منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديـات الثقافيـة > المنتدى الإسلامي

المنتدى الإسلامي هنا نناقش قضايا العصر في منظور الشرع ونحاول تكوين مرجع ديني للمهتمين..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
غير مقروء 17-11-2010, 01:19 AM   رقم المشاركة : 13
معلومات العضو
مصطفى الكومي
أقلامي
 
إحصائية العضو







مصطفى الكومي غير متصل


افتراضي رد: العدالة الاجتماعية في الإسلام

هذا التصور لحقيقة الحكم قد تغير شيئاً ما دون شك على عهد عثمان ـ وإن بقى في سياج الإسلام ـ لقد أدركت الخلافة عثمان وهو شيخ كبير . ومن ورائه مروان بن الحكم يصرف الأمر بكثير من الانحراف عن الإسلام . كما أن طبيعة عثمان الرخية , وحدبه الشديد على أهله , قد ساهم كلاهما في صدور تصرفات أنكرها الكثيرون من الصحابة من حوله , وكانت لها معقبات كثيرة , وآثار في الفتنة التي عانى الإسلام منها كثيراً .
منح عثمان , من بيت المال زوج ابنته الحارث بن الحكم يوم عرسه مائتي ألف درهم . فلما أصبح الصباح جاءه زيد بن أرقم خازن مال المسلمين , وقد بدا في وجهه الحزن وترقرقت في عينه الدموع , فسأله أن يعفيه من عمله ؛ ولما علم منه السبب وعرف أنه عطيته لصهره من مال المسلمين , قال مستغرباً :"أتبكي يا ابن أرقم أن وصلت رحمي ؟" فرد الرجل الذي يستشعر روح الإسلام المرهف :"لا يا أمير المؤمنين . ولكن أبكي لأني أظنك أخذت هذا المال عوضاً عما كنت أنفقته في سبيل الله في حياة رسول الله . والله لو اعطيته مئة درهم لكان كثيراً !" فغضب عثمان على الرجل الذي لا يطيق ضميره هذه التوسعة من مال المسلمين على أقارب خليفة المسلمين وقال له :"ألق بالمفاتيح يا ابن أرقم فإنا سنجد غيرك "! والأمثلة كثيرة في سيرة عثمان على هذه التوسعات ؛ فقد منح الزبير ذات يوم ستمائة ألف , ومنح طلحة مائتي ألف ,ونفل مروان بن الحكم خمس خراج إفريقية . ولقد عاتبه في ذلك ناس من الصحابة على رأسهم علي بن أبي طالب , فأجاب : " إن لي قرابة ورحماً" فأنكروا عليه وسألوه : " فما كان لأبي بكر وعمر قرابة ورحم ؟ فقال :"إن أبا بكر وعمر كانا يحتسبان في منع قرابتهما , وأنا أحتسب في إعطاء قرابتي " فقاموا عنه غاضبين يقولون : " فهديهما والله أحب إلينا من هديك "..
وغير المال كانت الولايات تغدق على الولاة من قرابة عثمان . وفيهم معاوية الذي وسع عليه في الملك فضم إليه فلسطين وحمص ؛ وجمع له قيادة الأجناد الأربعة ومهد له بعد ذلك أن يطلب الملك في خلافة عليّ وقد جمع المال والأجناد . وفيهم الحكم بن العاص طريد رسول الله الذي آواه عثمان وجعل ابنه مروان بن الحكم وزيره المتصرف . وفيهم عبد الله ابن سعد بن أبي السرح أخوه من الرضاعة ... الخ .
ولقد كان الصحابة يرون هذه التصرفات الخطيرة العواقب , فيتداعون إلى المدينة لإنقاذ تقاليد الإسلام , وإنقاذ الخليفة من المحنة ؛ والخليفة في كبرته لا يملك أمره من مروان . وإنه لمن الصعب أن نتهم روح الإسلام في نفس عثمان ؛ ولكن من الصعب كذلك أن نعفيه من الخطأ , الذي نلتمس أسبابه في ولاية مروان الوزارة ؛ في كبرة عثمان . ولقد اجتمع الناس , فكلفوا عليّ بن أبي طالب أن يدخل إلى عثمان فيكلمه , فدخل إليه فقال :" الناس ورائي وقد كلموني فيك . والله ما أدري ما أقول لك , وما أعرف شيئاً تجهله , ولا أدلك على أمر لا تعرفه . إنك لتعلم ما نعلم ؛ ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه ؛ ولا خلونا بشيء فنبلغكه ؛ وما خُصصنا بأمر دونك . وقد رأيت وسمعت وصحبت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونلت صهره . وما ابن أبي قحافة بأولى بعمل الحق منك ؛ ولا ابن الخطاب بأولى بشيء من الخير منك ؛ وإنك أقرب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رحماً ؛ ولقد نلت من صهر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما لم ينالا ؛ ولا سبقاك إلى شيء . فالله الله في نفسك ؛ فإنك والله ما تُبَصَّرُ من عمى ؛ ولا تُعَلمُ من جهل ؛ وإن الطريق لواضح بيّن ؛ وإن أعلام الدين لقائمة . وتعلم يا عثمان أن أفضل عباد الله عند الله إمام عادل هُدي و هَدى ؛ فأقام سنة معلومة , وأمات بدعة متروكة ؛ فو الله إن كلَّا لَبيَّن ؛ وإن السنن لقائمة لها أعلام ؛ وإن شر الناس عند الله إمام جائر ضَل وضُل به ؛ فأمات سنة معلومة , وأحيا بدعة متروكة . وإني سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول :"يُؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر , فيلقى في جهنم "(4) .
فقال عثمان :" قد والله علمت ليقولن الذي قلت . أما والله لو كنت مكاني ما عنفتك ولا أسلمتك ولا عبت عليك ؛ وما جئت منكراً أن وصلت رحماً , وسددت خلة , وآويت ضائعاً , ووليت شبيهاً بمن كان عمر يولي . أنشدك الله يا عليّ . هل تعلم أن المغيرة بن شعبة ليس هناك ؟ ؟ قال نعم , قال أتعلم أن عمر ولاه ؟ قال نعم . قال : فلِمَ تلومني أن وليت ابن عامر في رحمه وقرابته ؟ قال علي : سأخبرك . إن عمر كان كل من ولّى فإنما يطأ على صماخه , إن بلغه عنه حرف جلبه , ثم بلغ به أقصى الغاية . وأنت لا تفعل . ضعفت ورفقت على أقربائك . قال عثمان : وأقرباؤك أيضاً ! قال عليّ : لعمري إن رحمهم مني لقريبة , ولكن الفضل في غيرهم . قال عثمان : هل تعلم أن عمر ولى معاوية خلافته كلها ؟ فقد وليته , فقال علي : أنشدك الله ! هل تعلم أن معاوية كان أخوف من أن يرفأ غلام عمر منه ؟ قال نعم . قال علي فإن معاوية يقطع الأمور دونك وأنت لا تعلمها , فيقول للناس : هذا أمر عثمان , فيبلغك ولا تُغير على معاوية! "
وأخيرا ثارت الثائرة على عثمان , واختلط فيها الحق بالباطل , والخير بالشر . ولكن لا بد لمن ينظر إلى الأمور بعين الإسلام , ويستشعر الأمور بروح الإسلام , أن يقرر أن تلك الثورة في عمومها كانت فورة من روح الإسلام ؛ وذلك دون إغفال لم كان وراءها من كيد اليهودي ابن سبأ عليه لعنة الله !
واعتذارنا لعثمان رضي الله عنه : أن الخلافة قد جاءت إليه متأخرة , فكانت العصبة الأموية حوله وهو يدلف إلى الثمانين , فكان موقفه كما وصفه صاحبه علي بن أبي طالب : " إني إن قعدت في بيتي قال : تركتني وقرابتي وحقي ؛ وإن تكلمت فجاء ما يريد , يلعب به مروان , فصار سيقة له يسوقه حيث شاء , بعد كبر السن وصحبته لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ".
ولقد كان من جراء مباكرة الدين الناشيء بالتمكين منه للعصبة الأموية على يدي الخليفة الثالث في كبرته , أن تقاليده العملية لم تتأصل على أسس من تعاليمه النظرية لفترة أطول . وقد نشأ عن عهد عثمان الطويل في الخلافة أن تنمو السلطة الأموية ويستفحل أمرها في الشام وفي غير الشام ؛ وأن تتضخم الثروات نتيجة لسياسة عثمان (كما سيجيء) وأن تخلخل الثورة على عثمان بناء الأمة الإسلامية في وقت مبكر شديد التبكير . مع كل ما يحمله تاريخ هذه الفترة وأحداثها من أمجاد لهذا الدين , تكشف عن نقلة بعيدة جداً في تصور الناس للحياة والحكم , وحقوق الأمراء وحقوق الرعية , إلا أن الفتنة التي وقعت لا يمكن التقليل من خطرها وآثارها البعيدة المدى .
* * *
مضى عثمان إلى رحمة ربه , وقد خلف الدولة الأموية قائمة بالفعل بفضل ما مكن لها في الأرض , وبخاصة في الشام , وبفضل ما مكن للمباديء الأموية المجافية لروح الإسلام , من إقامة الملك الوراثي والاستئثار بالمغانم والأموال والمنافع , مما أحدث خلخلة في الروح الإسلامي العام . وليس بالقليل ما يشيع في نفس الرعية ـ إن حقاً أو باطلاً ـ أن الخليفة يؤثر أهله , ويمنحهم مئات الألوف ؛ ويعزل أصحاب رسول الله ليولي أعداء رسول الله ؛ ويبعد مثل أبي ذر لأنه أنكر كنز الأموال , وأنكر الترف الذي يخب فيه الأثرياء , ودعا إلى مثل ما كان يدعو إليه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الإنفاق والبر والتعفف .. فإن النتيجة الطبيعية لشيوع مثل هذه الأفكار ؛ إن حقاً وإن باطلاً , أن تثور نفوس , وأن تنحل نفوس . تثور نفوس الذين أشربت نفوسهم روح الدين إنكاراً وتأثماً ؛ وتنحل نفوس الذين لبسوا الإسلام رداء , ولم تخالط بشاشته قلوبهم , والذين تجرفهم مطامع الدنيا ويرون الانحدار مع التيار . وهذا كله قد كان في أواخر عهد عثمان .
فلما أن جاء علي ـ كرم الله وجهه ـ لم يكن من اليسير أن يرد الأمر إلى نصابه في هوادة .
وقد علم المستنفعون على عهد عثمان , وبخاصة من أمية , أن عليا لن يسكت عليهم , فانحازوا بطبيعتهم وبمصالحهم إلى معاوية .
جاء علي ليرد التصور الإسلامي للحكم إلى نفوس الحكام ونفوس الناس . جاء ليأكل الشعير تطحنه امرأته بيديها , ويختم على جراب الشعير ويقول :"لا أحب أن يدخل بطني إلا ما أعلم " . وربما باع سيفه ليشتري بثمنه الكساء والطعام , وكره أن ينزل القصر الأبيض بالكوفة مؤثراً عليه الخصاص التي يسكنها الفقراء . جاء ليعيش كما روى عنه النضر ابن منصور عن عقبة بن علقمة قال :دخلت على عليّ عليه السلام , فإذا بين يديه لبن حامض , آذتني حموضته ؛ وكسر يابسة . فقلت : يا أمير المؤمنين ! أتأكل مثل هذا ؟ فقال لي: يا أبا الجنوب ! كان رسول الله يأكل أيبس من هذا ويلبس أخشن من هذا ـ وأشار إلى ثيابه ـ فإن لم آخذ به خفت ألا ألحق به " أو كما روى عنه هارون بن عنترة عن أبيه قال : دخلت على عليّ بالخورنق , وهو فصل الشتاء , وعليه خلق قطيفة , وهو يرعد فيه . فقلت : يا أمير المؤمنين ! إن الله قد جعل لك ولأهلك في هذا المال نصيباً , وأنت تفعل هذا بنفسك ؟ فقال :"والله ما أرزؤكم شيئاً , وما هي إلا قطيفتي التي أخرجتها من المدينة ". وما يصنع عليُّ هذا بنفسه وأهله , وهو يجهل أن الدين يبيح له فوق ما يصنع , وأنه لا يحتم التزهد والحرمان والشظف , وان حظه من بيت المال في ذلك الحين ـ كفرد من المسلمين ـ يبلغ أضعاف ما يأخذ , وإن راتبه كأمير للمؤمنين يؤدي خدمة عامة , أكبر من هذا لو شاء أن يأخذ مثلما خصصه عمر لبعض ولاته على الأقاليم , إذ قدر لعمار بن ياسر حين ولاه الكوفة ستمائة درهم في الشهر له ولمساعديه , ويزاد عليها عطاؤه الذي يوزع عليه كما توزع العطية على نظرائه , ونصف شاة ونصف جريب من الدقيق ؛ كما قدر لعبد الله ابن مسعود مئة درهم وربع شاة لتعليمه الناس بالكوفة وقيامه على بيت المال فيها , ولعثمان ابن حنيف مائة وخمسين درهماً وربع شاة في اليوم مع عطائه السنوي وهو خمسة آلاف درهم ...
ما يصنع عليّ بنفسه ما صنع وهو يجهل هذا كله . إنما كان يعلم أن الحاكم مظنة وقدوة . مظنة التبحبح بالمال العام إذ كان تحت سلطانه ؛ وقدوة الولاة والرعية في التحرج والتعفف . فأخذ نفسه بعزائم أبي بكر وعمر في الأمر . فالأفق الأعلى كان هو الأحرى بخلفاء رسول الله على دين الله . وسار عليّ ـ كرم الله وجهه ـ في طريقه يرد للحكم صورته كما صاغها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والخليفتان بعده ...
"وجد درعه عند رجل نصراني , فأقبل به إلى شريح قاضيه , يخاصمه مخاصمة رجل من عامة رعاياه , وقال : إنها درعي ولم أبع , ولم أهب . فسأل شريح النصراني : ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين ؟ قال النصراني : ما الدرع إلا درعي , وما أمير المؤمنين عندي بكاذب ! فالتفت شريح إلى عليّ يسأله : يا أمير المؤمنين هل من بينة ؟ فضحك عليّ وقال : أصاب شريح . ما لي بينة ! فقضى بالدرع للنصراني , أخذها ومشى , و" أمير المؤمنين" ينظر إليه .. إلا أن النصراني لم يخط خطوات حتى عاد يقول : أما أنا فأشهد أن هذه أحكام أنبياء ... أمير المؤمنين يدينني إلى قاضيه فيقضي عليه ! أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله . الدرع والله درعك يا أمير المؤمنين . اتبعت الجيش وأنت منطلق إلى صفين ؛ فخرجت من بعيرك الأورق . فقال عليّ : أما إذ أسلمت فهي لك "(5).
ولقد كان منهاجه الذي شرعه هو ما قاله في خطبته عقب البيعة له :
" أيها الناس . إنما أنا رجل منكم , لي ما لكم , وعلي ما عليكم , وإني حاملكم على منهج نبيكم ومنفذ فيكم ما أمرت به .. ألا إن كل قطيعة أقطعها عثمان , وكل مال أعطاه من مال الله , فهو مردود في بيت المال . فإن الحق لا يبطله شيء . ولو وجدته قد تزوج به النساء , وملك الإماء , وفرق في البلدان لرددته . فإن في العدل سعة ومن ضاق عليه الحق فالجور عليه أضيق .
" أيها الناس .. ألا لا يقولن رجال منكم غداً ـ قد غمرتهم الدنيا فامتلكوا العقار وفجروا الأنهار , وركبوا الخيل , واتخذوا الوصائف المرققة ـ إذا ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه, وأصرتهم إلى حقوقهم التي يعملون : "حرمنا بن أبي طالب حقوقنا " . ألا وأيما رجل من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله يرى أن الفضل له على سواه بصحبته , فإن الفضل غداً عند الله , وثوابه وأجره على الله . ألا وأيما رجل استجاب لله ولرسوله , فصدق ملتنا ودخل ديننا واستقبل قبلتنا , فقد استوجب حقوق الإسلام وحدوده ؛ فأنتم عباد الله , والمال مال الله , يقسم بينكم بالسوية , ولا فضل فيه لأحد على أحد , وللمتقين عند الله أحسن الجزاء" .
ولقد كان من الطبيعي ألا يرضى المستنفعون عن عليّ , وألا يقنع بشرعة المساواة من اعتادوا التفضيل , ومن مردوا على الاستئثار . فانحاز هؤلاء في النهاية إلى المعسكر الآخر : معسكر أمية , حيث يجدون فيه تحقيقاً لأطماعهم , على حساب العدل والحق اللذين يصر عليهما عليّ ـ رضي الله عنه ـ هذا الإصرار!
والذين يرون في معاوية دهاء وبراعة لا يرونها في عليّ ؛ ويعزون إليها غلبة معاوية في النهاية , إنما يخطئون تقدير الظروف , كما يخطئون فهم عليّ و واجبه . ولقد كان واجب عليّ الأول والأخير , أن يرد للتقاليد الإسلامية قوتها ؛ وأن يرد إلى الدين روحة ؛ وأن يجلو الغاشية التي غشت هذا الروح على أيدي بني أمية في كبرة عثمان . ولو جارى وسائل بني أمية في المعركة لبطلت مهمته الحقيقية , ولما كان لظفره بالخلافة خالصة من قيمة في حياة هذا الدين . إن علياً أما أن يكون علياً أو فلتذهب الخلافة عنه , بل فلتذهب حياته معها . وهذا هو الفهم الصحيح الذي لم يغب عنه ـ كرم الله وجهه ـ وهو يقول ـ فيما روي عنه إن صحت الرواية :"والله ما معاوية بأدهى مني ولكنه يغدر ويفجر . ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس ".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)يراجع كتاب " السلام العالمي والإسلام" وفصل " طبيعة الفتح الإسلامي" في كتاب "دراسات إسلامية" للمؤلف .
(2)مسلم وأبو داود والترمذي
(3)ابن الأثير في حوادث سنة56هـ . ونحن لا نحب أن نجزم بصدق مثل هذه الرواية ولكن تبرئة الإسلام في ذاته نقول : إنها إن صحت كان هذا مخالفة أساسية لطبيعة المنهج الإسلامي في الحكم لا تبررها حجة , ولا يقوم لها عذر !
(4)ذكره الطبري فيما يرويه في سنة أربع وثلاثين هجرية .
(5)عبقرية الإمام , للأستاذ العقاد
من الواقع التاريخي في الإسلام(3)
العدالة الاجتماعية في الإسلام الشهيد سيد قطب







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 17-11-2010, 01:23 AM   رقم المشاركة : 14
معلومات العضو
مصطفى الكومي
أقلامي
 
إحصائية العضو







مصطفى الكومي غير متصل


افتراضي رد: العدالة الاجتماعية في الإسلام

من الواقع التاريخي في الإسلام(3)
العدالة الاجتماعية في الإسلام الشهيد سيد قطب
ومضى عليّ إلى رحمة ربه , وجاء بنو أمية .
فلئن كان إيمان عثمان وورعه ورقته , كانت تقف حاجزاً أمام أمية .. لقد انهار هذا الحاجز .. وانفتح الطريق للانحراف .
لقد اتسعت رقعة الإسلام فيما بعد , ولكن روحه انحسرت بلا جدال . ولولا قوة كامنة في طبيعة هذا الدين , وفيض عارم في طاقته الروحية , لكانت أيام أمية كفيلة بتغيير مجراه الأصيل . ولكن روحه ظلت تقاوم وتغالب , وما تزال فيها الطاقة الكامنة للغلب والانتصار . غير أنه منذ أمية انساحت حدود بيت مال المسلمين فصار نهباً مباحاً للملوك والحاشية والمتسلقين ؛ وتخلخلت قواعد العدل الإسلامي الصارم , فأصبح للطبقة الحاكمة امتيازات , ولأذيالها منافع , ولحاشيتها رسوم ؛ وانقلبت الخلافة ملكاً , وملكاً عضوضاً , كما قال عنه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في وثبة من وثبات الاستشفاف الروحي العميق . وعدنا نسمع عن الهبات للمتملقين والملهين والمطربين , فيهب أحد ملوك أمية اثني عشر ألف دينار لمعبد , ويهب هارون الرشيد ـ من ملوك العباسيين إسماعيل بن جامع المغني في صوت واحد أربعة آلاف دينار , ومنزلاً نفيس الأثاث والرياش ... وتنطلق الموجة في طريقها لا تقف إلا فترة بين الحين والحين .
ولا بد أن نذكر هنا عهد عمر بن عبد العزيز ـ رضي الله عنه ـ فقد كان بقية من عهد الخلافة , وإشعاعة مضيئة تنير الطريق . لقد بدأ عهده برد الحكم المغصوب إلى صاحب الحق الأول فيه : إلى الأمة المسلمة , التي يجب أن تختار إمامها حرة طائعة مختارة , لا بقوة الجند , ولا بسلطان الوراثة .. صعد المنبر فقال : " أيها الناس . إني قد ابتليت بهذا الأمر عن غير رأي مني فيه , ولا طلبة له , ولا مشورة من المسلمين . وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي فاختاروا لأنفسكم " فصاح الناس : قد اخترناك يا أمير المؤمنين , ورضينا بك , قال : الأمر باليمن والبركة . وبذلك رد الأمر إلى نصابه في ولاية الأمر , فلا ولاية بغير شورى ورضى وقبول .
عندئذ خطب الناس فقال :"أيها الناس . إنه قد كان قبلي ولاة تجترون مودتهم بأن تدفعوا بذلك ظلمهم عنكم . ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق . من أطاع الله وجبت طاعته , ومن عصى الله فلا طاعة له . أطيعوني ما أطعت الله فيكم , فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم ..".
وحينما باشر سلطته بدأ برد المظالم , مبتدئاً بنفسه . فقال :"إنه لينبغي ألا أبدأ بأول من نفسي . فنظر إلى ما في يديه من أرض أو متاع فخرج منه , حتى نظر إلى فص خاتم كان في يده فقال :هذا أعطانيه الوليد من غير حقه , مما جاء من أرض المغرب فرده . وخرج مما كان في يده من القطائع , وكان في يده قطائع باليمامة , والمكيدس وجبل الورس باليمن , وفدك , فخرج من ذلك كله , ورده إلى بيت المسلمين . إلا أنه ترك عيناً بالسويداء , وكان استنبطها بعطائه . فكانت تأتيه غلتها كل سنة . مائة وخمسون ديناراً أو أقل أو أكثر .
" ولما أزمع أن يرد ما لديه أمر فنودي في الناس :الصلاة جامعة ؛ وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد فإن هؤلاء القوم قد كانوا أعطونا عطايا ما ينبغي لنا أن نأخذها , وما كان ينبغي لهم أن يعطوناها ؛ وإن ذلك قد صار إليّ , وليس عليّ فيه دون الله محاسب , ألا وإني قد رددتها , وبدأت بنفسي وأهل بيتي . اقرأ يا مزاحم ـ وقد جيء قبل ذلك بسفط فيه تلك الكتب ـ فجعل مزاحم يقرا كتاباً كتاباً فيأخذه عمر , وبيده مقص فيقصه به , حتى لم يبق فيه شيء إلا شقه .
"ثم ثنى بزوجته فاطمة بنت عبد الملك بن مروان , وكان عندها جوهر أمر لها به أبوها لم يُر مثله فقال لها : اختاري إما أن تردي حليك إلى بيت المال , وإما أن تأذني لي في فراقك , فإني أكره أن أكون أنا وهو في بيت واحد , قال : لا , بل اختارك يا أمير المؤمنين عليه وعلى أضعافه لو كان لي . فأمر به فحمل حتى وضع في بيت مال المسلمين . فلما مات عمر واستخلف يزيد بن عبد الملك , قال لأخته فاطمة : إن شئت رددته عليك , قالت : فإني لا أشاؤه , طبت عنه نفساً في حياة عمر وأرجع فيه بعد موته ! لا والله أبداً . فلما رأى ذلك قسمه بين أهله وولده .
" ولم يكتف عمر برد ما كان في يده من المظالم , بل ذكروا أنه كان لا يأخذ من بيت المال شيئاً , ولا يجري على نفسه من الفيء درهماً ؛ وكان عمر بن الخطاب يجري على نفسه في ذلك درهمين في كل يوم , فقيل لعمر بن عبد العزيز: لو أخذت ما كان يأخذ عمر بن الخطاب , فقال : إن عمر بن الخطاب لم يكن له مال , وأنا مالي يغنيني .
" كذلك حمل بني مروان على النزول عما كان في أيديهم من الأموال بغير استحقاق , وردها إلى ذويها . روى أنه جاءه رجل ذمي من أهل حمص فقال : يا أمير المؤمنين أسألك كتاب الله , قال : وما ذاك ؟ قال : العباس بن الوليد بن عبد الملك اغتصبني أرضي ـ والعباس جالس ـ فقال له يا عباس ما تقول ؟ قال : أقطعنيها أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك , كتب لي بها سجلاً , فقال : ما تقول يا ذمي ؟ قال : يا أمير المؤمنين أسألك كتاب الله عز وجل , فقال عمر : نعم كتاب الله أحق أن يتبع من كتاب الوليد بن عبد الملك . يا عباس أردد عليه ضيعته . فردها عليه . " وكان للوليد بن عبد الملك ابن يقال له روح , وكان نشأ في البادية فكأنه أعرابي , فأتى ناس من المسلمين إلى عمر يخاصمون روحاً في حوانيت بحمص وكانت لهم , أقطعه إياها أبوه الوليد ـ فقال عمر : أردد عليهم حوانيتهم , قال له روح : إنها لي بسجل الوليد , قال : ما يغني عنك سجل الوليد , الحوانيت حوانيتهم قد قامت لهم البينة عليها , خل لهم حوانيتهم . فقام روح والحمصي منصرفين فتوعد روح الحمصي , فرجع إلى عمر فقال : هو والله يتوعدني يا أمير المؤمنين , فقال عمر لكعب بن حامد ـ وهو على حرسه ـ أخرج إلى روح يا كعب , فإن سلم إليه حوانيته فذاك , وإلا فأتني برأسه . فخرج بعض من سمع ذلك ممن يعنيه أمر روح , فذكر له الذي أمر به عمر , فخلع فؤاده , وخرج إليه كعب وقد سل من السيف شبراً فقال له : قم فخل له حوانيته , قال : نعم نعم ! فخلى له حوانيته .
" وتتابع الناس في رفع المظالم إليه , فما رفعت إليه مظلمة إلا ردها سواء كانت في يده أو في يد غيره , حتى أخذ أموال بني مروان وغيرهم مما صار إليهم ظلماً . وكان يرد المظالم إلى أهلها بغير البينة القاطعة , وكان يكتفي باليسير , فإذا عرف وجه مظلمة الرجل ردها عليه ولم يكلفه تحقيق البينة لما يعرف من ظلم الولاة قبله للناس . وقد ذكروا أنه أنفذ بيت مال العراق في رد المظالم حتى حمل إليها من الشام .
" وكان سليمان بن عبد الملك قد أمر لعنبسة بن سعيد بن العاص ـ من البيت الأموي ـ بعشرين ألف دينار فدارت في الدواوين حتى انتهت إلى ديوان الختم فلم يبق إلا قبضها , فتوفى سليمان قبل أن يقبضها , وكان عنبسة صديقاً لعمر بن عبد العزيز , فغدا يريد كلام عمر فيما أمر له به سليمان , فوجد بني أمية حضوراً بباب عمر يريدون الإذن عليه ليكلموه في أمورهم , فلما رأوا عنبسة قالوا : ننظر ما يصنع به قبل أن نكلمه . فدخل عنبسة عليه فقال له : يا أمير المؤمنين , إن أمير المؤمنين سليمان قد كان أمر لي بعشرين ألف دينار حتى انتهت إلى ديوان الختم ولم يبق إلا قبضها , فتوفى على ذلك , وأمير المؤمنين أولى باستتمام الصنيعة عندي , وما بيني وبينه أعظم مما كان بيني وبين أمير المؤمنين سليمان ؛ فقال له عمر : كم ذلك ؟ قال عشرون ألف دينار . قال عمر : عشرون ألف دينار تغني أربعة آلاف بيت من المسلمين , وأدفعها إلى رجل واحد ! والله ما لي إلى ذلك من سبيل . قال عنبسة : فرميت بالكتاب الذي فيه الصك, فقال عمر : لا عليك أن يكون معك , فلعله أن يأتيك من هو أجرأ على هذا المال مني فيأمر لك به ! فأخذته وخرجت إلى بني أمية فأعلمتهم ما كان من ذلك , فقالوا ليس بعد هذا شيء , أرجع إليه فاسأله أن يأذن لنا أن نلحق بالبلدان ؛ فرجعت إليه فقلت : يا أمير المؤمنين إن قومك بالباب يسألونك أن تجري عليهم ما كان من قبلك يجري عليهم . فقال عمر : والله ما هذا المال لي وما لي إلى ذلك من سبيل . قلت : يا أمير المؤمنين , فيسألونك أن تأذن لهم يضربون في البلدان . قال : ما شاءوا ذلك لهم , وقد أذنت لهم . قلت : وأنا أيضاً ؟ قال وأنت أيضاً قد أذنت لك ؛ ولكني أرى لك أن تقيم , فإنك رجل كثير النقد , وأنا أبيع تركة سليمان فلعلك أن تشتري منها ما يكون لك في ربحه عوض مما فاتك , قال : فأقمت فابتعت من تركة سليمان بمائة ألف , فخرجت بها إلى العراق فبعتها بمائتي ألف دينار , وحبست الصك ؛ فلما توفى عمر وولى يزيد بن عبد الملك أتيته بكتاب سليمان , فأنفذ لي ما كان فيه .
" وجمع عمر بني مروان فقال لهم : إنكم قد أعطيتم حظاً وشرفاً وأموالاً , وإني لأحسب شطر أموال هذه الأمة أو ثلثيها في أيديكم , فأدوا ما في أيديكم من حقوق الناس , ولا تلجئوني إلى ما أكره فأحملكم على ما تكرهون . فلم يجبه أحد منهم .فقال أجيبوني . فقال رجل منهم : والله لا نخرج من أموالنا التي صارت إلينا من آبائنا فنفقر أبناءنا ونكفر آباءنا , حتى تزايل رؤوسنا أجسادنا . فقال عمر : والله لولا أن تستعينوا عليّ بمن أطلب هذا الحق له , لأضرعت خدودكم عاجلاً . ولكني أخاف الفتنة , ولئن أبقاني الله لأردّنَّ إلى كل ذي حق حقه إن شاء الله "(1) .
ولكنه لم يعش ليرد لكل ذي حق حقه كما كان يريد ؛ فجاء من بعده يسيرون على نهج أُمَيَّة , ولا يسيرون على نهج عمر ! فلما أن جاء بنو العباس جاءوا ملوكاً وقد فسدت الأرض , وبعُد الناس عن تقاليد الدين , بما باعدت أمية بينهم وبينه ذلك الأمد الطويل . وما كان ملوك بني العباس خيراً من ملوك بني أمية , فإنه لكذلك الملك العضوض !
* * *
وإذ كنا لا نؤرخ هنا للدولة الإسلامية , ولكن للروح الإسلامي في الحكم , فإننا نكتفي في إبراز مظاهر التحول والانحسار في هذا الروح بإثبات ثلاث خطب من عهد الملوك . وبموازنتها بالخطب الثلاث التي سبقت في عهد الخلفاء يتبين الفارق العميق .
خطب معاوية في أهل الكوفة بعد الصلح فقال :
" يا أهل الكوفة ! أتراني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج , قد علمت أنكم تصلون وتزكون وتحجون ؟ ولكنني قاتلتكم لأتأمر عليكم وعلى رقابكم ؛ وقد آتاني الله ذلك , وأنتم كارهون . ألا إن كل مال أو دم أصيب في هذه الفتنة فمطلول , وكل شرط شرطته , فتحت قدمي هاتين ".
وخطب كذلك في أهل المدينة فقال: " أما بعد , فإني والله ما وليتها بمحبة علمتها منكم , ولا مسرة بولايتي . ولكني جالدتكم بسيفي مجالدة . ولقد رضت لكم نفسي على عمل ابن أبي قحافة , وأردتها على عمل عمر , فنفرت من ذلك نفاراً شديداً ؛ وأردتها على منيات عثمان , فأبت عليّ ؛ فسلكت بها طريقاً لي ولكم فيه منفعة ؛ ومؤاكلة حسنة ومشاربة جميلة , فإن لم تجدوني خيركم , فإني خير لكم ولاية ..."
وخطب المنصور العباسي ـ وقد فعلت الموجة الأموية فعلها في تصور الحكم حتى انتهت به أيام العباسيي إلى نظرية الحق الإلهي المقدس التي لا يعرفها الإسلام . فقال:
" أيها الناس : إنما أنا سلطان الله في أرضه , أسوسكم بتوفيقه وتأييده ؛ وحارسه على ماله , وأعمل فيه بمشيئته وإرادته , وأعطيه بإذنه , فقد جعلني الله عليه قفلاً ؛ إن شاء أن يفتحني فتحني لإعطائكم وقسم أرزاقكم ؛ وإن شاء أن يقفلني عليه أقفلني "!
وبذلك خرجت سياسة الحكم نهائياً من دائرة الإسلام , وتعاليم الإسلام .
* * *
فأما سياسة المال فكانت تبعاً لسياسة الحكم , وفرعاً عن تصور الحكام لطبيعة الحكم وطريقته , ولحق الراعي و الرعية . فأما في حياة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصاحبه وفي خلافة عليّ بن أبي طالب , فكانت النظرة السائدة هي النظرة الإسلامية : وهي أن المال العام مال الجماعة ؛ ولا حق للحاكم بنفسه أو بقرابته أن يأخذ منه شيئاً إلا بحقه ؛ ولا أن يعطي أحداً منه إلا بقدر ما يستحق , شأنه شأن الآخرين . وأما حين انحرف هذا التصور قليلاً في عهد عثمان , فقد بقيت للناس حقوقهم ؛ وفهم الخليفة أنه في حل ـ وقد اتسع المال عن المقررات للناس ـ أن يطلق فيه يده يبر أهله ومن يرى من غيرهم حسب تقديره .وأما حين صار الحكم إلى الملك العضوض , فقد انهارت الحدود والقيود , وأصبح الحاكم مطلق اليد في المنع والمنح , بالحق في أحيان قليلة وبالباطل في سائر الأحيان . واتسع مال المسلمين لترف الحكام وأبناءهم وحاشيتهم ومملقيهم إلى غير حد , وخرج الحكام بذلك نهائياً من كل حدود الإسلام في المال.
هذه صورة مجملة نعرض لها نماذج نفصلها من وقائع التاريخ . كانت موارد بيت المال منذ أيام الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ هي :
الزكاة المفروضة على المسلمين في أموالهم بحسب فئاتها المعروفة في الذهب والفضة والزروع والثمار , والماشية , وفي عروض التجارة , وفي الركاز .. والمتوسط العام فيها هو نصف العشر , وتنفق في مصارفها الثمانية المعروفة .
والجزية على الرؤوس للمصالحين عليها من الذميين . وهي مقابل ضريبة الدم وضريبة الزكاة التي يدفعها المسلمون .
والفيء , وهو ما يصل إلى المسلمين من المشركين عفواً من غير قتال , وكله لله والرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل بنص القرآن .
والغنيمة , وهي ما يصل إلى المسلمين من المشركين بالحرب . وأربعة أخماسها للمحاربين , وخمسها كالفيء في مصرفه .
أو الخراج ـ بدل الغنيمة ـ وهو مال مقرر على الأراضي التي كانت في يد المشركين واستولى عليها المسلمون حرباً , أو صولح عليها المشركون وبقيت في أيديهم , كالنظام الذي اتبعه عمر بن الخطاب في أرض فارس .
وفي أيام الرسول لم تكن موارد بيت المال وفيرة , لأن المهاجرين قد تركوا ديارهم وأموالهم , فوسعهم الأنصار وشاركوهم وآخوهم . وكان عدد المسلمين بعد محدوداً ؛ وقبل الغزو لم يكن لبيت المال إلا مورد التطوع للإنفاق في سبيل الله .
فلما بدأت الغزوات وفرضت الزكاة في السنة الثانية من الهجرة وجد المورد الأساسي ـ وهو الزكاة ـ ومورد آخر هو مورد الغنيمة الذي يحصل المحاربون على أربعة أخماسه . وقد كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعطي الراجل سهماً والفارس سهمين ـ وقيل ثلاثة ـ مقرراً مبدأ
" الرجل وبلاؤه" كما كان يعطي الأعزب سهما والمتزوج سهمين مقرراً مبدأ " الرجل وحاجته" . وأما الخمس فكان يوزع حسب مصارفه التي ذكرنا ..ثم حدث أن وقع أول فيء في غزوة بني النضير , فجعله الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ للمهاجرين خاصة , لم يعط إلا رجلين من الأنصار فقيرين ؛ وجاء القرآن بعد ذلك فقرر المبدأ الإسلامي العام :"..كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ..".
ثم أخذت موارد المسلمين تتسع باتساع رقعة الإسلام وتوالي الفتوح , فأخذ الرخاء يشمل شيئاً فشيئاً جموع المسلمين على السواء . إذ كانوا جميعاً شركاء في موارد بيت المال , بالأنصبة التي حددها الإسلام .
وحين لحق الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالرفيق الأعلى , وارتد من ارتد ومنعوا الزكاة , وقف أبو بكر وقفته المشهورة وقال قولته الخالدة "والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لقاتلتهم على منعه " مخالفاً في ذلك عمر بن الخطاب الذي كان يرى ـ قبل أن يفيء إلى رأي أبي بكر ويشرح الله له صدره ويعلم أنه الحق ـ أن القوم يقولون : لا إله إلا الله .. فلا يجوز قتالهم . وقد بلغ من معارضته أن يقول في شيء من الحدة : كيف نقاتل الناس وقد قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله . فمن قالها فقد عصم مني ماله ودمه إلا بحق الإسلام , وحسابهم على الله " فأجابه أبو بكر في تصميم :" والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة . فإن الزكاة هي حق المال ". وعندئذ يقول عمر : فوالله ما هو إلا أن رأيت الله شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق ".
وبهذا الموقف الخالد تقرر نهائياً في الواقع التاريخي أصل من أصول سياسة المال في الإسلام . هو القتال والقتل لتقرير حق الجماعة في المال في الحدود التي شرعها الله . وبالمقادير التي حددها الله .
وسار أبو بكر في توزيع أموال الزكاة على مصارفها المعهودة سيرة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكذلك في أخماس الغنيمة وسائر الموارد . فكان يأخذ لنفسه ذلك القدر الضئيل الذي فرضه له المسلمون ـ وقيل إنه درهمان في اليوم ـ ثم يعطي أصحاب الفرائض فرائضهم , وما بقي في بيت المال ينفق في تجهيز الجيوش للجهاد .
وقد حدثت في عهد أبي بكر سابقة اختلف عليها هو وعمر . فقد رأي أبو بكر أن يسوي في القسمة بين السابقين الأولين والمتأخرين في الإسلام , وبين الأحرار والموالي , وبين الذكور والإناث . ورأى عمر مع جماعة من الصاحبة أن يقدم أهل السبق في الإسلام على قدر منازلهم ؛ فقال أبو بكر :"أن يسوي في القسمة بين السابقين الأولين والمتأخرين في الإسلام , وبين الأحرار والموالي , وبين الذكور والإناث . ورأى عمر مع جماعة من الصحابة أن يقدم أهل السبق في الإسلام على قدر منازلهم ؛ فقال أبو بكر :" أما ما ذكرتم من السوابق والقدم والفضل , فما أعرفني بذلك . وإنما ذلك شيء ثوابه على الله جل ثناؤه , وهذا معاش , فالأسوة فيه خير من الأثرة ".
وظلت هذه المساواة مرعية , واليسر يفيض على المسلمين سواء , كلما اتسعت الموارد , حتى كان عهد عمر بن الخطاب فظل مستمسكاً برأيه الذي رآه :"لا أجعل من قاتل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كمن قاتل معه ".
وقد حدث أن جاءه يوماً عامله بالبحرين أبو هريرة بمال كثير . وروايته :" قدمت من البحرين بخمسمائة ألف درهم , فأتيت عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ ممسياً , فقلت : يا أمير المؤمنين : اقبض هذا المال , قال : وكم هو ؟ قلت : خمسمائة ألف درهم . وقال : وتدري كم خمسمائة ألف ؟ قلت : نعم مائة ألف ومائة ألف ـ خمس مرات ـ قال : أنت ناعس ! اذهب الليلة فبت حتى تصبح ! فلما أصبحت أتيته , فقلت : اقبض مني هذا المال . قال : وكم هو ؟ قلت : خمسمائة ألف درهم . قال : أمن طيب هو ؟ قلت :لا أعلم إلا ذاك , فقال عمر رضي الله عنه :أيها الناس إنه قد جاءنا مال كثير . فإن شئتم أن نكيل لكم كلنا , وإن شئتم أن نعدّ لكم عددنا , وإن شئتم أن نزن لكم وزناً , فقال رجل من القوم : يا أمير المؤمنين دوّن للناس دواوين يعطون عليها , فاشتهى عمر ذلك . ففرض للمهاجرين خمسة آلاف خمسة آلاف , وللأنصار ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف , ولأزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ اثنى عشر ألفاً ..." وقد أثبتنا هذه الرواية هنا لما تبين من رأي عمر في تفضيل بعض الناس على بعض , ولما تصور من درجة الثراء حتى يحسب فيها نصف مليون درهم حلماً من الأحلام يتحدث به النيام ! وقد تغير ذلك كله فيما بعد الفتوح العظام . وقال أبو يوسف في كتاب الخراج :"وحدثني شيخ من أهل المدينة عن إسماعيل بن محمد السائب عن زيد عن أبيه قال : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : والله الذي لا إله إلا هو , ما أحد إلا وله في هذا المال حق , أُعطيه أو مُنعه , وما أحد أحق به من أحد إلا عبد مملوك , وما أنا فيه إلا كأحدكم . ولكنا على منازلنا من كتاب الله عز وجل , وقسمنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم . فالرجل وبلاؤه في الإسلام , والرجل وقدمه في الإسلام , والرجل وغناؤه في الإسلام , والرجل وحاجته في الإسلام . والله لئن بقيت ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو مكانه قبل أن يحمر وجهه ـ أي في طلبه ـ ..."
" ثم إنه فرض لكل رجل شهد بدراً خمسة آلاف درهم في كل سنة ؛ وفرض لكل من كان له إسلام كإسلام أهل بدر من مهاجرة الحبشة ومن شهد أحداً أربعة آلاف درهم في كل سنة ؛ وفرض لأبناء البدريين ألفين ألفين إلا حسناً وحسيناً فإنه ألحقهما بفريضة أبيهما لقرابتهما من رسول الله , ففرض لكل واحد منهما خمسة آلاف درهم ؛ وفرض لكل رجل هاجر قبل الفتح ثلاثة آلاف درهم , ولكل رجل من مسلمة الفتح ألفين , ولغلمان أحداث من أبناء المهاجرين والأنصار كفرائض مسلمة الفتح . وفرض للناس على منازلهم وقراءتهم القرآن وجهادهم . ثم جعل من بقي من الناس باباً واحداً . ففرض لمن جاء من المسلمين إلى المدينة , وأقام بها , خمسة وعشرين ديناراً , وفرض لأهل اليمن وقيس بالشام والعراق ألفين إلى ألف إلى تسعمائة إلى خمسمائة إلى ثلاثمائة . ولم ينقص أحداً عن ثلاثمائة . وقال لئن كثر المال لأفرضن ّ لكل رجل أربعة آلاف درهم : ألف لسفره , وألف لسلاحه , وألف يخلفها لأهله , وألف لفرسه وبغله "(2) .
" غير أن عمر خرج عن القاعدة التي وضعها لتنظيم العطاء في أمر الرجال ونساء زاد في عطائهم على عطاء أمثالهم ممن في طبقتهم . فرض لعمر بن أبي سلمة أربعة آلاف درهم . عمر هذا هو ابن أم سلمة أم المؤمنين . وقد اعترض محمد بن عبد الله بن جحش , وقال لأمير المؤمنين :" لم تفضل عمر علينا ؟ فقد هاجر آباؤنا وشهدوا" وأجابه ابن الخطاب بقوله : "أفضله لمكانه من النبي ـ محمد صلى الله عليه وسلم ـ , فليأتني الذي يستعتب بأم مثل أم سلمة أعتبه " وفرض لأسامة بن زيد أربعة آلاف درهم , فقال عبد الله بن عمر :"فرضت لي ثلاثة آلاف , وفرضت لأسامة أربعة آلاف , وقد شهدت ما لم يشهد أسامة " وأجابه عمر :"زدته لأنه كان أحب إلى رسول الله ـ محمد صلى الله عليه وسلم ـ منك , وكان أبوه أحب إلى رسول الله ـ محمد صلى الله عليه وسلم ـ من أبيك !" وفرض لأسماء بنت عميس زوج أبي بكر ألف درهم , ولأم كلثوم بنت عقبة ألف درهم , ولأم عبد الله بن مسعود ألف درهم ؛ فزادهن على أمثالهن لمكانتهن الخاصة إذ كن أزواجاً وأمهات لرجال لهم على غيرهم منزلة وفضل "(25) . هما رأيان إذن في تقسيم المال . رأي أبي بكر ورأي عمر . وقد كان لرأي عمر ـ رضي الله عنه ـ سنده :" لا أجعل من قاتل رسول الله ـ محمد صلى الله عليه وسلم ـ كمن قاتل معه " و...
" فالرجل وبلاؤه في الإسلام ..." ولهذا الرأي أصل في الإسلام وهو التعادل بين الجهد والجزاء . وكان لرأي أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ سنده كذلك :"إنما أسلموا لله وعليه أجرهم , يوفيهم يوم القيامة , وإنما هذه الدنيا بلاغ ". ولكننا لا نتردد في اختيار رأي أبي بكر إذ كان أقمن أن يحقق المساواة بين المسلمين ـ وهي أصل كبير من أصول هذا الدين ـ وأحرى ألا ينتج النتائج الخطرة التي نشأت عن التفاوت , من تضخم ثروات فريق من الناس , وتزايد هذا التضخم عاماً بعد عام بالاستثمارـ والمعروف اقتصادياً أن زيادة الربح تتناسب إلى حد بعيد مع زيادة رأس المال ـ هذه النتائج التي رآها عمر في آخر أيام حياته فآلى لئن جاء عليه العام ليسوين في الأعطيات , وقال قولته المشهورة :" لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت من الأغنياء فضول أموالهم فرددتها على الفقراء "!
ولكن واأسفاه ! لقد فات الأوان , وسبقت الأيام عمر , ووقعت النتائج المؤلمة التي أودت بالتوازن في المجتمع الإسلامي , كما أدت فيما بعد إلى الفتنة , بما أضيف إليها من تصرف مروان وإقرار عثمان !
رجع عمر إذن عن رأيه في التفرقة بين المسلمين في العطاء , حينما رأى نتائجه الخطرة , إلى رأي أبي بكر . وكذلك جاء رأي عليّ مطابقاً لرأي الخليفة الأول ـ ونحن نميل إلى اعتبار خلافة علي ـ رضي الله عنه ـ امتداداً طبيعياً لخلافة الشيخين قبله , وأن عهد عثمان الذي تحكم فيه مروان كان فجوة بينهما ـ لذلك نتابع الحديث عن عهد عليّ , ثم نعود للحديث عن الحالة في أيام عثمان .
اختار عليّ مبدأ المساواة في العطاء , وقد نص عليه في خطبته الأولى حيث قال : " ألا وأيما رجل من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله يرى أن الفضل له على سواه بصحبته , فإن الفضل غداً عند الله , وثوابه وأجره على الله . ألا وأيما رجل استجاب لله ولرسوله , فصدق ملتنا ودخل ديننا , واستقبل قبلتنا , فقد استوجب حقوق الإسلام وحدوده . فأنتم عباد الله , والمال مال الله , يقسم بينكم بالسوية ؛ ولا فضل فيه لأحد على أحد ؛ وللمتقين عند الله أحسن الجزاء ".
هذا هو المبدأ الإسلامي السليم الذي يتفق مع روح المساواة الإسلامية ؛ ويكفل للمجتمع الإسلامي التوازن , فلا يدع الثروات تتضخم إلا بقدر الجهد والعمل وحدهما , لا بفضل إتاحة فرصة لا تتاح للآخرين , بوجود وفر من المال للعمل فيه أكبر مما لدى الآخرين . وقد كان عمر في آخر أيامه على أن يفيء إلى هذا المبدأ ؛ ولكنه عوجل فاستشهد ولم ينفذ عزيمته التي اعتزم , بل عزيمتيه : عزيمته في أن يأخذ فضول الأغنياء فيردها على الفقراء , إذ كانت هذه الفضول قد نشأت ـ في الأغلب ـ من تفريقه في العطاء ؛ وعزيمته في أن يسوي بينهم في العطاء فلا تعود هذه الفوارق إلى الظهور كما ظهرت ؛ ولا يختل المجتمع الإسلامي كما بدأ يختل .
وجاء عثمان ـ رضي الله عنه ـ فلم ير أن يأخذ بالعزيمتين أو أحدهما .. ترك الفضول لأصحابها فلم يردها وترك الأعطيات كذلك على تفاوتها . ولكن هذا لم يكن كل ما كان . بل وسع أولاً على الناس في العطاء فازداد الغنى غنى , وربما تبحبح الفقير قليلاً , ثم جعل يمنح المنح الضخمة لمن لا تنقصهم الثروة ؛ ثم أباح لقريش أن تضرب في الأرض تتاجر بأموالها المكدسة , فتزيدها أضعافاً مضاعفة ؛ ثم أباح للأثرياء أن يقتنوا الضياع والدور في السواد وغير السواد ؛ فإذا نوع من الفوارق المالية الضخمة يسود المجتمع الإسلامي في نهاية عهده يرحمه الله .
كان أبو بكر وكان عمر من بعده يتشددان في إمساك الجماعة من رؤوس قريش بالمدينة , لا يدعونهم يضربون في الأرض المفتوحة , احتياطاً لأن تمتد أبصار هؤلاء الرؤوس إلى المال والسلطان , حين تجتمع إليهم الأنصار بحكم قرابتهم من رسول الله , أو بحكم بلائهم في الإسلام وسابقتهم في الجهاد . وما كان في افتيات على الحرية الشخصية كما يفهمها الإسلام ؛ فهذه الحرية محدودة بمصلحة الجماعة والنصح لها . فلما جاء عثمان أباح لهم أن يضربوا في الأرض . ولم يبح لهم هذا وحده بل يسر لهم وحضهم على توظيف أموالهم في الدور والضياع في الأقاليم , بعدما آتى بعضهم من الهبات مئات الآلاف .
لقد كان ذلك كله براً ورحمة بالمسلمين وبكبارهم خاصة . ولكنه أنشأ خطراً عظيماً لم يكن خافياً على فطنة أبي بكر , وفطنة عمر بعده . أنشأ الفوارق المالية والاجتماعية الضخمة في الجماعة الإسلامية , كما أنشأ طبقة تأتيها أرزاقها من كل مكان دون كد ولا تعب ؛ فكان الترف الذي حاربه الإسلام بنصوصه وتوجيهاته , كما حاربه الخليفتان قبل عثمان ,وحرصاً على ألا يتيحياه .
عندئذ ثار الروح الإسلامي في نفوس بعض المسلمين , يمثلهم أشدهم حرارة وثورة أبو ذر . ذلك الصحابي الجليل الذي لم تجد هيئة الفتوى المصرية في الزمن الأخير إلا أن تخطئه في اتجاهه ؛ وإلا أن تزعم لنفسها بصراً بالدين أكثر من بصره بدينه ! ثم عادت ـ في مناسبة أخرى ـ فأصدرت فتوى بصواب اتجاهه , عندما تغيرت الظروف الأولى ! كان دين الله سلعة تتجر بها الهيئة في سوق الرغبات !
قام أبو ذر ينكر على المترفين ترفهم الذي لا يعرفه الإسلام ؛ وينكر على معاوية وأمية خاصة سياستهم التي تقر الترف , وتستزيد منه وتتمرغ فيه ؛ وينكر على عثمان نفسه أن يهب من بيت المال المئات والألوف , فيزيد في ثراء المثرين وترف المترفين .
علم أن عثمان أعطى مروان بن الحكم خُمس خراج إفريقية , والحارث بن الحكم مائتي ألف درهم , وزيد بن ثابت مائة ألف ... وما كان ضمير أبي ذر ليطيق شيئاً من هذا كله . فانطلق يخطب في الناس :
"لقد حدثت أعمال ما أعرفها . والله ما هي في كتاب الله ولا سنة نبيه . والله إني لأرى حقاً يطفأ وباطلاً يحيا , وصادقاً مكذباً , وأثرة بغير تقى .. يا معشر الأغنياء واسوا الفقراء . وبشر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاو من نار , تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم .. يا كانز المال اعلم أن في المال ثلاثة شركاء : القدر لا يستأمرك أن يذهب بخيرها أو شركها من هلاك أو موت ؛ والوارث ينتظر أن تضع رأسك ثم يستاقها وأنت ذميم , وأنت الثالث , إن استطعت ألا تكون أعجز الثلاثة فلا تكونن .. إن الله عز وجل يقول : " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ".
"اتخذتم ستور الحرير , ونضائد الديباج ؛ وتألمتم الاضطجاع على الصوف الأذربي , وكان رسول الله ينام على الحصير ؛ واختلف عليكم بألوان الطعام , وكان رسول الله لا يشبع من خبز الشعير ".
وروى مالك بن عبد الله الزيادي عن أبي ذر :"أنه جاء يستأذن عثمان بن عفان , فأذن له وبيده عصاه . فقال عثمان : يا كعب , إن عبد الرحمن توفى وترك مالاً , فما ترى فيه ؟ فقال : إن كان يصل فيه حق الله فلا بأس عليه . فرفع أبو ذر عصاه فضرب كعباً. وقال : سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : " ما أحب لو أن لي هذا الجبل ذهباً أنفقه ويتقبل مني , أذر خلفي منه ست أواق" أنشدك الله يا عثمان . أسمعته ـ ثلاث مرات ـ قال نعم "(3).
وما كانت مثل هذه الدعوة ليطيقها معاوية , ولا ليطيقها مروان بن الحكم ؛ فما زالا به عند عثمان يحرضانه عليه حتى كان مصيره إلى "الربذة" منفياً من الأرض في غير حرب لله ورسوله , وفي غير سعي في الأرض بالفساد . كما تقول شريعة الإسلام !
لقد كانت هذه الصيحة يقظة ضمير مسلم لم تخدره الأطماع , أمام تضخم فاحش في الثروات , يفرق الجماعة الإسلامية طبقات , ويحطم الأسس التي جاء هذا الدين ليقيمها بين الناس . وبحسبنا أن نعرض هنا نموذجا للثروات الضخام أورده المسعودي , قال "في أيام عثمان اقتنى الصحابة الضياع والمال : فكان لعثمان يوم قتل عند خازنه خمسون ومائة ألف دينار وألف ألف درهم , وقيمة ضياعه بوادي القرى وحنين وغيرهما مائة ألف دينار , وخلف إبلاً وخيلاً كثيرة . وبلغ الثُمْن الواحد من متروك الزبير بعد وفاته خمسين ألف دينار , وخلف ألف فرس وألف أمة . وكانت غلة طلحة من العراق ألف دينار كل يوم , ومن ناحية السراة أكثر من ذلك . وكان على مربط عبد الرحمن بن عوف ألف فرس , وله ألف بعير , وعشرة آلاف من الغنم ؛ وبلغ الربع من متروكه بعد وفاته أربعة وثمانين ألفاً . وخلف زيد بن ثابت من الذهب والفضة ما كان يكسر بالفؤوس غير ما خلف من الأموال والضياع , وبنى الزبير دارة بالبصرة , وبنى أيضاً بمصر والكوفة والإسكندرية وكذلك بنى طلحة دارة بالكوفة , وشيد دارة بالمدينة , وبناها بالجص والآجر والساج . وبنى سعد بن أبي وقاص دارة بالعقيق , ورفع سمكها وأوسع فضاءها , وجعل على أعلاها شرفات . وبنى المقداد دارة بالمدينة , وجعلها مجصصة الظاهر والباطن . وخلف يعلي بن منبه خمسين ألف دينار وعقاراً , وغير ذلك ما قيمته ثلاثمائة ألف درهم "(4).
هذا هو الثراء الذي بدأ صغيراً بإيثار بعض المسلمين على بعض في العطاء في أيام عمر ـ ذلك الإيثار الذي كان معتزماً إبطاله وتلافي آثاره لولا أن عاجلته الطعنة التي لم تصب قلب عمر وحده , وإنما أصابت قلب الإسلام ـ ثم نما وازداد بإبقاء عثمان عليه , فضلاً على العطايا والهبات والقطائع . ثم فشا فشواً ذريعاً بتجميع الأملاك والضياع وموارد الاستغلال , بما أباحه عثمان من شراء الأرضين في الأقاليم وتضخيم الملكيات في رقعة واسعة ؛ وبمقاومة الصيحة الخالصة العميقة التي انبعثت من قلب أبي ذر ؛ وكانت جديرة لو بلغت غايتها , ولو وجدت من الإمام استماعاً لها , وأن تعدل الأوضاع , وأن تحقق ما أراده عمر في أواخر أيامه من رد فضول الأغنياء على الفقراء , بما يبيحه له سلطان الإمامة لدفع الضرر عن الأمة , بل بما يحتمه عليه تحقيقاً لمصلحة الجماعة .
وبقدر ما تكدست الثروات وتضخمت في جانب , كان الفقر والبؤس في الجانب الآخر حتماً , وكانت النقمة والسخط كذلك . وما لبث هذا كله أن تجمع وتضخم , لينبعث فتنة هائجة , يستغلها أعداء الإسلام , فتودي في النهاية بعثمان . وتودي معه بأمن الأمة الإسلامية وسلامتها ؛ وتسلمها إلى اضطراب وفوران لم يخب أواره حتى كان قد غشى بدخانه على روح الإسلام , وأسلم الأمة إلى ملك عضوض .
لذلك لم يكن غريباً أن يغضب أصحاب الأموال , والمستنفعون من تفاوت الحظوظ في العطاء , على سياسة المساواة والعدالة التي اعتزمها عليّ بعد عثمان ؛ وأن يتظاهروا بأنهم إنما ينصحون بالعدول عن هذه السياسة خوفاً عليه من الانتقاض , فما كان جوابه إلا أن يستلهم روح الإسلام في ضميره القوي فيقول :
"أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه ؟ لو كان هذا المال لي لسويت بينهم ؛ فكيف وإنما المال مال الله ؟ ألا وإن إعطاء المال في غير حقه تبذير وإسراف ؛ وهو يرفع صاحبه في الدنيا ؛ ويضعه في الآخرة ".
* * *
فأما بنو أمية فقد ساروا في سياسة المال سيرة أخرى . حتى كان عمر بن عبد العزيز , فصنع الذي أسلفنا في رد المظالم ؛ وفي الكف عن بعثرة أموال المسلمين في غير حقها ؛ فلم يكن لبني أمية إلا ما لسائر الناس ؛ ولم يكن للمتملقين والملهين نصيب في هذا المال , فقد انقطع عن الشعراء المداح , ولم يجزهم بشيء من بيت المال .
وفي خبر له مع جرير أن جريراً مدحه فقال له عمر :" يا ابن الخطفى : أمن أبناء المهاجرين أنت فنعرف لك حقهم ؟ أم من أبناء الأنصار فيجب لك ما يجب لهم ؟ أم من فقراء المسلمين , ما أنا بواحد من هؤلاء , وإني لمن أكثر قومي مالاً , وأحسنهم حالاً ؛ ولكني أسألك ما عودتنيه الخلفاء : أربعة آلاف درهم وما يتبعها من كسوة وحملان . فقال له عمر :" كل امرئ يلقى فعله , وأما أنا فما أرى لك في مال الله حقاً ؛ ولكن انتظر حتى يخرج عطائي , فأنظر ما يكفي عيالي سنة منه فأدخره لهم ؛ ثم إن فَضَلَ فضْلُ صرفناه إليك ". فقال جرير : لا بل يوفر أمير المؤمنين ويُحمد , وأخرج راضياً , قال :"فذلك أحب إليّ " . فخرج فلما ولى قال عمر :إن شر هذا ليُتّقى ؛ ردوه إليّ . فردوه فقال : "إن عندي أربعين ديناراً وخلعتين , إذا غسلت إحداهما لبست الأخرى وأنا مقاسمك ذلك , على أن الله جل وعز يعلم أن عمر أحوج إلي ذلك منك " فقال له :قد وفرك الله يا أمير المؤمنين , وأنا والله راض . قال :" أما وقد حلفت فإن ما وفرته علَيّ ولم تضيق به معيشتنا آثر في نفسي من المدح , فامض مصاحباً".
لا عجب إذن حين تحفظ أموال المسلمين فترد على المستحقين أن يروي الرواة أن الناس اكتفوا في عهد عمر بن عبد العزيز حتى لا تجد الصدقات في بعض الأقطار من يأخذها لاغتناء عامة الأمة باستحقاقاتهم الأخرى عن أموال الصدقات . وفي ذلك يقول يحي ابن سعد :
" بعثني عمر بن عبد العزيز على صدقات إفريقية , فاقتضيتها , وطلبت فقراء نعطيها لهم فلم نجد بها فقيراً ولم نجد من يأخذها منا , فقد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس ؛ فاشتريت بها رقاباً فأعتقتهم ".
إنما الفقر والحاجة ثمرة التضخم والزيادة . والفقراء في كل وقت هم ضحايا الأغنياء المفحشين . والأغنياء المفحشون في الغالب هم نتاج الأعطيات والإقطاعيات , المحاباة والظلم والاستغلال !
* * *







