في مساء يوم الجمعة 12/12/2003م عم نابلس (جبل النار) موجة من الحزن عندما سمع خبر وفاة عميدة الحركة الشعرية الفلسطينية الشاعرة فدوى طوقان , وهذا اضاف الى احزان الشعب الفلسطيني المستمرة حزنا صعبا وثقيلا يجد الانسان نفسه محاطا بدائرة متوهجة من التفاعل الانساني , مذهولا حائرا امام هذا الصرح الثقافي الكبير المتميز بالعطاء والتضحية.
ولايمكن لاي باحث في الحركة الثقافية الفلسطينية ان يغفل او يتجاوز في بحثه الشاعرة فدوى طوقان لا لها بصمات واضحة في هذا المجال, وهو امام شاعرة لها تجربتها الفنية والحياتية التي اهلتها لتحتل موقعا متميزا في الادب الفلسطيني وان يكون لها الحضور المميز في العواصم الثقافية العربية والاجنبية وذلك لغزارة انتاجها من جهة ولحملها هموم الشعب الفلسطيني وتضحياته من جهة اخرى , فكانت سفيرة فلسطين المتجولة في بقاع الارض لتحكي قصة هذا الشعب ونضالاته وطموحاته الوطنية في التحرر والاستقلال .
لقد شقت فدوى طوقان رحلتها الجبلية الصعبة بارادة قوية وعزيمة واصرار على مواجهة التحدي واستطاعت من خلال موقف اخيها المرحوم الشاعر ابراهيم طوقان المشجع لها ان تخطو الخطوة الاولى في القصيدة الشعرية ثم نضجت تجربتها الشعرية حتى قفزت من الامها الخاصة الى ملامسة عذابات شعبها بعد هزيمة حزيران عام 1967, حيث التحفت بهموم الشعب الفلسطيني ولعل قصيدة "آهات امام شباك التصاريح" تمثل نموذجا حيا على تلمس معاناة الشعب الفلسطيني وانها اصبحت تمتلك صوتا فلسطينيا متميزا في قصائدها التي خرجت بها من ثلاثة امور رئيسية :-
1- التحول في قصائدها من الخاص الى العام .
2- اصبح محور قصيدتها الانسان- الارض- الوطن.
3- الحرية.
حيث عبقت قصائدها باستحضار دائم وكامل لكل تفاصيل الوطن الذي عاش فيها وعاشت فيه , وصورت لنا الحياة الفلسطينية بصورة واضحة وبشكل انصهر فيه الخاص بالعام والذات بالموضوع وتكثفت تجربتها الشعرية لترسم لنا اطارا سياسيا واجتماعيا وحياتيا للشخصية الفلسطينية.
واستذكر هنا وفي هذا المقام بدايات معرفتي بالشاعرة فدوى طوقان وذلك يعود وانا في المرحلة الثانوية عام 1973 من خلال استاذي المرحوم د. عبد اللطيف عقل والقاصة المرحومة باسمة حلاوة حيث بدأت اقرأ دواوينها الاولى وخاصة ( وحدي مع الايام ) , وجدتها , اعطنا حبا , امام الباب المغلق , وقمة الدنيا وحيدا والليل والفرسان وتموز والشئ الاخر, الى قصائد سياسية واللحن الاخير وصولا الى سيرتها الذاتية في رحلة جبلية صعبة وفي الرحلة الاصعب وهي نموذج للادب الانساني وذات قيمة وطنية وتاريخية هامة.
وفي عام 1982 اسست دار منشورات الوحدة في نابلس وتقع في اول سوق الخضار في بناء قديم وتوطدت العلاقة مع الشاعرة فدوى التي كانت تقصد الدار بشكل شبه يومي وعندما كانت تنهي نزهتها اليومية في البلدة القديمة حيث تتفقد حجارتها وحواريها وتلتقي بالناس بابتسامتها التي تعلو محياها , وكانت في كل زيارة لنا تشجعنا على مواصلة طريقنا في ظل الهجمة الشرسة من قبل قوات الاحتلال ضد الحركة الثقافية واذكر بان ديوانها " قصائد سياسية " كان من اكثر الدواوين انتشارا في تلك الفترة , ثم تطورت العلاقة مع تأسيس المنبر الحر في نابلس , حيث استضافها في امسية شعرية في قاعة الديوان العربي , وابدعت في القاء قصائدها وقوبلت بالتشجيع الحار من قبل الحضور , حيث كان هناك من يشاهد فدوى لاول مرة ويتعرف عليها , كما استضافتها جمعية المرأة في سلفيت ورافقها في تلك الزيارة كل من :- د. منذر صلاح "رئيس جامعة النجاح سابقا " , د. محمد حنون , وسحاب شاهين ,عبد الباسط الخياط , وداعس ابوكشك , حيث احتفى بها اهالي سلفيت بالاضافة الى الزيارات التي كنا نقوم بها ومجموعة من الكتاب والادباء الى بيتها , حيث نتداول اطراف الحديث حول تطور الحركة الادبية , ولعل اخر لقاء كان معها وهي على سرير الشفاء ولم تفارقها ابتسامتها المعهودة وحملتنا مسؤولية الحفاظ على موروثها الثقافي واستذكرت محطات حياتها التاريخية, ثم المشاركة في مراسم تشييع جثمانها الى مثواه الاخير في الرابع عشر من كانون الاول عام 2003م.
و من حقها علينا أن نجعل لاسمها حضوره في ذاكرة الأجيال الفلسطينية وواجب علينا أن ندعوهم كذلك الى حفظ اسمها و قراءة اّثارها وأوصي بضرورة عمل ما يلي :
1- تشكيل لجنة وطنية لحفظ و رعاية و نشر تراثها .
2- اطلاق اسمها على كلية الاّداب في جامعة النجاح .
3- تخصيص جائزة سنوية باسمها تمنح لأفضل عمل أدبي يدور حول انتاجها الثقافي .
وقد مرت الذكرى الثالثة لوفاة الشاعرة ولم يحدث أي حراك ثقافي على شرف المناسبة حيث مرت بصمت فهل نسينا فدوى طوقان التي قارعت العدو بكلماتها الثائرة , حتى ان الصحف والزوايا الادبية لم تذكر أي شئ عن هذه المناسبة باستثناء الفضائية الفلسطينية التي خصصت حلقة حول وفاتها.
و أخيرا و ليس اّخرا , فهذه الشاعرة العظيم ان غاب جسدها الطاهر عنا فان روحها تعانق كل حارات نابلس القديمة و كل ربوع الوطن و ان عزائنا الوحيد هو ما خلقته من تراث ثقافي وطني و انساني .
(رحمك الله يا فدوى و ان في طيب انتاجك الأدبي لنجد خير الغذاء و السلوان ).