يوميات فلسطينية
تبسم الصبح الجميل بعد كدر ليلة حالكة ، العصافير ترسم ألوان الطيف على تباشير النهار ، تناول إفطاره على سفرة غير منمقة ، وضع جدول أعمال يومه المثبت على ذاكرته الفتية ، تظله الحاجة هادية بأدعيتها "كل الطرق مغلقة إلا بابك يا كريم" ، هكذا كانت دائما تستقبل يومها بتفاؤل لا يعكس واقع الحياة المعاش .
حمل أغراضه وتوجه إلى وسط المدينة ، استقل سيارة اكتظت بالمسافرين كل واحد يحمل همومه بطريقته ، الفتيات تراصت متجاورة وكذلك الشبان ، بعض الطلاب يحملون كتبهم مكدسة فوق بعضها ، وفي العادة الطالبات تضع كتبها حبيسة حقائب محكمة الإغلاق .
تبارى سائقي السيارات في عروضهم لكسب حمولتهم بأقصى سرعة في ساحة اشنة ، كل الدروب حفرتها الجرافات معززة بقوات عسكرية تحفظ خطواتها ، السائق الذي يقلع من الموقف الرئيسي وسط المدينة يدرك مدى الخطورة اذا ما تجاوز السواتر الترابية التي حفرتها الجرافات أو وجد ثغرة حول هذه الموانع والخنادق ، لذا يستخدم كل ذكاءه ووسائله لتجاوز اختبارات الجنود وكمائنهم المفاجئة ، تمكنت السيارة التي استقلها من إيجاد طريق وعر لم يعره الجنود الاهتمام الكافي فبقي بدون سوا تر ولا خندق يقطعه ، سلكه السائق وسط غبار كثيف كأنه معركة تدور رحاها وسط رمال متحركة ، كل أبواب السيارة مغلقة أيضا كي لا يمر الغبار إلى رؤوس وأجساد الركاب ويشوه ملابسهم النظيفة ؟.
عبرت السيارة إلى شارع التفافي يقطعه الطريق الوعر لتنحرف بهم وتسير بخفة تسابق الدوريات المنتشرة عليها كي تحمي سوائب المستوطنين وتعكر حياة أصحاب الأرض، لا يمكن أن تكمل السيارة اتجاهها كما يريد السائق، بل عليه إيجاد طريق وعر آخر يقطع الطريق الالتفافي لتجنب مواجه محتملة مع الجنود.
انحرفت السيارة متثاقلة إلى الشارع الزراعي الوعر غير بعيد عن مدخل قاعدة عسكرة تركب حدبة الجبل المرتفع وتطل على الساحل الفلسطيني كقلعة رومانية ، يحرسها برج ضخم لفه سواد رشاشاتهم ، لو أراد احد الجنود إرسال قذيفة إلى صدر السيارة بحجة الدفاع عن النفس ، في أجواء عدم قناعته بان هذا شارع تسلكه السيارات بدل الحيوانات وعدم قناعته أيضا بان السيارة غير مفخخة .
قطعت السيارة الشارع ولا زال يتفحص الساعة فالوقت يمضي رغم حرصه منذ صلاة الصبح على عدم التأخر وحساب كل الحسابات وإعادة ذلك إلا أن الكدر استمر مع تحرك إطارات السيارة البطيء على حواف الحدبة الصخرية والخوف من الانزلاق أو حاجز مفاجىء .
محمود ابو اسعد
فلسطين