[align=center]قراءة في قصيدة: "حاضنة" من ديوان "أطلس الغبار"
للشاعر محمد حلمي الريشة
بقلم: ثريا حمدون[/align]
[align=center]الحَاضِنَة[/align]
[align=center]عَسِيرٌ ..
كَأَنْ لا رَادَّ لِي
سِوَى فُسحَةٍ حَاضِنَةٍ فِي أَحشَائِهَا
فَأََحتَفِظُ لِذَاتِي ذَاتَهَا المُتَأَرجِحَةَ
بَينَ
خَارِجٍ مُعتِمٍ
ودَاخِلٍ مُتَلَهِّبٍ بِمَصابِيحِ ثَلجٍ أَزرَق ؛
ذلِكَ الَّذِي غَابَ عَن تَسَاقُطِ اليَرَاعِ
عَلَى
نَسِيجِ رَحمِهَا المُتَرَدِّد ![/align]
[align=right]أتسلل إلى القصيدة خوفا من الحارس الذي يحرسها، أدخل إلى قبة الحاضنة، تستوقفني، أحييها تحية شعرية بكلمة مرور سرية، فتمنحني تأشيرة الولوج .
نتحاور، فجأة، يدخل غريب دون استئذان، يدنو، يتردد، أتساءل من هذا العسير؟ هل هو الشاعر الذي يسكن هذه الحاضنة؟ومن هذه الحاضنة التي تحضنه ؟
لم أجرأ على السؤال رغم أن النفس تاقت إلى محادثته، تذكرت قول النفري:״ أنت معنى الكون״، فنقبت عن كل جزئيات كون هذا الشاعر، كي أعرف الجواب.
عسير
كأن لا راد لي.
سوى فسحة حاضنة في أحشائها.
أردد قول الله عز وجل: ״ إن مع العسر يسرا,إن مع العسر يسرا ״.
يسمع القول فيطمئن، ألا بذكر الله تطمئن القلوب ؟
إذا تأملنا معجم هذه الكلمات ( الفسحة، الحاضنة، الأحشاء ) نجدها مؤنثة، إنها تسكن في الجهة اليسرى من قلب الشاعر، تحميه وتحفظه من السقوط، غير أنه يبدو مترددا أو خائفا أو بالأحرى متأرجحا... .
فأحتفظ لذاتي ذاتها المتأرجحة.
بين
خارج معتم
وداخل ملتهب بمصابيح ثلج أزرق
هذا التأرجح بين الداخل والخارج، من أجل البحث عن السكينة، التي انقرضت من هذا المعتم، فراح الشاعر يبحث عن ذاته داخل ذاته يسبر أغوارها، و ينظر بعيني البصيرة، ليستحم بنور المصابيح، تحت خيمة هذه الحاضنة، حيث توجد مصابيح ثلج زرقاء.
إنها صورة فنية مركبة، ذات مرجعية صوفية، يستقي منها الشاعر أخيلته .
قد يتراءى للناظر أن الشاعر يستخدم لونا واحدا يتيما، تجسده هذه المصابيح، لكننا إذا تأملنا الصورة جيدا فإننا نجد لونين متعانقين: الأزرق و الأبيض.الأزرق: مصابيح زرقاء.
الأبيض: الثلج.فتغدو جمالية هذا الأزرق روحانية، تمنح الناظر إليه ارتياحا وأمنا، إنه رمز الهدوء والسلام. أما الأبيض فيمثل الحب، بل إنه حالة الحب الشمولية الكونية.
وفي هذا الصدد يقول الشاعر قاسم حداد :
أشتاق إليك
كالأبيض للألوان
أتابع خيوط نسيج هذه الحاضنة لأجد:
ذلك الذي غاب عن تساقط اليراع
على
نسيج رحمها المتردد.
وأتساءل مع الشاعر عن هذا الغياب :
- هل هو غياب الثلج أي الماء (في حالته المتجمدة)؟
- أم غياب الحشرة التي تضيء ليلا كلما تعرضت لأوكسيد النيتروجين؟
- أم فكرة غياب الماء وحضور اليراع ( الأرواح) التي تطفو حول هذا الماء المتجمد؟
- أم غياب القلم الذي خلق من اليراع؟
إن كلمات الشاعر ترسل إشارات ضوئية، من قلب الثلج، من الداخل الملتهب إلى الخارج المظلم، مثلما اليراع في ليل بهيم، ينتظر استجابة من العالم الآخر، حتى تنكشف الحجب ويرى بوضوح.و في انتظار ذلك... أهديك تحياتي.
[/align]