقسم الثالث بحسب تقسيمه يفتح له المجال واسعاً للأخذ من روايات كثيرة عن العهد القديم بما في ذلك الخرافات, وهو يعلل لنفسه القبول بذلك: (وأما الأخبار الإسرائيلية فيما يذكره كثير من المفسرين والمؤرخين فكثيرة جداً. ومنها ما هو صحيح موافق لما وقع, وكثير منها بل أكثرها مما يذكره القصاص مكذوب مفترى وضعه زنادقتهم وضلالهم. وهي ثلاثة أقسام منها ما هو صحيح لموافقته ما قصه الله في كتابه أو أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم, ومنها ما هو معلوم البطلان لمخالفته كتاب الله وسنة رسوله, ومنها ما يحتمل الصدق والكذب فهذا الذي أمرنا بالتوقف فيه فلا نصدقه ولا نكذبه كما ثبت في الصحيح إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم, وتجوز روايته مع هذا الحديث المتقدم وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) (5). وينتهي ابن كثير إلى نتيجة غير منطقية لمقدماته فهي لا تناسب تسلسل مناقشته حيث ينسف كل ما أظهره من تشدد تجاه التحريف؛ فالتوراة صحيحة كما يذكر: (وهذا كله يشكل على ما يقوله كثير من المتكلمين وغيرهم أن التوراة انقطع تواترها في زمن بخت نصر ولم يبق من يحفظها إلا العزير "عزرا", ثم العزير إن كان نبياً فهو معصوم, والتواتر إلى المعصوم يكفي اللهم إلا أن يقال إنها لم تتواتر إليه, لكن بعده زكريا ويحيى وعيسى وكلهم كانوا متمسكين بالتوراة. فلو لم تكن صحيحة معمولاً بها لما اعتمدوا عليها وهم أنبياء معصومون) (6). ذاك الضباب في موقف ابن كثير ما بين القبول والرفض فتح له درباً للأخذ من التوراة, وكل شيء له مبرراته! وذاك التناقض عند ابن كثير في موضوع التحريف, وكما في مدحه لكعب الأحبار ثم اتهامه بالكذب.. هو ظاهرة عامة مكررة عنده وعند غيره. فالتناقض والتبرير سمتان من سمات المنهج في تراثنا القديم! *** ابن حزم: قاد ابن حزم - كما مر معنا - حملة عنيفة على الخرافات ورواتها.. وهو في كتابه "الفصل في الملل والأهواء والنحل", يدخل في مجادلات طويلة ينتقد فيها التوراة ويتهم اليهود بالكذب والتحريف: (وأما التوراة فما وافقنا قط عليها لأننا نحن نقر بتوراة حق أنزلها الله تعالى على موسى عليه السلام وأصحابه, لأنه تعالى أخبرنا بذلك في كتابه الناطق على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم الصادق, ونقطع بأنها ليست هذه التي بأيديهم بنصها بل حرف كثير منهم وبدل وهم يقرون بهذه التي بأيديهم ولا يعرفون التي نؤمن نحن بها. وكذلك لا نصدق بشريعتهم التي هم عليها الآن بل نقطع بأنها محرفة مبدلة مكذوبة وهم لا يؤمنون بموسى الذي بشر بمحمد صلى الله عليه وسلم وبرسالته وبأصحابه. فاعلموا أننا لم نوافقهم قط على التصديق بشيء من دينهم ولا مما هم عليه ولا مما بأيديهم من الكتاب ولا بالنبي الذي يذكرونه لما قد أوضحناه من فساد نقلهم ووضوح الكذب فيه وعموم الدواخل فيه) (7). موقف ابن حزم هنا واضح تماماً: التوراة محرفة كلها! ويؤكد أن التوراة كتلة من الأكاذيب: (من الكذب الظاهر في الأخبار وفيما يخبر به عن الله تعالى ثم عن ملائكته ثم عن رسله عليهم السلام من المناقضات الظاهرة والفواحش المضافة إلى الأنبياء عليهم السلام. ولو لم يكن فيها إلا فصل واحد من الفصول التي ذكرنا لكان موجباً... لكونها موضوعة محرفة مبدلة مكذوبة فكيف وهي سبعة وخمسون فصلاً, من جملتها فصول يجمع الفصل الواحد منها سبع كذبات أو مناقضات فأقل, سوى ثمانية عشر فصلاً يتكاذب فيها نص توراة اليهود مع نص تلك الأخبار بأعيانها عند النصارى والكذب لائح ولا بد في إحدى الحكايتين, فما ظنكم بمثل هذا العدد من الكذب والمناقضة في مقدار توراتهم...) (8). وذاك الكلام الواضح الذي لا لبس فيه, يلحقه ابن حزم بكلام يخلق رؤية ضبابية, فهو يصل إلى نتيجة غريبة عن السياق؛ فالتوراة