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 17-11-2010, 01:24 AM   رقم المشاركة : 15
معلومات العضو
مصطفى الكومي
أقلامي
 
إحصائية العضو







مصطفى الكومي غير متصل


افتراضي رد: العدالة الاجتماعية في الإسلام

وفي أيام بني أمية ثم في أيام بني العباس من بعدهم , كان بيت المال مباحاً للملوك كأنه ملك لهم خاص ؛ وذلك على الرغم من وجود بيتين للمال : بيت المال العام , وبيت المال الخاص والأول مفروض أن موارده ومصارفه للجماعة ؛ والثاني مفروض أن موارده ومصارفه من خاصة السلطان . لكنا نجد أحياناً أن أموالاً عامة تحمل إلى بيت المال الخاص . وأن مصارف خاصة تؤخذ من بيت المال العام !
جاء في كتاب الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري تأليف آدم ميتز وترجمة محمد عبد الهادي أبو ريدة :
"أما العطايا وكل ما يتعلق بنفقات درا الخلافة فكان يؤخذ من بيت المال العام . وعندنا بيان يرجع إلى أول القرن الرابع مشتمل على وجوه الأموال التي تحمل إلى بيت مال الخاصة :
1ـ الأموال المختلفة التي يتركها الآباء لأبنائهم ففي بيت المال . ويقال : إن الرشيد خلف أكبر مقدار من المال , وهو ثمانية وأربعون ألف ألف دينار , وكان المعتضد(279ـ289هـ) يستفضل من كل سنة من سنى خلافته بعد النفقات , مما كان يحصله بيت مال الخاصة ألف ألف دينار , حتى اجتمع في بيت المال تسعة آلاف ألف دينار , وكان يريد أن يتممها عشرة آلاف ألف دينار , ثم يسبكها ويجعلها نقرة واحدة , ونذر عند بلوغ ذلك أن يترك عن أهل البلاد ثلث الخراج في تلك السنة . وأراد أن يطرح السبيكة على باب العامة ليبلغ أصحاب الأطراف أن له عشرة ألاف ألف دينار وهو مستغن عنها , فاخترمته المنية قبل بلوغ الأمنية . ثم جاء المكتفي بعد المعتضد (289ـ295هـ)فأبلغ المدخر إلى أربعة عشر ألف ألف دينار .
2ـ مال الخراج والضياع العامة الذي يرتفع من أعمال فارس وكرمان (بعد إسقاط النفقات)
وبلغ مقدار ذلك في كل سنة منذ عام299إلى عام 320هـ(911ـ932م)ثلاثة وعشرين ألف ألف درهم , منها أربعة آلاف ألف درهم كانت تحمل إلى بيت مال العامة , والباقي وهو تسعة عشر ألف ألف درهم إلى بيت مال الخاصة . ويجب أن نسقط من ذلك النفقات الحادثة التي تتطلبها هذه البلاد , ففي عام303هـ(915م) أنفق الخليفة لفتحها ما يزيد على سبعة آلاف ألف درهم .
3ـ أموال مصر والشام . وكانت جزية أهل الذمة مثلاً تحمل إلى بيت مال الخليفة باعتباره أمير المؤمنين لا إلى بيت مال العامة . وهذا ما يجب للخليفة نظرياً !
4ـ المال الذي يؤخذ من المصادرة لأموال الوزراء المعزولين والكتاب والعمال وما يحصل من ارتفاع ضيعاتهم , والمال الذي يؤخذ من التركات (5).
5 ـ ما كان يحمل إلى بيت مال الخاصة من أموال الضياع والخراج بالسواد والأهواز والمشرق والمغرب .
6 ـ ما كان يستفضله الخلفاء , فكان كل الخليفتين الأخيرين في القرن الثالث الهجري ( وهما المعتضد والمكتفي) يستفضل في السنة ألف ألف دينار وكان سبيل المقتدر أن يستفضل مثلها , فيكون مبلغه في خمس وعشرين ألف ألف دينار , أعني نحواً من نصف ما خلفه الرشيد ".
ومن هذا النص يبدو كم عدا من يسمون خلفاء من الملوك على أموال المسلمين العامة , وكم بعدت سياسة المال عن أصول الإسلام , وكم ارتفع الثراء والترف في جانب والبؤس والشقاء في جانب , وكم اختل المجتمع الإسلامي نتيجة بعده عن النهج الإسلامي , وتنكره للمبادئ الإسلامية .
* * *
ولكن الواقع التاريخي للإسلام ـ على الرغم من هذا كله ـ استطاع أن يقرر عدة مبادئ أساسية في " سياسة المال" وأن يحقق الكثير من نظريات الإسلام ومبادئه على الرغم من النكسة التي أصابته في مطلع عهده , على أيدي بني أمية .
استطاع الواقع التاريخي أن يقرر:
1ـ أن الفقراء أولى من أولى السابقة في الإسلام بالمال العام . وجاء في مسند أحمد بن حنبل :"حدثنا بكر بن عيسى , حدثنا أبو عوانة عن المغيرة عن الشعبي عن عدي بن حاتم قال : أتيت عمر بن الخطاب في أناس من قومي , فجعل يفرض للرجل من طيئ في ألفين ويعرض عني . قال فاستقبلته فأعرض عني , ثم أتيته من حيال وجهه فأعرض عني . قال : فقلت : يا أمير المؤمنين . أتعرفني ؟ قال : فضحك حتى استلقى لقفاه , ثم قال : نعم والله إني لأعرفك . آمنت إذ كفروا , وأقبلت إذ أدبروا , ووفيت إذ غدروا , وإن أول صدقة بيضت وجه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ووجوه أصحابه , صدقة طيئ جئت بها إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ . ثم أخذ يعتذر , ثم قال : إنما فرضت لقوم أجحفت بهم الفاقة , وهم سادة عشائرهم , لما ينوبهم من الحقوق ".
وهذه من عمر الذي آثر أولي السابقة في تقدير العطاء , لها قيمتها , ولها دلالتها . فالحاجة هي المبرر الأول للاستحقاق في المجتمع الإسلامي . وهو مبدأ عميق الدلالة في كراهة الإسلام للحاجة والفاقة , وحثه على إزالتها أولاً قبل كل رعاية لأي اعتبار آخر .
2ـ أن الإسلام يكره تكدس الثراء في جانب والحرمان في جانب . وفي سبيل إزالة هذه الحالة يبيح لولي الأمر المسلم الذي ينفذ شريعة الله , حرية التصرف . في المال العام . وهذا المبدأ وعاه الواقع التاريخي عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في توزيع فئ بني النضير على المهاجرين الفقراء خاصة ـ عدا رجلين فقيرين من الأنصار ـ حتى يعيد بعض التوازن للمجتمع الإسلامي في أول فرصة عرضت له . ثم جاء القرآن مصدقاً لهذه السابقة التاريخية :"..كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ .." .
وهذه السابقة لها دلالتها ولها قوتها . فولي الأمر المسلم وهو الذي ينفذ شريعة الله يملك دائما أن يخص الفقراء من المال العام , بما يعيد التوازن إلى الجماعة الإسلامية , وبما يحقق رغبة الإسلام في ألا توجد فوارق بين الطبقات تحل بهذا التوازن العام .
3ـ مبدأ الضريبة المتفاوتة حسب المقدرة والعجز .. فحين فرضت الجزية على الذميين .
جعلت بالفئات الآتية :
(أ‌) أغنياء ويؤخذ منهم48درهماً عن كل رأس في العام .
(ب‌) أوساط ويؤخذ منهم24 درهماً.
(ت‌) فقراء يتكسبون ويؤخذ منهم 12درهماً .
(ث‌) ولا تؤخذ جزية من مسكين يتصدق عليه , ولا من عاجز عن العمل , ولا من أعمى أو مقعد أو مجنون أو ذي عاهة على وجه العموم . ولا تجوز الجزية إلا على الرجال الأحرار العقلاء .. فلا جزية على امرأة أو صبي .
وحين وقعت المجاعة في عام الرمادة بسبب القحط , لم يرسل عمر جباته ليقبضوا الزكاة , بل ترك الناس حتى يرتفع الجدب , فلما اطمأن الناس وعاد الرخاء , بعث عماله فتقاضوا من القادرين حصتين : حصة عن عام الرمادة وحصة عن العام الحاضر , وأعفى غيرهم , ثم أمر أن ترد على هؤلاء إحدى الحصتين , ويقدم العمال عليه بالثانية .
4 ـ مبدأ عدم الحجز على الضرورات وفاء للضريبة , وعدم استيفائها كذلك بالقوة .. قال علي بن أبي طالب لأحد عماله :".. ولا دابة يعملون عليها ؛ ولا تضربن أحداً منهم سوطاً في درهم , ولا تقمه على رجله في طلب درهم , ولا تبع لأحد منهم عرضاً في شيء من الخراج . فإنما أمرنا أن نأخذ منهم العفو .."(6) .
5 ـ مبدأ "الرجل وحاجته" بجانب مبدأ " الرجل وبلاؤه" .. فقد فرض النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ للأعزب حظا من الغنيمة وللمتزوج حظين . ولهذا الفرض دلالته في أن الحاجة مبرر كالجهد للعطاء . فجهد المتزوج في الجهاد كجهد الأعزب . ولكن حاجته مضاعفة . فضوعف له حظه . فالحاجة وجدها مبرر كاف للتملك في الإسلام . ولهذا قيمته في الضمان الاجتماعي .
6 ـ مبدأ الضمان الاجتماعي العام لكل عاجز وكل محتاج . فقد فرض عمر للمولود مائة درهم , فإذا ترعرع بلغ به مائتين , فإذا بلغ زاده . وكان يفرض للقيط مائة ؛ ولوليه كل شهر رزقاً يعينه عليه , ويجعل رضاعه ونفقته من بيت المال ثم يسويه عند كبره بسواه من الأطفال . وهذه سماحة من عمر توحيها سماحة الإسلام , فاللقيط بريء , لا يحمل وزر أبويه الجارمين . وقد أثبتنا من قبل كيف فرض لليهودي الأعمى ؛ وللمجذومين من النصارى . وهي سماحة الإسلام في نفس عمر للناس جميعاً لا للمسلمين وحدهم , وتأمين للمجتمع من غوائل الحاجة والعجز والحرمان .
7 ـ مبدأ من أين لك هذا ؟ فلا حصانة للحاكم تمنع الجماعة أن تحاسبه على ما كسبه من مال , ليتبين لها إن كان ذلك ماله أو مالها . وتقرير هذا المبدأ كفيل بأن يتردد الحاكم مرتين قبل أن يقدم على اغتيال المال العام . وقد قرره عمر مع ولاته جميعاً , وأقره علىّ مع بعض الولاة .
8 ـ مبدأ الزكاة العام الذي لم ينقض حتى في أشد العهود ظلاماً وفسوقاً عن روح الدين .فما من أحد أنكره نظرياً أو عملياً , منذ حروب الردة في أوائل عهد أبي بكر . إلى أن غلبت المدنية الغربية في عصرنا الحاضر , فنقض آخر مبدأ حي من مبادئ الإسلام !
9 ـ مبدأ التكافل العام الذي يجعل كل أهل بلد مسؤولين مسؤولية مباشرة عمن يتلفه الجوع , مسؤولية جنائية يؤدون فيها الدية , بوصفهم قتلة لذلك الذي أتلفه الجوع وهو بينهم مقيم . ومما يؤيد هذا المبدأ حق الجائع أو العطشان أن يقاتل من في يده الطعام والماء حين يخشى على نفسه التلف , فإذا قتله فلا دية عليه ولا عقاب .
10 ـ مبدأ تحريم الربا , والإنظار عند العسرة للمدين . ولقد ظل الربا محرماً حتى أباحته المدنية المادية , يحملها إلينا القانون الفرنسي , وجعلته أصلاً من أصول الحياة الاقتصادية العامة , في غير ما ضرورة ملجئة إلا انعدام العنصر الخلقي في الحياة , وانتفاء روح التعاون والبر من صدور الناس . تلك الروح التي يجعلها الإسلام أساس المجتمع وركن التعاون بين الناس .
وذلك كله غير تقاليد البر والمواساة والتكافل في المجتمع ـ عن غير طريق التشريع ـ والماضي القريب الذي شهده آباؤنا ـ لا أجدادنا ـ في الريف الإسلامي في كل مكان , والذي ما تزال بقية منه حتى بعد أن طغت الحضارة المادية الغربية على العالم الإسلامي , يشهد بأثر الروح الإسلامي في المجتمعات الإسلامية , حيث كان فيض ذلك الروح يغني عن التشريع والإلزام . وهذه الأوقات الكثيرة , والحبوس المنوعة , التي صرفت اليوم عن أهدافها , وانتهبها الناهبون تحت مختلف العنوانات والتعلات , شاهد بعوامل الرحمة والبر والتكافل والتأمين الإجتماعي في نفوس أجيال المسلمين البعيدة والقريبة , قبل أن تفسدها الحضارة المادية الجامدة , القاسية القلب والشعور .
ولقد بلغت الرغبة في الضمان الاجتماعي للضعفاء مبلغاً جعلها تتجاوز الإنسان إلى الحيوان . وقد حبست بعض الحبوس على ضعاف الحيوان لتتخذ لها المأوى , وتنال الحماية من التشرد والجوع !
* * *
هذا هو الإسلام على الرغم مما اعترض خطواته العملية الأولى , من انحراف في تصور معنى الحكم وسياسة المال كانت له آثار ضخام .
هذا هو الإسلام في واقعه التاريخي الذي حققه فعلاً . فأما الإسلام في مبادئه العامة , فهو على استعداد دائم للوفاء بالحاجات المتجددة في كل المجتمعات التي تقوم على أساسه , وتتخذ شريعته شريعة . وهو يفي بهذه الحاجات في شمول وتوازن , بريء من التخبطات التي تتأرجح فيها التجارب البشرية والمذاهب البشرية بين التفريط والإفراط . والتي تكلف البشرية ثمناً غالياً من الضحايا والتضحيات(7) .
فأما حاضر الإسلام ومستقبله فسنتحدث عنهما في فصل آت .
ـــــــــــــــــــــــــ
(1)من كتاب "عمر بن عبد العزيز"للأستاذ أحمد زكي صفوت .
(2) كتا الفاروق عمر جزء2للدكتور هيكل .
(3)المصدر السابق .
(4)حديث رقم 453 المسند جزء أول نشر الأستاذ أحمد محمد شاكر
(5)كان الخليفة يرث مال الخدم ومن لا ولد له من موالي أسرة الخلافة . ولما كان هؤلاء في الغالب سادة ذوي مناصب تدر الرزق الكثير فإن مالاً كثيراً كان يجري إلى خزانة الخليفة .
(6)كتاب الخراج لأبي يوسف
(7)يراجع فصل "تخبط واضطراب" في كتاب :"الإسلام ومشكلات الحضارة"للمؤلف

حَاضِر الإسْلام وَمُسْتَقبله
العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 17-11-2010, 01:28 AM   رقم المشاركة : 16
معلومات العضو
مصطفى الكومي
أقلامي
 
إحصائية العضو







مصطفى الكومي غير متصل


افتراضي رد: العدالة الاجتماعية في الإسلام

حَاضِر الإسْلام وَمُسْتَقبله
العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب
نحن ندعو إلى استئناف حياة إسلامية في مجتمع إسلامي تحكمه العقيدة الإسلامية والتصور الإسلامي , كما تحكمه الشريعة الإسلامية والنظام الإسلامي .
ونحن نعلم أن الحياة الإسلامية ـ على هذا النحو ـ قد توقفت منذ فترة طويلة في جميع أنحاء الأرض ؛ وان "وجود" الإسلام ذاته من ثم قد توقف كذلك !
ونحن نجهر بهذه الحقيقة الأخيرة ـ على الرغم مما قد تحدثه من صدمة وذعر وخيبة أمل للكثيرين ممن لا يزالون يحبون أن يكونوا "مسلمين" ! ـ ونجهر بها على هذا النحو في الوقت الذي ندعو فيه إلى استئناف حياة إسلامية , في مجتمع إسلامي , تحكمه العقيدة الإسلامية والتصور الإسلامي كما تحكمه الشريعة الإسلامية والنظام الإسلامي . ولا نرى أن في رؤية تلك الحقيقة والجهر بها كذلك ما يدعو إلى خيبة الأمل ؛ أو اليأس من هذه الدعوة ومن هذه المحاولة . على عكس نرى أن الجهر بهذه الحقيقة المؤلمة ـ حقيقة أن الحياة الإسلامية قد توقفت منذ فترة طويلة في جميع أنحاء الأرض , وأن "وجود" الإسلام ذاته من ثم قد توقف كذلك ـ نرى أن الجهر بهذه الحقيقة ضرورة من ضرورات الدعوة إلى الإسلام , ومحاولة استئناف حياة إسلامية..ضرورة لا مفر منها.
إن الأمر المستيقن في هذا الدين أنه لا يمكن أن يقوم في الضمير "عقيدة" . ولا في واقع الحياة "ديناً" إلا أن يشهد الناس : أن لا إله إلا الله . أي لا "حاكمية" إلا لله .. حاكمية تتمثل في قضائه وقدره كما تتمثل في شرعه وأمره ـ وهذه كلها سواء في كونها أساساً للعقيدة لا تقوم ـ ابتداء ـ في الضمير إلا به ـ كذلك هو لا يمكن أن يقوم في واقع الحياة "ديناً" إلا أن تتمثل العقيدة في نظام واقعي للحياة هو"الدين" , فتفرد فيه شريعة الله بالهيمنة على حياة الناس جملة وتفصيلاً ؛ ويبرأ فيه الحاكم والمحكوم من ادعاء حق"الألوهية" عن طريق ادعاء حق"الحاكمية" ومزاولة التشريع فعلاً بما لم يأذن به الله ؛ مما يتخذه البشر لأنفسهم من أنظمة وأوضاع وتشريعات وقوانين ؛ غير مستمدة من شريعة الله , نصاً حين النص , واجتهاداً ـ في حدود المبادئ العامة ـ حين لا يوجد النص . طاعة لأمر الله سبحانه : " فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ .. (النساء59)..
ونحن لا نحدد مدلول "الدين" ولا مفهوم "الإسلام" على هذا النحو من عند أنفسنا .. ففي مثل هذا الأمر الخطير , الذي يترتب عليه تقرير مفهوم لدين الله ؛ كما يترتب عليه الحكم بتوقف"وجود" الإسلام في الأرض اليوم ؛ وإعادة النظر في دعوى مئات الملايين من الناس أنهم"مسلمون" .. في مثل هذا الأمر لا يجوز أن يفتي الإنسان فيما يقصم الظهر في الدنيا والآخرة جميعاً !
إنما الذي يحدد مدلول "الدين" على هذا النحو , ومفهوم "الإسلام" هو الله ـ سبحانه ـ إله هذا الدين ورب هذا الإسلام .. وذلك في نصوص قاطعة لا سبيل إلى تأويلها ولا الاحتيال عليها :
"..وإِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ..(يوسف40) ...
" وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ..(المائدة49) ...
"..وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (المائدة45)..
" فلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا "(النساء65) ..
" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا"(59النساء)..
كلها تقرر حقيقة واحدة . أنه لا إسلام ولا إيمان بغير الإقرار بالحاكمية لله وحده : والرجوع إليه فيما يقع عليه التنازع ـ مما لم يرد به نص ـ إذ لا رأي مع النص ولا نزاع , والحكم بما أنزل ـ دون سواه ـ في كل شؤون الحياة ؛ والرضى بهذا الحكم رضى قلبياً بعد الاستسلام له عملياً ... وإن هذا هو "الدين القيم" .. وهذا هو "الإسلام" الذي أراده الله من الناس .
وحين نستعرض وجه الأرض كله اليوم ـ على ضوء هذا التقرير الإلهي لمفهوم الدين والإسلام ـ لا نرى لهذا الدين "وجودا" .. إن هذا الوجود قد توقف منذ أن تخلت آخر مجموعة من المسلمين عن إفراد الله سبحانه بالحاكمية في حياة البشر ؛ وذلك يوم تخلت عن الحكم بشريعته وحدها في كل شؤون الحياة .
ويجب أن نقرر هذه الحقيقة الأليمة , وأن نجهر بها , وألا نخشى خيبة الأمل التي تحدثها في قلوب الكثيرين الذين يحبون أن يكونوا "مسلمين" .. فهؤلاء من حقهم أن يستيقنوا : كيف يكونون مسلمين !
إن أعداء هذا الدين بذلوا طوال قرون وما يزالون يبذلون , جهوداً ضخمة ماكرة خبيثة , ليستغلوا إشفاق الكثيرين الذين يحبون أن يكونوا مسلمين , من وقع هذه الحقيقة المريرة , ومن مواجهتها في النور ! وتَحَرُّجُهم كذلك من إعلان أن "وجود" هذا الدين قد توقف , منذ أن تخلت آخر مجموعة مسلمة في الأرض عن تحكيم شريعة الله في أمرها كله ؛ فتخلت بذلك عن إفراد الله سبحانه بالحاكمية ـ [أو بالألوهية] ـ فهذه مرادفة لتلك , أو لازمة لها لا تتخلف .
هؤلاء الأعداء الماكرون الخبثاء يستغلون ذلك الإشفاق وهذا التحرج لتخدير مشاعر الكثيرين في الأرض , الذين يحبون أن يكونوا "مسلمين" وإيهامهم أنهم ما يزالون "مسلمين" فعلاً ! وأن "الإسلام بخير" ! وأن الناس يمكن أن يكونوا "مسلمين" دون أن تحكمهم شريعة هذا الدين ؛ بل دون أن يعتقدوا أن الحاكمية لله وحده , من ادعاها لنفسه فقد ادعى الألوهية , وكفر , وخرج من هذا الدين ! .
ولقد بلغ من تبجح هذا الخبث أن يكتب المستشرق "ولفرد كانتول سميث" كتاباً كاملاً تحت عنوان "الإسلام في العصر الحديث" هدفه الأساسي هو إثبات أن "العلمانية" التركية , التي قام بها "أتاتورك" , هي "إسلامية !" بل إنها هي "الحركة الإسلامية !" الوحيدة الناجحة في تاريخ الفترة الحديثة ؛ وأن على "المسلمين" الذين يريدون استبقاء "وجود" الإسلام أن يحذوا حذوها ؛ بوصفها المحاولة الوحيدة الصحيحة !
كذلك بلغ الخبث من التبجح ! وكذلك ينبغي أن نجهر نحن بالحقيقة المقابلة , التي قد يشفق منها الكثيرون ممن يحبون أن يكونوا مسلمين ؛ وممن يتحرجون أن يعلنوا أن وجود هذا الدين قد توقف .. لنبطل مفعول "المخدر" الخبيث , الذي يخدر به أعداء هذا الدين محبي هذا الدين !!!
وينبغي كذلك ألا نخشى ما يحدثه إعلان هذه الحقيقة من خيبة أمل مريرة .. فنحن واثقون بعد ذلك أن "المستقبل لهذا الدين" ؛ وأن التوقف عن الوجود لن يستمر . بل لن يطول ! وأن جميع الفقاعات التي ينفخ فيها الاستعمار الصليبي والصهيوني في الأرض ستنفثيء كما تنفثي الفقاعات دائماً مهما تكن ضخمة المظهر , شديدة البريق !
إن هذا الدين الذي توقف ـ مؤقتاً ـ عن الوجود ؛ عميق الجذور في هذه التربة ؛ وهو أعمق من هذا في تربة الفطرة .. إن اثني عشر قرناً من الوجود الواقعي لهذا الدين في الأرض لن يمكن محوها من هذه الأرض .. وإن فطرة الله التي فطر الناس عليها لن تغلبها محاولات الاستعمار الصليبي والصهيوني !
إن "المستقبل لهذا الدين" في هذه الأرض التي تحقق فيها وجوده الفعلي أكثر من مائتين وألف عام ؛ وفي غيرها من الأرض أيضاً , التي تصارع فيها الفطرة ما هو مفروض عليها من المذاهب والأنظمة والأحكام !
ذلك حاضر هذا الدين .. إن وجوده متوقف .. لأنه لا يوجد إلا المدلول الذي أراده الله له ؛ وهو أن يكون هو المهيمن وحده على حياة الناس كلها . وأن تتحقق به ألوهية الله ـ سبحانه ـ في الأرض تحقق هذه الألوهية في السماء . أي أن تتحقق عن طريق الإذعان لشريعته وأمره تحققها عن طريق قضائه وقدره .. تصديقاً لقول الله سبحانه :
"وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ .. (الزخرف84) ..
وهذا هو مستقبله .. أمل عريض واثق في عودة هذا الدين إلى الوجود .. أمل يسنده الوجود التاريخي الطويل ؛ ويؤكده الوجود "الفطري" الأصيل ..
إلا أن هذا الأمل العريض الواثق لا يجوز أن يقعدنا عن استعراض الأسباب التاريخية لذلك التوقف
ـ الوقتي ـ واستعراض العقبات في وجه الوجود الفعلي . واستعراض الجهود الأولية اللازمة أو الممهدة لهذا الوجود الفعلي ..
لقد أشرنا من قبل إلى الهزة التي أصابت المجتمع المسلم وهو حديث عهد بالوجود , وذلك فيما وقع من بني آدم من انحراف عن القمة التي كان المجتمع مستوياً عليها على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعهد الخلافة الراشدة .
فالآن نشير إشارات سريعة إلى أهم الصدمات التي واجهت هذا الدين بعد ذلك فثبت لها طوال هذه القرون .
ونحن واجدون أولاها في قيام الدولة العباسية واعتمادها على عناصر حديثة العهد بالإسلام , لم تخلص نيتها له بعد , لما يعتمل فيها من عصبية قومية لا تزال جذورها كامنة ؛ فلما تَقدم العهد بالدولة العباسية تركت العناصر التي قامت عليها والتي أخذت تندمج في الإسلام , إلى عناصر أخرى قلوبها غلف من الترك والشراكسة والديلم وسواها . وهكذا ظلت الدولة تعتمد على عناصر مضادة لروح الإسلام ؛ وتتأثر بهذه العناصر بحكم اعتمادها عليها . فلم يكن إلا روح الإسلام مقاوماً لهذه العناصر ولسلطان الدولة معها , بما يحمله من طاقة كامنة , وحيوية عظيمة .
ثم كانت غزوات التتار المدمرة , التي طغت على العالم الإسلامي ببربرية متوحشة , لم يلبث الإسلام أن طواها في تياره , وابتلعها فصارت بعض رواسبه , ولكن بعد أن هزت هذا الروح الإسلامي هزة عنيفة , وأثرت حتماً في أوضاعه وتقاليده . إلا أن الأمة الإسلامية ظلت ـ على الرغم من تضعضع الدولة أمام عاصفة التتار ـ قوية متماسكة الأواصر , قائمة على أصول هذا الدين مهما ندت عنها في بعض الجوانب الرسمية الخاصة .
وينبغي أن نذكر هنا أن الإمبراطورية الرومانية التي استغرق بناؤها ونموها نحو ألف عام , انقرضت وتفسخت في قرن واحد نتيجة لغزوات الهون والقوط , فلم يبق منها سوى بضعة معالم وإمارات , على حين بقيت الدولة الإسلامية قائمة على رقعة فسيحة , وهي الدولة التي لم يستغرق بناؤها سوى نيف ونصف قرن على الرغم من جميع النزاعات الداخلية بين الأسر الحاكمة , والضربات الخارجية من التتار وغير التتار , مما يشهد بحيوية الإسلام العظيمة في مواجهة تلك الظروف .
فإذا مضينا في تتبع الصدمات وجدنا صدمة الأندلس في الغرب , بعد صدمة الحروب الصليبية في الشرق . وقد هُزم الإسلام في الأولى وانتصر في الثانية , وظل يعاني العداء الوحشي من الروح الصليبية منذ ذلك الحين ظاهراً ومستتراً حتى الآن .
ولكن الكارثة التي أطبقت على الإسلام إنما كانت في هذا العصر الحديث , حين غلبت أوربا على العالم , وامتد ظل الاستعمار الصليبي , وغشى العالم الإسلامي كله شرقاً وغرباً , وأرصد لقتل الروح الإسلامية كل قواه , مستمداً دفعته من العداء الصليبي الموروث , ومن القوة المادية والثقافية التي يحملها , مضافاً إليها التضعضع الداخلي في قوة الأمة الإسلامية , وابتعادها رويداً رويداً في هذا المدى الطويل عن تعاليم دينها ووصاياه .
وفي الحديث عن العداء الصليبي الكامن في النفس الأوربية للإسلام ينبغي ألا تخدعنا الظواهر , وألا يستغفلنا التظاهر باحترام الحريات الدينية ؛ والقول بأن أوربا ليست متحمسة للمسيحية اليوم تحمسها لها إبان الحروب الصليبية , فليس هناك ما يدفعها إلى التحمس ضد الإسلام كما كانت في تلك الأيام !
إنها كلها خدع وأضاليل . وما كان اللورد أللنبي إلا مثلاً لضمير أوربا كلها , وهو يدخل بيت المقدس في الحرب العظمى الماضية فيقول :"اليوم انتهت الحروب الصليبية" ! وما كان الحاكم العام للسودان إلا ممثلاً لهذا الضمير , وهو يضع كل قوى الحكومة تحت تصرف المبشرين في جنوب السودان , ويمنع أي تاجر مسلم أن يمر هناك مجرد مرور . وقد حدث أن موظفاً بقى في الجنوب أمداً طويلاً وطلب نقله إلى الشمال فلم يجب , فهدته الحيلة أن يرفع صوته بالأذان فكان هذا إيذاناً بنقله في الغداة !
وانجلترا هي أشد الدول الأوربية تسامحاً وإغضاء ولباقة في معالجة مسائل الأديان .
وقد يعجب البعض لأن تظل هذه الروح التعصبية ضد الإسلام قوية إلى هذا الحد في الشعر الأوربي , وبعد ما تنكرت أوربا للمسيحية , ولم تعد صيحات الحجاج والقديسين هي التي تملأ سمعها كما كانت أيام الحروب الصليبية , ولكن هذا العجب يزول حين نلقى بالنا إلى حقيقتين واقعتين .
الحقيقة الأولى : "أن الشر الذي بعثه الصليبيون لم يقتصر على صليل السلاح , ولكنه كان قبل كل شيء وفي مقدمة كل شيء شراً ثقافياً . لقد نشأ تسميم العقل الأوربي عما شوهه قادة الأوربيين من تعاليم الإسلام ومثله العليا أمام الجموع الجاهلة في الغرب . وفي ذلك الحين استقرت تلك الفكرة المضحكة في عقول الأوربيين , من أن الإسلام دين شهواني وعنف حيواني , وانه تمسك بفروض شكلية , وليس تزكية للقلوب وتطهيراً لها ؛ ثم بقيت هذه الفكرة حيث استقرت . وفي ذلك الحين أيضاً نُبز محمد بقولهم "كلبي"(1) .
"ولقد بذرت بذور البغضاء .. إن حمية الصليبين الجاهلة كان لها ذيولها في أماكن كثيرة من أوربا , فشجع ذلك نصارى الأندلس على الحرب لإنقاذ بلادهم من "نير الوثنيين" ! وأما تدمير أسبانية المسلمة (الأندلس) فقد اقتضى قروناً كثيرة حتى تم . ولما تطاول أمد هذا القتال على وجه الحصر , أخذ الشعور ضد الإسلام في أوربا ينشب جذوره ثم ثبت . ولقد انتهى باستئصال شأفة العهد الإسلامي في أسبانية بعد اضطهاد بالغ في الوحشية والقسوة مما لم يشهده العالم قط ؛ وإن كانت أصداء القرح قد تجاوبت في أوربا على إثر ذلك , مع العلم بأن النتائج التي تلته كانت القضاء على العلوم والثقافة , والتبديل بها جهل العصور الوسطى وخشونتها .
"ولكن قبل أن يتاح لصدى هذه الحوادث أن يخفت في أسبانية حدثَ حدثُ ثالث عظيم الأهمية , زاد في فساد الصلات بين العلام الغربي وبين الإسلام , ذلك هو سقوط القسطنطينية في يد الأتراك . لقد كانت أوربا ترى بقية من الزهو اليوناني والروماني القديم على بيزنطيوم (القسطنطينية) وكانت تنظر إليها على أنها حصن أوربا ضد برابرة آسيا .
وبسقوط القسطنطينية فتح باب أوربا على مصراعيه للسيل الإسلامي . وفي القرون التي تلت والتي امتلأت بالحروب , ولم تبق عداوة أوربا للإسلام قضية ذات أهمية ثقافية فحسب بل ذات أهمية سياسية أيضاً . وهذا زاد في اشتداد تلك العداوة .
"ومع هذا كله فإن أوربا قد استفادت كثيراً من هذا النزاع . إن "النهضة" أو إحياء الفنون والعلوم الأوربية باستمدادها الواسع من المصادر الإسلامية والعربية على الأخص , كانت تعزي في الأكثر إلى الاتصال المادي بين الشرق والغرب . لقد استفادت أوربا أكثر مما استفاد العالم الإسلامي , ولكنها لم تعترف بهذا الجميل , وذلك بأن تنقص من بغضائها للإسلام , بل كان الأمر على العكس , فإن تلك البغضاء قد نمت مع تقدم الزمن , ثم استحالت عادة . ولقد كانت هذه البغضاء تغمر الشعور الشعبي كلما ذكرت كلمة "مسلم" .
ولقد دخلت في الأمثال السائرة عندهم حتى نزلت في قلب كل أوربي رجلاً كان أو امرأة . وأغرب من كله أنها ظلت حية بعد جميع أدوار التبدل الثقافي . وثم جاء عهد الإصلاح الديني حيث انقسمت أوربا شيعاً ؛ ووقفت كل شيعة مدججة بسلاحها في وجه كل شيعة أخرى ؛ لكن العداء للإسلام كان عاماً فيها كلها . بعدئذ جاء زمن اخذ الشعور الديني فيه يخبو , ولكن العداء للإسلام استمر . وإن من أبرز الحقائق على ذلك أن الفيلسوف والشاعر الفرنسي فولتير , وهو من ألد أعداء النصرانية وكنيستها في القرن الثامن عشر , كان في الوقت نفسه مبغضاً مغالياً للإسلام ولرسول الإسلام . وبعد بضعة عقود جاء زمن أخذ فيه علماء الغرب يدرسون الثقافات الأجنبية ويواجهونها بشيء من العطف ؛ أما فيما يتعلق بالإسلام فإن الاحتقار التقليدي أخذ يتسلل في شكل تحزب غير معقول إلى بحوثهم العلمية ؛ وبقى هذا الخليج الذي حفره التاريخ بين أوربا والعالم الإسلامي غير معقود فوقه بجسر . ثم أصبح احتقار الإسلام جزءاً أساسياً في التفكير الأوربي . والواقع أن المستشرقين الأولين في الأعصر الحديثة كانوا مبشرين نصارى يعملون في البلاد الإسلامية ؛ وكانت الصورة المشوهة التي اصطنعوها من تعاليم الإسلام وتاريخه مدبرة على أساس يضمن التأثير في موقف الأوربيين من "الوثنيين" . غير أن هذا الالتواء العقلي قد استمر مع أن عموم الاستشراق قد تحررت من نفوذ التبشير , ولم يبق لعلوم الاستشراق هذه عذر من حمية دينية جاهلية تسيء توجيهها . أما تحامل المستشرقين على الإسلام فغريزة موروثة , وخاصة طبيعية , تقوم على المؤثرات التي خلقتها الحروب الصليبية , بكل مالها من ذيول في عقول الأوربيين الأولين .
"ولقد يتساءل بعضهم فيقول : كيف يتفق أن نفوراً قديما مثل هذا ـ وقد كان دينياً في أساسه وممكنا في زمانه بسبب السيطرة الروحية للكنيسة النصرانية ـ يستمر في أوربا في زمن ليس الشعور الديني فيه إلا قضية من قضايا الماضي ؟
"ليست مثل هذه المعضلات موضع استغراب أبداً , فإنه من المشهور في علم النفس أن الإنسان قد يفقد جميع الاعتقادات الدينية التي تلقنها في أثناء الطفولة , بينما تظل بعض الخرافات الخاصة ـ والتي كانت من قبل تدور حول تلك الاعتقادات المهجورة ـ في قوتها , تتحدى كل تعليل عقلي في جميع أدوار ذلك الإنسان , وهذه حال الأوربيين مع الإسلام :
فعلى الرغم من أن الشعور الديني كان السبب في النفور من الإسلام قد أخلى مكانه في هذه الأثناء , لاستشراف حياة أكثر مادية , فإن النفور القديم نفسه قد بقى عنصراً من الوعي الباطني في عقول الأوربيين . وأما درجة هذا النفور من القوة , فإنها تختلف بلا شك بين شخص وآخر , ولكن وجوده لا ريب فيه . إن روح الحروب الصليبية ـ في شكل مصغر على كل حال ـ مازال يتسكع فوق أوربا , ولا تزال مدنيتها تقف من العالم الإسلامي موقفاً يحمل آثار واضحة لذلك الشبح المستميت في القتال "(2) .
