المعتزلة والفكر الحر
د. عادل العوا
( 1 )
الطبعة الأولى
الأهالي دمشق
1_ الخلافات الكلامية
يميز ابن خلدون في "مقدمته" العلوم العقلية عن العلوم النقلية، ويرى أن العلوم العقلية تشمل على (علم المنطق والعلم الطبيعي والعلم الإلهي وعلم التعاليم)، وأن العلوم النقلية تضم (علم التفسير وعلم القراءات وعلم الحديث وعلم الفرائض وعلم أصول الفقه وما يتعلق به من الجدل والخلافيات ثم علم الكلام وعلم التصوف وعلم تعبير الرؤيا والعلوم اللسانية وهي علوم اللغة والنحو والبيان والادب).
علم "أصول الفقه" عنده من أعظم العلوم الشرعية وأجلها قدرا وأكثرها فائدة وهو النظر في الأدلة الشرعية من حيث تؤخذ منها الأحكام والتاليف.
وقد كثر الخلاف بين المجتهدين في هذا الفقه المستنبط من الأدلة الشرعية.
وقد سمي هذا الصنف من العلم الباحث في مثارات اختلاف هؤلاء الأئمة باسم "الخلافيات"، واطلق إسم "الجدال" على معرفة آداب المناظرة التي تجري بين أهل المذاهب الفقهية وغيرهم.
وقد وضع الأئمة آدابا وأحكاما يقف المتناظران عند حدودها في الرد والقبول، وعرّف "علم الجدال" بأنه علم بالقواعد من الحدود والآداب في الاستدلال التي يتوصل بها إلى حفظ رأي وهدمه سواء كان ذلك الرأي من الفقه او غيره.
امتد اختلاف الآراء في الثقافة الإسلامية إلى علم الكلام، والفقه الأكبر، او اصول الدين، او علم النظر والاستدلال، او علم التوحيد والصفات.
يقول القاضي (الارموري): ان موضوع علم الكلام هو "ذات الله تعالى"، إذ يبحث فيه عن عوارضه الذاتية التي هي صفات الثبوتية والسلبية، وعن أفعاله: إما في الدنيا كحدوث العالم، وإما في الآخرة كالحشر، وعن أحكامه فيها: كبعث الرسل ونصب الإمام في الدنيا من حيث انهما واجبان عليه تعالى اولا، والثواب والعقاب في الآخرة من حيث أنهما يجبان عليه ام لا.
علم الكلام هو العلم الأعلى إذ تنتهي إليه العلوم الشرعية كلها، وفيها تثبت موضوعاتها وحيثياتها، فليست له مبادئ تبين في علم آخر، شرعيا او غيره.
إنه علم يستغني بنفسه عما عداه. ومن الكلام تمنح سائر العلوم الشرعية، وهو لا يستمد من غيره أصلا، لأنه رئيس العلوم الشرعية على الإطلاق.
وعندنا ان علم الكلام هو محاولة تعقيل الدين، وفهمه بالمنطق وبالرأي للذود عن الإيمان بهذا المنطق والرأي. وهو بهذا الاعتبار يختلف عن الفلسفة اختلافه عن الفقه وعن التصوف.
التصوف جريان الفكر في مضمار الدين خلف العاطفة والانفعال بالدرجة الأولى.
الفقه يمثل هدف العقل العملي المشرّع في الإسلام.
الفلسفة بالمعنى الدقيق فإنها تعليل بالانظار الفكرية والاقيسة العقلية وترتيب الأدلة والحجج لتحصيل ملكة الجودة والصواب في البراهين.
الفيلسوف باحث عقلي مدقق يرتب الأدلة والحجج وينظم الاقيسة والبراهين ثم يطلق الحكم على ما يجده في نظره، وكأنه قاض.
المتكلم يقف موقف المحامي الذي يدافع عن الإسلام ويذود عن حياضه ويجادل بالتي هي أحسن ما استطاع إلى ذلك سبيلا.
وعلى هذا يتفق علم الكلام والفلسفة في اتصاف كل منهما بأنه فكر عقلي، ويختلفان في الغاية المرموقة والغرض المنشود.
الفلسفة تبتغي الحقيقة "المجردة"، وعلم الكلام يهدف إلى الدفاع عن الإيمان الإسلامي.
يرى "ابن خلدون" ان علم الكلام دفاع ضد المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة.
يرى أصحاب كل مذهب إسلامي ان علم الكلام دفاع عن الحقيقة المذهبية الخاصة بكل فرقة تعتبر وحدها هي الفرقة الناجية.
نشأ علم الكلام من طبيعة الدين الإسلامي ذاته، وبنتيجة الظروف والعوامل التاريخية التي اكتنفت تطور الثقافة العربية الإسلامية، والاهتمام الجمعي بمشكلاتها المتصلة بحقائق الدين والإيمان.
جاء الدراسون بنظريات شتى حول نشأة علم الكلام، ذهب ابن خلدون إلى ان "الأشعري" هو مؤسس علم الكلام.
بدأت لفظة "الكلام" تتردد على ألسنة التابعين منذ أواخر القرن الأول الهجري، فقد ورد في رسالة "الحسن البصري" إلى "الحجاج" حين سأله رأيه بالقدر فقال: "إن الله لم يخلقهم _العباد_ لأمر ثم حال بينهم وبينه، لأنه تعالى ليس بظلام للعبيد ولم يكن أحد من السلف يذكر ذلك ولا يجادل فيه لأنهم كانوا على امر واحد وانما احدثنا الكلام فيه لما أحدث الناس النكرة له. فلما احدث المحدثون في دينهم ما احدثوه احدث الله للمتمسكين بكتابه ما يبطلون به المحدثات ويحذرون من المهلكات".
يوضح "الشهرستاني" رأيه في الخلافات التي ولّدت علم الكلام، ويرى أن هذه الخلافات هي الشبهات التي سرت في أذهان الناس حتى صارت مذاهب بدعة وضلال، ويرد الشبهات كلها إلى شبهة إبليس لعنه الله، وأما الشبهات التي وقعت في الملة الإسلامية فانه يعزوها إلى شبهات منافقي زمن النبي عليه السلام، جادلوا بالباطل فيما لا يجوز الجدال فيه.
يميز الشهرستاني اختلافات اجتهادية "وقعت حال مرض النبي عليه السلام وبعد وفاته بين الصحابة رضي الله عنهم".
يورد الشهرستاني لائحة بعشرة خلافات اجتهادية وقعت كلها للصحابة في مرض النبي عليه السلام وبعد موته، منها الخلاف الخامس الذي يتصل بالإمامة، وهي أعظم خلاف بين الأمة.
يقول: "وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة، إذ ما سلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سلّ على الإمامة في كل زمان".
ان المتكلمين كافة يشتركون باستخدام العقل والمنطق للدفاع عن الدين. وهم في الحق يصطرعون أيضا لاختلاف نزعاتهم السياسية ومصالحهم القومية او الاقتصادية او الفكرية او الثقافية.
الاختلاف الحقيقي بين المتكلمين يمكن رده إلى تفاوت في استخدام العقل والمنطق استخداما متحيزا لا موضوعيا.
تعقيب
ماذا لو أن ما حدث في زمن الراشدين هو ما كان يجب أن يحدث، وهو المرجعية والمقياس في "قضية الإمامة"، بل "قضية الخلافة" وانتقال السلطة السياسية، ولا يحتمل التعليل ولا التبرير، وهي قضية ليست فلسفية بكل تأكيد.
21/10/2026
..