محرفة, ولكن الله يتدخل فلم يدع اليهود يحرفون كل شيء ليكون حجة عليهم: (إن كفار بني إسرائيل بدلوا التوراة والزبور فزادوا ونقصوا, وأبقى الله تعالى بعضها حجة عليهم كما شاء) (9). فهل يقصد ابن حزم أن ما بقي ليكون حجة هو فقط ما يتقاطع مع القرآن والأحاديث الصحيحة, أو أنه أبقى الباب مفتوحاً مواربة, للقبول المقنن لما لا يتقاطع مع النصوص الإسلامية؟! إذاً ما قاله ابن حزم لا يعني الرفض المطلق؛ فهو وإن انتقد نصوصاً توراتية كثيرة (10) لكن نقده كان للجزئيات, ولم يمس الإطار العام للتوراة! فهو مثلاً يقبل بالوعد وبالمملكة المزيفة حيث لا يرى فيهما تحريفاً, ولكنه يسفه امتداد المملكة المذكور في الأسفار من النيل إلى الفرات, وبالتالي هو بنظره محرف: (وبعد ذلك ذكر أن الله تعالى قال لإبراهيم "لنسلك أعطى هذا البلد من نهر مصر النهر الكبير إلى نهر الفرات", وهذا كذب وشهرة من الشهر لأنه إن كان عنى بني إسرائيل وهكذا يزعمون, فما ملكوا قط من نهر مصر ولا على نحو عشرة أيام منه شبراً مما فوقه. وذلك من موقع النيل إلى قرب بيت المقدس, وفي هذه المسافة الصحارى المشهورة الممتدة والحضار ثم دفج وغزة وعسقلان وجبال الشراة التي لم تزل تحاربهم طول مدة دولتهم وتذيقهم الأمرين إلى انقضاء دولتهم, ولا ملكوا قط من الفرات ولا على عشرة أيام منه. بل بين آخر حوز بني إسرائيل إلى أقرب مكان من الفرات إليهم نحو تسعين فرسخاً فيها قنسرين وحمص التي لم يقربوا منها قط ثم دمشق وصور وصيدا التي لم يزل أهلها يحاربونهم ويسومونهم الخسف طول مدة دولتهم بإقرارهم ونصوص كتبهم....) (11). كما أنه قبل رواية التوراة حول خروج بني إسرائيل من مصر مع موسى, ولكنه استنكر عددهم الذي ذكرته التوراة, بالاستناد إلى الآية القرآنية على لسان فرعون بأنهم شرذمة قليلون. واستنكر أيضاً أعداد بني إسرائيل عندما تم إحصاؤهم في عهد داود... (12). ***
|
||||||||||||||
|
|
|
رقم المشاركة : 8 | ||||||||||||||
|
إن قضية التحريف والتزوير بقيت في إطارها العام ضبابية فضفاضة عند المفسرين والمؤرخين. وهي وإن مست موضوعات جزئية لكنها لم تمس الأسفار ككل, وإلا كيف نفسر بقاء التراث اليهودي كله المصدر الأساسي عند المؤرخين والمفسرين رغم ما قالوه عن التحريف والتزوير, إضافة إلى استيعاب ما نقله الرواة والقصاصون والنسابون, رغم الطعن في مصداقيتهم! مفهوم التحريف واللا تحريف في الآيات القرآنية: إن الآيات القرآنية المتعلقة بالتحريف لا تناقض آية التحكيم؛ فقد ورد مصطلحان في القرآن للتعبير عن التحريف واللا تحريف: مصطلح التوراة للتعبير عن اللا تحريف؛ والتوراة هي الشريعة فقط كما سيأتي. ومصطلح الكلم للتعبير عن التحريف؛ والكلم مصطلح عام يشمل الأسفار كلها ويمس نصوصها كلها "في المبنى والمعنى" إلا الشريعة المستثناة فالتحريف فيها لا يعني تحريف معنى النص ولا مبناه, إنما يعني تطبيق اليهودي ما يخالف النص التوراتي والادعاء بأنه ورد هكذا في التوراة. لذلك طالبت آيات التحكيم اليهود بإحضار التوراة لتكون حكماً على ما يزعمون. وأيضاً هناك تلاعب في إخفاء النص وعدم إظهاره كما في خبر زنى اليهودي واليهودية الذي جاء في صحيح مسلم الحديث رقم 1699:(باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنى: حدثني الحكم بن موسى أبو صالح حدثنا شعيب بن إسحاق أخبرنا عبيد الله عن نافع أن عبد الله بن عمر أخبره ثم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بيهودي ويهودية قد زنيا, فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء زفر فقال: ما تجدون في التوراة على من زنى؟ قالوا: نسود وجوههما ونحملهما ونخالف بين وجوههما ويطاف بهما. قال: فأتوا بالتوراة إن كنتم صادقين, فجاؤوا بها فقرأوها حتى إذا مروا بآية الرجم, وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم, وقرأ ما بين يديها وما وراءها, فقال له عبد الله بن سلام وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: مره فليرفع يده فرفعها, فإذا تحتها آية الرجم, فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. فرجما قال عبد الله بن عمر: كنت فيمن رجمهما فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه). فهنا لا يوجد تحريف إنما محاولة إخفاء النص؛ فاليهود أرادوا التهرب من تطبيق الرجم, كما ورد في شروحات الطبري للآية 41 من سورة المائدة: [يُحَرّفُونَ الكَلِـمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضَعِهِ]: (يقول تعالـى ذكره: يحرّف هؤلاء السماعون للكذب، السماعون لقوم آخرين منهم لـم يأتوك بعد من الـيهود الكَلِـم. وكان تـحريفهم ذلك: تغيـيرهم حكم الله تعالـى ذكره الذي أنزله فـي التوراة فـي الـمـحصنات والـمـحصنـين من الزناة بـالرجم إلـى الـجلد والتـحميـم، فقال تعالـى ذكره: يَحرّفُونَ الكَلِـمَ يعنـي: هؤلاء الـيهود، والـمعنى: حكم الكلـم، فـاكتفـى بذكر الـخبر من تـحريف الكلـم عن ذكر الـحكم لـمعرفة السامعين لـمعناه. وكذلك قوله: مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ والـمعنى: من بعد وضع الله ذلك مواضعه، فـاكتفـى بـالـخبر من ذكر مواضعه عن ذكر وضع ذلك، كما قال تعالـى ذكره: وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بـاللّهِ وَالـيَوْمِ الآخِرِ والـمعنى: ولكن البرّ برُّ من آمن بـالله واليوم الآخر. وقد يحتـمل أن يكون معناه: يحرّفون الكلـم عن مواضعه، فتكون «بعد» وُضعت موضع «عن»، كما يقال: جئتك عن فراغي من الشغل، يريد: بعد فراغي من الشغل..). فالتحريف هنا يتعلق بتغطية النص للتهرب من تطبيقه.. أما النص نفسه فليس محرفاً في نظر القرآن. لقد وردت الإشارة إلى التحريف في مواضع عدة: الآية 46 من سورة النساء: [يُحَرّفُونَ الكَلِـمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ], ومثلها الآية 13 من سورة المائدة, كما وردت في الآية 41 من بعد وليس عن: [يُحَرّفُونَ الكَلِـمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضَعِهِ].. والتحريف هو التبديل كما يذكر الطبري: (يبدّلون معناها ويغيرونها عن تأويله), وعن مواضعه يعني: (عن أماكنه ووجوهه التي هي وجوهه). وذكر عن مجاهد أن الكلم يعني التوراة, والمقصود تبديل اليهود للتوراة! ويقول في تفسيره: (يحرّفون كلام ربهم الذي أنزله علـى نبـيهم موسى صلى الله عليه وسلم، وهو التوراة، فـيبدّلونه ويكتبون بأيديهم غير الذي أنزله الله جلّ وعزّ علـى نبـيهم ويقولون لـجهال الناس: هذا هو كلام الله الذي أنزله علـى نبيه موسى صلى الله عليه وسلم والتوراة التـي أوحاها إلـيه). وفي تفسير النسفي: (يميلونه عنها ويزيلونه لأنهم إذا بدلوه ووضعوا مكانه كلماً غيره فقد أمالوه عن مواضعه في التوراة التي وضعه الله تعالى فيها وأزالوه عنها). وعند البيضاوي: (يحرفون الكلم أي يميلونه عن مواضعه التي وضعه الله فيها بإزالته عنها وإثبات غيره فيها. أو يؤولونه على ما يشتهون فيميلونه عما أنزل الله فيه). ولو عدنا إلى معجم لسان العرب مادة "كلم"، نجد: ( قال الجوهري: كلـم: الكَلاَمُ: اسم جنسٍ يقع علـى القلـيل والكثـير. والكَلِـمُ لا يكون أقلَّ من ثلاث كلـمات، لأنَّه جمع كَلِـمَةٍ، مثل نَبِقَةٍ ونَبِقٍ..). وفي مادة حرف: (وحَرَفَ عن الشيء يَحْرِفُ حَرْفاً وانْـحَرَفَ وتَـحَرَّفَ واحْرَوْرَفَ: عَدَلَ... وتَـحْرِيفُ الكَلِـم عن مواضِعِه: تغيـيره. والتـحريف فـي القرآن والكَلـمة: تغيـير الـحرفِ عن معناه والكلـمة عن معناها...). ففي الأسفار كلام أبعد عن معناه الصحيح إلى معنى مغاير, وتبديل المعنى يرتبط بتبديل اللفظ, فلكل كلمة مدلول، والكلمات