منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديات الحوارية العامة > منتدى الأدب العام والنقاشات وروائع المنقول

منتدى الأدب العام والنقاشات وروائع المنقول هنا نتحاور في مجالات الأدب ونستضيف مقالاتكم الأدبية، كما نعاود معكم غرس أزاهير الأدباء على اختلاف نتاجهم و عصورهم و أعراقهم .

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
غير مقروء 25-10-2006, 09:55 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
نجلاء حمد
أقلامي
 
الصورة الرمزية نجلاء حمد
 

 

 
إحصائية العضو







نجلاء حمد غير متصل


افتراضي نص بالحرية

- هذه القصة أعجبتني
حبيت أنقلها في منتدى أقلام


للكانب
محمد الكاظم

نص بالحرية 1998 *



الوقت يمر كالعذاب ، وكل شيء في هذا الجو اللاهب يمر كالعذاب
وقت العصر يشبه الظهيرة ، والظهيرة تشبه شمسا غاضبة ، والشمس تشبه كل الأشياء الساخنة
المروحة اعترفت بعجزها عن تبديد الوقت ، وكل الأشياء الصغيرة التي تدب على الأرض أعلنت عدم قدرتها على شد الانتباه ، والنمل يتحرك بسرعة دائرية فوق قدح شاي التصق على المنضدة وهناك صرصار عنيد يحاول تسلق الحائط ، ونملة تحاول ان تقرص يدي فلا اهتم لها .. هذا كل ما هنالك ..
متى يأتي طوفان الوهم ليغسل كل هذه القذارة؟
سأعود الى الطين ..
تتناهبني قطع الطين تلك وتزعجني بلدانتها وبانتظارها المقلق وبعيونها المفتوحة دائما للنظر إلي. تلك القطع التي صنعتها يدايّ تستفزني وتخرب أعصابي .
متى تتحول هذه الأشياء الطينية الى جدارية ضخمة اصنعها من البرونز فارتاح من وجعي .
منذ ان كلفت بتصميم الجدارية البرونزية لتوضع في اكبر ساحات العاصمة وانا اشعر بالجوع لصنع حيوانات خرافية مستحيلة التحقيق ، لكن المسافة بعيدة بين رغبات التشكيل وعناد البرونز .
منذ ستة اشهر وانا اخطط واصمم الأشكال واصنعها من الطين،لكنني أحطمها في نوبة غضب أو نوبة حزن أو نوبة احتقار لهذا الخليط الغريب من كتل الطين الذي ما زال في طور التشكل.
عشرات من المرات اصنع تمثال العامل بشتى الأوضاع ثم أعود لأكسره. أما اليوم فقد اقتنعت بان الشكل النهائي للنصب يجب أن يكون تمثالا لعامل يمسك مطرقة ضخمة يطرق بها سندانا كبيرا
و أفكر ان انفذ هذا السندان من النحاس وليس من البرونز ليعطي انطباعا بأنه سندان من ذهب ، واذا ما كانت التخصيصات المالية جيدة فسوف نطليه بذهب حقيقي.
ما زال النمل يتحرك بعنف على بقايا قدح الشاي واصابعي الملوثة بالطين تنقر على الطاولة بايقاع متخم بالتشظي / بالضياع / بالقلق الابكم / .. او اية كلمة اخرى مناسبة .
كل شيء كالظهيرة . او الاشياء المشابهة لها ، وانا اشعر برغبة في التطهر من كل آثامي وانفض عن كاهلي قذارة كل ما صنعت يدي ..
العامل الطيني يقف وقفة بلهاء وعيونه تقدح بلا ابالية عقيمة وهو يحمل مطرقته الضخمة منتظرا سندان الذهب الموعود.. خراء ..
قبل ان اهشم التمثال قررت ان أسافر الى مدينتي الجنوبية الصغيرة فهناك أستطيع ان افكر بصورة صحيحة واخطط للجدارية البرونزية بعيدا عن بلاهة الطين وغباء عجينته التي تتحول بين اصا بعي الى خليط من الروث والنخام وبراز الماعز إذا ماعجزت عن تحويل طيور الخرافة المحلقة /أو ثعابين الجنون الزاحفة/أو العنقاءات المهتاجة /في تلافيف دماغي الى كتلة بثلاثة أبعاد.
أحيانا انخرط في نوبة بكاء مالحة إذا ما عجزت عن نقل مايدور في عرصات خيالي الى منضدة العمل أحس بالطين يتحول الى جنين أسقطته أمه بعد أربعة اشهر من الحمل الثقيل ،
تتغلغل لزوجته الى مساماتي وأشعر برغبته في البقاء كخليط من الدم واللحم والحيامن وسوائل الطمث.
حشرت منشفة وفرشاة اسنان في حقيبتي الصغيرة وهرولت الى محطة القطار ، ولم انس بالطبع مفتاح بيت أبى الذي بقي فارغا منذ أن التهم الموت جميع كائناته..
-1-
المساء كالظهيرة وحقيبتي الخضراء كالظهيرة ، والحرارة ترغي في الجو رغوة داكنة .بين هدير القاطرات وصخب المسافرين استفزني سعال جاف متقطع اثار رغبتي في العويل، وتضخم كالالعاب النارية في اروقة المحطة الضاجة بخوار آلاف الحناجر الآدمية ,. وبعين نصف متورمة بحثت عن هذا الكائن الذي يسعل بهكذا ضراوة.رايته في ركن بغيض. رجل كبير السن يرتدي زي عمال سكك الحديد وهو يقعد في زاوية قذرة يعاني سعاله المستمر .. كان يسعل بلا هدف ، يسعل لمجرد السعال والمخاط يسيل من انفه ليلوث شعر شاربيه ولا يستطيع مسحه لانشغاله بالبحث عن الهواء.سعاله يعلو ليكون اقوى من ضجة المسافرين التي لم اعد اسمعها رغم ان افواههم تتحرك بعنف ،تتكلم وتمص وتقضم وتمضغ وتلحس وتعض وتتجشأ وتتأوه.. حاول العامل المسن النهوض بالاستعانة بعمود المكنسة التي كان يحتضنها كأنها خلاصه ومسح المخاط بكمه فبقي خط مخاطي لاصف مرسوم على وجنته عرضيا وفتح فمه على اتساعه كأنه يحاول ان يلفظ شيئا ما او يقول كلمة تلتصق مثل حشرة في حنجرته لكنه سقط ارضا وكان ميتا بعد لحظة.
-2-
كان الوقت عبارة عن صهير بركاني يسير في دمائي وانا جالس في مقعد جلدي بارد في قطار الواحدة ليلا ، ذلك القطار الحزين الذي يخترق الليل بكآبته العاوية هاربا بحزنه وحزن المسافرين الى مدن الجنوب المتراصة كخرز مسبحة عتيقة على جانب واحد من سكّته
الواحدة ليلا ،او الثانية ، او حتى السابعة الا ربعا . فالوقت كل ظهيرة تشبه حقيبتي البرتقالية ،واعلان بائس في اسفل صحيفة جريدة مدعوكة بالاقدام عثرت عليها تحت مقعدي وعليها آثار قيء طفل او امرأة عجوز خضت الكيلومترات العنيدة امعائها . يخبرني الاعلان عن محطة ابقار تبيع مجموعة من ثيرانها السمينة .
اتصور لحمها معلقا على كلاليب القصابين المترهلين .. الدم يسيل واللحم معلق والذباب يمتص سوائل تفصدها الافخاذ .. الدم يسيل والخطاف ينخر قلبي ، والوقت بطيء كحلزون متخم .. ألقيت صفحة الجريدة وطوحت برأسي الى الخلف متنصتا الى حديث مسافر يحدث رفيقه عن عجزه الجنسي وانعدام فحولته ، وعن مدى فعالية الفياغرا العجيبة في إشاعة الدفء في الذيل المتدلي من الأمام .
-3-
أحس بمعدتي تنقلب بئرا جافة تصرخ طالبة ما يقيتها ، وعشب شيطاني تزرعه يد عابثة في احشائي ، جسدي يتنمل كليا وجوع ضار الحدقات يفتك بي حينما توقف القطار ليعلن عن صعود امرأة تجر طفلا صغيرا يحمل في يده زجاجة يترجرج فيها ماء قليل وعلى فوهتها العريضة ما تيقنت انه صرة قمح صغيرة مغموس جزء منها في ماء القنينة وقد اطلت براعم خضراء صغيرة من فتحات القماش المصرورة به حبات القمح التي عودها الأطفال على هذه الطريقة المدرسية في الزراعة ..
في محطة اخرى صعد قرويان يحمل أحدهما مسحاة كسر عودها ولم يبق منها سوى قطعة الحديد الضخمة التي تهرش جلد الأرض بحثا عن ثمرة تمنحها رغبة الصيهود المستمر . ربما كان ذاهبا لأصلاحها في المدينة .. كان أحدهما يلتقم قطعة حلوى ملفوفة بكيس ورقي يحمله. وفي لحظة تذكري لطعم الحلاوة الذي اتصوره كئيبا ونائيا ارتطمت مسحاة القروي بزجاجة الطفل الزارع فانكسرت وسال الماء وانتثر القمح المبلل على الارض فبكي الطفل ورفض حلوى القروي التي قدمها له كاعتذار ثم نام في حجر امه .. ربما كان يحلم بان يطلع معلمته على بيدر قمح كبير ..
انا موقن ان معلمته قالت له .. ضع حفنة قمح في قطعة قماش اغمس طرفها في الماء وبعد أسبوع/أو واحد وعشرون يوما/أو ثلاث قروء /أو تسعة اشهر /أو سنة وخمسة أسابيع/أو حتى ثلاثون شهرا/ ستظهر براعم خضراء كلون حقيبتي البيضاء كالظهيرة ..
-4-
في ساعة غبش سيئة الوقع على الحواس النصف نائمة توقف قطار الرحلة المنهكة للعصب في محطة كل ما فيها يذكرني بأيام طفولة انقضت كحلم له طعم الشكولاته المذابة في الحليب.
أنها محطتي التي اقصد .. محطة مدينتي التي أتصورها واحة التقاء الوهم بالحقيقة . هنا أستطيع أن أخلو الى شياطين النحت الحديث وأبدع جدارية لها ملمس القطيفة ورائحة التجلي هنا أستطيع أن أقرا الأوجه السمراء واستفز جنيات الطين لأصنع حلمي البرونزي.
حملت حقيبتي السوداء ونزلت من تلك السحلية الحديدية الصاخبة العجلات لأجد كل شيء قد تغير في المحطة .. الساعة القديمة اعلنت احتجاجها على جنون الزمن فتوقفت عن العمل وسقطت عقاربها لتشير الى زمن فراغي هائل السكون . اما النخلة الطويلة التي كانت تتوسط الباحة فقد تحولت الى عمود متفحم يقف مثل فزاعة تشير لارواح المكان بعد ان احترقت تماما ..
كما رأيت امرأة حبلى بضراوة تبيع الماء من سطل بيدها وطاسات كطاسات الاستجداء تملأ المكان . هربت من زمن المحطة اللامحدد ومن مذاق التمر وحلم راودني بقدح ماء مثلج . هربت الى وجدي لاحتضان مدينتي التي تقع خلف تلة ترابية يقود اليها طريق طويل.
-5-
ما زال الصباح كالظهيرة ، ورائحة الصبح مقلقة حد الوجع / التوجس / التيه / او أي مفردة تلم احساسي بالخواء . مهلة الدائرة التي كلفتني بصنع الجدارية ستنتهي وستراودني مشاعري المذلة تجاه النقود وتجاه موقد شتائي دافئ احلم به في ليالي مصارعتي لثعابين الوهم المعرشة على اعصابي .
كان ذهني مشتتا بين النقود والثعابين والموقد حينما صدمني جنود ثلاثة بكامل ثيابهم العسكرية وكامل اسلحتهم كأنهم يتوجهون لحرب ما كل ما فيهم كان متجهما وكئيبا وعصابيا كنوبة مطر رمادي ناعم يسح رذاذه على وجه مومياء محنطة .
واحد منهم كان له وجه طفولي يحمل قفصا حديديا مصنوعا من قضبان غليظة ترقد فيه حمامتان كالحتا الريش ويحمل في يده الاخرى بندقية عتيقة الطراز .
-6-
في الدرب الطويل الواصل بين المحطة والتلة قابلت امرأة ضئيلة الجسم تحمل آلة اطفاء الحريق .
انها (حرية) زوجتي الاولى لقد عرفتها فورا من أقدامها الكبيرة جدا , انها تملك اكبر قدمين عرفتهما لذلك تمشي حافية دائما .لقد تعرفت عليها رغم اني لم ألتق بها منذ أن طلقتها قبل سنين طويلة وقد تزوجت خمس أو ست نساء غيرها لكنني طلقت الجميع لأني لم أجد حورية الطين في أي واحدة .
-كيف حالك يا حرية ؟
-أنا لست حرية . انا نجوى .
كانت تكره اسم حرية لأنه كان مثار سخرية الجميع ، فقد كانت امرأة ريفية بسيطة إلتقط أبواها هذا الاسم من ثرثرة المذياع فأسمياها به ليكون لعنتها
-والى اين تريدين الذهاب ؟
-ارجوك انك تؤخرني ، انا ذاهبة لابيع هذه الآلة في سوق المدينة.
-7-
وصلت التلة التي ينتهي عندها الطريق العمومي وانا لاهث الأنفاس ، لكنني كنت مفعما بتوق خرافي للوصول الى بيت ابي الذي أعود إليه كلما احتجت للخلوة بنفسي.
يبدو ان أهل المدينة صاروا يستعملون التلة كمقبرة لموتاهم لان لها قمة تشرأب نحو السماء مقربة اوهام الموتى من قلب الله الكبير .. تمنيت في هذه اللحظة البالغة البهاء ان اكسر ابريق فخار عند قدمي الرب او احول كل هذياناتي البرونزية الى كسرة فخار تندرس مع تراب التل لتذروها رياح نقية تقبل وجه الله وتطلب اليه ان يعتق روحي من صندوقها التالف هذا.
افقت من هذا التوحد الصوفي على رؤية فجائعية أطلت علي مثل قرع عشرات الآلات النحاسية كان هناك قبر جديد يحمل شاهده صورة شاب حاد الملامح بثياب عسكرية وخوذة مغطاة بدغل حجري، وعلى القبر نصب قفص حديدي كبير بقضبان رمادية متقاطعة بهلع / بخشونة / بمرارة لترسم عشرات من الصلبان الحادة الزوايا . وحتى القبر نفسه بني على هيئة صليب كبير داخل القفص الحديدي ..
غطت غيمة ثقيلة وجه الشمس لتحسر وجودها نهائيا رغم ان كل شيء بقي يشي بظهيرة كالشمس او شمس كالظهيرة
-8-
ادخل المدينة من جهة الدرهم او جهة الثعبان او جهة الموقد .. الجهات تندرس في ذهني .. لأقل انني دخلت من جهة الطاحونة ( الطاحونة ليست اكثر من بقايا حائط بارتفاع نصف متر بقي من بناية طاحونة قمح سعلت كثيرا ونفثت الدخان وغبار الطحين بوجه المدينة لسنين طويلة ثم تحولت الى خربة )
لا زلت اذكر زمنا اغبر الثياب يطل علي مثل نوبة عطاس ، لكنه باية حال افضل من هذا الزمن المتوقف عن المضي . كانت الطاحونة اول آلة تدخل مدينتنا لذلك رسمنا هالة من العبقرية حول صاحبها اذ انه الوحيد الذي يستطيع ادارة هذه اللعبة المخيفة وكثيرا ما عبرنا عنه بالمفكر ..
امام بقايا الطاحونة رأيت صاحبها المفكر وقد صار اكثر بدانة بعد أن امتهن مهنة التوابيت وأمارات ثراء وحشي تظهر عليه . ثيابه فاخرة . وساعة يده من الذهب . مثل اولئك الرجال يهمهم الزمن كثيرا . اما انا فهارب من عويل زمني الى ارض تنعدم فيها الازمنة فكلمة (متى) تكون تافهة امام ملايين السنين التي استغرقها تحول تحول الإنسان الى قرد
شعرت بكره حاد لرجل التوابيت وتخيلت أجسادا مسلوخة الجلد تخرج كل مساء لتمارس العويل على زمنها الخاص .. كان هناك تابوت اسود مزخرف وجميل ، بمقابض مذهبة اشتهيت الموت منذ رايته . ماذا لو اتمدد الان في التابوت واحلم حلمي الاخير ..
احسست بكهارب رجل التوابيت تجتاحني وشعرت انه يكرهني ايضا ورأيت في عينيه رغبة حالمة بالموت الهادئ الذي ياتي كالمد ليغمر الاشياء بصمته السكوني المقدس.
وباحساس جرذ محاصر احسست انه يحاول ان يدخلني الى فناء طاحونته ليصارعني حتى موت أحدنا مثل صراعات العبيد في روما القديمه. الفائز يموت . والفائز منا هو من يمتلك التابوت الأخير لجسده أما الخاسرالمنتصر فسوف يبيع التوابيت بانتظار قادم غريب يقتله ويضع جسده في أكبر التوابيت ليمتلك الناجي التوابيت الأخرى وهكذا حتى…/…./…./.
وبصعوبة بالغة قاومت إغواء قتل رجل التوابيت واكتفيت بخلع ساعتي ووضعها في جيبي لأنني تصورت نفسي أشبهه بساعتي المتوقفة عن العمل منذ مدة طويلة.
-9-
بعد خطوات قليلة ،وتحت شجرة التفاح الوحيدة في المدينة لمحت امرأة جميلة حد الوجع ولا أدري لماذا ارتسمت في ذهني صورة حواء.. لو لم تكن حواء جميلة حد الوجع لما تمكنت من إغواء آدم.
-عندك سيارة ؟ ألا تريد المتعة ؟
سمعت صوتها يفح في أذني ويشتعل كالبنزين في أعصابي. لا أستطيع منع نفسي من تصور امرأة جميلة دون أن أتخيل هيكلها العظمي أو جثتها المتعفنة وجلدها المزرق وأسراب النمل تدخل منخريها وتأكل القوارض عيونها وثدييها وشحمة أذنها. ولا أقدر أن أتصور شخصا ما دون أن أتصور أنه سيصبح ذات يوم مثل منحوتات جواد سليم التي تبدو مقشرة الجلد ليظهر نسيج أعضائها واضحا.
التفسخ يطال الجميع والنتن سوف يغطي الأشياء وكل أنواع البكتريا سوف تمضغ هذا الجسد الملوث. أنا أستغرب أحيانا من هذه الكائنات التي تصر على العيش رغم كل ذلك القرف..
امرأة تمتهن المهنة القديمة نفسها ، مهنة بيع الجسد للعابرين. لو كانت حواء عاقلة لما لوثت الأرض بهذه القذارة..
استحوذت علي فكرة امتلاك امرأة جميلة بعد عناء رحلة كهذه..
-لا بأس .. عندي بيت فارغ
عادت المرأة إلى شجرة التفاح لتحمل طفلا رضيعا قد وضعته خلف الشجرة، حملته وعادت لتمشي معي مثل حيوان يعرف بدقة مواعيد السفاد الوثنية.
-10-
ما زالت الظهيرة الكاوية تعلسني وأنا والمومس نمر بعدد من النسوة وهن يحطن بتابوت أسود مثبت عليه مقابض مذهبة ويحاولن فتح التابوت في الخلاء.
اعتذرت المرأة عن مرافقتي وأعطتني الطفل الرضيع وطلبت مني أن أكمل طريقي.
-أنه واجب اجتماعي يجب أن أشارك فيه. سألحق بك.
فتحت النسوة التابوت بصمت وأخرجن جثة عارية لقتيل طويل الساقين مددنها على العشب، ونشرن اليدين اللتين بدتا باتساع الفضاء.
الشمس كالظهيرة . والقلق يتملكني حد الثعبان .. حد الدرهم .. حد الموقد، والجسد المصلوب يلتمع تحت ظهيرة كالشمس أو شمس كالظهيرة وظهيرة كالموت.. دهنت النساء الجسد المصلوب بـ… ربما كان بول الثعبان أو بول الدرهم أو بول الموقد فصار له هذا الألتماع المثير الذي يعطي الجسد الوردي الطويل الساقين بهاء خاصا..
وبلحظة واحدة أخرجن من تحت العباءات السود فؤوسا حادة وأخذن يقطعن جسد القتيل بهمة الحطابين!.القدمان.. الفخذان.. اليدان.. الساعدان.. الرأس.
وكل شيء يجري بصمت كأنما للبكاء ثمن لا يستطيع أحد دفعه !
انفجرت في داخلي رغبة للهرب، وبين لهاث ولهاث اكتشفت وجود يدي ورأسي وساقي كزوائد لا أهمية لها كأنما نسيتها قوة ما ورحلت عن العالم..
-11-
ركضت طويلا وأنا أحمل الطفل شعرت بألم يسري في يدي وساقي ورأسي كأنما روح القتيل قد حلت في جسدي/أو ان روحي حلت في جسد القتيل /أو إن روحي وروح القتيل حلتا في جسد أزرق .حاولت الاستراحة تحت شجرة صفصاف كبيرة تخفي وجه الشمس التي تشبه الظهيرة عن جسدي وروح القتيل/أو روحي وجسد الشجرة
ماذا لو كان تناسخ الأرواح حقيقة؟
لطالما تمنيت أن تحل روحي في جسد ذئب أو نمر أو أفعى أو أي وحش ضار لأعوض خوف الدجاجة التي تسكنني.. الصفصافة تنوح كلما عبثت الريح بجسدها الهائل العري. تنوح بغرابة كنواح الجرح/ أو كنواح الإبر/ أو كنواح الليل/ أحس بالشجرة تتملكني وتنفث سحرها القتيل في داخلي كأنما حلت روحها الشيطانية في جسدي لذلك أشعر برغبة ملحة بالبكاء وفي فمي غثيان مر كأنني ابتلعت أحشاء سمكة ألوكها بامتعاض.
في الزمن القديم، الأفضل/الأسوء من هذا الزمن . لم تكن هذه الصفصافة موجودة ، لكنها ربما نبتت بعد امتلاء العالم باللامعنى ونمت بسرعة ثم خلعت أوراقها وقررت الموت نواحا.
-12-

أنا أوشك على دخول الطريق المؤدية إلى باب المدينة الكبير، وإحساس مخجل يملؤني بعد أن تركت الطفل الرضيع مرميا عند شجرة الصفصاف النواحة العارية.
كان هناك مجموعة من الصبيان يتجمعون في دائرة حول شيء ما ، ما أجمل الأطفال.. تلك الكائنات التي خلقها الله على صورته وأنعم عليها بأبوته.. ألم يكن المسيح طفلا جميلا أخضر العينين؟.
شعرت إن تلك الرؤيا ستتلاشى إن فتحت عيني، فبقيت مصرا على إغماضهما خوف أن تتسرب الرؤيا الحالمة الشفافة حتى امسكني صبي يضع قرطا في أذنه ودعاني للانضمام إليهم.
-نحن نقيم عيد ميلاد .
كم تمنيت أن أقيم عيد لميلادي الذي لا أعرفه، وجال بفكري أن أدعو الصبيان لنحتفل بعيد ميلادي في بيت أبي. أنا لا أعرف تاريخ ميلادي بالتحديد لذلك أتصور لا شعوريا أن آخر يوم في السنة هو ميلادي الحقيقي وأي (متى) أخرى لا تهمني.
أعلن الصبي عن حضوري بلهجة مسرحية مفخمة:
-رجل مجهول النوايا يحضر عيد ميلاد الضفدعة.
كان الصبي بلا يدين ، فساعداه ينتهيان بنتوءين لحميين يعلنان عن تشويه ولادي مثير للأرنب.. للصدفة.. للقدور.. لكل الأشياء التي لا تنتمي لعالم العقلاء.
وبالفعل، كان أحد الأطفال ممسكا بضفدعة خضراء سمينة وهو يفقأ عينها بمسمار طويل بتشف بالغ. الثعبان.. الموقد..
-13-
في باب المدينة الكبير الذي يتوسط سورها الحجري شاهدت رجل البلدية بملابسه الزرقاء حد القرف وهو يمسك بإسفنجة وسطل ماء ويمسح عبارات مكتوبة بالفحم على سور المدينة، ثم جاءت امرأة صغيرة الجسم تحمل صرة كبيرة ألقتها في مكان تجميع القمامة، وكانت عبارة عن مجموعة كبيرة من الدفاتر المدرسية الممزقة الملفوفة بقطعة قماش هي عبارة عن لافتة كبيرة كتب عليها مئات المرات يسقط.. يعيش..يسقط يعيش
-هل عندك سيجارة ؟
طلب رجل البلدية من امرأة اللافتة ، فأجابت بالنفي.
أحس بألم في عقب قدمي فقد سرت طويلا والحذاء اللعين قد جرح قدمي، وفي أذني صوت يشبه صوت فحيح قنفذ مخدر بالبراسيتول أو أزيز كلب محنط بالفاليوم. وتوقي يزداد لبيت أبي ففي ذهني أفكار كثيرة ستفيدني حتما في تصميم الجدارية..
-14-
فمي مثل مبولة ، وأمامي ترقص أسماك برؤوس شيطانية تعصر القلب وأنا أشعر بالظهيرة في دمي. وحينما صرت داخل السور أحسست إن شيئا ما يجري بطريقة خاطئة. فالسور فارغ والمدينة تـ..بـ..خـ..ر..ت.!
لا وجود لبيت أبي ولا لأي بيت.. كان هناك حصان بليد يجر عربة لجمع القمامة ورجل بثياب حمر عليها شرائط ذهبية كشرائط الفرسان وهو يدور بين أكوام القمامة التي صارت كالجبال وينتقي منها أشياء صغيرة لامعة يضعها في العربة.
وبين صهيل الحصان الذي بدا كالنهيق وبين عدم اهتمام رجل النياشين وجدت نفسي أتلاشى..



* النص الفائز بجائزة القصة القصيرة في الملتقى الثقافي العراقي









--------------------------------------------------------------------------------

--------------------------------------------------------------------------------







التوقيع

اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لي وترحمني وإذا أردت فتنة قوم فتوفني غير مفتون وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربني إلى حبك

 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
لا حريات في الإسلام معاذ محمد منتدى الحوار الفكري العام 11 10-12-2006 12:45 AM
فرناندو مارياس / العراق موضوعنا المشترك ـ منقول د . حقي إسماعيل منتدى الأدب العالمي والتراجم 2 24-01-2006 10:17 PM

الساعة الآن 01:52 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط