المخدرات : الإحتلال الخفي وحرب الإرادات
لا يمكن لباحث ما أن يدرس ظاهرة ما بعيداً عن سياق نشأتها وإنتشارها ودائرة إستهدافها ولغة الأرقام فيها.. ومعضلة بحجم قضية المخدرات لا يمكن تشخيصها " كظاهرة مرضية " فقط سواء أأضفينا على هذه الظاهرة المرضية صفة الإجتماعية أوالإقتصادية أو الصحية... بل تقف عوامل كثيرة تدفعنا لتسجيلها " كعمل معادٍ يستهدف سيادة الأمة وكيانها" وهي في صورة من الصور شكل من أشكال أسلحة الدمار الشامل المتطورة " التي تنجز عملها خفية دون بطء.. وبتسلل لا يلفت الإنتباه ...
وفي عقود سابقة بدأ المفكرون والمحللون يدرسون ظاهرة " إنحسار الإستهداف المباشر والصريح في الصراعات الأممية والعالمية" وسجلوا على صعيد الأمة العربية والإسلامية على سبيل المثال تحرر معظم الدول العربية والإسلامية من ربقة الإحتلال الفرنسي أو البريطاني أوالأسباني مع بدء إستهداف جديد في ذات الوقت أطلقوا عليه مسمى" الغزو الفكري والثقافي" الهادف للسيطرة على الأدمغة والعقول وإحتلالها بأفكار موجهة وإجراء عمليات " غسيل فكري" تستهدف إحلال أفكار تمهد للسيطرة الخارجية وتدعو إليها بل وتروج لها وتحسن مزاياها... وربما كان قطاع المثقفين والمفكرين هو الشريحة الأكبر المستهدفة في ذلك الإحتلال..
اليوم نتحدث عن شكل جديد " علينا " من الإحتلال والإستهداف " وهو سلاح وإن لم يكن حديثاً في إستخدامه ربما ..إلا أنه حديث في طفرته المعاصرة معاصر لأشكال أخرى من الغزو ومكمل لها ودائرة إستهدافه أكبر بكثير من قطاعات عسكرية أو وحدات مقاتلة أو شريحة من المفكرين والمثقفين ...وهنا نتذكر جميعاً الصراع الذي خرج للعلن في عام 1800م حين أصدرت الحكومة الصينية مرسوما يحظر استيراد الأفيون لأي سبب من الأسباب لتضع حدا لهذا الداء ، الذي يهدد كيان الشعب ، ويستنفد ثروة البلاد . ولكن الربح الفاحش حمل الأوروبيين على تهريب الأفيون إلى الصين وشراء ضمائر الموظفين بالرشوة ... فاضطرت الحكومة الصينية أن تحظر على موظفيها الاجتماع بالتجار ، وفرضت العقوبات الشديدة على كل من يقوم بتعليم الأجانب اللغة المانشوية أو الصينية ... ولكن ذلك لم يضع حدا لتجارة الأفيون التي استفحل معها الفساد والرشوة ... وازداد الأمر سوءا بعد عام ( 1834 ) عندما ألغت الحكومة البريطانية احتكار شركة الهند الشرقية لتجارة الصين ، وفتحت الباب أمام جميع التجار البريطانيين .
وازداد تهريب الأفيون على أثر ذلك ، فقررت الحكومة الصينية اتخاذ إجراء حازم لوضع حد له ، واختارت رجلا اسمه ( لن تسى هى ) وعينته مأموراً لمقاومة التهريب ، فقام بعمل جبار سريع ، وذهب إلى كانتون في الجنوب ( مركز هذه التجارة المحظورة ) ، وأمر جميع التجار الأجانب أن يسلموا جميع الكميات الموجودة لديهم من الأفيون ... ولما رفضوا ذلك عمل على إرغامهم وعزلهم في معاملهم وحمل الخدم والعمال الصينيين على هجرهم ، ومنع وصول الطعام إليهم .... مما أجبرهم على المصالحة ، وتسليم مالا يقل عن عشرين ألف صندوق من الأفيون ... وأمر ( لن ) بإحراق هذه الكمية التي كانت معدة للتهريب ... وحذر التجار الأجانب بأنه لن يسمح لأية سفينة بدخول كانتون ، ما لم يتعهد قبطانها أنها لا تحمل شيئا من الأفيون وإلا تعرضت السفينة وحمولتها الكاملة للمصادرة
قامت الحرب عام ( 1840 ) لأن أغلب الأفيون الذي أحرقه ( لن ) كان ملكا لتجار بريطانيا ، فأعلنت بريطانيا الحرب بحجة الدفاع عن كرامتها وشرفها ، وعرفت هذه الحرب ( بحرب الأفيون ) وانتهت بفرض تعاطي سم الأفيون على الصين .
كانت الصين ضعيفة أمام الأسطول البريطاني ، الذي ضرب حصارا على كانتون ، وأماكن أخرى فسلمت في عام ( 1842 ) ، ووقعت معاهدة ( نانكنج ) التي أرغمت على فتح خمسة موانئ في وجه التجارة الأجنبية ، أو على الأصح تجارة الأفيون وعرفت هذه الموانئ ( بموانئ المعاهدة ) واقتطعت بريطانيا أيضا جزيرة ( هونج كونج ) القريبة من كانتون ، وابتزت قسما كبيراً من المال ، كتعويض عن كمية الأفيون ، التي أحرقت ، وعن تكاليف الحرب التي فرضتها هي على الصين
وإذاً فإذا كنا نستطيع توصيف الحروب العسكرية بأنها "حرب القوة" والحروب الفكرية بـ " حرب الأفكار" أمكننا أن نطلق على هذه الحرب " حرب الإرادات"...
إن الإرادة الضعيفة" المُحْتَلَة" لا تستطيع إنجازاً ولا تملك خياراً وهي رهن إشارة مالكيها....
إن من المضحك المبكي أننا كعرب ومسلمين مستهدفون بكل أنواع الأسلحة ونعاني من جميع الحروب عسكرية وسياسية وفكرية وها هي إرادتنا تدخل نفق المواجهة الطويل ..وإذا ما أردنا في هذه العجالة أن نبحث عن وسائل مقترحة – غير مفصلة – لمواجهة هذه الحملة التي تستهدف قطاعاً واسعاً وهاماً من مجتمعاتنا وخاصة الشباب واليافعين المعتبرين ضمانة المستقبل لأي أمة فإننا نضع كرؤوس أقلام ما يلي:
1- تفعيل التوعية الجماهيرية بخطرالمخدرات وأثارها على الفرد والأسرة والمجتمع والأمة مما يشجع مشاركة شعبية في مواهة هذه الأخطار..
2- تفعيل دور أجهزة الأمن في مواجهة هذه الظاهرة وتشديد عقوبات الإتجار بها.
3- تطوير مراكز الإصلاح والتأهيل خاصة في مجال التقنية المتطورة والكفاءات المتخصصة العاملة فيها.
4- تفعيل دور الأئمة والعلماء وللدين في هذا المجال دور كبيرإذ كثيراً ما نربط بين الإنحلال الأخلاقي وتعاطي المخدرات.
5- الإلتفات لأسباب كثيرة لم نولها أهمية كبيرة – في الفترة الماضية وتعتبر البيئة المحتضنة لتكاثر المدمنين والمتقبلين للإنحراف وهي : التفكك الأسري والفقر- والفساد – وقطاع العاطلين عن العمل – والبيئة المحيطة من الأصدقاء والحي والمدارس والجامعات ، وإيلاء هذه المسائل الأولوية كحل جذري في حين تأخذ بعض الوسائل الأخرى شكل المعالجات العرضية
6- تطبيق قانون لإجراء فحوص دورية في المدارس والجامعات وفحوص عشوائية بواسطة دوريات المرور وهذه الأخيرة كما شرحها " دليل طبيبك لتحاليل المخدرات " تقوم على أخذ عينات بصور عشوائية على الكمائن فى الطرق السريعة خاصة لسيارات النقل و الأجرة حيث أن معظم الحوادث الجسيمة لهذه المركبات نتيجة لتعاطى السائقبن لأنواع المخدرات المختلفة. والتحليل يكون بعينة بول وليست عينة دم ومن ثم يمكن لاى شخص اخذ العينة بسهولة
7- تشديد فحوصات الدم والبول عند التقدم بطلب الوظائف ورخص القيادة وما إلى ذلك..
إننا أمام خطر تنبهنا له مؤخراً بنصف عين مفتوحة وحري بنا أن نضعه نصب أعيننا.... ومازالت مؤسسات علاج المدمنين في الدول العربية والإسلامية قاصرة عن تلبية احتياجات جميع المرضى كما يعتور عملها كثير من العقبات والمشكلات، فهي مازالت ينظر إليها على أنها جزء من مصحات الأمراض العقلية. ويحتاج العلاج إلى فترة زمنية طويلة وتكاليف باهظة لا يقدر عليها معظم الناس ولا توفرها معظم الحكومات
إننا قد نخسر أرضاً أو أشخاصاً لكن ما لا يقبل أن نقبل بخسارة مجتمع كامل وأن نسمح بمصادرة إرادة أمة بكاملها...
د.محمد شادي كسكين
السويد
نشرت في مجلة المسار الصادرة عن جامعة السلطان قابو س /عمان
كل الشكر للأستاذ حسن اللواتي / العلاقات العامة