لا قيمة لها إلا في سياقها ضمن النسق. فالتحريف ليس في الكلمة فقط وإنما في التركيب والجملة أيضاً. والتحريف يتضمن التزوير والكذب والغش.. وهو يشمل التكوين والخليقة والأنساب والمعلومات الإخبارية, وقصص الأنبياء: الفكرة والحدث والحكاية والعبرة, والفضاء الزماني والمكاني.. لقد وردت معلومات في رواية الأسفار تتقاطع مع بعض الآيات القرآنية, وهناك معلومات أخرى كثيرة لا تتقاطع, وكان مستحيلاً على المؤرخ القديم تمييز المحرف واللا محرف في تلك الزيادة, فأخذها كلها! إن التقاطع واللا تقاطع مع النص القرآني هو المقياس الذي كان يجب أن يتمسك به المؤرخ المسلم والمفسر في القبول أو الرفض, وبالتالي هذا يعني الاكتفاء بالرواية القرآنية وحدها. وما يهمنا هنا ما يتعلق بالزمان والمكان, فالمكان يعني الموقع الجغرافي؛ أسماء الأعلام الجغرافية.. والقرآن لم يحدد أي علم مكان في قصص الأنبياء القدماء عدا ما ذكر عن مدين كما سيأتي في الفصل الرابع, فالتحديد هو تزوير وتحريف, والكلام نفسه ينطبق على الزمان! أما الآيات التي أشارت إلى عدم وجود التحريف فقد استخدمت مصطلح التوراة وليس الكلم. فالآية 43 من سورة المائدة تقول: [وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ], والآية 66 من السورة نفسها: [وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ..], والآية 39 من سورة آل عمران: [فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ]... فالتوراة هنا تأخذ معناها الدقيق وهو الشريعة الناموس؛ الدساتير والأحكام والحدود والقوانين... وإقامة التوراة يعني تطبيق أحكامها, العمل بها. ولا يعقل أن تطالب الآية اليهود بتطبيق التوراة/ الشريعة, وفي الوقت نفسه تقول لهم إنها محرفة في المبنى والمعنى! فالقرآن لم يمس شريعة اليهود وطقوس العبادة إنما أشار إلى التهرب من تطبيقها. ولسنا هنا في إطار مناقشة الناسخ والمنسوخ عند اليهود والمسلمين ولا مناقشة الشريعة اليهودية على ضوء العلم, فهذا موضوع آخر خارج إطار البحث, ولكن مقياس التقاطع واللاتقاطع لا يصح هنا, لأنه من البديهي عند المسلمين أن شريعة كل دين تتعدل مع الدين الجديد. كما أن القرآن رغم حملته الشديدة على اليهود, ترك لهم حرية البقاء على دينهم أي شريعتهم, وحفظ لهم حق العبادة. كان من المفترض أن يلتفت المؤرخون والمفسرون إلى معنى التوراة الدقيق وهو الناموس أي الشريعة التي عنتها الآية, لكنهم عدوا الأسفار كلها توراة. ولو فصلوا بين مدلول الكلمتين اللتين استخدمتا في مجالي القبول والاتهام: التوراة, الكلم؛ فالتوراة/ الشريعة هي المستثناة وغير محرفة, والكلم التي تمس بقية الأسفار بالتحريف, لما وقعوا في تلك الإشكالات! إن ما يهمنا هنا كل ما يتعلق بأرض كنعان وبلاد الشام والعراق ومصر "الدولة", وادعاء مجيء الإسرائيليين إلى فلسطين وإقامة المملكة.. فكل ذلك تحريف وتزوير, لأن مطابقة جغرافية التوراة على فلسطين والمنطقة غير صحيحة كما قال العِلم. ***
|
||||||||||||||
|
|
|
رقم المشاركة : 9 | ||||||||||||||
|
التوراة/ الشريعة "سفر التثنية": إن التوراة هي أجزاء من سفر التثنية كما تقول التوراة نفسها: [سفر الناموس هذا] (تثنية 28 / 61). [سفر الشريعة هذا] (تثنية 30 / 10). [وكتب موسى هذه التوراة وسلمها للكهنة بني لاوي حاملي تابوت عهد الرب، ولجميع شيوخ إسرائيل] (تثنية 31 / 9). [24 فعندما كمل موسى كتابة كلمات هذه التوراة في كتاب إلى تمامها 25 أمر موسى اللاويين حاملي تابوت عهد الرب: 26 خذوا كتاب التوراة هذا وضعوه بجانب تابوت عهد الرب إلهكم ليكون هناك شاهداً عليكم..] (تثنية 31),[كما هو مكتوب في سفر توراة موسى] (يشوع 8 / 31), [وكتب هناك على الحجارة نسخة توراة موسى التي كتبها أمام بني إسرائيل] (يشوع 8 / 32).. ولو حصرنا آيات التشريع فسنجدها في عدد من إصحاحات التثنية, والمكررة في عدد من آيات بعض إصحاحات الأسفار الأخرى, وهي بشكل عام: إحدى وعشرون آية من أول الإصحاح الخامس من سفر التثنية. وبعض آيات الإصحاح السادس. ومن الآيات 15 الإصحاح العاشر حتى نهايته. ومن الآية 11 من الإصحاح 12 وحتى نهايته. والإصحاح 13, 14, 15, 16, 17, 18, وبعض من الإصحاح 19 و 20, ثم الإصحاحات 21, 22, 23, 24, 25. وبعض الآيات مكرر في مواضع أخرى. فتلك الآيات هي التوراة وهي أجزاء من سفر التثنية فقط, وتشمل الوصايا والشرائع والتعليمات والحدود.. ومعنى ذلك أن التوراة لا علاقة لها بما قبلها من الأسفار ولا بما بعدها. ورغم ذلك يجمع اللاهوتيون على أن التوراة هي الأسفار الخمسة الأولى, ويبقون القداسة لبقية الأسفار, ورأيهم يناقض النص التوراتي نفسه. أما السامريون فهم لا يعترفون إلا بالأسفار الخمسة الأولى ويرفضون ما عدا ذلك! *** هدف كاتبي الأسفار: إن عزرا هو الذي كتب التوراة وقسماً من أسفار العهد القديم كما ورد في سفره "سفر عزرا": [عزرا الكاهن الكاتب، كاتب كلام وصايا الرب وفرائضه على إسرائيل] (سفر عزرا 7 / 11), [وهو كاتب ماهر في شريعة موسى] ( سفر عزرا 7 / 6). ويذكر المقدسي في تاريخه كتابة عزرا للتوراة: (قصة عزير بن سروحا: قالوا وكان عزير فى سني بخت نصر, فلما رجع إلى بيت المقدس قعد تحت شجرة وأملى عليهم التوراة من ظهر قلبه وكانوا قد نسوها وضيعوها, لأن أباه سروحا كان دفنها أيام بخت نصر, ولم يعلم بمكانها إلا عجوز فدلتهم عليها فاستخرجوها, وعارضوا بها ما أملى عليهم فوجدوه ما غادر حرفاً) (13). وتلك المعلومة رواها آخرون بطرق أخرى, نذكر منها ما قاله اليهودي المؤسِلم السموءل بن يحيى بن عباس المغربي: (فلما رأى عزرا أن القوم قد أحرق هيكلهم وزالت دولتهم وتفرق جمعهم ورفع كتابهم, جمع من محفوظاته ومن الفصول التي يحفظها الكهنة ما لفق منه هذه التوراة التي بأيديهم الآن) (14). وهو يؤكد كلامه: (فهذه التوراة التي بأيديهم على الحقيقة كتاب عزرا وليس كتاب الله) (15). ويؤكد ابن الجوزي أن توراة السامرة تخالف التوراة المتداولة في عصره: (وفي أيدي السامرة توراة تخالف هذه الموجودة) (16). العهد القديم يعترف بأن التوراة دثرت وأن عزرا هو الذي كتبها, ونقل المؤرخون المسلمون تلك المعلومة وأضافوا إليها بعض الخرافات حول كتابتها, وهم يقرون بأن التوراة انقرضت نهائياً, وأن عزرا ويسمونه عيزرا أو عازار هو الذي كتبها.. فلماذا لم يتعاملوا مع تلك المعلومة بجدية؟! فذاك الخبر المهم جداً والذي أوردوه عرضاً ذهب هباء؛ لأنهم لم يؤطروه منهجياً, ولم يعيدوا على أساسه قراءة التوراة المتداولة في عصرهم ضمن دراسة مقارنة! لقد ذكر باحثو كتابة الأسفار أن تأليف الأسفار لم يتم كاملاً على يدي عزرا بعد السبي البابلي "المزعوم"، بل امتد من القرن السادس وحتى القرن الأول قبل الميلاد. وليس هناك إثبات علمي دقيق على زمن تأليفها فقد يكون في الفترة الممتدة من القرن الثالث قبل الميلاد وحتى القرن الأول للميلاد.. ويمكن أن نستشف من أحد المؤرخين الجدد أن التاريخ القديم في الأسفار إنما هو انعكاس لزمن المكابيين: يقول توماس طومسون: (لقد وجد كثيرون كلاً من داود ويشوع معكوسين في مرآة يوحنا هيرانكوس أحد الملوك الحمسونيين لهذه الفترة. ومن المؤكد أن ملكنا الفيلسوف سليمان ما هو إلا إسكندر ناطق بالعبرانية. تعكس قصص العصر الذهبي للملكية المتحدة خيال وطموحات أورشاليم المكابيين) (17). إن التوراة والأسفار ليست لها أية مصداقية, ولكن نتعامل مع نص مسلم بصحته كل التسليم عند الآخرين, وهذا واقع علينا أن ندرسه ونناقشه لا أن نغيبه ونتجاهله. ثم لا بد في النهاية من وجود مؤلف ما؛ سواء أكان عزرا أم غيره, وليست المشكلة ما اسمه وهل هو فرد أو مجموعة. كما لا