والحقيقة الثانية : أن الاستعمار الأوربي والأمريكي الصليبي لا يملك أن يغفل من حسابه أن الروح الإسلامي صخرة مقاومة لمد الاستعمار ؛ وأنه لا مفر من تحطيم هذه الصخرة أو زحزحتها على الأقل ؛ ولا عبرة بما يقوله بعض المخدوعين أو المأجورين من أن أوربا لا يهمها الدين , ولا تراه مصدر قوة , ولا تخشى من العالم الإسلامي إلا قوته المادية .
فالدين في حقيقته قوة روحية لها حسابها في تجديد القوى المادية ؛ فوق أن الإسلام بالذات غير المسيحية , فهو يأمر بإعداد القوى المادية ويحض على المقاومة والكفاح , وينذر المستسلمين والمستضعفين بسوء المآل في الدنيا والآخرة :" وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ .. "(الأنفال60).." يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ .."(النساء144).." فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ .."(النساء74).. "وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ .."(آل عمران140) .
فالدين قوة روحية وتنظيمية ودعوة إلى قوة مادية ؛ والدين صخرة مقاومة ودعوة إلى شدة المقاومة . فلا مفر للاستعمار الأوربي والأمريكي أن يكون عدواً للدين .. كل ما هنالك أن مظاهر العداء تختلف بحسب أساليب كل أمة في الاستعمار ؛ ثم بحسب الظروف والأحوال . ففرنسا مثلاً تعلنها حرباً صريحة سافرة في المغرب العربي كله على الإسلام باسم "الظهير البربري" أو بأي اسم آخر . ويعلن ممثلوها في دمشق أنهم أحفاد الصليبيين جهاراً نهاراً . وانجلترا تراوغ فتسلك طريقها خلسة إلى معاهد التعليم في مصر لتنشئ عقلية عامة تحتقر كل مقومات الحياة الإسلامية بل الشرقية ؛ فإذا تم لها تكوين جيل من المعلمين بهذه العقلية , أطلقتهم في المدارس وفي دواوين المعارف يصبغون عقلية الأجيال هذه الصبغة , ويضعون المناهج والخطط مؤدية إلى تكوين هذه العقلية , مع المحافظة التامة على إبعاد العناصر التي تمثل الثقافة الإسلامية عن مراكز التوجيه في الوزارة . وبذلك تستغني عن مواجهة الشعور الديني بالعداوة السافرة , إذ تدع المهمة لفريق كبير ذي أثر بعيد في تكوين العقلية المصرية العامة .. أما في السودان الجنوبي فلا تجد حاجة إلى هذه المواربة , فتقف موقفها الذي وصفناه من المبشرين المسيحيين والتجار المسلمين ! وأمريكا تقيم الأوضاع والأنظمة التي تسحق الإسلام سحقاً بكل مقوماته العقيدية والخلقية والحركية في جميع أنحاء العالم الإسلامي ..
وهكذا صارت كل دولة مستعمرة على طريقة في مقاومة هذا الدين وخنقه منذ قرون مضت ؛ وما تزال تسير على خطة متعاونة في صميمها تبدو في موقف الأمم الغربية من كل قضية تواجه فيها الإسلام من قريب أو بعيد !
والذين يحسبون أن نفوذ اليهود المالي في الولايات المتحدة وسواها هو الذي يوجه الغربيين هذا التوجيه ؛ والذين يحسبون أن المطامع الإنجليزية والمكر الأنجلو سكسوني هو الذي يوجه الموقف ؛ والذين يحسبون أن الصراع بين الكتلة الشرقية والكتلة الغربية هو الذي يؤثر .. كل أولئك يغفلون عنصراً حقيقياً في المسألة يضاف إلى هذه العناصر جميعاً , هو الروح الصليبية التي تحملها دماء الغربيين , والتي تندس في عقلهم الباطن , مضافاً إليها الخوف الاستعماري من الروح الإسلامي , والعمل على تحطيم قوة الإسلام , حيث يربط الغربيين جميعاً شعور موحد ومصلحة موحدة في تحطيمها , تجمع بين روسيا الشيوعية وأمريكا الرأسمالية ! ولا ننسى دور الصهيونية العالمية في الكيد للإسلام وتجميع القوى ضده في العالم الاستعماري الصليبي والعالم المادي الشيوعي على السواء . وهو الدور المستمر الذي قام به اليهود دائماً منذ هجرة الرسول إلى المدينة وقيام دولة الإسلام !
والعجيب أن روح الإسلام على الرغم من جميع هذه الصدمات التي واجهته منذ الفترة الأولى في حياته إلى اليوم , وعلى الرغم من معالجة الصدمات له وأثر ذلك في كيانه الوليد ؛ ثم على الرغم من غلبة الحضارة الغربية اليوم بقوتيها المادية والثقافية , مما أحال بعض من يحملون أسماء المسلمين أدوات هدم وتحطيم للإسلام في أيدي المستعمرين وهم مستريحون !
على الرغم من هذا كله ظلت روح الإسلام في ذاتها سليمة , وظلت طاقته الكامنة تؤثر في مجرى الحياة الإنسانية بصفة عامة ؛ وتؤثر في صوغ السياسات العالمية وتوجيهها منذ أربعة عشر قرناً إلى اليوم ؛ فما من حركة سياسية أو حربية في العالم لم يحسب فيها للإسلام حساب ؛ حتى في عصور الضعف والفرقة وتخلخل الحياة الروحية والاجتماعية و الاقتصادية في العالم الإسلامي .
ولقد انقضت فترة الخمول والاضمحلال ؛ وأخذ المد الإسلامي في الظهور في كل مكان على الرغم من الضربات الساحقة التي توجه إلى طلائع البعث الإسلامي في كل مكان ! وهي مظاهر لا يمكن إغفالها , على الحيوية الكامنة في الإسلام , وعلى رصيده المدخر يكفي لاستئناف حياة إسلامية جديدة , لا تقوم على مجرد الرغبة والتفاؤل , بل على أسس عملية وواقعية كذلك ظاهرة للعيان , هي اليوم في دور التجمع والاستعداد على الرغم مما يبدو أحياناً من عوامل المقاومة والانتكاس , فما هي إلا فقاعات تنفقع , أو سحابة صيف تنقشع !
ولكنني على الرغم من إيماني إيماناً مطلقاً بحتمية استئناف الحياة الإسلامية في العالم الإسلامي , وباستعداد الإسلام لأن يكون نظاماً عالمياً ـ لا محلياً ـ في المستقبل .. فإنني لا أحب أن أندفع وراء خيال جامح , فأقرر أن هذا سهل ميسور !
كلا فهناك عراقيل شتى وضخمة , كما أن هناك أعمالاً عظيمة يجب أن تتم قبل أن يصبح استئناف الحياة الإسلامية الصحيحة ميسوراً في المجتمع الإسلامي ذاته . وتقدير تلك العوائق الضخمة , والتنبيه إلى هذه الأعمال الواجبة أمر يوجبه الشعور الحقيقي بعظمة الغاية التي نهدف إليها , وبثقل التبعة التي تنتظر من ينهض لهذه الغاية .
وليس يكفي أن يبعث المرء بالصيحة المدوية في حماسة فوارة , ليصبح الأمل واقعاً والرجاء حقيقة , إن لم يقدر كل العقبات وكل التبعات , وينبه من يبعث إليهم بصيحة إلى الجهد الضخم الذي يطلب إليهم أن يبذلوه .
وطبيعي أن انفراج المسافة بين سياسة الحكم وروح الإسلام فترة طويلة من الزمان , يجعل العودة إلى السياسة المستمدة من هذا الروح أصعب ؛ لأن جهاز الدولة والمجتمع , وقواعد الحياة بكل مقوماتها , والاتجاه النفسي والعقلي .. كلها تقوم على أسس معينة يصعب تغييرها قبل بذل جهود ضخمة طويلة . وكلما امتد الزمن زادت هذه الصعوبة , واحتاجت إلى جهود أضخم وأطول .
ثم يضاف إلى عامل الزمن الطويل عامل آخر حاضر ؛ وهو أننا لا نعيش في هذا العالم وحدنا , ولا نعيش كذلك في عزلة عنه . وتشابك مصالحنا وقضايانا مع هذا العالم الذي تسيطر عليه حضارة معينة , ذات عقلية مناقضة تماماً لعقلية الإسلام ـ كما سنبين فيما بعد ـ يجعل خطواتنا في سبيل استئناف حياة إسلامية صحيحة , خطوات بطيئة من جهة , وذات تكاليف علينا من جهة أخرى .
ومما يزيد هذا العامل الأخير أهمية , أن هذا العالم الغربي الذي تتشابك مصالحنا معه أقوى منا في الوقت الحاضر , وليست لنا السيطرة عليه أو القوة المكافئة لقوته كما كنا في أول عهد الإسلام ؛ ثم هو في الوقت ذاته عدو لنا , وعدو لديننا بوجه خاص . لذلك لن يدعنا ننشئ نظاماً إسلامياً من جديد , ونستأنف حياة إسلامية صحيحة , ما لم نبذل جهوداً مضاعفة , كان يمكن الاقتصاد فيها لو كانت لنا السيطرة على العالم الغربي أو القوة المكافئة لقوته , أو لو كان هو صديقاً لنا , ولديننا الذي نريد العودة إليه .
إلا أن هذا كله لا يعني أن العودة إلى النظام الإسلامي مستحيلة . وكل ما يعنيه أنها عمل عسر ضخم , في حاجة إلى جهود غير عادية ؛ قبل كل شيء في حاجة إلى حماسة في الإيمان به ؛ وجرأة في اقتحام العقبات المرصودة في طريقه ؛ وصبر على الجهد الشاق الواجب له , وثقة في ضرورته للعالم الإسلامي وللعالم الإنساني كله , وعقلية إنشائية مبتكرة , ليست وظيفتها مجرد ترقيع الواقع , بل إنشاء واقع جديد كامل غير مرقع !
ولعله من الحقائق ذات القيمة في المجال , أن نشير إلى أن الحضارة الغربية الراهنة قد قادت العالم إلى حربين شاملتين خلال ربع قرن ؛ كما قادته بعد الحرب الثانية إلى انقسام بين الكتلتين الشرقية والغربية , وإلى تهديد دائم بحرب ثالثة ؛ وإلى اضطرابات في كل مكان , وإلى جوع وعري وبؤس في ثلاثة أرباع المعمورة . وأن النظام العالمي كله اليوم في حالة واضطراب وبحث عن أسس جديدة , وتنقيب عن زاد روحي يرد إلى الإنسانية ثقتها بالمبادئ الإنسانية .
ولا ينبغي ـ مع هذا ـ أن نتفاءل أكثر مما يجب باستعداد العالم الغربي لقبول أسس حضارتنا الإسلامية , فهذا موضوع آخر .. نعم إن رجلاً كبرنارد شو يقول : إن العالم الغربي قد أخذ يتجه هذا الاتجاه , ويتنبأ بأنه في الطريق إليه فيقول :
" لقد تنبأت بأن دين محمد سيكون مقبولاً لدى أوربا غداً , وهو قد بدأ يكون مقبولاً لديها اليوم .. لقد عمد رجال الإكليروس في العصور الوسطى إلى تصوير الإسلام في أحلك الألوان ؛ وذلك بسبب الجهل أو بسبب التعصب الذميم . والواقع أنهم كانوا يسرفون في كراهية محمد وكراهية دينه ويعدونه خصماً للمسيح . أما أنا فأرى واجباً أن يدعى محمد منقذ الإنسانية , وأعتقد أن رجلاً مثله إذا تولى زعامة العالم الحديث نجح في حل مشكلاته , وأحل في العالم السلام والسعادة . وما أشد حاجة العالم إليهما !
" لقد أدرك مفكرون منصفون قاموا في القرن التاسع عشر , ما لدين محمد من قيمة ذاتية . من هؤلاء : كارليل , وجوته , وجيبون ... بذلك حدث تحول صالح في موقف أوربا من الإسلام . وقد تقدمت أوربا تقدماً كبيراً في هذا القرن المتمم العشرين , فبدأت تحب عقيدة محمد . ولعلها تذهب في القرن التالي إلى أبعد من ذلك فتعترف بجدوى هذه العقيدة لحل مشاكلها .. وقد دان كثيرون من قومي ومن أهل أوربا بدين محمد في الحاضر . وهذا يجعلنا قادرين على أن نقول : إن تحول أوربا إلى الإسلام قد بدأ "(3) .
ولكننا نرى نبوءة برنارد شو لا تزال مجرد نبوءة ـ إن لم تكن مخدراً لشعور المسلمين ليطمئنوا وينتظروا اعتناق الأوربيين لدينهم ! ـ وعلى كل حال فإن انتظار تحققها سابق على الأقل لأوانه لسببين رئيسيين :
أولهما : هو هذا العداء الموروث للإسلام في أعماق الطبيعة الأوربية والأمريكية ؛ والذي يغذيه في العصر الحديث تعارض مصلحة الاستعمار الغربي والشرقي مع وجود هذه العقبة في طريقه .
وثانيهما : أن العقلية الأوربية تأصلت على أسس مادية , أثر الفكرة الروحية فيها ضئيل , منذ الحضارة الرومانية إلى العصر الحديث . وهذا القول يحتاج إلى تفصيل لا تقتصر فائدته على دلالته في هذا الموضع , بل تمتد إلى الإجابة على هذا السؤال الهام : هل يمكن أن تتعاون الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية ؟ وما حدود هذا التعاون ؟
لقد قلنا في أوائل هذا الكتاب : إن أوربا لم تكن مسيحية في يوم من الأيام . وذلك بسبب أن طبيعة الصراع فيها على رقعة من الأرض صغيرة ضنينة , جعلت مبادئ المسيحية السمحة لا تمتد جذورها في تلك التربة العصية ؛ وذلك فوق ما في طبيعة المسيحية من تزهد وعدم احتفال بالحياة الدنيا . فالآن نضيف إلى هذين العاملين عاملاً ثالثاً أشرنا إليه هناك إشارة عابرة ؛ وهو وجود الإمبراطورية الرومانية العريقة في طريق المسيحية , وبقاء تعاليم الإمبراطورية أساساً للحضارة الأوربية الحديثة , على الرغم من انتقال المسيحية إليها , إذ ظلت هذه على هامش الحياة .
ونقتطف هنا فقرات من كتاب "الإسلام على مفترق الطرق" نجد فيها الكفاية والغناء :
"كانت الفكرة التي تقوم عليها الإمبراطورية الرومانية .. الاجتياح بالقوة , واستغلال الأقوام الآخرين لفائدة الوطن الأم وحده . وفي سبيل الترفيه عن فئة ممتازة لم ير الرومانيون في عنفهم سوءاً , ولا في ظلمهم انحطاطاً . وإن "العدل الروماني" الشهير كان عدلاً للرومانيين وحدهم . ومن البين أن اتجاهاً كهذا كان ممكناً فقط على أساس إدراك مادي خالص للحياة وللحضارة , إدراك مادي هذبه على التأكيد ذوق فكري ولكنه على كل حال بعيد عن جميع القيم الروحية . إن الرومانيين في الحقيقة لم يعرفوا الدين ؛ وإن آلهتهم التقليدية لم تكن سوى محاكاة شاحبة للخرافات اليونانية . ولقد كانت أشباحاً سُكَّتَ عن وجودها حفظاً للعرف الاجتماعي ؛ ولم يكن يسمح لها قط بالتدخل في أمور الحياة الحقيقية ؛ بل كان عليها أن تنطق بالرجز على ألسنة عرافيها إذا سئلت مثل ذلك , ولكن لم يكن ينتظر منها أن تمنح البشر شرائع خلقية !
"تلك كانت التربة التي نمت فيها المدنية الحديثة . ولقد عملت بلا شك مؤثرات أخرى كثيرة في أثناء تطورها ؛ ثم إنها بطبيعة الحال قد بدلت وحورت في ذلك الإرث الثقافي الذي ورثته عن رومية في أكثر من ناحية واحدة . ولكن الحقيقة الباقية أن كل ما هو اليوم حقيقي في الاستشراف الغربي للحياة والأخلاق يرجع للمدنية الرومانية . وكما أن الجو الفكري والاجتماعي في رومية القديمة كان نفعياً بحتاً ولا دينياً ـ لا على الافتراض بل الحقيقة ـ فكذلك هو الجو في الغرب الحديث . ومن غير أن يكون لدى الأوربي برهان على بطلان الدين المطلق , ومن غير أن يسلم بالحاجة لمثل هذا البرهان .. ترى التفكير الأوربي الحديث ـ بينما هو يتسامح بالدين وأحياناً يؤكد أنه عرف اجتماعي ـ يترك , على العموم , الأخلاق المطلقة خراج نطاق الاعتبارات العملية . إن المدنية الغربية لا تجحد الله البتة , ولكنها لا ترى مجالاً ولا فائدة لله في نظامها الفكري الحالي . لقد اصطنعت فضيلة من العجز الفكري في الإنسان , أي من عجزه عن الإحاطة بمجموع الحياة . وهكذا يميل الأوربي الحديث إلى أن ينسب الأهمية العملية فقط إلى تلك الأفكار التي تقع في نطاق العلوم التجريبية وتلك التي ينتظر منها على الأقل أن تؤثر في صلات الإنسان الاجتماعية بطريقة ملموسة . وبما أن قضية وجود الله لا تقع تحت هذا الوجه ولا تحت ذاك , فإن العقل الأوربي يميل بداءة إلى إسقاط "الله" من دائرة الاعتبارات العملية !
"وهنا يعرض سؤال : كيف يمكن لهذا الاتجاه أن يتفق وطريقة التفكير المسيحي ؟ أليست النصرانية ـ المفروض فيها أن تكون الهيكل الروحي للمدنية الغربية ـ عقيدة مبنية على الأخلاق المطلقة كما هي الحال في الإسلام ؟ لا شك في أنها كذلك . ولكن حينئذ لا يمكن أن يكون ثمة خطأ أفدح من أن نعتبر أن المدنية الغربية الحديثة نتاج النصرانية . إن الأسس الفكرية الحقيقية في الغرب يجب أن تطلب في فهم الرومانيين القدماء للحياة على أنها قضية منفعة خالية من كل استشراف مطلق ؛ ويمكن التعبير عنها كما يلي : بما أننا لا نعرف شيئاً معيناً ـ من طرق الاختبار العلمي والتقدير في الحساب ـ لا عن أصل الحياة الإنسانية ولا عن مصيرها بعد موت الجسد .. فإن من الخير لنا أن نحصر قوانا في وجوه إمكاننا المادي والفكري , ومن غير أن نسمح لأنفسنا بأن نتقيد بالأخلاق المطلقة والقضايا الأدبية المبنية على دعاوي تتحدى الأدلة العلمية . فلا ريب إذن في أن هذا الاتجاه الذي تتميز به المدنية الغربية الحديثة , لا يجد قبولاً في التفكير الديني المسيحي كما لا يجد قبولاً في الإسلام أو في دين آخر , وذلك لأنه لا ديني في جوهره . وهكذا تكون نسبة نتاج المدنية الغربية الحديثة إلى النصرانية خطأً تاريخياً عظيماً . إن النصرانية ساهمت في جزء يسير جداً من الرقي العلمي المادي الذي فاق به الغرب , في مدنيته الحاضرة , كل ما سواه وفي الحق أن ذلك النتاج قد برز من كفاح أوربا المتطاول للكنيسة المسيحية ولاستشرافها للحياة .. ثم إن النصرانية اليوم في نظر السواد العظم معنى شكلياً فقط كما حال آلهة رومية , تلك الآلهة التي لم يكن يسمح لها , ولا ينتظر منها , أن يكون لها نفوذ حقيقي ما على المجتمع . ولا ريب في أنه لا يزال في الغرب أفراد عديدون يشعرون ويفكرون على أسلوب ديني , ويبذلون جهود القانط حتى يوفقوا بين معتقداتهم وبين روح حضارتهم ؛ ولكن هؤلاء شواذ فقط , إن الأوربي العادي ـ سواء عليه أكان ديمقراطياً أم فاشياً أم بلشفياً , صانعا أم مفكراً ـ يعرف ديناً إيجابياً واحداً هو التعبد للرقي المادي , أي الاعتقاد بأن ليس في الحياة هدف آخر سوى جعل هذه الحياة نفسها أيسر فأيسر , أو كما يقول التعبير الدارج : "طليقة من ظلم الطبيعة" . إن هياكل هذه الديانة إنما هي المصانع العظيمة و دور السينما والمختبرات الكيميائية وباحات الرقص وأماكن توليد الكهرباء ؛ وأما كهنة هذه الديانة فهم الصيارفة والمهندسين وكواكب السينما وقادة الصناعات وأبطال الطيران . وإن النتيجة التي لا مفر منها في هذه الحال هي الكدح لبلوغ القوة والمسرة ؛ وذلك يخلق جماعات متخاصمة مدججة بالسلاح ومصممة على أن يفني بعضها بعضاً حيثما تتصادم مصالحها المتقابلة . أما على الجانب الثقافي فنتيجة ذلك خلق نوع بشري تنحصر فلسفته الأخلاقية في مسائل الفائدة العملية , ويكون أسمى فارق لديه بين الخير والشر إنما هو التقدم المادي " ..
انتهى .
والخلاصة لهذا كله أن الضمير الأوربي الحالي ليس على استعداد لاستشعار روح الإسلام والاستعانة به في حل مشكلات الإنسانية . وإن يكن ذلك ليس مستحيلاً بعد عدة انقلابات وتطورات أخرى ؛ وبعد أن يبدأ العالم الإسلامي ذاته في استئناف حياة إسلامية واضحة المعالم , مستقلة الأسس , يجد فيها الغرب الواقعي التفكير , حقائق عملية قائمة تجذب حسه ؛ وتعادل تفكيره . وإن كان اعتقادي الخاص أن أجيالاً متطاولة ستنقضي قبل أن يستطيع الغرب استشعار روح الإسلام على نحو من الأنحاء .







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 17-11-2010, 01:31 AM   رقم المشاركة : 17
معلومات العضو
مصطفى الكومي
أقلامي
 
إحصائية العضو







مصطفى الكومي غير متصل


افتراضي رد: العدالة الاجتماعية في الإسلام

والخلاصة لهذا كله كذلك أن أسلوب التفكير الإسلامي القائم على الغايات الخلقية للأعمال , لا يستطيع الإلتقاء بأسلوب التفكير الغربي الحاضر القائم على الغايات النفعية للأخلاق ؛ وهذا ما يجب علينا أن نحسب حسابه , ونحن نعمل لتحقيق حياة إسلامية سليمة , فلا نحاول ترقيع هذه الحياة باستعارات نستوردها من الخارج , لأن هذه الرقع لن تستقيم مع نسيج تفكيرنا الأصيل .
والذين يريدون من أصحابنا الدعوة إلى الإسلام أن يستعيروا مناهج الفكر الغربية يسلمون بالهزيمة منذ الجولة الأولى حين يحاولون تجديد حياتهم باستعارة الطرق الغربية في التفكير والحياة والسلوك ؛ وينتهون إلى وأد الحياة التي يعملون لإحيائها , لأنهم منذ الخطوة الأولى يعدلون عن طريقها الطبيعي الوحيد , وهو أن يفكروا على أسس إسلامية تجعل العنصر الأخلاقي أصيلاً في بناء الحياة ؛ وتنظر للغايات الخلقية للعمل , ولا تجعل المنفعة هي الغاية العليا للأخلاق . ولقد رأينا في الفصول الأولى من هذا الكتاب , أن الإسلام يحقق غايات الحياة الصالحة كلها , وهو يحافظ على العنصر الأخلاقي فيها ؛ وأن قيمته الحركية الكبرى كامنة في أنه لا يجزئ الحياة ؛ ولا يفصل بين الوسائل والغايات ؛ ولا يفترض التعارض بين المادي والروحي في كيان الحياة وفي طبيعة الكون والناس , بل يفترض أن الحياة وحدة كلية تسير بجملتها نحو هذه الأهداف في توافق واتساق .
يقدم الإسلام إذن للبشرية فكرة كاملة عن الحياة .. هذه الفكرة قابلة دائماً للنمو في التفريع والتطبيق ؛ ولكنها غير قابلة للتعديل أو المزج في الأصل والاتجاه .
ويجب لكي تؤتي هذه الفكرة الكاملة نتائجها الطبيعية كاملة , أن تطبق تطبيقاً كاملاً , و إلا فإن أقل تعديل في أساسها واتجاهها يحدث فيها اختلالاً , لا تتحقق معه صورة الحياة التي يرسمها الإسلام .
أما النمو الدائم في التفريع والتطبيق على أساس الفكرة الكلية فهو أمر طبيعي تقره طبيعة الإسلام , وتدعو إليه و وتهيئ له وسائله , وتعترف بها . فالاجتهاد المفتوح دائماً والسلطات الواسعة المتروكة للإمام الذي يحكم بشريعة الله ... كل هذه وسائل حية لاستمرار النمو والتفريع والتطبيق لمسايرة حركة الحياة , وتلبية حاجاتها المتجددة ... أمر واحد هو الذي يجب التزامه : ألا تخرج هذه التفريعات والتطبيقات على الأصول الأساسية للإسلام ؛ وألا تسلك اتجاهاً غير اتجاهه ؛ أو تحتال على روح الإسلام وتتلبس بروح أخرى غير روحه القوية المستقيمة .
وعندما يقوم المجتمع المسلم بالفعل فسيكون المجال مفتوحاً للاجتهاد ولتطبيق شرائع هذا الدين على هذا المجتمع . وسيكون مدار قبولنا لأي تفريع أو رده , أن نعرضه على فكرة الإسلام الأساسية و روحه العامة , فما وافق فكرته و روحه قبلناه , وما خالفها رفضناه , وعلى أن يكون مقرراً في نفوسنا إلى درجة الإيمان والحماسة : أننا نملك تصوراً عن الحياة أكبر مما يملك أتباع أي دين أو فلسفة أو حضارة , لأنه من صنع الله خالق الحياة .
ولكن هذا كلام مجمل يحتاج إلى تفصيل الوسائل العملية لبلوغ هذه الهدف العظيم . فعلى بركة الله إذن نأخذ هذا التفصيل .
* * *
إن استئناف حياة إسلامية لا يتم بمجرد وضع تشريعات وقوانين ونظم مستمدة من الشريعة الإسلامية ؛ فهذا ركن واحد من ركنين يعتمد عليهما الإسلام دائماً في إقامة الحياة , وهو الركن الثاني لا الأول . أما الركن الأول , فهو العقيدة الصحيحة التي تفرد الله سبحانه بالألوهية ومن ثم تفرد بالحاكمية . وتنكر على غير الله أن يدعي حقَّ الألوهية , بادّعاء حق الحاكمية ومزاولته فعلاً !
أما العدالة الاجتماعية فهي جزء من تلك الحياة الإسلامية لا يتحقق كاملاً إلا بتحقق تلك الحياة , ولا يكفل له البقاء إلا بإقامتها على أسسها الوطيدة , شأنها في ذلك شأن كل نظام آخر , لا بد أن يعتمد على الإيمان به والثقه بصلاحيته ؛ و إلا فقد أسسه المعنوية , وقام على القهر التشريعي والنظامي وحده ؛ وهو قهر عمره مرهون بالقدرة على التملص منه . لذلك كان التشريع الإسلامي أدنى إلى الإتباع والطاعة لأنه يعتمد على عقيدة دينية . ولذلك أيضاً يجب أن تكون نقطة البدء هي استحياء العقيدة , ونفي ما علق بها من تحريفات وتأويلات وشبهات , لتكون سنداً للنظام التشريعي الذي نشير به لتحقيق حياة إسلامية صحيحة . وبذلك تقوم هذه الحياة ـ حين تقوم ـ على التشريع والتوجيه , وسيلتي الإسلام الأساسيتين في تحقيق أهدافه جميعاً .
يجب إذن أن نعيد بناء العقيدة الإسلامية على الأسس التي بيناها في مطلع هذا الفصل في نفوس الأفراد والجماعات قبل أن نفكر في موضوع التشريع الإسلامي الذي ينظم الحياة .
ولكن كيف يتسنى لنا أن نكوّن عقيدة إسلامية بثقافة , ووسائل تربية , وطرق تفكير , هي في صميمها غربية , وهي في صميمها معادية للفكرة الإسلامية .
أولاً : لأنها تقوم على أساس مادي مناهض لفكرة الإسلام عن الحياة .
ثانياً : لأن محاربة الإسلام جزء أصيل في تكوينها ؛ سواء ظهر هذا القصد واضحاً أو توارى في الثنايا والشعاب ؟
إننا كما قلت : نعلن هزيمتنا منذ الجولة الأولى إذا نحن اتخذنا الفكرة الغربية وسيلتنا إحياء الفكرة الإسلامية . فلا بد أولاً من التخلص من طريقة التفكير الغربية ؛ ولا بد من اتخاذ طريقة تفكير إسلامية ذاتية ؛ لنضمن أن يجيء النتاج خالصاً غير هجين !
إن مدلول "الحاكمية" في التصور الإسلامي لا ينحصر في قضية تلقي شريعة الحكم والتحاكم إليها . ومن ثم لا تتمثل العبودية لله وحده في مجرد تلقي الشريعة منه وحده , والتحاكم إلى هذه الشريعة وحدها .. متى قصرنا الشريعة على معنى أصول الحكم وقوانينه .. فإن هذا بدوره لا يمثل مدلول "الشريعة" في التصور الإسلامي !
إن شريعة الله تعني كل ما شرعه الله لتنظيم الحياة البشرية .. وهذا يتمثل في أصول الاعتقاد وأصول الحكم ؛ وأصول السلوك , وأصول المعرفة .. يتمثل في العقيدة والتصور .. وكل مقدمات هذا التصور .. ويتمثل في الأحكام التشريعية . ويتمثل في قواعد الأخلاق والسلوك . ويتمثل في القيم والموازين التي تسود المجتمع , وتقوّم بها الأشخاص والأشياء والأحداث .. ثم يتمثل في المعرفة بكل جوانبها وفي أصول النشاط الفكري والفني جملة .. وفي هذا كله لا بد من التلقي عن الله ؛ كالتلقي في الأحكام التشريعية سواء بسواء .. والأمر في الحاكمية ـ في جانبها المختص بالحكم والقانون ـ قد يكون الآن مفهوماً بعد الذي سقناه بشأنه من تقريرات . والأمر في قواعد الأخلاق والسلوك قد يكون مفهوماً أن يرجع فيها إلى أصول التصور الإسلامي جملة , وإلى ما ورد عنها في كتاب الله وسنة رسوله مفصلاً . والأمر في القيم والموازين التي تسود المجتمع , ويقوّم بها الأشخاص والأشياء والأحداث , قد يكون كذلك مفهوماً إلى حد ما . إذ أن القيم السائدة في مجتمع ما , ترجع مباشرة إلى التصور السائد فيه للوجود , وللعلاقات القائمة بين الوجود وخالقه , والعلاقات القائمة بين أطراف هذا الوجود ؛ وإلى الأهداف والغايات التي يقرر ذلك التصور أنها أهداف هذا المجتمع , أو أنها الغاية من الوجود الإنساني جملة ..
وعلى سبيل المثال .. فإن غاية الوجود الإنساني في التصور الإسلامي هي عبادة الله ـ أي العبودية له وحده والتحرر من عبادة العباد ـ ووظيفته هي الخلافة في الأرض عن الله , واستغلال طاقاتها ومدخراتها وأقواتها , والتركيب فيها والتحليل , وتنمية الحياة وترقيتها بالإبداع المادي , في ظل منهج الله وفي حدوده ؛ ليرتفع الإنسان في الحياة المادية إلى الاستمتاع بزينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ؛ وليرتفع في حياته الروحية المنطلقة من الضغوط المادية . ومقياس التفاضل في الحياة في التصور الإسلامي هو التقوى :"..إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ
.." (الحجرات13) وعلى أساس التقوى تقوم كل الأخلاق الإسلامية وكل قواعد السلوك .
فالتقوى تنشأ عن تمثل ألوهية الله وعبودية الإنسان . وتنشئ المشاعر التي تقوم عليها بناء الأخلاق كله ... وقد تحدثنا من قبل عن هذه المقدمات . ولكننا نذكرها لندل على أن للإسلام قيمه الخاصة . وهي تُتلقى من ذات المصدر الذي تُتلقى منه العقيدة , ولا تتلقى من مصدر آخر لأنها من مقتضى العبودية لألوهية الله وحده .. وهي بعض معاني "شريعة الله" في مدلولها الحقيقي , الذي لا ينحصر في المدلول المتداول لكلمة الشريعة .
ومن ثم فإن أصول الاعتقاد والتصور , وأصول الأخلاق والسلوك , وأصول القيم والموازين التي تسود حياة المجتمع ـ بجملتها ـ لا يتلقاها المسلم من أي مصدر آخر إلا المصدر الرباني .. والأمر في هذا التلقي هو أمر العقيدة . فالتلقي من غير الله فيها مناف لأصل الاعتراف بالعبودية الشاملة للألوهية المتفردة .. شأنه شأن التلقي في الشرائع القانونية , الذي أسلفنا حكم الله فيه .
ليست هناك أخلاق زراعية , وأخلاق صناعية ؛ وليست هناك قيم خاصة بالمجتمع الزراعي , وقيم خاصة بالمجتمع الصناعي .. ليست هناك أخلاق للمجتمع البرجوازي , وأخلاق لمجتمع الصعاليك (البروليتاريا) . وليست هناك قيم للمجتمع البرجوازي وقيم لمجتمع الصعاليك ... ليست هناك أخلاق رأسمالية وأخلاق اشتراكية . ولا قيم رأسمالية وقيم اشتراكية ... إنما هنالك فقط أخلاق إسلامية وأخلاق جاهلية . وقيم إسلامية وقيم جاهلية .. هنالك قيم وأخلاق تنبثق من تصور : أن هناك ألوهية واحدة , وعبودية شاملة لكل شيء وكل حي .. وأخلاق وقيم تنبثق من تعدد الأرباب ـ في شتى صور الربوبية ـ وتمزق الضمير البشري وتمزق الحياة البشرية بين الأرباب المتفرقة ! .. هنالك أخلاق وقيم تنبثق من التصور الإسلامي للوجود , ولعلاقته بخالقه , ولمركز الإنسان في الوجود , ولغاية وجوده ووظيفته , ونوع ارتباطاته وعلاقاته بالكون المادي وبالأحياء وببني جنسه كذلك , وعلاقة هؤلاء جميعاً بالله . وأخلاق وقيم تنبثق من التصورات الجاهلية في شتى أشكالها وصورها .. والتصورات الجاهلية هي كل ما عدا التصور الإسلامي .. وهي السبل المتفرقة التي لا تلتقي بصراط الله الواحد ـ كما بينه هو في كتابه لا كما يصوره الناس بأهوائهم ـ ومن ثم لا تصل إلى الله أبداً .
والأوضاع الاجتماعية بجملتها , والأوضاع السياسية بجملتها , والأوضاع الاقتصادية بجملتها .. هي فروع عن التصور الاعتقادي ؛ وتطبيق واقعي للقيم المنبثقة من هذا التصور .. ومن ثم فالتلقي فيها كلها لا يجوز أن يكون له مصدر آخر غير مصدر التصور الإسلامي . أو غير مصدر الشريعة الإسلامية ـ بمدلولها الحقيقي الذي لا ينحصر في المدلول المتداول لكلمة الشريعة .. والتلقي فيها عن المصدر الرباني وحده , وهو مقتضى الإقرار بالعبودية الشاملة للألوهية المتفردة . والشأن فيه شأن التلقي في الأحكام القانونية التي ينحصر فيها مدلول "الشريعة" المتداول ! ويدور حولها معنى "الحاكمية" المتداول كذلك .. والشريعة أشمل نطاقاً . والحاكمية أوسع مدى من هذا المدلول المتداول !
على أن هذا كله قد يكون مفهوماً ـ شيئاً ما ـ ولا يكون الحديث فيه هنا مبتدأ , ولا غريباً على قراء مثل هذه البحوث . وإن كان ينبغي التوكيد على أن الأمر في هذه الشؤون كلها هو أمر العقيدة . فهو يتعلق مباشرة بالإقرار أو عدم الإقرار بالعبودية الشاملة للألوهية المتفردة ..
أما الأمر الذي قد يكون غريباً بعض الشيء فهو الرجوع في شأن النشاط الفني , والنشاط الفكري , والنشاط العلمي إلى التصور الإسلامي , وإلى مصدره الرباني . باعتبار أن هذا الشأن متعلق بالعقيدة . ومن مقتضيات الاعتراف بالعبودية الشاملة للألوهية المتفردة !
وفي النشاط الفني صدر كتاب كامل يتضمن بيان القضية . باعتبار أن النشاط الفني كله , هو تعبير إنساني عن تصورات الإنسان وانفعالاته واستجاباته وتوجهاته .. وهذه كلها يحكمها ـ بل ينشئها ـ في النفس المسلمة تصورها الإسلامي بشموله لكل جوانب الكون والنفس والحياة ؛ وعلاقتها ببارئ الكون والنفس والحياة . وبتصورها خاصة لحقيقة هذا الإنسان . ومركزه في الكون . وغاية وجوده . ووظيفته . وقيم حياته .. وكلها متضمنة في التصور الإسلامي الذي ليس هو مجرد تصور فكري . إنما هو تصور اعتقادي موح مؤثر فعال دافع ومسيطر على كل انبعاث في الكيان الإنساني (4) .. وسنتحدث عن هذه المسألة هنا باختصار في الفقرات التالية في الفصل .
فأما قضية النشاط الفكري والعلمي , وضرورة رد هذا النشاط إلى التصور الإسلامي ومصدره الرباني . تحقيقاً للإقرار بالعبودية الشاملة للألوهية المتفردة . أي تحقيقاً لإسلام المسلم من ناحية العقيدة .. فهذه هي القضية التي تقتضي منا بياناً كاملاً . لأنها قد تكون ـ بالقياس إلى قراء هذا العصر حتى المسلمين منهم , الذين يرون حتمية رد الحاكمية والتشريع لله لتتحقق صفة الإسلام والإيمان ـ غريبة أو غير مطروقة !
إن المسلم لا يملك أن يتلقى في أمر يختص بالعقيدة والتصور العام للوجود , أو يختص بالعبادة , أو يختص بالخلق , أو يختص بالقيم والموازين التي تحكم في المجتمع , أو يختص بالمبادئ والأصول في النظام السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي , أو يختص بتفسير بواعث النشاط الإنساني وبحركة تاريخه إلا من ذلك المصدر الرباني .. ولا يتلقى في هذا إلا عن مسلم يثق في دينه وتقواه , ومزاولته لعقيدته في الحياة ..
ولكن المسلم يملك أن يتلقى في العلوم البحتة , كالكمياء والطبيعة والأحياء والفلك والصناعة والزراعة وطرق الإدارة ـ من الناحية الفنية الإدارية البحتة ـ وطرق العمل من هذه الناحية كذلك , وطرق الحرب والقتال من هذا الجانب أيضاً ... إلى آخر ما يشبه هذا النشاط .. يملك أن يتلقى في هذا كله عن المسلم وغير المسلم .. وإن كان الأصل في المجتمع المسلم حين يقوم أن يسعى لتوفير الكفايات في هذه الحقول كلها باعتبارها فروض كفاية , يجب أن يتخصص فيها أفراد فتسقط عن الباقين , و إلا أثم المجتمع كله إذا لم يوفر هذه الكفاية ولم يوفر الجو الذي تتكون فيه وتعيش وتعمل وتنتج .. ولكن إلى أن يتحقق هذا فإن للفرد المسلم أن يتلقى في هذه العلوم البحتة وتطبيقاتها العملية من المسلم ومن غير المسلم , وأن ينتفع فيها بجهد المسلم وغير المسلم , وأن يشغَل فيها المسلم وغير المسلم .. لأنها من الشؤون الداخلة في قوله الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ "أنتم أعلم بشؤون دنياكم" وهي لا تتعلق بتكوين تصور المسلم عن الحياة والكون والإنسان وغاية وجوده ؛ وحقيقة وظيفته ونوع ارتباطاته بالوجود من حوله , وبخالق الوجود كله . ولا تتعلق بالمبادئ والشرائع والأنظمة والأوضاع التي تنظم حياته أفراداً وجماعات .. ومن ثم فلا خطر فيها على زيغ عقيدته , وارتداده إلى الجاهلية !
فأما ما يتعلق بتفسير النشاط الإنساني كله أفراداً ومجتمعات ـ وهو المتعلق بالنظرة إلى "نفس" الإنسان , "وحركة تاريخه" , وما يختص بتفسير نشأة هذا الكون , ونشأة هذه الحياة , ونشأة هذا الإنسان , من ناحية ما وراء الطبيعة ( وهو ما لا تتعلق به العلوم البحتة من كيمياء وطبيعة وفلك وأحياء وطب ...الخ ) فالشأن فيه شأن الشرائع القانونية والمبادئ والأصول التي تنظم حياته ونشاطه .. مرتبطة بالعقيدة . فلا يجوز للمسلم أن يتلقى فيه إلا عن مسلم , يثق في دينه وتقواه , ويعلم أنه يتلقى في هذا كله عن الله .. والمهم أن يرتبط هذا في حس المسلم بأمر عقيدته . وأن يعلم أن هذا مقتضى عبوديته لله وحده .. أي مقتضى إسلامه !
إنه قد يقرأ كل آثار النشاط الجاهلي ولكن لا ليكوّن منه تصوره في هذه الشؤون . إنما ليعرف كيف تنحرف الجاهلية ! وليعرف كيف يصحح هذه الانحرافات البشرية بردها إلى مقوّمات التصور الإسلامي .
إن اتجاهات الفلسفة بجملتها . واتجاهات تفسير التاريخ الإنساني بجملتها . واتجاهات على النفس بجملتها .( فيما عدا بعض الملاحظات والمشاهدات دون تفسيراتها العامة ) ومباحث الأخلاق بجملتها . واتجاهات دراسة الأديان المقارنة بجملتها . واتجاهات التفسيرات الاجتماعية بجملتها ( فيما عدا الإحصاءات والمعلومات المباشرة .. لا النتائج العامة المستخلصة منها ..) ..
إن هذه الاتجاهات كلها في الفكر الجاهلي ـ غير الإسلامي ـ قديماً وحديثاً متأثرة تأثراً مباشراً بتصورات جاهلية . وقائمة على هذه التصورات . ومعظمها ـ إن لم تكن كلها ـ تتضمن في أصولها المنهجية عداء ظاهراً أو خفياً للتصور الديني جملة , وللتصور الإسلامي على وجه الخصوص !
والأمر في هذه الألوان من النشاط الفكري والعلمي ليس كالأمر في علوم الكيمياء والطبيعة والفلك والأحياء والطب وما إليها .. ما دامت في حدود التجربة الواقعية , وتسجيل النتائج الواقعية . دون مجاوزتها إلى التفسير الفلسفي في صورة من صوره . وذلك كتجاوز "الدراوينية" مثلاً لمجال إثبات المشاهدات وترتيبها في علم الأحياء إلى مجال القول ـ بدون دليل وبدون حجة للقول كذلك إلا الرغبة والهوى ـ إنه لا ضرورة لافتراض وجود قوة خارجة عن العالم الطبيعي لتفسير نشأة الحياة وتطورها !
إن لدى المسلم الكفاية من بيان ربه الصادق عن تلك الشؤون كلها في المستوى الذي تبدو فيه محاولات البشر في هذه المجالات هزيلة مضحكة . فضلاً على أن الأمر كله يتعلق تعلقاً مباشراً بالعقيدة : عقيدة الألوهية الواحدة والعبودية الشاملة . قاعدة هذا التصور وحقيقته الكبرى ..
إن حكاية أن الثقافة تراث "إنساني" لا وطن له ولا جنس ولا دين ... هي حكاية صحيحة عندما تتعلق بالعلوم البحتة وتطبيقاتها العملية ـ دون تجاوز هذه المنطقة إلى التفسيرات الفلسفية لنتائج هذه العلوم ـ ولا إلى التفسيرات الفلسفية لنفس الإنسان ونشاطه وتاريخه , ولا إلى الفن والأدب والتعبيرات الشعورية جميعاً . ولكنها فيما وراء ذلك إحدى مصائد اليهودية العالمية التي يهمها تمييع الحواجز كلها ـ بما في ذلك بل في أول ذلك حواجز العقيدة والتصور ـ لكي ينفذ منها اليهود إلى جسم العالم كله , وهو مسترخ مخدر , ثم تزاول اليهودية فيه نشاطها الشيطاني . وفي أوله نشاطها الربوي . الذي ينتهي إلى جعل حصيلة كد البشرية تؤول إلى أصحاب المؤسسات المالية الربوية من اليهود !!!
ولكن الإسلام يعتبر أن هناك نوعين اثنين من الثقافة ـ فيما وراء العلوم البحتة وتطبيقاتها العملية ـ الثقافة الإسلامية , القائمة على قاعدة التصور الإسلامي . والثقافة الجاهلية القائمة على مناهج شتى كلها ترجع إلى قاعدة واحدة . قاعدة إقامة الفكر البشري إلهاً , لا يرجع إلى الله في ميزانه .. والثقافة الإسلامية شاملة لكل حقول النشاط الفكري والواقعي الإنساني ؛ وفيها من القواعد والمناهج والخصائص ما يكفل نمو هذا النشاط وحيويته دائماً .
ويكفي أن نعلم أن الاتجاه التجريبي , الذي قامت عليه الحضارة الصناعية الأوربية الحاضرة , قد نشأ ابتداء في الجامعات الإسلامية , مستمداً أصوله من التصور الإسلامي وتوجيهاته إلى الكون وطبيعته الواقعية ومدخراته وأقواته . ثم استقلت النهضة في أوربا بهذا المنهج واستمرت تُنميه وتُرقيه ؛ بينما ركد وترك نهائياً في العالم الإسلامي .. بسبب بعد هذا العالم تدريجياً ـ بفعل عوامل كامنة في محيطه وبفعل الكيد والهجوم الصهيوني والصليبي عليه من خارجه ـ عن عقيدته وتصوره ومنهجه الأساسي .. ثم قطعت أوربا ما بين المنهج الذي اقتبسته وبين أصوله الاعتقادية الإسلامية , وشردت به نهائياً بعيداً عن الله ؛ في أثناء شرودها عن الكنيسة التي تستطيل على الناس ـ بغياً وعدواً ـ باسم الله !
وكذلك أصبح نتاج الفكر الأوربي بجملته ـ شأنه شأن نتاج الفكر الجاهلي في جميع الأزمان وفي جميع البقاع ـ شيئاً آخر ذا طبيعة مختلفة من أساسها عن مقومات التصور الإسلامي ووجب أن يرجع المسلم إلى مقومات وحدها . وألا يأخذ إلا من المصدر الرباني إن استطاع بنفسه , و إلا فلا يأخذ إلا عن مسلم تقي , يعلم عن دينه وتقواه ما يطمئنه إلى الأخذ عنه .
إن حكاية فصل "العلم" عن صاحبه , لا يعرفها الإسلام فيما يختص بكل العلوم المتعلقة بمقومات التصور , المؤثرة في نظرة الإنسان إلى الوجود والحياة والنشاط الإنساني والأوضاع والقيم والموازين والتقاليد والعادات , وسائر ما يتعلق بحياة الكائن الإنساني من هذه النواحي ..
إن الإسلام يتسامح أن يتلقى المسلم عن غير المسلم و عن غير التقي من المسلمين في علم الكيمياء البحتة أو الطبيعة أو الفلك أو الطب أو الصناعة أو الزراعة . أو الأعمال الإدارية أو الكتابية .. وذلك في الحالات التي لا يجد فيها مسلماً تقياً يأخذ عنه في هذا كله كما هو واقعنا اليوم الناشئ من بعدنا عن ديننا ونهجنا وتصورنا لمقتضيات الخلافة في الأرض ـ بإذن الله ـ وما يلزم لهذه الخلافة من هذه العلوم والمهارات المختلفة !
ولكنه لا يتسامح أن يتلقى أصول عقيدته ولا مقومات تصوره . ولا تفسير قرآنه وحديثه وسيرة نبيه . ولا منهج تاريخه وتفسير نشاطه . ولا مذهب مجتمعه . ولا نظام حكمه ولا منهج سياسته . ولا موحيات فنه و أدبه وتعبيره ... من مصادر غير إسلامية . ولا أن يتلقى عن غير مسلم يثق في دينه وتقواه .
إن الذي يقول هذا الكلام إنسان عاش يقرأ أربعين سنة كاملة , كان عمله الأول فيها هو القراءة والإطلاع , في معظم حقول المعرفة الإنسانية . ما هو من تخصصه وما هو من هواياته الثقافية .. ثم عاد إلى مصادر عقيدته وتصوره , فإذا هو يجد كل ما قرأه ضئيلاً ضئيلاً إلى جنب ذلك الرصيد الضخم ـ وما كان يمكن أن يكون الأمر إلا كذلك ـ وما هو بنادم على ما قضى فيه أربعين سنة من عمره . وإنما عرف الجاهلية على حقيقتها . وعلى انحرافها وعلى ضآلتها وعلى قزامتها .. وعلى جعجعتها وانتفاشها . وعلى غرورها وادعائها كذلك ! وعلم علم اليقين أنه لا يمكن أن يجمع المسلم بين هذين المصدرين في التلقي !!!
ومع ذلك فليس الذي سبق في هذه الفقرة رأياً لي أبديته .. فالأمر أكبر من أن يُفتَى فيه بالرأي , وأثقل في ميزان الله من أن يعتمد المسلم فيه على رأي .. إنما هو قول الله ـ سبحانه ـ وقول نبييه ـ صلى الله عليه وسلم ـ نحكّمه في هذا الشأن , ونرجع فيه إلى الله وإلى الرسول كما يرجع الذين آمنوا إلى الله وإلى الرسول فيما اختلفوا فيه . إن كانوا يؤمنون بالله واليوم الآخر .
يقول الله سبحانه عن الهدف النهائي لليهود والنصارى في شأن المسلمين بصفة عامة : "وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (البقرة109) .
"وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ".. (البقرة120).
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ".. (آل عمران100) .
وحين يتحدد الهدف النهائي لليهود والنصارى في شأن المسلمين على هذه النحو القاطع , يكون من البلاهة الظن لحظة بأنهم يصدرون في أي مبحث من المباحث المتعلقة بالعقيدة الإسلامية أو التاريخ الإسلامي , أو التوجيه في نظام المجتمع المسلم أو في سياسته أو اقتصاده إلى خير أو إلى هدى أو إلى نور ... والذين يظنون ذلك فيما عند هؤلاء الناس بعد بيان الله سبحانه إنما هم الغافلون !
كذلك يتحدد من قول الله سبحانه : "قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى" المصدر الوحيد الذي يجب على المسلم الرجوع إليه في هذه الشؤون . فليس وراء هدى الله إلا الضلال . وليس في غيره هدى , كما تفيد صيغة القصر الواردة في النص : " قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى" .. ولا سبيل إلى الشك في مدلول هذا النص ولا إلى تأويله كذلك !
كذلك يرد الأمر القاطع بالإعراض عمن يتولى عن ذكر الله , ويقصر اهتمامه على شؤون الحياة الدنيا ؛ وينص كذلك على مثل هذا لا يعلم إلا ظناً , والمسلم منهي عن اتباع الظن . وانه لا يعلم إلا ظاهراً من الحياة الدنيا فهو لا يعلم علماً صحيحاً :
" فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى".. (النجم30).. " يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ"... (الروم7)
والذي يغفل عن هدى الله ولا يريد إلا الحياة الدنيا ـ وهو شأن جميع "العلماء" اليوم ! ـ لا يعلم إلا هذا الظاهر وليس هذا هو العلم الذي يثق المسلم في صاحبه فيتلقى عنه في كل شأنه . وإنما يجوز أن يتلقى عنه في حدود علمه المادي البحت . ولا يتلقى منه تفسيراً ولا تأويلاً عاماً للحياة أو متعلقاتها التصورية .. كما أنه ليس هو العلم الذي تشير إليه الآيات القرآنية , وتثني على أهله . فأي علم لا يؤدي إلى الاهتداء إلى الله ؛ ولا يقوم على إدراك فضل الله في تعليم الإنسان ما لم يعلم ؛ وفي منحه ابتداء القدرة على الإدراك ؛ وفي تسخير النواميس الطبيعية له .. أي علم لا يقوم على هذه الأسس هو علم ضال مضل ؛ وليس هو العلم الذي تقصده الآيات القرآنية وتثني عليه .. كما يفهم الذين ينتزعون النصوص القرآنية من سياقها ليستشهدوا بها في غير مواضعها !
إن العلم ـ بطبيعة الحال ـ ليس مقصوراً على علم العقيدة , وعلم الفرائض الدينية .. فالعلم يشمل كل شيء , ويتعلق بالقوانين الطبيعية وتسخيرها في خلافة الأرض تعلقه بالعقيدة والفرائض على السواء .. ولكن العلم الذي ينقطع عن قاعدته الإيمانية وعلم الفلك , وعلم الأحياء , وعلم الطبيعة , وعلم الكيمياء , وعلم الطب , وسائر هذه العلوم المتعلقة بالنواميس الطبيعية والقوانين الحيوية .. إنها كلها تؤدي إلى الله ؛ حين لا يستخدمها الهوى المنحرف للابتعاد عن الله .. كما اتجه المنهج الأوربي في النهضة العلمية ـ مع الأسف ـ بسبب الملابسات النكدة التي قامت في التاريخ الأوربي خاصة , بين المشتغلين بالعلم وبين الكنيسة الغاشمة ! ثم ترك آثاره العميقة في مناهج الفكر الأوربي كلها , وفي طبيعة التفكير الأوربي . وترك الرواسب المسممة بالعداء لأصل التصور الديني جملة ـ لا لأصل التصور الكنسي وحده ولا للكنيسة وحدها ـ في كل ما أنتجه الفكر الأوربي في كل حقل من حقول المعرفة . سواء كانت فلسفية ميتافيزيقية , أو كانت بحوثاً علمية بحتة لا علاقة لها ـ في الظاهر ـ بالموضوع الديني !
وإذا تقرر أن مناهج الفكر الغربي ونتاج هذه الفكر في كل حقول المعرفة ؛ يقوم ابتداء على أساس تلك الرواسب المسممة بالعداء لأصل التصور الديني جملة .. فإن تلك المناهج وهذا النتاج أشد عداء للتصور الإسلامي خاصة ؛ لأنه يتعمد هذا التصور والمفهومات الإسلامية ؛ ثم تحطيم الأسس التي يقوم عليها تميز المجتمع المسلم وعلى نتاجه كذلك في الدراسات الإسلامية .. ومن ثم تجب الحيطة كذلك في دراسة العلوم البحتة ـ التي لا بد في موقفنا الحاضر من تلقيها من المصادر الغربية ـ من أية ظلال فلسفية تتعلق بها . لأن هذه الظلال معادية في أساسها للتصور الديني جملة , وللتصور الإسلامي بصفة خاصة . وأي قدر منها يكفي لتسميم الينبوع الإسلامي الصافي ..
وسنحاول فيما يلي أن نقول كلمة مفصلة عن الأدب والتاريخ بوجه خاص , وكيف تدرس هذه الجوانب دراسة مأمونة لتنشئة "المسلم" وتنقية ضميره من شوائب الجاهلية التي تغمر وجه الأرض جميعاً .
إن الأدب أشد المؤثرات في تكوين فكرة وجدانية عن الحياة , وفي طبع النفس البشرية بطابع خاص . ومن هنا يجب أن يكون لنا أدب نابع من التصور الإسلامي . ولعله يحسن أن نقول هنا كلمة مفصلة عن منهج الأدب الإسلامي :
الأدب ـ كسائر الفنون ـ تعبير موح عن قيم حية ينفعل بها ضمير الفنان . هذه القيم قد تختلف من نفس إلى نفس , ومن بيئة إلى بيئة . ومن عصر إلى عصر , ولكنها في كل حال تنبثق من تصور معين للحياة , والارتباطات فيها بين الإنسان والكون , وبين بعض الإنسان وبعض .
ومن العبث أن تحاول تجريد الأدب أو الفنون عامة من القيم التي يحاول التعبير عنها مباشرة , أو التعبير عن وقعها في الحس الإنساني . فإننا لو أفلحنا ـ وهذا متعذر ـ في تجريدها من هذه القيم , لن تجد بين أيدينا سوى عبارات خاوية , أو خطوط جوفاء , أو أصوات غفل , أو كتل صماء .
كذلك من العبث محاولة فصل تلك القيم عن التصور الكلي للوجود والحياة , والارتباطات فيها بين الإنسان والكون والأحياء والأحداث , وبين بعض الإنسان وبعض . ويستوي أن شعر الإنسان بأن له تصوراً خاصاً للحياة أو لا يشعر , لأن هذا قائم في نفسه على كل حال , وهو الذي يحدد قيم الحياة في نظره , ويلون تأثراته بهذه القيم ...
والإسلام تصور معين للحياة , وتنبثق منه قيم خاصة لها . فمن الطبيعي إذن أن يكون التعبير عن هذه القيم , أو عن وقعها في نفس الفنان , ذا لون خاص .
وأهم خاصية للإسلام أنه عقيدة ضخمة جادة فاعلة خالقة منشئة , تملأ فراغ النفس والحياة , وتستنفذ الطاقة البشرية في الشعور والعمل , وفي الوجدان والحركة , فلا تبقي فيها فراغاً للقلق والحيرة , ولا للتأمل الضائع الذي لا ينشئ سوى الصور والتأملات .
وأبرز ما فيه هو الواقعية العملية حتى في مجال التأملات والأشواق . فكل تأمل هو إدراك أو محاولة لإدراك طبيعة العلاقات الكونية أو الإنسانية , وتوكيد للصلة بين الخالق والمخلوق , أو بين مفردات هذا الوجود . وكل شوق هو دفعة لإنشاء هدف , أو لتحقيق هدف , مهما علا واستطال .
وقد جاء الإسلام لتطوير الحياة وترقيتها , لا للرضى بواقعها في زمان ما أو في مكان ما , ولا لمجرد تسجيل ما فيها من دوافع وكوابح , ومن نزعات وقيود , سواء في فترة خاصة , أو في المدى الطويل .
مهمة الإسلام دائماً أن يدفع بالحياة إلى التجدد والنمو والترقي , وأن يدفع بالطاقات البشرية إلى الإنشاء والانطلاق والارتفاع .
ومن ثم فالأدب أو الفن المنبثق من التصور الإسلامي للحياة , قد لا يحفل كثيراً بتصوير لحظات الضعف البشري , ولا يتوسع في عرضها , وبطبيعة الحال لا يحاول أن يبررها , فضلاً على أن يزينها بحجة أن هذا الضعف واقع , فلا ضرورة لإنكاره أو إخفائه .
إن الإسلام لا ينكر أن في البشرية ضعفاً , ولكنه يدرك كذلك أن في البشرية قوة . ويدرك أن من مهمته هي تغليب القوة على الضعف , ومحاولة رفع البشرية وتطويرها وترقيتها , لا تبرير ضعفها أو تزيينه .
والأدب أو الفن المنبثق من التصور الإسلامي للحياة قد يلم أحياناً بلحظات الضعف البشري , ولكنه لا يلبث عندها إلا ريثما يحاول رفع البشرية من وهدة هذه اللحظات , وإطلاقها من عقال الضرورة وضغطها . وهو لا يصنع هذا متأثراً بالمعنى الضيق لمفهوم "الأخلاق" إنما يصنعه متأثراً بطبيعة التصور الإسلامي للحياة , وبطبيعة الإسلام ذاته في تجديد الحياة وترقيتها , وعدم الاكتفاء بواقعها في لحظة أو فترة .
والنظرة الإسلامية لا تؤمن بسلبية الإنسان في هذه الأرض , ولا بضآلة الدور الذي يؤديه في تجديد الحياة وترقيتها . ومن ثم فالأدب أو الفن المنبثق من التصور الإسلامي لا يهتف للكائن البشري بضعفه ونقصه وهبوطه ؛ ولا يملأ فراغ مشاعره وحياته بأطياف اللذائذ الحسية , أو بالتشهي الذي لا يخلق إلا القلق والحيرة والحسد والسلبية . إنما يهتف لهذا الكائن بأشواق الاستعلاء والطلاقة , ويملأ فراغ حياته ومشاعره بالأهداف البشرية التي تجدد الحياة وترقيها . سواء في ضمير الفرد أو في واقع الجماعة .
وليست الخطب الوعظية هي سبيل الأدب أو الفن المنبثق من التصور الإسلامي , فهذه وسيلة بدائية وليست عملاً فنياً بطبيعة الحال .
كذلك ليست وظيفة هذا الأدب أو الفن هي تزوير الشخصية الإنسانية أو الواقع الحيوي , وإبراز الحياة البشرية في صورة مثالية لا وجود لها . إنما هو الصدق في تصوير المقدرات الكامنة أو الظاهرة في الإنسان , والصدق كذلك في تصوير أهداف الحياة اللائقة من البشر , لا بقطيع من الذئاب !
والأدب أو الفن المنبثق من التصور الإسلامي أدب أو فن موجه , بحكم أن الإسلام حركة تجديد وترقية مستمرة للحياة , فهو لا يرضى بالواقع في لحظة أو جيل , ولا يبرره أو يزينه لمجرد أنه واقع . فمهمته الرئيسية هي تغيير هذا الواقع وتحسينه , والإيحاء الدائم بالحركة الخالقة المنشئة لصور متجددة من الحياة .
وقد يلتقي في هذا مع الأدب أو الفن الموجه بالتفسير المادي للتاريخ , يلتقي معه لحظة واحدة ثم يفترقان ..
فالصراع الطبقي هو محور الحركة التطويرية في ذلك الفن . أما الإسلام فلا يعطي الصراع الطبقي كل هذه الأهمية , لأن نظرته إلى أهداف البشرية أوسع وأرقى . إنه لا يرضى بالظلم الاجتماعي ولا يقره , ولا يهتف للناس بالرضى به أو الّتذاذه ! وهو يعمل ـ فيما يعمل ـ لمكافحته وتبديله . ولكنه لا يقيم حركته على الحقد الطبقي , بل على الرغبة في تكريم الإنسان ورفعه عن درك الخضوع للحاجة والضرورة , وإطلاق إنسانيته المبدعة من الإنحصار في الطعام والشراب وجوعات الجسد على كل حال .
فالمحور الذي تدور عليه حركة النمو والتجدد في المنهج الإسلامي هو ترقية البشرية كلها , ودفعها إلى الانطلاق والارتفاع , وإلى الخلق والإبداع . وفي الطريق يلم بآلام الطبقات وقيودها , ليحطم هذه القيود , ويزيل تلك الآلام .
إنه لا يحقر آلام البشر , ولكنه لا يستخدم الحقد الطبقي لإزالتها , لاعتباره أن الحقد ذاته قيد يحول دون انطلاق البشرية إلى آفاق أعلى !







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 17-11-2010, 01:32 AM   رقم المشاركة : 18
معلومات العضو
مصطفى الكومي
أقلامي
 
إحصائية العضو







مصطفى الكومي غير متصل


افتراضي رد: العدالة الاجتماعية في الإسلام

أما كيف يعالج هذه الآلام علاجاً واقعياً عملياً , لا وعظياً ولا خيالياً , فقد تحدثنا عنه في غير هذا الموضع . إنما المهم أن نقرر هنا أن الأدب أو الفن الإسلامي أدب أو فن موجه .
موجه بطبيعة التصور الإسلامي للحياة وارتباطات الكائن البشري فيها , وموجه بطبيعة المنهج الإسلامي ذاته , وهي طبيعة حركية دافعة للإنشاء والإبداع , وللترقي والارتفاع . ولست أعني التوجيه الإجباري على نحو ما يفرضه أصحاب مذهب التفسير المادي للتاريخ , إنما أعني أن تكيف النفس البشرية بالتصور المادي , أو أي تصور آخر , لأن التعبير الفني لا يخرج عن كونه تعبيراً عن النفس الإنسانية كتعبيرها بالسلوك في واقع الحياة .
وأخيراً فإن الإسلام لا يحارب الفنون ذاتها , ولكنه يعارض بعض التصورات والقيم التي يعبر عنها هذه الفنون . ويقيم مكانها ـ في عالم النفس ـ تصورات وقيماً أخرى , قادرة على الإيحاء بتصورات جمالية إبداعية , وعلى إبداع صور فنية أكثر جمالاً وطلاقة , وتنبثق انبثاقاً ذاتياً من طبيعة التصور الإسلامي , وتتكيف بخصائصه المميزة .
ولا ينبغي أن يفهم من هذا تحريم الآداب الأوربية على الناشئة المسلمة . فالذي نعنيه هو مجرد الاختيار والانتقاء . ففي هذه الآداب ما تلتئم روحه من بعض الجوانب مع الروح الإسلامية . لا لأنه حث على الفضائل وتقبيح للرذائل ؛ فالأدب ليس منبراً خطابياً للوعظ والإرشاد . ولكن لأنه ينظر إلى الحياة نظرة روحية أرفع من المادة ؛ ولأنه يعترف بالقيم المعنوية للحياة . فهذا اللون من الأدب يتفق في روحه مع المنهج الإسلامي في عمومه . وتمكن دراسته مع حسن الاختيار .
* * *
والتاريخ فرع من الأدب , ولكنه ذو طبيعة خاصة , ذو خطورة كذلك . فالتاريخ تفسير لوقائع الحياة , ولا بد أن يتأثر بالفلسفة والتصور العام للحياة . وستؤدي تفسيراته على هذا النحو إلى تكوين صورة عن الحياة تختلف اختلافاً رئيسياً عن التصور الإسلامي لاتجاه الحياة والتاريخ .
وفوق ذلك فإن المؤرخين ـ لأنهم أوربيين في الغالب ـ جعلوا محور التاريخ العالمي هو تاريخ أوربا . وهم في هذا معذورون بحكم الفطرة البشرية . وذلك إذا أغضينا عن الأثرة الغربية والغرور الأوربي . فدراسة ناشئتنا لتاريخ , تلك روحه وهذه طريقته , يجعلهم يخرجون بفكرتين باطلتين :
الأولى : أنه لا أثر للعوامل الروحية في سير خط الزمن , أو أن هذا الأثر ضعيف ضئيل .
والثانية : أن أوربا هي محرك خط الزمن , وأن الإسلام بالذات ليس له إلا أثر ضئيل وضعيف .
وأثر كل من هاتين الفكرتين مؤذ وخطير , سواء في تكوين فكرة عامة عن الحياة والخلق والسلوك , أو في الشعور بالعزة الإسلامية أمام التيار الأوربي الجارف .
يجب أن نأخذ في وضع تاريخ عالمي عام , من وجهة النظر الإسلامية , في تفسير الحوادث والوقائع , فلا تنفرد طريقة النظر الأوربية بهذا العمل الخطير . على أن نضع أوربا في هذا التاريخ في موضعها الحقيقي لا تتجاوزه , وعلى أن نبرز دور البشرية بصفة عامة , ودور الإسلام بصفة خاصة في خط سير التاريخ .
إن التاريخ ليس هو الحوادث , إنما هو تفسير هذه الحوادث , والاهتداء إلى الروابط الظاهرة والخفية التي تجمع بين شتاتها , وتجعل منها وحدة متماسكة الحلقات , متفاعلة الجزئيات , ممتدة مع الزمن والبيئة امتداد الكائن الحي في الزمان والمكان .
ولكي يفهم الإنسان الحادثة ويفسرها , ويربطها بما قبلها وما تلاها , وينبغي أن يكون لديه الاستعداد لإدراك مقومات النفس البشرية جميعها : روحية وفكرية وحيوية , ومقومات الحياة البشرية جميعها : معنوية ومادية . وأن يفتح روحه وفكره وحسه للحادثة , ويستجيب لوقعها في مداركه , ولا يرفض شيئاً من استجاباته لها إلا بعد تحرج وتمحيص ونقد .
وعلى ذلك فإن التاريخ الإسلامي يجب أن تعاد كتابته على أسس جديدة وبمنهج آخر .
يجب أن ينظر إلى الحياة الإسلامية من زاوية جديدة , وتحت أضواء جديدة , لكي تعطي كل أسرارها وإشعاعاتها , وتنكشف بكل عناصرها ومقوّماتها .
وفي هذه الدراسة الجديدة يجب أن تكون المصادر الإسلامية هي المرجع الأول , بعد أن يعيش الباحث بعقله وروحه وحسه في جو الإسلام كعقيدة وحركة وفكرة ونظام . وفي جو الحياة الإسلامية كقطعة من حياة البشرية الواقعية . وهذه الحياة في هذا الجو ضرورية جداً لتفتح نوافذ إدراكه جميعاً , لا لفهم تلك الحياة فحسب , بل لإدراكها ككائن حي , وإدراك مواقع الحوادث والوقائع في جسم هذا الكائن الحي .
وإنه ليعز على الباحث في أية فترة من حياة الإنسانية أن يدركها إدراكاً حقيقياً داخلياً إلا أن يتجاوب معها بكل ذاتيته , وأن يعيش في جوها بكامل مؤثراتها وإيحاءاتها . فليست هذه خصيصة قاصرة على الحياة الإسلامية ؛ وإن كانت أكثر وضوحاً بالقياس إلى الحياة الإسلامية , لأن مقومات هذه الحياة تختلف في كثير من أنواعها وماهياتها عن مقومات الفترة الحاضرة .
وإنه ليصعب أن نتصور إمكان دراسة الحياة الإسلامية كاملة دون إدراك كامل للعقيدة الإسلامية , وللتصور الإسلامي عن الألوهية والكون والحياة والإنسان , ولطبيعة استجابة المسلم لتلك العقيدة , وطريقته في الاستجابة للحياة كلها في ظل تلك العقيدة . وهذه الخصائص كلها لا يمكن أن تطلب إلا عند باحث مسلم , يعيش في حركة إسلامية ؛ وهي الخصائص التي لا بد من توافرها عند إعادة كتابة التاريخ الإسلامي .
إنه لا بد من إدراك البواعث الحقيقية لتصرفات الناس في خلال هذه الحياة التاريخية الإسلامية , وعلاقة هذه البواعث بالحوادث , والتطورات , والانقلابات . ولا بد من ربط هذا كله بطبيعة العقيدة الإسلامية وما فيها من روح ثورية ـ لا في شكلها الخارجي وخطواتها العملية فحسب ـ ولكن في تفسيرها للعلاقات الكونية , وللعلاقات الإنسانية , والعلاقات الاجتماعية . وفي تصويرها لنظام الحكم وسياسة الحكم وسياسة المال وطرق التشريع ووسائل التنفيذ ..الخ . وهي كلها من مقومات الحياة , وبالتالي من مقومات التاريخ لهذه الحياة .
إن المعارك الحربية , والمعاهدات السياسية , والاحتكاكات الدولية .. وما إليها مما يعني به التاريخ غالباً أكثر من سواه .. إنها كلها محكومة بعوامل أخرى هي التي يجب أن تبرز عند كتابة التاريخ.. هذه العوامل هي التي يختلف الباحثون في إدراكها وتقديرها : كل يخضع للفلسفة التي تسيطر على تفكيره وتقديره , أي لطريقة إدراكها للحياة في عمومها . وللباحث المسلم الذي يعيش في حركة إسلامية , المزية هنا في دراسة الحياة الإسلامية , لأن طريقة إدراكه للحياة تمت بصلة إلى حقيقة هذه العوامل المؤثرة في سير التاريخ . ومن ثم فهو أقدر على التلبس بها واستبطانها , والاستجابة لها استجابة كاملة صحيحة .
وعلى ضوء إدراكه لطبيعة العقيدة الإسلامية , وطريقة استجابة المسلمين لها , يستطيع أن يزن دوافع الحياة الإسلامية في تلك الفترة التاريخية , والقيم الإنسانية الكامنة فيها , وأسباب النصر والهزيمة في كل خطوة . وأن يتصور الحياة الظاهرة والباطنة لتلك الجماعات الإنسانية في مهد الإسلام الأول وفي البلاد التي انساح فيها , فيضم إلى الجوانب الظاهرة التي لا يدرك الغربيون سواها في الغالب , كل الجوانب الروحية الخفية التي يعدها الإسلام واقعاً من الواقع , ويحسب لها حسابها في سير الزمان وتشكل الحياة في كل زمان ومكان .
ولما كانت الحياة الإسلامية فترة من الحياة البشرية , والمسلمون جماعة من بني الإنسان في حيز من الزمان والمكان , والإسلام رسالة كونية بشرية غير محدودة بالزمان والمكان .. فإن التاريخ الإسلامي لا يمكن فصله من التاريخ الإنساني .
وقد تأثرت تلك الفترة ـ من غير شك ـ بمواجهة الإسلام فيها للجاهلية , والتعامل مع تلك العوامل التي كانت واقعة عند مولد الإسلام . ثم أثرت بدورها في تجارب البشرية من بعد , وبخاصة تلك الجهات التي امتدت إليها أو جاورتها . فلا بد إذن عند كتابة التاريخ الإسلامي من الإلمام بالصورة التي انتهت إليها الإنسانية قبل مولد الإسلام , والحالة التي صارت إليها المجتمعات البشرية في الأرض , وبخاصة من ناحية العقائد الدينية وسائر ما يتعلق بها من أفكار وفلسفات ونظريات , ومن ناحية الأوضاع الاجتماعية وما يتعلق بها من نظم الحكم وسياسة المال وعلاقات المجتمع والأخلاق والعادات والأفكار , كي تتبين على ضوئها حقيقة دور الإسلام وطبيعته , ويمكن تفسير استجابة العالم لهذا النظام الجديد قبولاً أو رفضاً , وتصور أسباب الصراع وعوامل النصر والهزيمة كاملة وعناصر التفاعل والتدافع والتلاقي والانعكاس على مر الأيام .
وإذا كان الإلمام بوضع العالم إذ ذاك ضرورياً , فإن الإلمام بوضع الجزيرة العربية وتصور الحياة فيها من كافة نواحيها أكثر ضرورة بوصفها مهد الإسلام الأول من جهة , ومركز التجمع والانسياح من جهة أخرى .
فهل كانت مصادفة عابرة أن يظهر هذا الرسول بهذا الدين في هذا الموضع من الأرض في هذا الزمان ؟ أم أن هنالك نظاماً مقدوراً , وقصداً مقصوداً , وتدبيراً معيناً , وترتيباً موضوعاً , لتلتقي هذه الظواهر كلها حيث التقت , كي تؤدي دوراً معيناً , ليس أقل نتائجه تخطيط خريطة العالم في عالم الظاهر , وفي عالم الشعور على هذا الوضع الذي سارت إليه الأمور , منذ ذلك التاريخ البعيد؟!
ولعل هذا الخاطر أن يسوق إلى دراسة "محمد الرسول" في هذا السياق الكوني للتاريخ . فلعل في شخصه , وفي نسبه , وفي بيئة حياته , وفي تقاليد بيئته .. وفي سائر ما يحيط بالفرد الإنساني من مقومات , عوامل مقصودة , وموافقات مدبرة ؛ وأنها لم تكن مصادفة عابرة أن يشار إليه من بين الجموع البشرية الحاشدة , وأن يقال له : أنت . فانتدب لهذا الحدث الكوني الذي لم يسبق ولم يلحق بنظير .
ولعله كذلك أن يسوق إلى دراسة طبيعة هذا الحدث , والفكرة الكلية التي يتضمنها , قبل البدء في دراسة الأحداث والانقلابات العالمية التي تمت على أساسها ..
وبذلك تتهيأ لمثل هذا التاريخ صورة مستكملة الجوانب لكل الأوضاع والأحوال التي نشأت عنها الاستجابات التي وقعت بالفعل في تاريخ الإسلام في الفترة التي تلت ظهوره , كما يتهيأ له تفسير هذه الاستجابات تفسيراً صحيحاً , مستكملاً لكل عناصر الحكم والتقدير .
وبذلك يستحيل التاريخ عملية استبطان و تجاوب في ضمائر الأشياء والأشخاص , والأزمان والأحداث . ويتصل بناموس الكون , ومدارج البشرية , ويصبح كائناً حياً , ومادة حياة .
ومتى استقام البحث على ذلك المنهج الذي أسلفنا , وبرزت تلك المقومات الأساسية لطبيعة الدعوة , وطبيعة الرسول , وطبيعة البيئة التي استقبلت الدعوة واستقبلت الرسول , وطبيعة المجتمع الإنساني الذي كان يعاصر مولد الإسلام ؛ وطبيعة العقائد والأفكار التي كانت تسوده يومذاك ..
متى برزت تلك المقومات الأساسية , سهل تتبع نشاطها وتفاعلها وصيرورتها , وأمكن تصوير خطوات الدعوة على عهد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذه الخطوات التي تسير متأثرة بتلك المقومات كلها ؛ وتفاعل بعضها مع بعض , وتيسر لنا وللناس في هذا الجيل أن نعرف كيف اختار الرسول رجاله , ومن أية طينة كان هؤلاء الرجال ؛ وكيف أعدهم للمهمة العظمى ؛ وكيف بنى الرسول نظامه , وعلى أي الأسس قام هذا النظام ؛ وكيف تحولت الجزيرة العربية مهداً لهذا الدين الجديد , أو لهذا النظام الجديد ؛ وماذا كان في طبيعتها وفي ظروفها وفي رجالها وبيوتها وعشائرها , وفي علاقاتها الاجتماعية , وملابساتها الاقتصادية والجغرافية والحيوية .. من استعداد لتلبية هذا الحدث أو معارضته .. إلى آخر هذه المباحث التي تصور المرحلة الأولى من مراحل حياة الإسلام , أو من تاريخ الإسلام , والتي تصح تسميتها باسم : "الإسلام على عهد الرسول ".
ثم تجيء المرحلة الثانية : مرحلة "المد الإسلامي" . ذلك عندما انساح الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها . عندما فاض ذلك الفيض الانفجاري العجيب الذي لم يعرف له العالم نظيراً في سرعته وقوته . لا من ناحية الفتح العسكري وحده , ولكن من ناحية التأثير الروحي والفكري والاجتماعي أيضاً . أي من الناحية الإنسانية الشاملة , التي شهدت تحولاً كاملاً في خط سير التاريخ على مولد هذا الدين الجديد , وانتشاره ذلك الانتشار العجيب ! وهنا تبدو قيمة المنهج الذي أشرنا إليه , ويمكن تتبع أعمال الهدم والبناء , التي قام بها الإسلام في تلك الرقعة الفسيحة التي امتد إليها , وتفاعله مع الأفكار والعقائد التي كانت سائدة فيها , ومع النظم الاجتماعية التي كانت تظللها , ومع الظروف الاقتصادية , والمخلفات التاريخية , والملابسات الإنسانية , في أخصب بقاع الأرض , وأكثرها حضارة في ذلك الزمان .
والمد الإسلامي لم يقف عند الحدود التي وصلت إليها فتوحاته العسكرية . فلقد امتدت الموجة الفكرية , والحضارة إلي كونها إلى ما وراء حدود العالم الإسلامي قطعاً . ولا بد من دراسة آثار هذا المد فيما وراء هذه الحدود. دراستها طرداً و عكساً في حياة العالم الإسلامي ذاته , وفي حياة العالم غير الإسلامي كله . فقد أخذ هذا العالم من الإسلامي وأعطى , وقد تأثر به و أثر فيه . ودراسة هذه التفاعلات في ضوء المنهج الذي صورنا خصائصه , كفيلة بأن تنشئ صورة للعالم الإنساني وخطواته الحية مختلفة قليلاً أو كثيراً عن الصورة التي اعتاد الغربيون أن يرسموها , والتي اعتدنا نحن أن نراها !
ثم يجيء دور "انحسار المد الإسلامي" . وعلى ضوء المنهج وضوء دراسة المراحل التاريخية السالفة يمكن أن نتبين أسباب هذا الانحسار وعوامله الداخلية والخارجية جميعاً : إن كانت هذه العوامل من طبيعة العقيدة الإسلامية والنظام الإسلامي كما يزعم من يلقون الشبهات على الإسلام , أو أنها من صنع المسلمين أنفسهم , ومن صنع أعداء هذا الدين في العالم غير الإسلامي ؟ ثم هل كان هذا الانحسار شاملاً أم جزئياً ؟ وسطحياً أم عميقاً ؟ وما أثر هذا الانحسار في خط سير التاريخ , وفي تكييفه أحوال البشر , وفي قواعد التفكير والسلوك , وفي العلاقات الدولية والإنسانية ؟ وما وزن الأفكار والنظم والعقائد التي استحدثتها الإنسانية بالقياس إلى نظائرها في الإسلام ؟ وماذا كسبت البشرية وماذا خسرت من وراء انحسار المد الإسلامي وظهور هذا المد الأوربي الذي ما تزال تظللنا بقاياه ؟ ومن ثم يصبح الحديث عن "حاضر الإسلام" طبيعياً وفي أوانه , قائماً على أسسه الواضحة الصريحة ؛ وليس حديثاً تمليه العاطفة أو التعصب من هذا الجانب أو ذاك , ويصبح التاريخ الإنساني ـ في ضوء منهجنا الخاص ـ مسلسل الحلقات , متشابك الأواصر , ويتحدد دور الإسلام في هذا التاريخ في الماضي وفي الحاضر , و تتبين خطوطه في المستقبل على ضوء الماضي والحاضر .
* * *
هذه إشارات مجملة للعمل في الدائرة الفكرية للتمهيد للوجود الفعلي للإسلام . ولكن شيئاً من هذا لن يكون ذا قيمة قبل أن تدرك العصبة المؤمنة في الأرض أن هذا الدين عقيدة تتمثل في إفراد الله سبحانه بالألوهية , ومن ثم إفراده بالحاكمية . و "دين" يتمثل في نظام يترجم هذه العقيدة .. وأن تدرك كذلك أن هناك توقفاً في "وجود" الإسلام . وأن الخطوة الأولى هي إعادة وجود الإسلام عقيدة , ليمكن بعد ذلك وجوده نظاماً . وأن يستيقنوا أن المستقبل لهذا الدين ؛ على الرغم من هذا التوقف الموقوت .
والله المستعان .
العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب
في مفترق الطرق
والآن فإلى أين نحن نسير؟
يجب أن نقف لحظة لنسأل أنفسنا هذا السؤال ؛ ولونجه حياتنا في الاتجاه الذي نريد .
إن العالم بعد حربين متواليتين ينقسم اليوم إلى كتلتين كبيرتين : كتلة الشيوعية في الشرق , وكتلة الرأسمالية في الغرب .. هذا ما يبدو في ظاهر الأمر , وما تلوكه الألسن , ويقر في الأذهان .. فأما نحن فنعتقد أنه انقسام ظاهري لا حقيقي ؛ وأنه انقسام على المصالح لا على المبادئ ؛ وانه صراع على السلع والأسواق لا على العقائد والأفكار . فطبيعة التفكير الأوربي الأمريكي لا تفترق في حقيقتها عن طبيعة التفكير الروسي . كلتاهما على تحكيم الفكرة المادية في الحياة , وإذا كانت روسيا والصين وما إليها صارت شيوعية مادية فإن أوربا وأمريكا لا تفترقان عنها في التصور المادي والتاريخ !
فليس وراء التفكير المادي الذي يسود الغرب , ويرد الأخلاق إلى المنفعة , ويدعو إلى التناحر على الأسواق والمصالح .. ليس وراء هذا التفكير الذي ينفي العنصر الروحي من الحياة ؛ وينفي الإيمان بغير المعمل والتجربة ؛ ويحتقر المثل العليا المجردة ؛ وينكر وجود حقائق للأشياء إلا وظيفتها ـ على نحو ما تصنع فلسفة البراجماتيزم ـ ليس وراء هذا التفكير إلا المادية الماركسية في صورة أخرى !
إنه لا يوجد اختلاف في طبيعة التفكير الأمريكي والروسي , ولكن توجد اختلافات في الظروف الاقتصادية والاجتماعية . والذي يمسك الأمريكي العادي أن يكون شيوعياً ليس فكرة عن الحياة ترفض التفسير المادي للكون والحياة والتاريخ , بل لأن الفرصة مهيأة أمامه ليصبح ثرياً , ولأن أجر العامل مرتفع كذلك .
فلا يخدعنا أن نرى الصراع قوياً وعنيفاً بين كتلتي الشرق والغرب : فكلتاهما لا تملك إلا فكرة مادية عن الحياة , وكلتاهما قريبة في طبيعة تفكيرها من الأخرى , وكلتاهما لا تتنازعان على مبدأ أو فكرة , إنما تتنازعان النفوذ في العالم , والربح في الأسواق ! ونحن هذه الأسواق !
أما الصراع الحقيقي العميق , فهو بين الإسلام وبين الكتلتين الغربية والشرقية جميعاً . فالإسلام هو القوة الحقيقية التي تقف لقوة الفكرة المادية التي تدين بها أوربا وأمريكا وروسيا والصين على السواء . والإسلام هو الذي يتضمن التصور الكلي الشامل المتناسق عن الوجود والحياة ؛ ويقيم التكافل الاجتماعي في المحيط الإنساني مقام الصراع والتطاحن ؛ ويجعل للحياة قاعدة روحية تصلها بالخالق في السماء ؛ وتسيطر على اتجاهها في الأرض ؛ ولا تنتهي بالحياة إلى تحقيق أغراض مادية بحتة , وإن كان النشاط المادي المثمر عبادة من عبادات الإسلام .
وحقيقة إن الأديان الروحية ـ وفي مقدمتها المسيحية ـ تنكر المادية الأوربية الأمريكية , كما تنكر المادية الشيوعية , لأنهما من طبيعة واحدة مع الفكرة الروحية في الحياة . ولكن المسيحية ـ فيما أرى ـ لا تحسب قوة إيجابية في مواجهة الأفكار المادية الجديدة ؛ فقد انتهت إلى أن تكون ديانة فردية انعزالية سلبية ؛ لا تملك الحياة أن تنمو في ظلها النمو الدائم الفعال . ولقد عجزت عن مسايرة الحياة العملية في الأجيال المتلاحقة , ولم تسيطر على الحياة الواقعية , لأنها ـ كما صنعتها الكنيسة والمجامع المقدسة ـ بعيدة عن واقعيات الحياة .
والمسيحية كما انتهت إليه لا تستطيع أن تجاري الأحوال الاجتماعية والاقتصادية الدائمة التغير ؛ لأنه ليس في صميمها أية فكرة عن الحياة الواقعة العملية . فأما الإسلام فهو نظام كوني كامل ؛ فيه العقيدة , وفيه التشريع , وفيه التنظيم الاجتماعي والاقتصادي الخاضع للوجدان وللتشريع , القابل للنمو في الفروع والتطبيقات .
وهو يقدم للبشرية تصوراً كاملاً شاملاً عن الوجود والحياة , ونظاماً عملياً واقعياً للمجتمع , وشريعة مفصلة وقابلة للنمو التفريعي الذي يقابل حاجات المجتمع المتجددة .
وهو يقيم نظامه على أساس تصور شامل عن الحياة ويرفض التفكير المادي , ويقيم السلوك على أساس العنصر الروحي الأخلاقي , فيرفض فكرة المنفعة القريبة . وبذلك يصطدم اصطداماً مباشراً بالعقلية المادية السائدة في الكتلتين الشرقية والغربية ؛ ويرفع الحياة إلى أفق أعلى من تلك الآفاق القريبة ؛ التي تستشرفها أوربا وأمريكا وروسيا على السواء .
* * *
من ذلك الاستعراض السريع يبدو جلياً أن الصراع الحقيقي في المستقبل لن يكون بين الرأسمالية والشيوعية , ولا بين المعسكر الشرقي والمعسكر الغربي ... ولكنه سيكون بين المادية المتمثلة في الأرض كلها وبين الإسلام .. أو بتعبير أصح وأدق ستكون بين النظام الذي يجعل العبودية لله وحده , ويخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده , وبين سائر الأنظمة الأرضية التي تقوم على أساس من عبودية العباد للعباد ..
والمعسكران الشرقي والغربي على السواء يدركان هذه الحقيقة . ويعملان معاً ـ على كل ما بينهما من منافسات ومن متناقضات ـ على سحق حركات البعث الإسلامي في كل مكان وعلى حرب الإسلام بكل صور الحرب في كل مكان .
وهذا ما ينبغي أن يدركه الداعون إلى الله , فلا ينخدعوا بهذا النزاع الظاهر بين المعسكرات المختلفة , وبين الأنظمة المختلفة .
إن الإسلام هو القوة الحقيقة التي يحسب لها المعسكران كل حساب . وبقى أن يعرف أصحاب الإسلام هذه الحقيقة وان يقيموا خطتهم على هذا الأساس .
حركات البعث الإسلامي اليوم في مفترق الطرق . ونقطة البدء الصحيحة في الطريق الصحيح , هي أن تتبين الشرط الأساسي ل"وجود" الإسلام , أو عدم وجوده ؛ وأن تستيقن أن "وجود" الإسلام اليوم قد توقف ؛ وألا تفزع لهذا التقرير الخطير , ولا يتعاظمها الأمر , فتحجم رؤيته والجهر به . وأن تعلم أنها تستهدف إعادة إنشاء الإسلام من جديد ؛ أو بتعبير أدق رده مرة أخرى إلى حالة "الوجود" بعد أن توقف هذا الوجود فترة .. هذا طريق .. والطريق الآخر أن تظن هذه الحركات ـ لحظة واحدة ـ أن الإسلام قائم , وأن هؤلاء الذين يدّعون الإسلام ويتسمون بأسماء المسلمين هم فعلاً "مسلمون!" وأن الأوضاع "العلمانية" السائدة في الأرض هي أوضاع "إسلامية" كالوضع الذي أقامه أتاتورك , والأوضاع التي سارت على نسقه .. كما يريد " ولفرد كانتول سميث" وأمثاله والمخدوعون به والخادعون , أن يلقوا في روع الناس !
هذا طريق .. وذلك طريق . وحركات البعث الإسلامي اليوم على مفرق الطريق ! فإن سارت في الطريق الأول سارت على صراط الله وهداه ؛ وعلمت أنها تواجه توقفاً في "وجود" الإسلام ذاته . وأنها تستهدف ما استهدفه محمد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والجماعة المسلمة الأولى ؛ وأنها ستلقى مثلما لقى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه , من الاضطهاد والتعذيب , ومن الصبر والمصابرة , ثم من النصر والتأييد , والتمكين في الأرض في نهاية المطاف .
وإن صارت في الطريق الثاني الذي يدلها عليه مستر"ولفرد كانتول سميث" وضرباؤه والمخدوعون والخادعون , فستسير وراء سراب كاذب . تلوح لها فيه من بعيد "عمائم" .. تحرف الكلم عن مواضعه , وتشتري بآيات الله ثمناً قليلاً ؛ وترفع راية الإسلام على مساجد الضرار ؛ وتضع لافتات إسلامية على معسكرات الفجور والانحلال !
إن حركات البعث الإسلامي تتناثر اليوم على وجه الأرض كلها ؛ وتقتحم على الصليبية عرينها في قلب أمريكا وأوربا ؛ وتنتفض في آسيا وإفريقية ـ على الرغم من كل ما رصدته لها الصليبية والصهيونية من الأجهزة والأوضاع التي تحاول سحقها .
ولكن هذه الحركات يمكن أن تذهب وراء السراب الخادع ؛ ويمكن أن تسلك الطريق القاصد ..
ورجاءنا في الله كبير أن يفتح البصائر على الحق , وان يفتح العيون على الواقع .
والله الهادي والموفق والمعين ..
العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب







 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 02:22 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط