السلام عليكم
تابع ما سبق
" نشوء المعجم العربي"
لما انبرى علماء السلف رحمهم الله لجمع اللغة العربية وتدوينها سلكوا لذلك طريقين: أحدهما يُنتقل فيه من جانب اللفظ إلى المعنى, والآخر يُنقل فيه من جانب المعنى إلى اللفظ ( ). فالأول منهما موضوع لمن شعر باللفظ, كمن سمع لفظ (الشفق) أو رآه في كتاب ولكن جهل معناه أو هيئة مبناه, وهذه الكتب مرتبة على حسب المباني (الألفاظ) ليتيسر للطالب أن يجد الكلمة في الموضع المعقود لذللك المبني ليقف فيه على المعنى والمعاجم كلها من هذا الصنف. والثاني منهما موضوع لمن شعر بالمعنى كمن رأى (الشفق) في السماء ولكن جهل اللفظ الدال عليه, وهذه الكتب مرتبة على المعاني, ككتاب المخصص لإبن سيده.
والخليل بن أحمد الفراهيدي (100 ـ 175هـ ) أول من فكر في وضع المعجم للغة العربية( ). وهو نابغة عربي من مفاخر الأزد, من بطن منهم اسمهم آل يحمد. قال أبو الطيب اللغوي في كتابه (مراتب اللغويين): " إن الخليل ألف كلام العرب على الحروف في ( كتاب العين ( ) ) فرتب أبوابه, وتوفي من قبل أن يحشوه". والمفهوم من كتب التاريخ أن جماعة من العلماء من تلاميذ الخليل حشوا كتاب العين وأكملوه, ووقع فيه خلل لتعدد الأيدي التي تداولته. ولكن من المحقق أن الخليل هو راسم خطة المعجم وواضع بنائه, وكتاب العين هو المعجم الأول في العربية.
ولقد ترقّى المعجم العربي بسنة النشوء, فاجتاز طرائق ثلاثاً:
ـ (الطريقة الأولى) طريقة الخليل في كتاب العين وتابعه عليها كثيرون منهم أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهر (282 ـ 370) في معجمه ( تهذيب اللغة ) ثم أبو الحسن علي بن اسماعيل بن سيده الضرير الأندلسي (378 ـ 458) في معجمه (المحكم) . وبيان هذه الطريقة أن الخليل كان يذكر الكلمة وما ينشأ عنها بالقلب فيذكر مثلاً مواد ضام وضمى ومضى وضمّ وأمض وأضم في موضع واحد, ويفرد كل نوع من الصحيح والمضاعف والمهموز والمعتل على حدة ليمتاز كل نوع عن غيره. والحكمة في ترتيب كتاب العين على ما تقدم أن الكلمات التي تشترك في الحروف وإن اختلفت في الترتيب لا بد أن يكون لها معنى مشترك بينها هو جنس لأنواع موضوعاتها.
ويدخل في هذه الطريقة ما جرى عليه نابغة آخر من نوابغ الأزد أيضاً, ـ أي من قوم الخليل بن أحمد ـ وهو أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد (223 ـ 321) إمام العصر الثالث في اللغة والأدب والشعر , فإنه ألّف معجمه ( جمهرة الكلام ( ) ) وابتدأه بالثنائي أب ثم أت ثم أث ....إلى آخر الحروف. وانتقل بعد ذلك إلى بت ثم بت ثم بث ثم بج ...إلخ. وبعد الثنائي أتى على الثلاثي ثم الرباعي ثم ملحق الرباعي وكذا الخماسي والسداسي وملحقاتهما وجمع النوادر في باب مفرد وصنع ما صنعه الخليل من ذكر الألفاظ الثلاثية مع مقلوبها.
ـ (الطريقة الثانية) طريقة العلامة إسماعيل بن نصر بن حماد الجوهري. (توفي في حدود الأربعمائة) وقد نظر فيها إلى أواخر الكلمات المجردة لا إلى أوائلها. فابتدأ كتابه بالكلمات التي أواخرها همزة ورتب هذه الكلمات التي أواخرها همزة بحسب أوائلها فقدم ما أوله همزة ثم الذي أوله باء ......إلخ , وبعد أن انتهى من الكلمات التي أواخرها همزة انتقل إلى ما أواخره باء فقدّم منه ما أوله همزة ثم ما أوله باء...إلخ وترك طريقة الخليل في جمع الألفاظ ومقلوبها, ووضع المقلوب في بابه على طريقته. ولا نعلم مزية لهذه الطريقة غير التسهيل على طالبي القوافي الأسجاع, لأن الكلمات تتسلسل فيه على حرف واحد في أواخر الكلم. والجوهري أول من وضع هذه الطريقة الثانية, وهي مع كونها غير طبيعية قد استحسنها الناس وانتشر كتاب (الصحاح) فيهم لتركه الجمع بين الكلمة ومقلوبها كما تقدم, ولمزية أخرى امتاز بها وهي اقتصاره على اللغات الصحيحية الفصيحة الثابتة بالرواية, فهو في اللغة كصحيح البخاري في الحديث.
وتابع الجوهري على طريقته الإمام رضيّ الدين الحسن بن محمد بن الحسن بن حيدر العدوي العمري الصغاني (577 ـ 650) في معجمه (العُباب) ولعل الذي حمله على ذلك أنه ألف (تكملة الصحاح) وهي أكبر حجماً منه فتابعه على ترتيبه في التكملة وفي العباب. ويمتاز العباب بأن الصغاني ذكر في آخر كل مادة منه ما يدل عليه تركيبها من معنى عام تندرج تحته معاني مشتقاتها المختلفة, وينبّه على الألفاظ المقلوبة.
ثم جرى على هذه الطريقة الإمام جمال الدين محمد بن مكرم الأنصاري الخزرجي (690 ـ 771) في معجمه العظيم (لسان العرب) , وقاضي القضاة مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الصديقي الفيروزابادي(729 ـ 817) في معجمه (القاموس المحيط).
ـ (الطريقة الثالثة) أن يُنظر في الترتيب إلى أوائل حروف الكلمات المجردة, ويراعى الحرف الثاني والثالث وما بعدهما. وهي أرقى الطرق في ترتيب مواد المعاجم, وسماها أستاذنا طاهر الجزائري في مقدمة معجمه الكافي ( طريقة الجمهور) . وأول من جرى عليها فيما أعلم الإمام أبو الحسين أحمد بن فارس (325 ـ 395 ( ) ) في معجمه (المجمل( ) ) ومعاصر الإمام أبو عبيد أحمد بن محمد الهروي ( المتوفّى سنة 401), وكلاهما معاصر للجوهري فكأن الطريقتين وجدتا في المعاجم العربية في عصر واحد. وقد سلك (طريقة الجمهور) كثيرون من مؤلفي المعاجم كالراغب الأصفهاني (المتوفّى سنة 505 ) في كتابه ( مفردات غريب القرآن) والإمام جار الله الزمخشري ( 467 ـ 538) في معجمه (أساس البلاغة) وأبو موسى محمد بن أبي بكر المديني الأصفهاني (المتوفى 581) في (الإستدراك على الغريبين) ومجد الدين بن الأثير (544 ـ 606) في معجمه ( النهاية) والفيومي (734) في (المصباح) ومحمد طاهر بن علي الصديقي الفتّني ( 914 ـ 986) في ( مجمع بحار الأنوار) والبستاني في ( محيط المحيط) و( قطر المحيط) والشرتوني في (أقرب الموارد).
ـ (الموازنة بين مزايا الطرائق الثلاث)
إن الذين أطالوا النظر ورددوه في دقائق أسرار اللغة العربية أدركوا شيئاً كثيراً من ذلك في مختلف حالاتها: فمن هذه الأسرار اللطيفة أن الألفاظ المركبة من حروف لا تختلف إلا بترتيب تركيبها يجمعها في الغالب معنى عام مشترك بينها. وإن الرغبة في التماس هذا المعنى المشترك بين الألفاظ ومقلوبها هو الذي حمل العلامة الحكيم الخليل بن أحمد على ايثار الطريقة الأولى في تأليف المعجم العربي, غير أن صعوبة استعمال الناس لهذه الطريقة أدى إلى اهمالها.
ومما ثبت عند علماء الإشتقاق أن التقارب في حروف أوائل الكلمات وأواخرها ـ نحو قسم وقصم ـ يدل على التقارب بين معانيها, وهذا متوفر في الطريقة الثانية التي اتبعها الجوهري ومن تابعه.