يهم امتداد زمن التأليف في الدراسة, فأولاً وأخيراً هو نص اعتمد عليه أعداؤنا الصهاينة والمسيحيون المتصهينون لاستعمار بلادنا ولولا هذه القضية لما وجدنا فيه ما يدفعنا للاقتراب منه. وأياً كان المؤلف الذي لا يهمنا أمره ولنفترض أنه عزرا أو س, فهو قد سرق من المنطقة العربية "العراق وفلسطين وبلاد الشام ومصر.." بعضاً من تراثها من حكايات وشخصيات وأمكنة وأفكار وتلاعب وزيف ودجل فيها بشكل ما ونسبه إلى الله, ليثبت التالي: 1- اليهود أبناء الله وشعبه المختار: وهذه الرؤية البدائية دفعته إلى تشويه مفهوم الله القيمة المطلقة والكمال المطلق المنتشر في المنطقة, ليجسد الإله الخاص الوثني لقبيلة متخلفة طفيلية نرجسية همجية. وذاك المفهوم قزم العلاقة بين المحدود واللا محدود. 2- السلالات البشرية اخترعت بهدف إيصال نسب اليهود إلى سام بن نوح عبر أسباط يعقوب بن إسحق بن إبراهيم, وبأنهم هم محور الوجود بالنسبة ليهوه الوثن, ولإقصاء كنعان باللعنة الأبدية! 3- بدء الوعد الإلهي بالأرض الكنعانية وامتداداتها النظرية مع رأس العشيرة إبراهيم ونسله عبر يعقوب. ولكن سبقت الوعد إرهاصات ارتبطت بقصة قايين وهابيل (18), ثم فيما بعد برؤية حام لعورة أبيه نوح. 4- ادعاء مجيء موسى إلى فلسطين لتكون أرض بني إسرائيل، على حساب شعبها. وهي نقطة التحول إلى التطبيق العملي المتخيل. 5- ادعاء تكوين مملكة لداود وسليمان في فلسطين وبلاد الشام, وهي تمثل ذروة الحلم الاستعماري. وبالتالي يبقى الحلم الموهوم نقطة الالتقاء المقزم بين المحدود واللامحدود مهما طال الزمن. وتلك النقاط الأساسية التي ثبتها المؤلف في الأسفار, سواء أكانت على أرض فلسطين أم في غرب الجزيرة العربية أم في أية بقعة من بقاع الأرض وبغض النظر عن مساحتها كبرت أم صغرت.. هي أيديولوجيا احتلال استعماري ومؤسِسة لمبادئ المنفعة والانتهازية والوصولية وللغاية التي تبرر الوسيلة, وهذا يعني أنها نقاط لا أخلاقية كاذبة وساقطة, لأنها تتنافى مع قيم الحق والخير والعدل والعلم والمنطق والعقل, والمثل العليا للإنسان المحترم.. وهذا قمة التحريف والتزوير على الإطلاق (19). إن رؤية عزرا الاستعمارية الطامعة بأرض فلسطين/ كنعان, هي جوهر القضية من ألفها على يائها. فإن حذفنا فلسطين التي فسرت كأرض للميعاد من الأسفار, ماذا يتبقى من الديانة اليهودية كما يقول روجيه غارودي!؟ **
|
||||||||||||||
|
|
|
رقم المشاركة : 10 | ||||||||||||||
|
الترجمة اليونانية يدعي مؤرخو العهد القديم ودارسوه أن التوراة وقسماً من الأسفار قد ترجم إلى اللغة اليونانية في منتصف القرن الثالث قبل الميلاد, وهي المسماة الترجمة السبعونية (السبعينية), فقد ذكر ديورانت: (وتقص إحدى القصص الخرافية كيف دعا بطليموس فلدلفس، عملاً بمشورة دمتريوس الفاليري, سبعين عالماً من علماء اليهود إلى المجيء من بلادهم في فلسطين في سنة 250 "ق.م", وكلفهم بترجمة كتبهم المقدسة....) (20). إن بعض الأسفار ترجمة لنصوص آرامية/ سريانية (يطلقون عليها زوراً اللغة العبرية) سابقة عليها إلى اللغة اليونانية. وبعضها ألف للمرة الأولى باللغة اليونانية مباشرة ولم يكن لها أي نص سابق تترجم عنه, ثم تتابع التأليف والإضافة على امتداد الفترة اللاحقة. وتعد تلك النسخة أقدم ترجمة للعهد القديم. والمجموعة التي قامت بها "70 حبراً أو 72" ثبتت تسمية اليهود على نفسها وعممتها إلا أنها لم تنسلخ كلياً من مصطلحي بني إسرائيل والعبرانيين. وقد حققت النسخة اليونانية رغبات يهود الإسكندرية بنقل الديانة اليهودية من الخصوصية إلى العالمية, وتبنيها لعالم الأعمال المالية والتجارية وأخلاقية تلك المهنة. لقد قيل الكثير عن الدقة والأمانة في تلك النسخة وما تم تحريفه. ففي تراثنا القديم قال ابن حزم إن الترجمة السبعينية تختلف عن التوراة