نوور زهران بارك الله فيك على جميل حضورك ,
و أهلا بك بيننا نورا و زهراً ..
___________________________
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
------------------------
تأملات و وقفات مع الآيات التي تدارسناها في الدرس الأول :
1- عود على بدء ....
تبتدأ الكهف بم انتهت به الإسراء , بحمد الله تعالى :
"وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (111) "
" الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا (1)"
ثم عادت الآيات لتنذر الذين نسبوا لله عز وجل اتخاذ الولد ,
" وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4)"
و الحمد في الاسراء كان أمراً بالحمد لله تعالى بأنه ما اتخذ ولداً و لم يكن له شريك في ملكه و لا وليا من الذل ,
ثم جاء الحمد في الكهف حمدا على انه تعالى انزل على عبده الكتاب
فنسب العبد له جل و علا رحمة و رفعة و عزة له عليه الصلاة و السلام .
و جاءت البشرى للمؤمنين بين انذارين :
قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2)
مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (3)
وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4)
فسبحان الله ,,,
2- ذكر الكتاب بأنه لم يجعل له عوجاً , ثم عاد ليؤكد بأنه قيماً , فنفى عنه العوج ثم أثبت له الإستقامة ,
قيل , فانك قد ترى الخط تظنه مستقيما ثم تقق فيه النظر فاذا هو متعرج , فجاءت هنا للتأكيد و التثبيت , و سبحان الله , يتراءى لي و الله تعالى أعلم أن ها هنا مساحة لتأمل أرحب , فهل تكون قيما كقائما , و ليست مستقيماً , فيكون بهذا المعنى قيما قائما على اقامة الحق الى مآل البعث ؟؟؟ ربما , و لله العلم المطلق .
3- " فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) "
و هذه من رحمة الله تعالى بنبيه لعلمه بحرصه على تبليغ الرسالة و هداية الناس ,
و الأسلوب القرآني هنا قمة في الحدب في المعاتبة و الرحمة , سبحان الله , فلعلك ستهلك نفسك على آثارهم ليؤمنوا اذ لم يؤمنوا آسفاً عليهم .... و كان النبي عليه الصلاة و السلام يحزن لذلك , و يتحسر عليه , نفس تفلتت الى النار , بأبي هو و أمي , لعلمه بما يعلمون و يقينه به فيعز عنده ان يعرضوا و يضلوا , حتى تعاتبه الآيات في أكثر من موقع , فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ...
4 - أم حسبت ؟؟؟ و ما أجمله من تعبير و ما أجمله من مدخل لبدء القصة , قصة أصحاب الكهف , التساؤل الذي يؤكد عجب الخبر الذي سيتلى و أنه من آيات الله فتواصل الأسماع الإنصات في تشوق لما سيتلى .
5- إذ أوى الفتية :
إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10)
فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11)
ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (12)
و هذه رائعة الاسلوب القرآني , إجمال القصة في مفتتحها بإيجاز شديد موظف للتركيز على حقيقة العجب في الخبر , فتبدأ مباشرة من هنا , إذ أوى الفتية , فضربنا على آذانهم , و هذه هي الآية التي ضرب بها المثل , ثم بعثناهم , لإقامة الحجة و الدليل على من كذب بالبعث .
و القصة تعرض لنا نماذج حية من المجتمع نلتقي بها دائماً على الدهر , الفتية المؤمنين , و أصحاب الغلبة المقيمين على الباطل , و بينهما صراع , ثم عامة الناس .
6- ثم يبدأ تفصيل النبأ بالحق , انهم فتية آمنوا ....
و هنا يجيء التأكيد , و زدناهم هدى , و ربطنا على قلوبهم ,
فالله تعالى يزيد من اهتدى هدى , فماذا عن من قعد على ناصية التعلل ينتظر الهدى لا يسعى اليه و لا يطرق له الابواب , انى له ان يهتدي فضلا عن ان يزداد ؟
ثم .... و ربطنا على قلوبهم .... فهذه و الله لمنة الله يمن بها على من يشاء , فمن لم يربط الله على قلبه و يثبته على الحق فأنى له الثبات ؟؟؟
7- فإذا علا الفساد و سادت الفتن في الأرض , شرع لأهل الحق اعتزالها و اعتزالهم فرارا بدينهم و عقيدهم عن أن يفتنوا فيما فتن فيه الناس , و إذ اعتزلتموهم ....
و هم يتواصون فيما بينهم على الحق و الثبات , انهم ان يظهروا عليكم .....
لعلمهم بان أحدا ليس بمنأى عن الفتنة ,
و من خاض فيما خاض فيه الناس اصابه منه اذى او صب فيه.
فهم من البدء لم يكتفوا باعتناق الحق و انكار الباطل و اهله ,
بل أظهروا فيهم اعتناقهم للحق و انكارهم لما هم عليه من الشرك ,
و اعتزلوهم نأياً بدينهم .
8- و ليتلطف و لا يشعرن بكم أحداً .... قيل , ينتصف القرآن عندها .
9- و كذلك أعثرنا عليهم .... انه الاعلام الموظف لكي تتبين للناس آيات الله .
10- فلماذا تسكت الآيات عن بيان العدد , و تحكي عن اختلاف الناس فيه ؟
لأن منهج القرآن أن يوجه الناس لما فيه الغاية و الحكمة و العبرة من آيات الله , فالعدد لا اعتبار له , و هنا أولى بك ان تعجب من اختلافهم فيه , فهو اختلاف تكلم عنه القرآن , و القرآن يسكت عن التفاصيل التي لا طائل من ذكرها و لا عبرة من وراءها ,,, فتأمل .
11-أما مدة لبثهم فيوثقها القرآن بدقه و تحديد , ثلاث مائة سنين و ازدادوا تسعاً , فها هنا آية الآيات , ان يضرب عليهم النوم كل هذا الزمن ثم يبعثهم على حالهم كان لم يلبثوا الا ساعة من النهار ,
قيل , ثلاث مائة سنة شمسية , و تزداد تسعا قمرية بحساب الفروق بين السنتين , فسبحان الله , انه التقويم الرباني الذي ارتضاه الله للمسلمين , و اعتمده في كتابه .
12- لنتخذن عليهم مسجداً .....
و يقول النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَعَنَ اللَّه الْيَهُود وَالنَّصَارَى اِتَّخَذُوا قُبُور أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِد " يُحَذِّر مَا فَعَلُوا ...
فالظاهر من الآيات أن أصحاب النفوذ و القوة قالوا لنتخذن عليهم مسجداً , وهذه عادة الأمم السابقة تبينها الآية و يؤيدها الحديث , و القرآن يحكي ذلك عنهم إخباراً , لا إقراراً لهم على ما قالوا ,,, و يسكت عن الذي كان من أمرهم بعد ذلك .
13- و اتل ما أوحي إليك .... و هذه و الله أعلم , تعضيد لآية سبقت , فلا تمار فيهم الا مراءاً ظاهراً و لا تستفت فيهم منهم أحداً , فنحن لا نأخذ الأخبار الا من الكتاب , فلا نماري أحد فيما يدعي , و لا نستفتيهم في الحق و قد بينه الله لنا , لذلك , يجيء تأكيد الأمر ... و اتل ما أوحي اليك .... و التأكيد على ثباته ..... لا مبدل لكلماته , و لن تجد من دونه ملتحداً ...
بارك الله فيكم .
اللهم انا نستغفرك من كل خطأ او زلل , و نتهديك و نتوب اليك .