ولكن التقارب الأعظم بين المعني يكون في التقارب بين الكلمات في حرفيها الأوّلين ـ مثل بتر وبتك ـ وهو الغالب في اللغة العربية. جاء في مقدمة (الكافي) للشيخ طاهر ص 35: " وكأن القائلين بهذا القول يذهبون إلى أن الأصل في هذا الباب هو حرفان وضعا لمعنى ثم زيد عليهما حرف آخر ليدل على معنى آخر يكون بمنزلة للنوع الأول الذي هو بمنزلة الجنس لأنواع معاني الألفاظ التي نشأت عنه بالزيادة" وما دام الإستقصاء قد دل على أن التقارب الأعظم في المعاني تابع للتقارب في الحرفين الأولين فالأفضلية ثابتة للطريقة الثالثة التي هي طريقة الجمهور, زد على ذلك أنها الأسهل استعمالاً عند القرّاء.
" عيوب معاجمنا"
كان أول ما حرص عليه علماء السلف عند تدوين المعاجم العربية في القرنين الثاني والثالث وما يليهما أن يصونوا جواهر هذه اللغة الشريفة من العبث والضياع: فكانت همتهم مصروفة إلى جمع متنها, وتصحيح رواية مفرداتها, وتحديد معانيها. وهم ـ مع ذلك ـ لم يهملوا ملاحظة المزايا العلمية فيما اختاروه من طرائق الترتيب, كما أشرنا إلى ذلك آنفاً. وقد محّص الزمان طرائقهم فدَرستْ الطريقة الأولى منذ عصور لصعوبة استعمالها, وعاشت الطريقة الثانية مع الأسجاع والقوافي, وكتب الله البقاء لطريقة الجمهور: فهي لا تزال في موضع الأنس والرضى من مؤلفي المعاجم العربية ومستعمليها. والحق أن علماء القرنين الثاني والثالث قد قاموا بما عليهم للغة القرآن من حق بجمعهم مادتها, كما قدّم من جاء بعدهم من العلماء بمهمة الإستقصاء والتبصّر.
وكان يكون جانب الكماليات في تأليف معجمنا مستوفى على أتمّه لو لم تستعجم الدولة وتنتقل من أيدي أبناء الشرف وسادة البيان إلى أيدي مماليك " لم يكن لهم ذلك العقل الذي راضه الإسلام, والقلب الذي هذّبه الدين, بل جاؤوا إلى الإسلام بخشونة الجهل, يحملون ألوية الظلم: لبسوا الإسلام على أبدانهم ولم ينفذ شيء منه إلى وجدانهم" كما قال الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده( ). فوقف سير العلوم الشرعية واللغوية والأدبية والكونية, وعمّ الجمود كل ضرب من ضروب الحياة في الأمة. ولولا هذا لكان تقدّمنا في استمرار, ولبقيت قيادة الحضارة في أيدينا, ولكنا اليوم من أوروبا في مكان أوروبا اليوم منا, مع التفاوت المعلوم فيما بين حضارتنا الروحية ولينها, وحضارتهم المادية وقسوتها.
إن ما نجده في معجمنا من مظاهر النقص إنما هو عَرَض من أعراض النقص العام في مجتمعنا الحاضر, ومن الواجب علينا وقد بدأنا نفكّر في الإصلاح أن ينصرف المشتغلون منا باللغة إلى التفكير في أقوم الطرق لإصلاح معجمنا بحيث يسدّ حاجتنا من كل الوجوه.
وهنا ملاحظة لابد من إيرادها وهي أن الفوضى في الإصلاح شرّ من الجمود, فكما أن الإصلاح الإسلامي مطلوب للمسلمين بشرط أن يبقوا مسلمين حقاً, فكذلك الإصلاح في المعجم العربي لا مناص منه بشرط أن يبقى عربياً حقاً.
والعيب في معجمنا الحاضر آت من جهتين أصليتين: الأولى من جهة ترتيب أجزاء المادة, والثانية افتقاره إلى الأسماء الجديدة للمسميات الجديدة.
فأما النقص الأول فسببه أن الجمود اعترض سبيل المعجم بعد زمان جمع مادة اللغة, فحال الجمود دون الخلاص من ذلك النقص, مع أن هذه الأمة نبغ فيها نوابغ كان لهم ذوق دقيق في تفهّم أسرار هذه اللغة العجيبة, واكتشاف ما بين ألفاظها ومعانيها من مناسبات لا يدركها إلا الحكيم, بل قال العلامة الكبير أبو الفتح ابن جنّي في كتاب (الخصائص) قبل نحو ألف سنة: " إن وراء هذا ما اللطف فيه أظهر, والحكمة أعلى وأصنع. وذلك أنهم قد يضيفون إلى اختيار الحروف تشبيه أصواتها بالأحداث المعبّر عنها, وتقديم ما يضاهي أول الحدث, وتأخير ما يضاهي آخره؛ سوقاً للحروف على سمت المعنى المقصود, والغرض المطلوب".
وإني على مثل اليقين من أنه لولا عارض الجمود الذي أبان الأستاذ الشيخ محمد عبده سببه السياسي على ما نقلناه آنفاً لبلغ المعجم العربي أوج الكمال منذ عصور كثيرة, ولظهر في مؤلفي المعاجم عندنا من اقتبس حكمة العلامة ابن جنّي في فهم فقه اللغة وأسرار العربية وسار فيها شوطاً بعيداً وطبّق ذلك بالعمل في ترتيب مادة اللغة ترتيباً تتجلّى فيه أسرار الإشتقاق الأكبر ويكون مثابة لتاريخ المادة من مواد اللغة وكيف تسلسلت وجوه استعمالها وصيغ مشتقاتها منذ كانت في دور الفطرة الأولى إلى أن بلغت عصر الحضارة. انظر إلى دقة فهم ابن جنّي لهذا الضرب من فقه اللغة فقد جاء بمادة ( شدّ ) مثالاً لذلك وقال " فالشين لما فيها من التفشّي تشبه صوت أول انجذاب الحبل قبل استحكام العقد, ثم يليها إحكام الشدّ والجذب فيعبّر بالدال التي هي أقوى من الشين, لاسيما وهي مدغمة فهي أقوى لصيغتها وأدلّ على المعنى الذي أريد بها. فأمّا الشدة في الأمر فإنها مستعارة من شدّ الحبل" أي أن معنى (شدّ الحبل) أقدم عند ابن جنّي من معنى (الشدة في الأمر) فذلك أصل وهذه مستعارة منه.
مثل هذه الملاحظات الدقيقة لم يجد مؤلفو المعاجم الأولى وقتاً للعمل بها في ترتيب مواد المعجم , لأنهم كانوا في شاغل عنها من جمع اللغة نفسها وتحقيقها, وما قاموا به عمل أساسي وما شُغلوا عنه عمل كمالي. وإذا قرأت كتاب (الجاسوس على القاموس) و(سر الليال في القلب ولا بدال) للعلامة أحمد فارش الشدياق ترى أن ما يجب على من يتصدّى لتأليف المعجم أن يلاحظه في هذا الباب أوسع من أن يشار إليه في مقال.
وأما نقص المعجم العربي من جهة الأسماء الجديدة للمسميات الجديدة فإن الخطب فيه أعظم, وحاجتنا إلى التعاون على تلافيه أكبر. ولا يتسنى لنا هذا إلا بتوطين العزائم عليه, وتوجيه جميع القوى إليه, واقناع حكومات الأقطار العربية بتشجيع المساعي له. ولا مناص لنا ـ مع ذلك ـ من سلوك الطريق الذي سلكته الأمم الأخرى وهو الإصطلاح على أن لا تدخل كلمة جديدة في المعجم إلا إذا أقرها مجمع علمي مؤلف من كبار رجال الإختصاص في اللغة تكون له السلطة العليا في آدابها.
" المعجم الذي نحن في حاجة إليه"
إذا قلت (المعجم) فإنما أريد الكتاب الذي يرجع إليه الناس في تعرّف معاني مفردات اللغة فيجدون فيه ضالّتهم بأصح وجه وأقرب وقت ويغنيهم عن التماسها في كتاب آخر.
إن المنقطعين للعلم ـ في كل عصر وكل أمة ـ حريصون على أن يستفيدوا من وقتهم إلى أقصى مدى. ومن حقهم على من يؤلف في أي ضرب من ضروب العلم ـ ولاسيما معاجم اللغة والتراجم والبلدان ـ أن يحقق لهم هذه الأمنية المشروعة, فيتعب المؤلف مرّة ليستريحوا في كل مرة.
إذن فالمعجم الأكبر يجب أن يمتاز بميزات ثلاث: الصحة وسهولة المراجعة والإحاطة:
أما (الصحة ) فالضمان الوحيد لها أن يكون المتصدي لهذا العلم من الإخصائيين فيه الذين تفقّهوا بكتب علمائه, وتذوّقوا دقائق أسراره, وخبروا قواعد العلوم التي هي من لوازمه؛ وأن يحرص مع ذلك على نقل تفسير اللغة من أقوال العلماء بنصوصها التي كانوا يشدّون الرحال لتلقّيها من أهلها الأولين.
وأما ( سهولة المراجعة) فتكون بالتزام المؤلف ترتيب مشتقات المادة الواحدة بطريقة علمية إذا عرفها المراجع وأراد أن يراجع معنى أحد المشتقات ليستطيع أن يعرف موضعها بالتقريب إذا كان في أول مشتقات المادة أو في وسطها أو في آخرها. مثل أن يلتزم مؤلف المعجم وضع المجرد قبل المزيد فيه, والحقيقة قبل المجاز, والكلمات التي هي من أوضاع الفطرة الأولى قبل الكلمات التي هي من مستحدثات الحضارة. ومن المسلم به أن لغات البشر لم توجد كل مفرداتها في آن واحد, بل كانت في أقدم الأزمان بحالة أبسط ثم حدثت فيها أسماء جديدة لمسميات جديدة عصراً بعد عصر. وإذا تأمل ذو الذوق في هذا الأمر يرى بين بعض مشتقات المادة رابطة قريبة جداً ويرى بين البعض الآخر من مشتقات المادة نفسها رابطة أبعد. ومن المعقول أن الكلمتين المتقاربتين في رابطة المعنى قد اشتقّت أحداهما من الأخرى إما بلا واسطة أو بواسطة قريبة. فإصابة المحزّ وتطبيق المفصل في تأليف المعجم أن يجعل المؤلف الكلمات المتقاربة في المعنى متقاربة في الوضع بحيث إذا نظر القارئ إلى مشتقات المادة مرتبة على هذا الترتيب تحدث عنده فكرة تدله ـ بقدر الإمكان ـ على تاريخ تلك المادة وتسلسل ألفاظها والروابط المعنوية فيما بينها من أقدم صيغ تلك المادة إلى أحدثها.
وأما ( الإحاطة) فلا مناص منها للمعجم الأكبر , وقد حاولها العلامة ابن مكرم الأنصاري في (لسان العرب) والسيد نرتضى الزبيدي في (تاج العروس) فسدّا بذلك مسدّاً عظيماً . غير أن المجال لا يزال متسعاً للإستمداد من المعاجم الأخرى من مخطوطة ومطبوعة, ومن الرسائل والكتب المؤلفة في اللغة لأبواب خاصة. وزيادة في الإستقصاء والإستيفاء يجب أن يحوي المعجم الأكبر جميع الشواهد ليستغني الناس به عن غيره في كل ما يتعلق باللغة. أما الأعلام التاريخية والجغرافية فأرى أن تجرّد من المعجم على كل حال , وسيّان بعد ذلك أن يجمع ما يوجد منها في كتب اللغة ويوضع في آخر المعجم على حدة بشكل كتاب مستقل أو أن يترك هذا الأمر لمعجم التراجم الأكبر والمعجم الجغرافي المحيط اللذين أشرت إليهما في صدر هذا المقال.
ومن الواجب الآن الإقتصار في المعجم الأكبر على المواد التي احتوتها المعاجم القديمة حتى يكون هذا المعجم مرجعاً صحيحاً لأصل اللغة, ويكون المورد الصافي لعلماء اللغة وللمجمع اللغوي المنتظر متى شرعوا في وضع الأسماء العربية الجديدة للمسميات الجديدة, وحينئذ يتسنّى إضافة الجديد إلى القديم في معجم آخر غير هذا.
وقد بشرتنا دار الكتب المصرية في تقريرها الذي صدر أخيراً ( ص 22 ـ 23 ) بأنها تفكر في طبع معجمي لسان العرب والفيروزأبادي اللذين جمعهما معاً المرحوم محمد النجاري بك وحوّلهما إلى طريقة الجمهور( ).
ولصديقي القاضي الفاضل الأستاذ أحمد شاكر فضل السعي في تحقيق هذا المشروع النافع. وترى دار الكتب المصرية أن تعهد إلى لجنة من أهل الفضل بإكمال الجزء الأخير من هذا المعجم وأن تكون بين يديها كتب اللغة الأخرى الموثوق بها فما وجدته زائداً عما في معجم النجاري بك وضعته في موضعه مع بيان المصادر المنقول عنها. وليس لي ما أقترحه عليها وعلى اللجنة التي ستعهد إليها بهذا العمل غير الناية بترتيب مشتقات كل مادة ترتيباً علمياً على نحو ما وصفت آنفاً. ثم إن المرحوم نجاري بك نقل الكلمات المزيد فيها من مواضعها في مادتها الرئيسية ووضعها في المكان الذي تقضي به حروف الزيادة . مثال ذلك أنه نقل كلمة ( مفتاح) من مادة ( ف ت ح ) في حرف الفاء إلى حرف الميم. وأنا أعارض في ذلك كل الماعرضة وأراه مشوّهاً لجمال هذه اللغة , وضارباً بحجاب كثيف دون روابط الإشتقاق الموجودة فيما بين أجزاء المادة الواحدة. ونحن لا نتصوّر أن بين الذين يراجعون معجماً كبيراً كهذا من يجهل مراجعة كلمة (مفتاح) في مادة (فتح).
المادة اللغوية أم وأجزاؤها أطفالها, وإن التفريق بينهما على هذا الوجه ينافي أصالة اللغة العربية, وتغدو به الكلمة ـ وهي كالغصن الغضّ في الشجرة الوارفة الظلال ـ كالحطبة التي تقطع من الجذع وتلقى بعيداً عنه, وهل هذا إلا انتقال من الحياة إلى الموت؟.
إن المشروع لا يزال في دور التفكير والتكوين وفي استطاعة اللجنة التي أشار إليها تقرير دار الكتب أن تعيد هذه الألفاظ المشرّدة إلى مواطنها, ونرجو لدار الكتب بعد ذلك التوفيق من الله سبحانه في تحقيق هذه الأمنية وإمتاع ناشئة الأمة بهذا المعجم الجزيل النفع.
الهوامش:
(1) ـ مقدمة (الكافي في اللغة) لأستاذنا طاهر الجزائري ص 23.
(2) ـ وكذلك كان أول من استقصى أنواع الألحان في أغاني العرب وزمّ أصناف النغم فيها ووضع في ذلك كتاب (الموسيقى) فكان آية في الإبداع. وهو أول من استقصى شعر العرب فاستخرج منه أوزان الشعر في علم سماه (العروض) وله فيه كتاب (الفرش) وكتاب (المثّال) ومات وهو يفكر في اختراع طريقة لم يسبق إليها في تسهيل علم الحساب. وهو الذي بسط النحو ومد أطنابه, وسبب علله, وفتق معانيه, وأوضح الحجاج فيه, حتى بلغ أقصى حدوده فلقن سيبويه من دقائق نظره ونتائج فكره , وحمله عنه سيبويه فألف فيه (الكتاب).
(3) ـ كان جماعة من أهل الغيرة على العربية شرعوا في طبع مختصره لأبي بكر الزبيدي بمدينة بغداد قبيل الحرب العظمى, وهذا المختصر خير من أصله, ولكنهم انقطعوا عن مواصلة العمل.
(4) ـ عني بتصحيحها الأستاذ كرنكو Krenkow الإنكليزي وعارضها بسبع نسخ, وتستمد مطبعة دائرة المعارف النظامية في حيدر آباد الدكن (الهند) لطبعها, وقد أشرنا إلى ذلك في السنة الماضية ص473.
(5) ـ مؤلف كتاب (الصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها) الذي نشرناه قبل ستة عشر عاماً , وفي صدره ترجمة مطولة للمؤلف.
(6) ـ طبع ربعه الأول في القاهرة سنة 1332 في 321 صفحة وبلغ إلى آخر مادة (دلك).
(7) ـ الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية ص 122.
(8) ـ أظن أنني أول من اطلع على هذا المعجم, فقد ندبتني لذلك جريدة (المؤيد) عقب وفاة مؤلفه المرحوم نجاري بك فكتبت في وصفه مقالة نشرت في فاتحة أحد أعداد المؤيد. وكان نجاري بك قد أكمل تسعة عشر جزءاً من لسان العرب وما يقابلها من القاموس وبقي الجزء الأخير من اللسان وما يقابله من القاموس على حالهما.
الزهراء ج3 ـ 4 , م2, ربيع الأول وربيع الثاني, 1344هـ , ص 145 ـ 163