التي كتبها عزرا: (وأيضاً فإن في التوراة التي ترجمها السبعون شيخاً لبطليموس الملك بعد ظهور التوراة وفشوها, مخالفة للتي كتبها لهم عزرا الوراق..).. (فقد وضح اليقين وكذب السبيعن شيخاً وتعمدهم لنقل الباطل وهم الذين عنهم أخذوا دينهم) (21). كما ذكرت الموسوعة الكتابية الترجمة بقولها: (ليست الترجمة السبعينية على مستوى واحد في كل الأسفار، ومن السهل إدراك أنها من عمل مترجمين عديدين. فترجمة الأسفار الخمسة الأولى ترجمة جيدة بوجه عام. أما الأسفار التاريخية ففيها الكثير من عدم الدقة والالتزام بالنصوص وبخاصة في الملوك الثاني. كما لا تظهر روعة الشعر العبري في الترجمة السبعينية، لا لنقص في الدقة فحسب، بل وأيضاً لمحاولة الترجمة الحرفية. كل ذلك يدل على أن من قاموا بالترجمة لم يكونوا متمكنين من ناصية العبرية، أو أنهم لم يراعوا الدقة، أو لم يبذلوا الجهد الكافي في تحري المعاني..).. وقد تعرضت للتنقيح في القرن الرابع, ثم انتشرت في: (الكنائس الشرقية. ولقد كانت السبعينية هي الأساس لكثير من الترجمات الشرقية القديمة للعهد القديم) (22). ويرى د. أحمد داود أن نصوص الأسفار إنما وضعت في تلك الفترة أي لم تكن هناك ترجمة, وإنما تأليف اعتمد على النقل من تراث المنطقة العربية وتم فيه تشويه صورة الموحدين من الآباء العرب.. وقد تم ذلك في القرن الثالث قبل الميلاد غرب الجزيرة بعد العودة مباشرة من السبي البابلي إلى المنطقة التي عاشت فيها القبائل الإسرائيلية قبل السبي. وكل تلك الأحداث جرت غرب الجزيرة العربية حتى السبي نفسه, وذاك وجه من وجوه التزوير كما يقول. وهو يرفض أيضاً التواريخ السائدة عند الغرب ويعيده ثلاثة قرون إلى الوراء بما في ذلك ميلاد المسيح (23). *** التحريف والتزوير الجغرافي: تلك هي رؤية القدماء للتحريف والتزوير على اختلاف وجهات نظرهم. أما في عصرنا فقد تم اكتشاف تزوير وتحريف آخر لم ينتبه له القدماء, لأنهم كانوا في عصر السيادة العربية الإسلامية. ولكن كان يجب البحث عن الحقيقة سواء أكان الذي يبحث عنها في موقع الضعف أم القوة. لقد فتح الاستعمار الغربي الآفاق أمام الكتبة الغربيين ليزوروا ما يناسب أطروحاتهم, ونحن - الفلسطينيين المستهدفين خاصة – دفعنا ثمن ذلك, فقد كنا أسرى التحريف والتزوير قديماً وحديثاً! هناك من الباحثين الغربيين والعرب من رأى أن التحريف والتزوير قد وقع على جغرافية التوراة, فقد طابق أسماء الأمكنة الجغرافية التوراتية - رغم تزوير عزرا والسبعينية - على منطقة عسير غرب الجزيرة العربية! ومن هؤلاء الدارسين الغربيين كيتاني وهومل وكلاسر وونكلر.. وقد ذكر د. جواد علي آراء أولئك في مطابقة الأعلام على منطقة غرب الجزيرة العربية التي كانت أوديتها تفيض بالخيرات إلى أن حل الجفاف. فهو يبدأ حديثه عن تصور العالم الإيطالي كيتاني: (بلاد العرب في الدورة الجليدية جنة، بقيت محافظة على بهجتها ونضارنها مدة طويلة وكانت سبباً في رسم تلك الصورة البديعة في مخيلة كتاب التوراة عن "جنة عدن". وجنة عدن المذكورة في العهد القديم هي هذه الجنة التي كانت في نظر "كيتاني" في جزيرة العرب. غير أن الطبيعة قست عليها، فأبدلتها صحارى ورمالاً... ).. ويتابع: (وقد تصور "كيتاني" أودية جزيرة العرب، مثل وادي الحمض ووادي السرحان ووادي الرمة ووادي الدواسر، أنهاراً كانت ذات مياه غزيرة تنساب إليها من المرتفعات والجبال في الدهور الغابرة، أثرت فيها التغيرات الطبيعية المذكورة، فقلت من مياهها حتى جفت، فصارت أودية، لا تجري فيها المياه إلا أحياناً، إذ تسيل فيها السيول بعد هطول الأمطار. وقد ذهب إلى هذا الرأي المستشرق الألماني "فرتز هومل" أيضاً، فرأى أن الأنهر المذكورة في التوراة على أنها أنهر جنة "عدن"، هي أنهر تقع في بلاد العرب، وأن الأنهر المشار إليها، هي وادي الدواسر، ووادي الرمة، ووادي السَّرحان، ووادي حَوْران. وأما "كلاسر"، فذهب إلى أن نهري "جيحون" و "فيشون"، وهما من أنهر "جنة عدن" الأربعة في رواية التوراة، هما في جزيرة العرب..) (24). فكيتاني صاحب نظرية الجفاف الذي أدى إلى الهجرات نحو الشمال, وقد قسم الجزيرة إلى قسمين شرقي وغربي, فالغربي وعلى امتداد شرقي ساحل البحر الأحمر توصل إلى مدنيّة راقية وهي موطن التوراة وأحداثها, ثم لحقت به فترة الجفاف بعد أن أتت على القسم الشرقي من الجزيرة. كما يذكر د. جواد علي خلال حديثه عن إحدى الوثائق, رأي ونكلر حول مكان أرض "مجان" و "ملوخا", المذكورتين في نصوص الألف الثالثة قبل الميلاد: (أن "كوش" تقابل مصر التي هي القسم الشمالي من جزيرة العرب. فما ذكر عن "كوش" ومصر في التوراة، لا يقصد به الحبشة ومصر، بل يقصد به جزيرة العرب وشمالها. وقد جاء على ذلك بأمثلة من العهد العتيق، ذكر أن من الصعب أن يكون المراد بها مصر والحبشة. وقد ألف "ونكلر" رسالة سماها "مصري وملوخا ومعين" بَيَّنَ فيها رأيه في أن "مصري" هي أرض عربية شمالية، وأن مصر المذكورة في التوراة هي في بلاد العرب، لا في إفريقية) (25). ومن الباحثين العرب الذين تبنوا تلك النظرية د. كمال الصليبي و د. أحمد داود حيث طابقا جغرافية العهد القديم وأيضاً حياة المسيح, على جزيرة العرب منطقة عسير جبال غامد. فهما صادقا على قضية أرض الميعاد والمملكة ولكنهما جعلا ذلك في غرب الجزيرة العربية وضمن حدود ضيقة. والمشكلة الأساسية بالنسبة لهما جغرافية الأسفار, والمبالغة في أحداثها! ويعدّ د. داود أن التزوير الأول الذي تم إنما هو بنقل جغرافية التوراة من الجزيرة العربية إلى فلسطين في عهد قسطنطين لأغراض استعمارية: (المرة الأولى حدثت زمن قسطنطين البيزنطي لغايات استعمارية صرفة من أجل الاحتفاظ بشريط الأرض العربية الذي يمتد من البحر الأسود شمالاً وعلى طول الساحل إلى جنوب سيناء, بحجة الاحتفاظ بالأماكن المقدسة) (26). ويرى د. الصليبي بأن الإسرائيليين بعد عودتهم من السبي البابلي إلى مواقعهم السابقة غرب الجزيرة العربية, وجدوا كل شيء خراباً فلم يتحملوا البقاء, فرحلوا إلى الشمال إلى فلسطين, مسقطين أعلام الأمكنة التي كانت في الجزيرة على فلسطين (27). وبناء على ذلك نجد أنفسنا أمام تحريف وتلاعب وتزوير في الترجمات شمل الأعلام ولا سيما أعلام الأماكن, لإسقاط جغرافية التوراة على فلسطين, بدلاً من موقعها في الجزيرة العربية كما رأى بعض الغربيين والعرب! ***
|
||||||||||||||
|
|
|
رقم المشاركة : 11 | ||||||||||||||
|
|
||||||||||||||
|
|
|
رقم المشاركة : 12 | ||||||||||||||
|
إن شعب فلسطين القديم كله كنعاني فلسطيني فينيقي سيرياني... سمه ما شئت فهي تسميات لمسمى واحد, فلا بد أن يأتي يوم تتحرر فيه المعطيات الآثارية والنصية من أسر الفكر الاستعماري, والتعصب, خاصة في فلسطين المحتلة, وستظهر الحقيقة المغيبة!
|
||||||||||||||
|
![]() |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| أقلاميون في اللائحة السادسة لاتحاد كتاب الأنترنت العرب | عبد النور إدريس | منتدى أسرة أقلام والأقلاميين | 1 | 11-11-2007 10:52 PM |
| الإعلان عن القائمة الرابعة من المقبولين في عضوية اتحاد كتاب الإنترنت العرب | وفاء الحمري | منتدى الحوار الفكري العام | 10 | 15-05-2007 03:14 AM |
| تسجيل اتحاد كتاب الإنترنت العرب في الأردن | معاذ رياض | منتدى الأدب العام والنقاشات وروائع المنقول | 0 | 20-04-2006 09:08 AM |
| اتحاد كتاب الإنترنت العرب يحتفل بمناسبة مرور عام على تأسيسه | معاذ رياض | منتدى الحوار الفكري العام | 3 | 24-03-2006 07:51 PM |
| فلسطين لفلسطين | د.أسد محمد | منتدى الأدب العام والنقاشات وروائع المنقول | 7 | 22-03-2006 01:28 AM |