منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > منتديات اللغة العربية والآداب الإنسانية > منتدى قواعد النحو والصرف والإملاء

منتدى قواعد النحو والصرف والإملاء لتطوير قدراتنا اللغوية في مجال النحو والصرف والإملاء وعلم الأصوات وغيرها كان هذا المنتدى..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
غير مقروء 08-06-2007, 11:16 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
جمال الشرباتي
أقلامي
 
الصورة الرمزية جمال الشرباتي
 

 

 
إحصائية العضو







جمال الشرباتي غير متصل


إرسال رسالة عبر MSN إلى جمال الشرباتي إرسال رسالة عبر Yahoo إلى جمال الشرباتي

افتراضي جناية سيبويه

السلام عليكم
زكريا اوزون طالب شهرة بالتطاول على أكابرنا وأعلامنا وعلى فكرنا ولغتنا--

لعنه الله وجازاه بما يستحق نقمة وعذابا في الدنيا والآخرة--

إليكم نقدا لكتابه سيّء الذكر "جناية سيبويه"

---------------------------------------------------------------------------------------------


نـَظَرات في كتاب (جناية سيبويه) ـــ د.نبيل أبو عمشة*----------------------------------------------

أولاً: المقدّمة.‏
ليس الغرض من هذه النظرات مصادرة حقّ الآخرين في الكتابة أو النقد، ولو كان المنتَقَدُ قواعد اللغة، أو اللغة نفسها، فالعربيّة لغة هذه الأمّة، وأهمّ مقومات بقائها؛ حظيت عند الأوائل بما لم تحظ به لغة أخرى، ومن حقّ أبنائها في كلّ زمان أن يقولوا فيها ما يعتقدون أنّه الخير والصلاح لها، فهم أهل مكّة، وهم أدرى بشعابها.‏

بيد أنْ الناظر في أمرِ مَن يدّعون النقد والإصلاح تدخله الريبة فيما يكتبون، وينازعه الشك في أنّ أهل مكّة اليوم –إن كانوا من أهلها حقّاً- ما زالوا يعرفون شعابها، أو يعرفون مكّة نفسها.‏

ولا ريب أنّ الجهل بأمر هذه الشعاب فيه من الخطر ما فيه، وأقلّ ذلك أنّه يفضي إلى ضرب من العشوائيّة والتيه، هذا إذا أحسنّا الظنّ بهم وبما يصنعون، وإلاّ فإنّ أمراً قد دُبّر بليل، والغرض ممّا يلهثون وراءه لا يخفى على أحد، فالتخلص من العربيّة وقواعدها، وإحلال العاميّات محلّها مقدّمة لمحو أبرز معالم شخصيّة الأمّة، وقطع حاضرها عن ماضيها، وجعلها جسداً واهناً لا طاقة له على الصمود أو البقاء تمهيداً للإجهاز عليها.‏

وبين أيدينا نموذجٌ ممّا يكتبه هؤلاء، تجاوز فيه المؤلف حدود النقد إلى الهدم والاجتثاث.‏

وما كان هذا الكتاب ليستحق الردّ لو نظرنا إلى ظاهره، وهو نقد النحو العربيّ ممثلاً بسيبويه، ففيه من التهافت ما يغني عن الردّ، وقديماً قالوا "الرديء لا يساوي حمولته"، بيد أنّ مراميه أبعد من ذلك، وهو ما سيظهر للقارئ بجلاء.‏

----------------------------------------------------------------------------

ثانياً: البحث:‏ هذا الكتاب الذي سمّاه صاحبه "جناية سيبويه"(1) تعدَّدت غاياته، وأقربُها نقد النحو العربيّ، إن جاز لنا أن نسمّي ما جاء فيه نقداً.‏

والظاهر أيضاً من عنوانه أنّ مؤلّفه لا يقرّ بتسميته نحواً عربيَّاً، ولذا عزاه إلى سيبويه، مع أنّه لم يطلّع على كتاب هذا الأخير ولا وقف على شيء من كلامه، وأغلب الظنّ أيضاً أنّه لم يطّلع على مصنفات النحويين ولم يجاوز مقدّمات بعضها في أحسن الأحوال.‏

ومهما يكن فإنّ النحو الذي أراد الكاتب نقده، وبعبارة أدقّ هدمه واطّراحه، ليس هو تلك الأصول التي بنى عليها النحاة قواعدهم، ولا منهجهم في بناء القاعدة، فهذا ما لا طاقة له به، بل اتجه –وهذا كلّ ما لديه- إلى ما يمكن أن نسميه نماذج من التطبيق الإعرابي، يقف المرء عليها في كتب اللغة العربيّة التي صُنّفت لأغراضٍ تعليميّة، ولا سيّما الكتب المدرسيّة، وإلى بعض مصطلحات الإعراب التي استقرّت عند المتأخرين والمعاصرين ممّا يصاحب عادةً مثل تلك النماذج، ظنّاً منه أن هذا هو نحو سيبويه أو النحو العربيّ.‏

ولقد اصطنع المؤلّف في إطلالته شيئاً من الحياء، فأسرَّ أنّه كان متردّداً في نقد النحو، وينتابه الخوف "لأنّ السادة العلماء الأفاضل ومن بعدهم من النحاة قد ربطوه بالقرآن الكريم، فجعلوه كالقرآن لا يحقّ لأحدٍ نقده أو معارضته"(2).‏

ولا يخفى ما في هذا التردّد والخوف من تكلّف، لأنّه –أي المؤلّف- يعلم أنّ ما كتبه المعاصرون في نقد النحو العربي وتوجيهه أكثر من أن يحاط به، ولم نسمع عن واحدٍ من هؤلاء أنه استتيب أو طلب منه الرجوع عمّا كتب، ولعله يعلم أيضاً أنّ ابن مضاء القرطبي لم يتردّد قبله بألف سنة، ولم يعتوره خوف حين نقد النحاة في كتابه المشهور "الردّ على النحاة" ولعلّه لم يَبْلُغه أن سيبويه تعرّض للنقد من قبل بعض النحويين كالمبرّد، وهو من مدرسته ومن أتباعه، ولا يخفى على أحد انقسام النحاة إلى طوائف ومدارس حتّى ألّفت في خلافاتهم المطوّلات.‏

ولو أنّهم ربطوا النحو بالقرآن لما انتهى إلينا شيء من هذا كلّه، ولما رأينا اجتراء بعض النحويين على القرّاء وقراءاتهم أحياناً فلم يسلم هؤلاء من النقد، ولم يتكلف منتقدوهم الورع. فلا داعي إذاً لهذا الذي تكلّفه إن كان ما يضمره خيراً للّغة وقواعدها.‏

لكن من يمضي في قراءة المقدّمة –وهي الفصل الأوّل من الكتاب- يدرك من الوهلة الأولى أنّ الرجل لا يبتغي نقداً ولا إصلاحاً، بل هدماً كاملاً، لا لقواعد العربيّة فحسب، بل للعربيّة نفسها، تلك اللغة التي ما فتئ ينعتها بالقِدم، وأنّ "مفردات أجدادنا العرب القدامى غير كافية لاستيعاب كافة المسميات في أيّامنا المعاصرة"(3)، ولذا –والدعوة له- لا بدّ من اعتماد اللهجات بديلاً لهذه اللغة، كما سيأتي بعد قليل.‏

ولا ريب أنّه كلام غريب لا يصدر إلاّ عمّن ينظر إلى اللغة على أنّها كائن جامد، وإلاّ فكيف يطلب من لغة أن تستوعب منذ نشأتها "كافة المسميات في أيامنا المعاصرة".‏

إنّ اللغة كائن حيّ، وهي في كل مرحلة من مراحل حياتها تستوعب بفضل من يتكلمون بها مسميّات عصرها، وإنْ مسَّها شيء من الجمود أو الوهن فمِن هؤلاء وليس منها، ولعلّ ما في العربيّة من علائم الخصوبة يجعلها أكثر اللغات قدرة على استيعاب كلّ جديد.‏

وكان حريّاً به أن يشعر بشيء من الغيرة عندما يرى لغة كالعبريّة، وهي لغة غابت عن ساحة التخاطب أكثر من ألفي سنة، كيف استطاع متعلّموها أن ينهضوا بها ويجعلوا منها لغة تواكب العصر، ولعلّ الذي لا يعرفه المؤلف أن كتب النحو العربي كانت متكأً لهؤلاء في بناء قواعد لغتهم، فهل هذا مما جناه سيبويه على غير العربيّة أيضاً، أم أنّها وجدت قوماً يهتمون بلغتهم ويُعلون من قدرها، لأنها الرابط المتين لهم؟؟‍‍!! لا كالذي تلقاه العربية من أبنائها.‏
--------------------------------------------------------------------

ومهما يكن فقد عرض الكاتب في المقدّمة الأسباب التي تدعوه إلى اطّراح قواعد العربيّة، ويمكن إجمالها فيما يأتي:‏

1-إنّ هذه القواعد غير منطقيّة ولا عقلانية، طالباً من "السادة النحاة وعلماء اللغة أن يوسعوا صدورهم، ويشاركوه في قراءة الكتاب ليعرفوا إذا ما كانت قواعد لغتنا معقلنة أو منطقيّة" آملاً "أن يحكّموا عقولهم وضمائرهم"(4).‏

ولا بأس أن ننتظر حتى يلقي عصاه، فلعلّ قواعدنا، كما يزعم المؤلف، هي على الوصف الذي يراها عليه.‏

2-إنّ هذه القواعد "لم تستطع أن تؤدّي دورها المطلوب، بينما استطاعت لغتنا العريقة والجميلة!! أن تنتشر لتختلف اللهجات فيها"، وعليه فنحن لا نحتاج إلى "أن نتكلّم بلغة منمّقة مقعّدة" بل يكفينا اعتماد اللهجات، لأنّ الأذن تألفها، واللهجة المثلى التي ارتضاها المؤلف أمرها هيّن، إذ "يمكن لأي فرد عربيّ أن يفهم الحوار في الأفلام والتمثيليات والبرامج المصريّة، علماً أنّها تتكلم اللهجة المصريّة المحكيّة البعيدة كليّاً عمّا يسمّونه اللغة العربيّة الفصحى"(5).‏

ولا ريب أنّ دعوته إلى اعتماد اللهجات ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة، والخوض في هذه المسألة هو من المعاد المكرور، لكنّ الذي غاب عنه، وربما عن غيره من أصحاب هذه الدعوة، أنّ القواعد لم تكن في يومٍ من الأيّام سبباً في نشوء اللهجات، فلهجات العربيّة قديمة، عاشت وترعرعت قبل أن تولد القواعد. وأمّا لهجة الأفلام والتمثيليات المصريّة- ولكي لا نظلمه، فقد اختار لنا القديمَ منها –ففيها راحة للبال لا شك، لكننا لسنا بحاجة بعدها إلى لغة علم أو اقتصاد أو سياسة.. فنحن أمّة تفيض جوانحنا عاطفة، وما في هذه الأفلام قد يروي ما عندنا، وأمّا مَن لا هوى له في تلك الأفلام فلعلّ المؤلف سينتخب له لهجة أو لُغَيّة أخرى، وأفلاماً غيرها يميل إليها ذوقه وينهض بها لسانه!!.‏

3-إنّ تعقيد القواعد سببٌ رئيسيّ لعدم انتشار العربيّة(6):‏

ولا ندري علام استند الكاتب في مثل هذا الحكم، فكأنّه يستخفّ بعقل القارئ، لأنّ اكتساب اللغة لا يشترط فيه دَرْسُ القواعد وتعلّمها، وإلاّ فكيف يكتسب الطفل لغته، وكيف يكتسب العامل الأميّ غير لغته حين يقيم في بلدٍ آخر.‏

وإن سلّمنا بما يقول فكيف نفسّر انتشار العربيّة بعد الفتوح الإسلاميّة خارج جزيرة العرب على ألسنة من دخلوا الإسلام من غير العرب حتى قبل ظهور القواعد.‏

4-إنّ هذه القواعد لم يضعها العرب "لأنّ سيبويه كونه فارسي الأصل قام بوضع قواعد لأمثاله في ذلك الوقت كي لا يلحنوا في لفظ كلمات اللغة العربيّة"(7).‏

ومثل هذا الكلام تشتمّ منه رائحة العصبيّة المقيتة، ولا يصدر اليوم إلاّ عمّن لا يريد الخير لأمّته، وإلا فكثيرٌ من علماء اللغة والنحو والطبّ والفلسفة والدين والاجتماع وكثيرٌ من أدبائنا وشعرائنا ليسوا في أصولهم عرباً، فهل ننسلخ عنهم ونتّبرأ من إبداعهم وإن كان بالعربيّة! ألم يذب هؤلاء في معين الثقافة العربيّة، فأصبحوا جزءاً من هذه الأمّة وتراثها!.‏

والفرق بين الكاتب الذي يبدي حرصه على عروبته وعروبة لغته وبين هؤلاء العلماء (الأعاجم) = أن الأوّل شديد الهزء بلغته وقواعدها، بل تراه يمسك بتلابيب أشعر شعرائها قديماً ليسخر من شعره ومن صوره الفنيّة(8)، أمّا هؤلاء الذين يهاجمهم فقد تغنّوا بالعربيّة وبُهروا بها، ورأوا فيها سحراً، ألم يستمع إلى ابن جنّي- وهو العالم اللغوي الروميّ الأصل الذي بهرت آراؤه في اللغة المعاصرين- وهو يقول: "إنني إذا تأملتُ حال هذه اللغة الشريفة الكريمة اللطيفة وجدتُ فيها من الحكمة والدقّة والإرهاف والرقّة ما يملك عليّ جانب الفكر حتى يكاد يطمح به أمام غلوة السحر"(9).‏

ثمّ من ذا الذي يصدّق أنّ رجلاً بمفرده كسيبويه له مقدرةٌ على وضع قواعد للغة مترامية الأطراف كالعربيّة، وما من عذر للكاتب إلا جهله بتاريخ النحو العربي ومعرفة المراحل التي مرّ بها حتى انتهى إلى سيبويه، ولعلّه لو تصفح كتاب هذا الأخير لعرف أسماء بعض العلماء الذين صيغت على أيديهم قواعد العربيّة.‏

ومن يصدّق أيضاً أنّ كتاب سيبويه وضع للأعاجم كي لا يلحنوا في لفظ الكلمات، أم تراه يظنّه من كتب (لحن العامّة)، ونعذره مرّة أخرى لأنّه كما أسلفت لم يطّلع على هذا الكتاب ولا على كتب لحن العامّة، ولا يعرف شيئاً عن مضامينها.‏

5-القرآن الكريم لم يكن يتّبع قواعد سيبويه، أو بعبارة أخرى وهي له أيضاً: لم يخضع لقواعد سيبويه(10).‏
وسوف ننتظر أيضاً ما كتبه في الفصول اللاحقة لنرى إن كان لديه برهان ما يقول.‏

6-إنّ قواعد العربيّة تقوم على الشكل والاهتمام بحركات أواخر الكلمات، دون الالتفات إلى المضمون.‏

ولم يسأم الكاتب من تكرار مثل هذا الكلام في أكثر صفحات كتابه(11)، ويكفي أن أسوق ههنا مثالاً واحداً يستبين منه قصده، وذلك قوله: "عندما رصد سيبويه وأتباعه كلام العرب كقولهم: "في القوم عالمٌ" وجدوا "عالم" مرفوعة فلم يكن لهم خيار واعتبروها مبتدأ، وهكذا تتوالى التخريجات التي تعتمد الحركة الأخيرة للكلمة لا المعنى، وتعتمد الوهم لا الحقيقة". ولمّا كانت هذه الحركات خالية الدلالة عنده أعلن بما يشبه الصياح إنّه "ليستوي عندي إذا قلنا: كان أحمدُ فائزاً، أو قلت: كان أحمدَ فائزٌ. أو قلت: كان أحمدُ فائزٍ، أو قلت: كان أحمدْ فائز، ولا حاجة إلى رفع أو نصب أو جرّ "(12).‏

ولا يخفى أنّ الرجل ههنا دلّ على خبيئة نفسه ولم يستطع إخفاء ما يضمره من تجاوز هدم القواعد إلى هدم اللغة نفسها، لأنّ الحركات هي صنع المتكلّم لا النحويّ، ونحن لا يسعنا إلاّ أن نقبل منه قوله "ليستوي عندي"، فهو أمرٌ يخصّه وحده، وإلاّ فاللغة أكثر منطقيّة من هذه الفوضى التي ينادي بها، لأنّ حركات الأواخر لم تكن في يومٍ من الأيام أصواتاً تزيّن بها الألفاظ بل هي دوالُّ أو أدوات يُتوصّل بها إلى فهم مقاصد الكلام، فالرفع عند العربيّ –لا المؤلّف- علامة الإسناد (الفاعليّة والابتداء) والنصب علامة الفضلة (المنصوبات) والجرّ علامة الإضافة أو وجود حرف جرّ.‏

ولو كان الشكل أو حركة الأواخر سيطرا على أذهان النحاة ما وجدناهم يفرّقون بين أنواع المنصوبات، ويقولون: حال وتمييز ومفعول مطلق ومفعول لأجله ومفعول به ومفعول فيه.. وهي تقسيمات قوامها المعنى لا غير، ولما فرّقوا بين المرفوعات، وقالوا: مبتدأ وخبر وفاعل، ولما فرّقوا بين مجرورٍ بالحرف أو مجرورٍ بالإضافة.‏

ولو كانت حركة الأواخر هي التي صنعت الفكر النحوي لوجدنا النحاة يسلّمون بهذا الشكل لا يحيدون عنه، ولما احتكموا إلى المعنى، ولا أخذوا بقياسٍ أو سماع، نعم لو سلموا به لما اختلف حكمهم على الجار والمجرور في الآيات (وما ربُّك بظلاّم للعبيد( [فصلت: 46]، و (ما اتخذ الله من ولد( [المؤمنون: 91]، و ( هل من خالق غير الله( [فاطر: 3]، و (ما جاءنا من بشير( [المائدة: 19].‏

فالألفاظ الواقعة بعد أحرف الجر ههنا مجرورة، بيد أنّ النحاة لم يكتفوا بهذا الشكل وحركة الأواخر، بل أدركوا بالفطرة اللغويّة السليمة التي يفتقر إليها المؤلف أن أحرف الجر هذه لم تؤدّ معاني خاصّة بها كما هي الحال عليه مع حروف الجر، بل جيء بها لضربٍ من التوكيد فحكموا – من جهة المعنى –على (ظلاّم) بأنّها خبرٌ لـ (ما) العاملة عمل (ليس)، وعلى (ولد) بأنّها مفعول به، وعلى (خالق) بأنها مبتدأ، وعلى (بشير) بأنها فاعل... ولو كان الشكل معوّلهم لما بحثوا عن مواضع هذه الألفاظ أو عن وظائفها في سياق جُمَلها.‏

ولا شكّ أنّ هذا الذي سمّاه الكاتب شكلانيّة القواعد هو الذي جعل سيبويه عنده من الجناة مع أنّ هذا الأخير بريء مما رُمي به، ولو تصفحنا كتابه لوقفنا على ما لا يحصى من الشواهد التي تظهر أنّه بنى قواعده على المعنى لا الشكل، ولعلّ مثالاً واحداً من كتابه يثبت ذلك ويجعلنا نتساءل بعده عن الجاني الحقيقي.‏

قال سيبويه معلقاً على بيت امرئ القيس:‏

ولو أنّما أسعى لأدنى معيشة * * * * * كفاني ولم أطلب قليل من المال‏
"فإنما رفع [أي قليل] لأنّه لم يجعل القليل مطلوبه، وإنّما كان المطلوب عنده الملك، وجعل القليل كافياً، ولو لم يُرِد ذلك ونصب فَسَد المعنى"(13).‏

والذي أراده سيبويه ههنا أنّه لا يصحّ أن تجعل كلمة (قليل) من باب التنازع، بحيث تكون مطلوبة للفعلين المتقدّمين (كفى) و (أطلب) فيصلح فيها الرفع على الفاعليّة للأوّل، والنصب على المفعوليّة للثاني، لأنّ الشاعر –وهو ملك- لا يطلب القليل بل المُلْكَ الذي ضاع منه، أمّا المال فيكفيه منه القليل، ولذا وجب أن تكون كلمة (قليل) مرفوعة على أنها فاعل (كفى)، ولو نصبت على المفعوليّة لـ أطلب فسَد المعنى.‏

ولا ريب أنّ المؤلف سيشعر بشيء من الخيبة لأنّ تفكير سيبويه لم يجاوز المعنى، وبنى ما بناه عليه وحده.‏

-------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

هذا ما عرض له مؤلّف الكتاب في فصله الأوّل، أمّا في الفصول اللاحقة فقد شرع فيما يمكن أن يسمّى نقداً جزئيّاً تفصيلياً لقواعد العربيّة.‏

ولمّا كان تتبّع جميع ما في الكتاب يُثقل على القارئ رأيت أن أقتصر على الفصل الثاني لأنّ ما فيه يكفي لإظهار قصده، والفصول اللاحقة ما هي إلاّ تكرار. ويبدو لي أيضاً أن المؤلف زاده من العربيّة قليل، لكنْ تملّكته شهوة الشهرة بالمخالفة والردّ، وظنّ أنّ أسلوب الخطابة، والهزء بالقواعد وأهلها، والإكثار من العجب والاستغراب والاندهاش، قد يلقى صدى عند قارئ استخف به أيّما استخفاف، لكنّه كان واهماً فما جاء به ما هو إلاّ زيف لا يسلم عند أدنى نظر، وإن دلّ على شيء –سوى ما يضمره- فإنه يدل على جهلٍ بالعربيّة وقواعدها.‏


------------------

جناية سيبويه (الرفض التام لما في النحو من أوهام) تأليف زكريا أوزون، دار الريّس، لندن، 2002م







 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
هذا الزمان(( محاولة جديدة )) عبلة جابر منتدى الأقلام الأدبية الواعدة 10 06-07-2006 06:59 PM

الساعة الآن 01:03 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط