|
|
|
|||||||
| منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا.. |
![]() |
| مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان) |
|
|
أدوات الموضوع | تقييم الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
رقم المشاركة : 1 | |||
|
عبثية لم يكن ثمة أشخاص كثيرون ، يشغلون المكان تحت مظلة الموقف الإسمنتية ... و ما كان يمكن تحمّـل البقاء تحتها طويلا ً لانتشار رائحة النشادر الواخزة ، المتحللة من بقع البول الموزعة على جدرانها الثلاثة ، و لا يمكن الجلوس لقذارة المقاعد ، و احتباس الهواء في الرئات جعل حرارة الشمس لا تحتمل في الثانية من بعد ظهيرة يوم من أيامه الطويلة .ربّت َ خالي البال على بطاقة في جيبه ... ما زالت تفصله عن الرحلة ثلاث ساعات ... يلزمه ساعة و نصف ليصل إلى دير الزور ... و تكفي المدة الباقية للتسكع في شوارعها و التلذذ في قضم الفلافل و احتساء اللبن المثلج ... " آه ٍ ... ما أمتع ذلك ...!! " فكر و ابتسم راضيا ً بينما كانت أشباح الحافلات الصغيرة المحشوة بالبشر كالشطائر ... تشق الهواء ذهابا ً و إيابا ً، بزئير كأنها وحوش معدنية مذعورة تطاردها عفاريت و غيلان . كل شيء كان يدعو إلى التأمل رغم الجو الخانق ... و التطلع طويلا ً في الأفق الممتد إلى ما لا نهاية ... المتصل بسماء عكرها غبار أصفر ... تتلون بالأزرق كلما علت فوقنا ... و كان أنيسا ً ، و مسليا ً أن تراقب دون أن يطأك الوقت بعقاربه دون أن ترزح تحت خوف من التأخير، مجموعات من الأغنام تعبر الطريق وسط رنين أجراسها ، و صفير الرعيان ... و ثغاء خرافها ... و لهاث الكلاب المغبرة ... بألسنتها الوردية ... ترمش نحوك بنظرات قلقة . الطريق ... لسبب ما كانت ضيقة ... إذا حاذت سيارتان بعضهما كانت المسافة بينهما بالكاد مترا ً واحدا ً وهي مسافة كانت تجعل أي راكب ينتفض هلعا ً ، لما تمر من قرب أنفه و هو يتطلع ساهما ً من النافذة ... مرآة سيارة عابرة كالسهم ... بصوت كأنه صادر عن بصقة غريبة " فوووووه ه ه .. !! " والطريق طويلة ... مليئة ببصاق السيارات المتبادل ... فالهلع و الرهبة ، من السمات شائعة بين رواد المدينتين – الحسكة و دير الزور – مرورا ً بكل البلدات و القرى العارية ، الهاربة في القفار المنبسط على جانبي الطريق . لم يكن ثمة سيارات كثيرة تنتظر و لا دراجات نارية ... سيارات أجرة وقفت منذ وقت طويل على الحياد من مدخل بلدة " الشدادة " الواسع ،الذي ينصفه دوّار بنصب معدني على قاعدة إسمنتية ، هذا الدوار يفصل الداخل إلى البلدة عن الخارج منها ... لا يعيق وافدوها مغادريها ، أيا ً كانت الآلية التي يستقلونها ... تلك المساحة كانت تشكل انفراجا ً رحبا ً لضيق الطريق الأشبه بشريط ٍ أسود ينزلق عليه أحياء المدينتين . عائلة مؤلفة من امرأة تحتضن رضيعا ً على صدرها ، و طفلين أشعثين يقبضان على ثوب الأم ، تحت فيء جدار ٍ قرب المدخل ... و الأب يتساوم مع سائق سيارة الأجرة ويرسل إشارات من ذراعيه هنا وهناك ، كان واضحا ً رغبة كليهما في الوصول الى نهاية تلك المفاوضة سريعا ً, فالجو الحار والانتظار الطويل لسائق سيارة الأجرة , وذهول العائلة بالفراغ الذي سيخلفه وقوفهم الممل , جعل المساومة تنتهي نهاية ًمرضية لكليهما ... فبإشارة من الأب , كان جوف السيارة قد امتلأ بالعائلة , ثم تحركت بهم ببطء ٍ , حتى حاذت الدوار و قامت بالتفافة خفيفة لاتخاذ مسارها على الطريق ... كل شيء كان يسير بشكل حسن ، لا يشوبه أي نشاز ، تخت شمس لاهبة ، و هواء ٍ مختنق بغباره , تحت وقع بصره ، يراقب من موقعه تحت مظلة الموقف المقابلة لمدخل البلدة الفسيح و دواره ذو النصب الغريب ، و سيارة الأجرة الذي امتد مقدمها بطيئا ً ، حذرا ً ، متوجسا ً ، كأنما تلحس الطريق و تتحسسه ... و ما كاد جسمها الأصفر ينسرب على الطريق .... وفي لحظة غير محسوبة ... في لحظة كأنها اقتلعت من الزمن غير مدونة في دفتر التاريخ تجمد الكون عند لحظة الحضور المباغت لشاحنة طويلة ... بيضاء ، لم يسمع منها سوى احتكاك الإطارات على إسفلت الطريق كالزعيق ... كانت قد سبقت هديرها الذي خلفته وراءها يلهث باللحاق بها . ما كان أحد قد انتبه إلى حضورها المفزع ... الآني ... المفاجئ ، لا أنا و لا من يجاورني و لا من يشد حقيبته على كتفه و لا كل العناصر المرمية في الأرجاء كل شيء وقع تحت تأثيرها المرعب ... تحت جبروتها المدمر . شَخَصَ سائق سيارة الأجرة بعينين تحدقان للمرة الأولى ، و الأخيرة إلى مارد أبيض حاد القسمات ... إلى شاحنة يبدو البله على مقدمها الساخر أكثر منه القسوة ثم .... صوت ارتطام و انسحاق لا هوادة فيهما ... كان هو الذي علق في الذاكرة ، ذاكرة من سيحكي فيما بعد عن الزمن الذي كان يُسحب ُمن قذاله إلى الخلف ... عن الكون الذي فغر فاهه رعبا ً و فزعا . بالكاد انتفض من هول ما جرى ، بالكاد قفز كردة فعل فطرية ، لتفادي الأذى ، لتفادي الاحتكاك ، و ما كان يُسمع ُ حينها سوى تحطم و صرخة مكتومة ، مستنجدة ... و هرس ٌ ، و شرر تطاير متواترا ً على الإسفلت و سقوط الشمس اللاهبة و دخان ... دخان كثيف و رائحة شواء ... هسيس شعر يحترق ... و لا شيء سوى الفراغ ... فراغ ٌ و سماء بلون ٍأسود ...و أفق قريب ، قريب جدا ً ملأ جبهته ، و غدا رأسه بحجم القفار تضطرب فيه كل الكائنات ... عواء ٌ و عويل و قطعان هائلة من الغنم راحت تعبره بلا انقطاع ... فزعة ، داست أنفه ، و رأسه ، و أضلاعه ... و قع ُ أظلافها ، رائحة روثها ... ثغاؤها الممض ... المستغيث ... أعماه ، صم أذنيه و ما عاد الهواء يملأ رئتيه ، استحال ماء ً موحلا ً ... بطاقة سفر ٍ ... و ثلاث ساعات ٍ راحت تدق ... و تدق ... تطرق على صفحة صدغه و إعلان بخط ٍ أحمر حبره طازج ، مكتوب على مساحة لسانه الممتد على طول الطريق إلى ما لا نهاية كشريط ٍ لاصق ٍ أخضر ... صار الإعلان صوتا ً مبحوحاً ذا صدى ً ممطوطا ً ... آت ٍ من جوف كهف ... فحيح ... و أبواق سيارات إسعاف ... صياح ... سباب ٌ ... بكاء ٌ ... يا لطيف ... يا ستار ... أفسحوا المجال ... ابتعدوا ... ابتعدوا ... برفق ... أنهضوه برفق حسنا ً ... حسنا ً ... وفي اللحظة التي عاد فيها الهواء هواء ً ، و ما حامضا ً ، صر ّ على أسنانه مطبقا ً على طعم نشادر واخز ... و صاح بصوت ٍ غاص في قعر برميل مملوء بالزيت .. فاختنق " أنقذوني"كان الصراخ حشرجة في صدره و ارتدادا ً لشهيقه الذي صار شخيرا ً مؤلما ً ... ثم إحساسا ً بالاسترخاء . لم يعد راغبا ً في الحركة ... لم يعد راغبا ً سوى بالاسترخاء كغريق ٍجاهد طويلا ً في لجة المحيط ... تبخرت قواه ، و استسلم لنوم ٍ قلق ٍ موجع ٍ ......ثم لا شيء . - لا تتحرك أرجوك ..... قال أحدهم . - لا تتكلم من فضلك ..... آخر . - آه ٍ ... أواه ه ه ه ٍ ...... !!! بكت أخرى . - الحمد لله على السلامة ، حالك جيدة ، شكرا ً لله ..... و آخر ٌ آخر . هبط صمت ٌ ملأ غيبوبته بسحابة ٍ راحت تحوم حول رأسه كذباب ٍ فوق جثة ... و صدى أصوات من تكلموا ينط مثل قطرات الماء ... كبيرة لزجة بين أرض الغرفة و سقفها ... و طعم مر ٌ جاف ُ سد ّ حلقه ... قلبه كان كساعة على جدار صدره ، يطرق بانتظام ... فترن الدقات ... دُم ْ ... تك ْ ... دُم دُم ... تك ... دُم ْ ... تك ْ ... دُم دُم ... تك .. دخل الطبيب ، و انهمك في تفحص تضاريس الصدر . و جس الحرارة ... و ملاحقة ضغط الدم ... قرأ التقارير ، وفسر التحاليل ... و فك رموز المخططات على شريط ورقي طويل مثقّب ، و تمعن في صور ٍ شعاعية كثيرة تحت ضوء ٍ أبيض ، ثم همهم برضى ً : - همممم ْ ... أفضل من البارحة ... أفضل بكثير ... رضوض ، مجرد رضوض و كدمات .... ونظر في ساعته ثم أضاف : - يمكنه المغادرة هذا المساء . و ما إن انصرف حتى استوقفه أحدهم و سأله : - عفوا ً دكتور .. المعذرة يعني .. و لكن ما هي حاله بالضبط ؟؟؟ - لاشيء ذا بال ... كان مغمى ً عليه بسبب الاختناق ... لا كسور و لا إصابات في الرأس و هذا هو المهم ... هناك الكثير من الكدمات في كل أنحاء جسمه لكأنه تعرض للضرب المبرح . ... ابتسم حين نبس بجملته الأخيرة و أضاف بود ٍ : - مسحنا جسده بالكحول و المواد المعطرة .. كان ككبش رائحته حامضة ... واخزة ... المهم الحمد لله على سلامته . - شكرا ً دكتور ... شكرا ً ... مع السلامة . في يوم من الأيام التي تلت تلك الظهيرة اللاهبة ... حين حلق بين الماء و السماء ... و هام في سراديب عميقة لا قرار لها ، و تنشق هواء حامضيا ً ... في ذلك اليوم ، تصفح الجريدة التي نشرت الخبر كمن يتصفح ذاكرته للمرة العاشرة : " سيارة شاحنة بيضاء اللون طويلة محملة بالأغنام تسحق سيارة أجرة صفراء عند مفترق بلدة ( الشدادة ) أسفر الحادث عن مقتل من فيها و البالغ عددهم خمسة : رجلان و امرأة و طفلين ... إضافة ً إلى مقتل سائق الشاحنة و جرح اثنين من المارة أحدهم يعاني من في الكتف واليدين ، أما الآخر فقد انتشل في اللحظة الأخيرة مختنقا من أكوام جثث الغنم النافقة و البالغ عددها مئتان و خمسة عشر رأسا ً أمكن إنعاشه بفضل الجهود المضنية لفرق الإسعاف الذي فور وقوع الحادث المؤلم ، و عانوا و من معهم من فريق الإطفاء كثيرا ً في انتشال الجثث التي اختلطت أحشاؤها بأحشاء الغنم المقتولة ... " . أغلق الجريدة ، و أغلق عينيه على صورة الأغنام المكومة فوقه .. و بقع الدم الحمراء التي راحت تتسع شيئا ً فشيئا ً و نباح الكلاب التي أثارتها رائحة الدم ... و فكر : ... رجلان و امرأة و طفلين ... و... ردد مرة أخرى : خمسة ضحايا في سيارة الأجرة ، سائقها والمرأة و زوجها و طفليهما ... خمسة سحقتهم شاحنة مجنونة .. بلهاء .. لا مبالية ، ... أنشدت بلا رحمة لحن العائلة الأخير بلا ثمن ... بلا ألم ....وسط هتاف لجمهور من الغنم على متنها .. و سأل : ... ترى ما مصير الرضيع الغافي على صدر أمه ... لـِم َ لم يأت ِ على ذكره خبر الجريدة ... هل ضاعت جثته بين أحشاء الغنم النافق ؟! .... أدمعت عيناه حين تصور جسده الطري ينسحق تحت عجلات الشاحنة الثقيلة ... هل تناثرت أشلاؤه في الأرجاء ؟ ... هل اتحد الرضيع بجسد أمه في جثة واحدة حين ضمته في اللحظة الأخيرة ؟!! ... وألحت عليه فكرة أن الرضيع لم يمت ، كأنما عاد إلى رحم أمه ، هربا ً من قسوة الحياة ... حياة ٌ كانت ستجلده بلا رحمة ... ستا ً و سبعين سنة لها طعم النشادر . 16 / 2 / 2006 نورالدين حسن |
|||
|
![]() |
|
|