منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديـات الثقافيـة > المنتدى الإسلامي

المنتدى الإسلامي هنا نناقش قضايا العصر في منظور الشرع ونحاول تكوين مرجع ديني للمهتمين..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
غير مقروء 22-10-2026, 06:52 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
زياد هواش
طاقم الإشراف
 
إحصائية العضو







زياد هواش متصل الآن


افتراضي المعتزلة والفكر الحر...

المعتزلة والفكر الحر
د. عادل العوا
( 1 )

الطبعة الأولى
الأهالي دمشق

1_ الخلافات الكلامية

يميز ابن خلدون في "مقدمته" العلوم العقلية عن العلوم النقلية، ويرى أن العلوم العقلية تشمل على (علم المنطق والعلم الطبيعي والعلم الإلهي وعلم التعاليم)، وأن العلوم النقلية تضم (علم التفسير وعلم القراءات وعلم الحديث وعلم الفرائض وعلم أصول الفقه وما يتعلق به من الجدل والخلافيات ثم علم الكلام وعلم التصوف وعلم تعبير الرؤيا والعلوم اللسانية وهي علوم اللغة والنحو والبيان والادب).

علم "أصول الفقه" عنده من أعظم العلوم الشرعية وأجلها قدرا وأكثرها فائدة وهو النظر في الأدلة الشرعية من حيث تؤخذ منها الأحكام والتاليف.

وقد كثر الخلاف بين المجتهدين في هذا الفقه المستنبط من الأدلة الشرعية.
وقد سمي هذا الصنف من العلم الباحث في مثارات اختلاف هؤلاء الأئمة باسم "الخلافيات"، واطلق إسم "الجدال" على معرفة آداب المناظرة التي تجري بين أهل المذاهب الفقهية وغيرهم.

وقد وضع الأئمة آدابا وأحكاما يقف المتناظران عند حدودها في الرد والقبول، وعرّف "علم الجدال" بأنه علم بالقواعد من الحدود والآداب في الاستدلال التي يتوصل بها إلى حفظ رأي وهدمه سواء كان ذلك الرأي من الفقه او غيره.
امتد اختلاف الآراء في الثقافة الإسلامية إلى علم الكلام، والفقه الأكبر، او اصول الدين، او علم النظر والاستدلال، او علم التوحيد والصفات.

يقول القاضي (الارموري): ان موضوع علم الكلام هو "ذات الله تعالى"، إذ يبحث فيه عن عوارضه الذاتية التي هي صفات الثبوتية والسلبية، وعن أفعاله: إما في الدنيا كحدوث العالم، وإما في الآخرة كالحشر، وعن أحكامه فيها: كبعث الرسل ونصب الإمام في الدنيا من حيث انهما واجبان عليه تعالى اولا، والثواب والعقاب في الآخرة من حيث أنهما يجبان عليه ام لا.

علم الكلام هو العلم الأعلى إذ تنتهي إليه العلوم الشرعية كلها، وفيها تثبت موضوعاتها وحيثياتها، فليست له مبادئ تبين في علم آخر، شرعيا او غيره.
إنه علم يستغني بنفسه عما عداه. ومن الكلام تمنح سائر العلوم الشرعية، وهو لا يستمد من غيره أصلا، لأنه رئيس العلوم الشرعية على الإطلاق.

وعندنا ان علم الكلام هو محاولة تعقيل الدين، وفهمه بالمنطق وبالرأي للذود عن الإيمان بهذا المنطق والرأي. وهو بهذا الاعتبار يختلف عن الفلسفة اختلافه عن الفقه وعن التصوف.

التصوف جريان الفكر في مضمار الدين خلف العاطفة والانفعال بالدرجة الأولى.
الفقه يمثل هدف العقل العملي المشرّع في الإسلام.
الفلسفة بالمعنى الدقيق فإنها تعليل بالانظار الفكرية والاقيسة العقلية وترتيب الأدلة والحجج لتحصيل ملكة الجودة والصواب في البراهين.

الفيلسوف باحث عقلي مدقق يرتب الأدلة والحجج وينظم الاقيسة والبراهين ثم يطلق الحكم على ما يجده في نظره، وكأنه قاض.
المتكلم يقف موقف المحامي الذي يدافع عن الإسلام ويذود عن حياضه ويجادل بالتي هي أحسن ما استطاع إلى ذلك سبيلا.
وعلى هذا يتفق علم الكلام والفلسفة في اتصاف كل منهما بأنه فكر عقلي، ويختلفان في الغاية المرموقة والغرض المنشود.
الفلسفة تبتغي الحقيقة "المجردة"، وعلم الكلام يهدف إلى الدفاع عن الإيمان الإسلامي.

يرى "ابن خلدون" ان علم الكلام دفاع ضد المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة.
يرى أصحاب كل مذهب إسلامي ان علم الكلام دفاع عن الحقيقة المذهبية الخاصة بكل فرقة تعتبر وحدها هي الفرقة الناجية.

نشأ علم الكلام من طبيعة الدين الإسلامي ذاته، وبنتيجة الظروف والعوامل التاريخية التي اكتنفت تطور الثقافة العربية الإسلامية، والاهتمام الجمعي بمشكلاتها المتصلة بحقائق الدين والإيمان.

جاء الدراسون بنظريات شتى حول نشأة علم الكلام، ذهب ابن خلدون إلى ان "الأشعري" هو مؤسس علم الكلام.

بدأت لفظة "الكلام" تتردد على ألسنة التابعين منذ أواخر القرن الأول الهجري، فقد ورد في رسالة "الحسن البصري" إلى "الحجاج" حين سأله رأيه بالقدر فقال: "إن الله لم يخلقهم _العباد_ لأمر ثم حال بينهم وبينه، لأنه تعالى ليس بظلام للعبيد ولم يكن أحد من السلف يذكر ذلك ولا يجادل فيه لأنهم كانوا على امر واحد وانما احدثنا الكلام فيه لما أحدث الناس النكرة له. فلما احدث المحدثون في دينهم ما احدثوه احدث الله للمتمسكين بكتابه ما يبطلون به المحدثات ويحذرون من المهلكات".

يوضح "الشهرستاني" رأيه في الخلافات التي ولّدت علم الكلام، ويرى أن هذه الخلافات هي الشبهات التي سرت في أذهان الناس حتى صارت مذاهب بدعة وضلال، ويرد الشبهات كلها إلى شبهة إبليس لعنه الله، وأما الشبهات التي وقعت في الملة الإسلامية فانه يعزوها إلى شبهات منافقي زمن النبي عليه السلام، جادلوا بالباطل فيما لا يجوز الجدال فيه.
يميز الشهرستاني اختلافات اجتهادية "وقعت حال مرض النبي عليه السلام وبعد وفاته بين الصحابة رضي الله عنهم".
يورد الشهرستاني لائحة بعشرة خلافات اجتهادية وقعت كلها للصحابة في مرض النبي عليه السلام وبعد موته، منها الخلاف الخامس الذي يتصل بالإمامة، وهي أعظم خلاف بين الأمة.
يقول: "وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة، إذ ما سلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سلّ على الإمامة في كل زمان".

ان المتكلمين كافة يشتركون باستخدام العقل والمنطق للدفاع عن الدين. وهم في الحق يصطرعون أيضا لاختلاف نزعاتهم السياسية ومصالحهم القومية او الاقتصادية او الفكرية او الثقافية.

الاختلاف الحقيقي بين المتكلمين يمكن رده إلى تفاوت في استخدام العقل والمنطق استخداما متحيزا لا موضوعيا.

تعقيب
ماذا لو أن ما حدث في زمن الراشدين هو ما كان يجب أن يحدث، وهو المرجعية والمقياس في "قضية الإمامة"، بل "قضية الخلافة" وانتقال السلطة السياسية، ولا يحتمل التعليل ولا التبرير، وهي قضية ليست فلسفية بكل تأكيد.
21/10/2026

..







التوقيع

https://www.facebook.com/ziad.hawash...ibextid=ZbWKwL
‏"لن تنتصر الضحية على الجلاد إذا لم تتفوق أخلاقيا عليه"
- إدوارد سعيد.

 
رد مع اقتباس
غير مقروء 23-10-2026, 12:21 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
زياد هواش
طاقم الإشراف
 
إحصائية العضو







زياد هواش متصل الآن


افتراضي رد: المعتزلة والفكر الحر...

المعتزلة والفكر الحر
( 2 )

2_ الفرق الكلامية الأولى:
يقول (أبو محمد علي بن أحمد بن حزم): فرق المقرين بملة الإسلام خمس وهم: أهل السنّة والمعتزلة والمرجئة والشيعة والخوارج. ثم افترقت كل فرقة إلى فرق.

وهي الفرق الكبرى، تمثل التيارات الكبرى في النشاط الكلامي الإسلامي في عهد ازدهاره ونضجه، نميز في نشأة التجربة الكلامية اتجاهات رئيسية ثلاثة هي: الصفاتية والجبرية والقدرية.

3_ الصفاتية:
فهم المسلمون الأوائل الإسلام فهما بسيطا مباشرا، وسكتوا عن الكلام في الصفات، ولم يفرق أحد منهم بين كونها صفات ذات او صفات فعل، وإنما اثبتوا لله تعالى صفات أزلية من العلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والجلال والاكرام والعزة والعظمة، وساقوا الكلام سوقا واحدا. وقد اثبتوا من جهة أخرى صفات أسموها الصفات الجبرية بدون التعرض لتأويلها، ولا استهداف التشبيه بها، مثل صفات اليدين والرجلين والوجه.

أثبت الصفاتيون او بعض السلف الصفات فسموا الصفاتية، وأنكرها المعتزلة ونفوها فسموا "المبطّلة".

اقتصر بعضهم على صفات دلّت الأفعال عليها وما ورد به الخبر، فافترقوا في ذلك فرقتين: الأولى أوّلتها تأويلا يحتمله اللفظ، والاخرى توقفت عن التأويل، وقال أصحابها: عرفنا بمقتضى العقل أن الله تعالى ليس كمثله شيء، فلا يشبه شيئا من المخلوقات، ولا يشبهه شيئ منها، وقطعنا بذلك إلا أنا لا نعرف معنى اللفظ الوارد فيه مثل قوله تعالى "الرحمن على العرش استوى" ولسنا مكلفين بمعرفة تفسير الآيات وتأويلها، بل قد ورد التكليف بالاعتقاد بأن الله لا شريك له، وليس كمثله شيء، وذلك قد اثبتناه يقينا.

ومن السلف الذين لم يتعرضوا للتأويل ولا استهدفوا التشبيه (مالك بن انس) إذ قال: الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والايمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وكذلك (أحمد بن حنبل) و (داود الاصفهاني) إمام أهل الظاهر.

صارت الصفاتية بانحياز (الأشعري) إليها في عصره مذهبا لأهل السنّة والجماعة، "وانتقلت سمة الصفاتية إلى الأشعرية" وبذا تطورت الصفاتية من جراء يقظة الفكر الكلامي، واصبح أصحابها اسلاف من أصبحوا فيما بعد يسمون باسم السلفية.

وجملة القول، امتنعت الصفاتية عن التأويل، واقتصرت على التنزيل من غير تبيان "كيف" بل اكتفت بما جاء كما جاء.

4_ الجبرية:
يؤمن عامة المسلمين بقدرة الله المطلقة على فعل كل شيء، والأرجح أن تطور هذا الإيمان العفوي إلى عقيدة محددة في إطار علم الكلام إنما واكب العصر الأموي من أوله ومضى حتى صار مذهبا في آخره، وهذا المذهب يعرف بالجبرية، والجبرية هي نفي الفعل حقيقة عن العبد، وإضافته إلى الله تعالى.

قال بالمذهب الجبري (الجعد بن درهم)، بنفي الصفات لتنزيه الله عن أن يوصف بما يوصف به البشر من أعمالا وأن يكون له حواس كحواسهم كالعين واليد، وعنده أن الإنسان لا اختيار له، وأن حركة الإنسان الاختيارية كحركات الأشجار او الأمواج. فالإنسان مجبر مقسور وان تكليفه مثل تكليف المقعد أن يرقى إلى السبع الطباق "فالتكليف بالإيمان وشرائعه تكليف بما ليس من فعل العبد ولا هو بمقدور".

(الجعد بن درهم) أول من قال بالجبر على مستوى النشاط الكلامي. ضحّى به والي العراق (خالد بن عبد الله القسري) يوم عيد الأضحى، تضحيته بكبش يفتدى به.
وقد أخذ عنه (الجهم بن صفوان) الذي تنسب له الجهمية، وهي تقول بالجبرية الخالصة. قتله (مسلم بن احوز المازني) بمرو، في آخر عهد بني مروان.

(الجهم بن صفوان) يرى أنه لا يجوز أن يوصف الله بصفة يوصف بها خلقه لان ذلك يقتضي تشبيها. ويرى أن العبد مجبر مسير في كل ما يفعل، لا اختيار له مطلقا، ولا قدرة له على شيء. يخلق الله تعالى الأفعال فيه على حسب ما يخلق في سائر الجمادات، وتنسب إليه الأفعال مجازا كما تنسب إلى الجمادات، مثال ذلك قولنا اثمرت الشجرة، وجرى الماء، وما الى ذلك. وينجم عن ذلك أن الثواب والعقاب جبر.

زعم (الجهم) ان الجنة والنار تفنيان، وأنه لا شيء من الأشياء يكون خالدا، وأن الخلود المذكور في القرآن هو طول المكث. وقال ان الإيمان لا يتبعّض، اي لا ينقسم إلى عقد وقول وعمل، الايمان واحد لا يتفاضل فيه أهله.

5_ القدرية:
النشاط الكلامي اثار ردود فعل بلغت بعد نموها درجة قصوى من العنف في الرأي.
القدرية وهي الفرقة المناوئة، لم تكن نموا كلاميا بأقل من كونها رد فعل على الجهمية او الجبرية.
وقد دهش بعض المؤرخين من تسميتهم بالقدرية لأنهم نفاة للقدر فكيف ينسبون إليه ؟

القدرية يؤمنون بان الإنسان حر الإرادة، وله قدرة على أعماله، فهو مخير مختار، لا مسير مجبر، وانه قادر على فعل الخير والشر، ومسؤول عما يفعل يوم الحساب، مثاب على الخير، معاقب على الشر، وذلك بمقتضى العدالة الإلهية.

قال بالقدرية في العراق (معبد الجهني)، انضم إلى فتنة (عبد الرحمن بن الاشعث)، قتله الحجاج.
استمر يدعو إلى القدرية في الشام (غيلان الدمشقي) في عهد (عمر بن عبد العزيز)، ضرب عنقه في عهد (هشام بن عبد الملك).

قال (غيلان) بخلق القرآن، ورأى ان الإيمان هو المعرفة الثانية بالله، اي المعرفة الناشئة عن النظر والاستدلال، والإيمان هو أيضا المحبة والخضوع والاقرار بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وبما جاء من عند الله، وذلك ان المعرفة الأولى عنده اضطرار أي معرفة بالفطرة.

يعتقد (غيلان) بان الايمان هو الاقرار باللسان وهو التصديق، وان المعرفة بالله فعل الله، وليست من الايمان في قليل ولا كثير، واعتل بان الايمان في اللغة التصديق.
يقول الذهبي: "ممن اعتنق القدر من الخلفاء (يزيد بن الوليد) دعا الناس إلى القدر وحملهم عليه، وقرّب اصحاب غيلان" ومن القدرية الشاميين (النعمان بن المنذر).

علم الكلام هو العلم الاعلى الذي تنتهي إليه العلوم الشرعية كلها، ولكنه أيضا هو العلم الذي يطرح مشكلة حرية الفكر في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية، بأوسع معانيها، وأعقد ظروف تطورها.
مسائل علم الكلام، بعد نموها، كانت تثير اهتمام الناس كافة، من الرجل العادي الذي حسب ان له مشيئة، وما درى، إلى خاصة العلماء والخلفاء.

هذه المعركة الكلامية الدائبة والدائمة، التي انتهى كثير من زعمائها بان ماتوا في سبيلها، لم تنته بالعنف وبسفك الدماء، وإنما ظلت مشكلة حرية الفكر في الثقافة العربية الإسلامية تنمو باطراد، يتجلى نموها في اكمل صوره لدى المعتزلة، وهي تمثل ذروة الحركات الفكرية الرئيسية في الإسلام، وبها بلغ الفكر المتحرر مداه في نطاق علم الكلام.

تعقيب:
ككل الصراعات الفكرية الدينية في التاريخ الإنساني، يسير العقل جنبا الى جنب مع العنف، لحماية المصالح الدنيوية بطريقة واعية او بطريق غير واعية، فرديا وجماعيا.
23/10/2026

..







التوقيع

https://www.facebook.com/ziad.hawash...ibextid=ZbWKwL
‏"لن تنتصر الضحية على الجلاد إذا لم تتفوق أخلاقيا عليه"
- إدوارد سعيد.

 
رد مع اقتباس
غير مقروء 24-10-2026, 07:26 AM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
زياد هواش
طاقم الإشراف
 
إحصائية العضو







زياد هواش متصل الآن


افتراضي رد: المعتزلة والفكر الحر...

المعتزلة والفكر الحر
( 3 )

نشأة المعتزلة

1_ ظهور الاعتزال:

[تعقيب:
تأثر الباحث العربي بالمستشرق بحثا عن لفظ "المعتزلة"، د. عادل العوا، يعيد النظر في الموضوع ويقدم رأيا خاصا به هنا.]

نبدأ بالقاء نظرة إلى رأي أشهر مؤرخي الفرق الإسلامية من شيعة وسنّة.
(النوبختي) وهو شيعي، يشير إلى اول اختلاف وقع في الناس بعد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم حول الإمامة... ولما قتل (عثمان) بايع الناس عليا فسموا الجماعة ثم افترقوا إلى ثلاث فرق: فرقة اقامت على ولاية (علي) وفرقة اعتزلت مع (سعد بن مالك) وامتنعوا عن محاربته والمحاربة معه فسموا "المعتزلة" وصاروا اسلاف المعتزلة، والفرقة الثالثة خالفته.

(البغدادي) وهو سنّي، أوضح أن خلاف القدرية قد حدث في زمن المتأخرين من الصحابة وتبرأ منهم الصحابة وأوصوا بأن لا يسلموا على القدرية ولا يصلّوا على جنائزهم ولا يعودوا مرضاهم.
ثم حدث في أيام (الحسن البصري) خلاف (واصل بن عطاء) وانضم إليه (عمرو بن عبيد) في بدعته فطردهما (الحسن) من مجلسه فاعتزلا إلى سارية من سواري مسجد البصرة، فقيل لهما ولاتباعهما "معتزلة"، لاعتزالهم قول الأمة في دعواهم ان الفاسق من أمة الإسلام لا مؤمن ولا كافر.

(الأسفرايني) وهو سنّي، يؤكد ما ذهب إليه (البغدادي) ويضيف:
وقولهم "المعتزلة" بمنزلة بين منزلتين وزعمهم ان الفاسق الملّي لا مؤمن ولا كافر وان الفسّاق من أهل الملّة خرجوا من الإيمان، ولم يبلغوا الكفر، وأنهم مع الكفار في النار مخلدين لا يجوز لله تعالى ان يغفر لهم، وانه لو غفر لهم لخرج من الحكمة.

(الشهرستاني) وهو سنّي، ميز اسم المعتزلة عن لقبهم فقال: المعتزلة ويسمون أصحاب العدل والتوحيد، ويلقبون بالقدرية.
(الشهرستاني) يصيب في ابرازه التضاد في تمايز فرق المتكلمين بعضها عن بعض، وهو يعلن "ان هذا التضاد كان حاصلا في كل زمان، ولكل فرقة مقالة على حيالها، وكتب صنفوها، ودولة عاونتهم، وصولة طاوعتهم".

من النافع ان نميز اسم المعتزلة من لقبها. لفظ المعتزلة يشير إلى معنيين:
1_ معنى لغوي
واكب طرح مشكلة مرتكب الكبيرة في الفكر الإسلامي.
(واصل بن عطاء) و (عمرو بن عبيد) دمجا روح الانصراف عن الفتنة السياسية المتصلة بمشكلة الإمامة ومن هو الاحق بها، او الاعتزال بالمعنى السياسي، مع النظرية المتحررة التي تنم عن هذا الموقف، وهي النظرية التي لا تريد عنفا كالخوارج في تكفيرهم المؤمن مرتكب الكبيرة، ولا تريد انخلاعا عن المسؤولية كانخلاع المرجئة الذين يرون ان الله وحده هو الذي يحاسب الناس على اعمالهم يوم القيامة، ويكفي الناس في المجتمع ان يعلن أحدهم ايمانه بلسانه، وان يكون صادقا في هذا الإعلان ترجيحا على عدم الصدق، او النفاق.
(واصل بن عطاء) و (عمرو بن عبيد) تجاوزا رأي (الحسن البصري) القائل بأن الملّي مرتكب الكبيرة منافق، واعلنا أنه فاسق او في منزلة بين منزلتي الايمان والكفر.
2_ معنى مذهبي او اعتقادي
وبهذا المعنى يتصل المعتزلة باسلافهم القدرية، وينفصلون به عنهم أيضا، ذلك ان مشكلة القدر مشكلة عامة اشترك في بحثها القدرية والجبرية أولا.
نشأة الاعتزال بالمعنى المذهبي، له اكثر من موضوع، وحركة الاعتزال لها اكثر من أصل، بل ان هذه الحركة لها اصل معقد فيه العامل السياسي المتصل خاصة بمشكلة مرتكب الكبيرة، والموقف الذهني الذي يعرب عن نمو العقل الكلامي نحو مزيد من التعقيد والارهاف.
المعتزلة حركة فكرية تنم عن تطور الفكر الكلامي الإسلامي باتجاه مزيد من الوعي والعمق والتعقل الذي يأخذ بمفهوم الإنسان: كيانه ومسؤوليته، بازاء مفهوم إرادة الله وقدرته وسلطانه على الكون والبشر.

المعتزلة كانوا يطلقون على أنفسهم اسم اهل العدل والتوحيد. ذهب (القاضي عبد الجبار) في سبب تسمية أهل العدل بالمعتزلة: "ذهب الخوارج إلى أن صاحب الكبيرة كافر، وذهبت المرجئة إلى انه مؤمن، وذهب (الحسن البصري) إلى أنه منافق ليس بمؤمن وليس بكافر، وذهب (واصل بن عطاء) الى ان صاحب الكبيرة لا يكون مؤمن ولا كافر ولا منافق بل يكون فاسق والتحق به (عمرو بن عبيد)".

استهل (القاضي عبد الجبار) شرحه الاصول الخمسة بالكلام في ان الله تعالى قادر، وجعل كلامه هذا منطلق إيضاحه المبدأ المعتزلي الاول وهو التوحيد او نفي الصفات، ثم انبرى إلى شرح المبدأ الثاني او أصل العدل، واتبع ذلك بشرحه أصول: الوعد والوعيد، المنزلة بين المنزلتين، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلى هذه الاصول ترجع الخلافات الكلامية.
وقد افاد (أحمد بن يحيى بن المرتضى) الزيدي المعتزلي اليماني من آراء (القاضي عبد الجبار).

نشأ الاعتزال في لحظة تفاعل فيها موقفان متطرفان متنازعان حول قضية سياسية بالدرجة الاولى، موقف الخوارج والمرجئة، من المؤمن مرتكب الكبيرة، جاء القول بالمنزلة بين المنزلتين، وما جوهر النزاع الجدلي سوى مشكلة القدر او حرية الإنسان، وجودها ومداها، لأن مرتكب الكبيرة اذا كان مسؤولا فهذا يعني أنه حر، والقول بحرية الإنسان قول قدري قديم.

2_ اسماء المعتزلة:
اسماء اخرى كثيرة اطلقت على هذه الحركة الفكرية المتحررة والمتكاملة، لعل أشهر الأسماء التي اطلقها عليهم خصومهم "المعطلة" لأنهم نفوا الصفات الإلهية وعطلوا الله عن صفاته. ولقبوا أيضا بالجهمية.
اعتبر المعتزلة انفسهم اهل الحق والفرقة الناجية والفرقة التقية، ودعوا خصومهم باسماء مختلفة كالمجبرة والقدرية والمجوّزة والمشبّهة والحشوية، لأنهم يرون أنهم على حق، وان غيرهم على باطل.

3_ فرق المعتزلة:
يرى مؤرخو الفرق الإسلامية ان الاعتزال حركة، بل تيار، يشمل على فروع كثيرة، ضمن اطار عام.
يذكر (البغدادي) ان المعتزلة قد افترقت فيما بينها عشرين فرقة وصنفها بأنها فرق قدرية محضة، أي "فرق القدرية المعتزلة عن الحق".
وقف (البغدادي) عند الفرقة البهشمية اتباع (ابي هاشم بن ابي علي الجبائي) ويقال لهم الذمية، وقال: "اكثر معتزلة عصرنا على مذهبه لدعوة (الصاحب بن عباد) وزير ال بويه إليه".

4_ طبقات المعتزلة:
يذهب بعض المؤرخين إلى جعل أشهر مفكريهم في اثني عشر طبقة، تقسم الى قسمين، الطبقات الثلاث الأولى اشبه بالمرحلة التمهيدية التي سبقت ظهور رجال المعتزلة بالمعنى الدقيق. وهي:
الطبقة الأولى
الخلفاء الراشدين على الترتيب التالي (علي، ابو بكر، عمر، عثمان) ثم (عبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمرو، وأبي الدرداء، وأبي ذر الغفاري، وعبادة بن الصامت).
الطبقة الثانية
(الحسن والحسين، ومحمد بن الحنيفة، وسعيد بن المسيب، وطاووس اليماني، وأبي الأسود الدؤلي، واصحاب عبد الله بن مسعود -علقمة والأسود وشريح-).
الطبقة الثالثة
(الحسن بن الحسن بن علي وابنه عبد الله بن الحسن، وأولاد محمد النفس الزكية، وابي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، ومحمد بن علي بن عبد الله بن العباس، وزيد بن علي، ومحمد بن سيرين بن محمد، والحسن بن ابي الحسن البصري).
الطبقة الرابعة التي يميزها (ابن المرتضى) فهي منطلق تاريخ المعتزلة بالمعنى الدقيق.

5_ مدرستا المعتزلة:
مدرسة البصرة ومدرسة بغداد.
واما اخر كبار المعتزلة فهو (جار الله عمر بن محمود الزمخشري) المتوفي 538 للهجرة.
23/10/2026

..







التوقيع

https://www.facebook.com/ziad.hawash...ibextid=ZbWKwL
‏"لن تنتصر الضحية على الجلاد إذا لم تتفوق أخلاقيا عليه"
- إدوارد سعيد.

 
رد مع اقتباس
غير مقروء 25-10-2026, 07:23 AM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
زياد هواش
طاقم الإشراف
 
إحصائية العضو







زياد هواش متصل الآن


افتراضي رد: المعتزلة والفكر الحر...

المعتزلة والفكر الحر
( 4 )

درب التحرير

1_ المعركة:
حركة المعتزلة الفكرية ولدت من تعارض غلوين متنافيين، غلو الخوارج من جهة وغلو المرجئة من جهة أخرى، حول مشكلة سياسية دينية ثقافية، هي مشكلة الحكم على مرتكب الكبيرة من المسلمين، بالاستناد إلى مفهوم نظري يتناول الايمان وحقيقته، وإلى مفهوم عملي ينبثق عن مبدأ العمل الاجتماعي الماثل في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ذهب الخوارج إلى أن من قارف ذنبا واحدا، ولم يوفق للتوبة، حبط عمله، ومات مستوجبا للخلود في العذاب الأليم، ووصف بأنه كافر وهذا الكفر من نوع "كفران النعم في رأي الخوارج الإباضية"، او هو "كفر شرك في رأي الخوارج الازارقة".

أما المرجئة فانها تنطلق من تعريف الإيمان بأنه هو المعرفة بالله وبرسله وبجميع ما جاء من عند الله فقط، ولذا فإن الكفر هو الجهل بالله، وهذا القول ينسب إلى (جهم بن صفوان) ويرى (محمد بن شبيب) وغيره من المرجئة ان مرتكبي الكبائر من أهل الصلاة العارفين بالله ورسله، المقرين بالله ورسله، مؤمنون بما معهم من الإيمان، فاسقون بما معهم من الفسق. ويقول المرجئ (بشر المريسي): من المحال ان يخلّد الله في النار فجّار أهل القبلة.

قال المعتزلة بنظرية المنزلة بين المنزلتين، وهي أن مرتكب الكبيرة من أهل الملّة مؤمن وكافر معا، بل انه ليس بمؤمن ولا بكافر، لانه في منزلة تضم خصائص مختارة من المنزلتين المتنافيتين: إنه فاسق.

من هذا المنطق الجدلي مضى الاعتزال ينمو ويتسع ويتقدم في درب تحرير العقل العربي_المسلم باتجاه تنمية الجانب العقلي المحض، اي الجانب الإنساني من الفكر الكلامي، والعمل على ترسيخ حق الإنسان الذاتي في ابتكار آرائه وحمل مسؤوليته الواعية عن أفعاله وأعماله، حتى غدا الإنسان في نظر المعتزلة خالق أعماله، وغدا واجبه الأول هو العلم والمعرفة، العلم بالله الذي هو أصل كل علم وكل سلوك.

نظرة أهل السنّة والجماعة، الفرقة الناجية، ممثلة في الحركة الأشعرية، إلى المعتزلة، بل إلى القدرية، وهي الاسم المفضل لخصومهم من المسلمين "القدرية مجوس هذه الأمة".

(البغدادي) لا يتردد في اطلاق اسم مزدوج هو "المعتزلة القدرية" عليهم وتكفيرهم بل وتكفير من يشك في تكفيرهم. يقول: (واصل بن عطاء) شك في شهادة (علي) وعدالته وأجاز أن يكون هو وأصحابه الفسقة، وأجاز أن يكون الفسقة أصحاب الجمل، فشكّ في الفرقتين، ولذلك قال: لو شهد (علي) و (طلحة ) عندي على باقة بقل لم احكم بشهادتهما.

يؤيد (البغدادي) ما يذهب إليه من ان المعتزلة القدرية مجوس هذه الأمة، ويقول: "ادّعت القدرية أن (عليا) كان منهم، وزعموا ان زعيمهم (واصل بن عطاء الغزّال) أخذ مذهبه من (محمد وعبد الله) ابني (علي) وهذا من بهتهم، ومن العجائب ان يكون ابنا (علي) قد علّما (واصلا) رد شهادة (علي) وشفاعة صهر (المصطفى)".
"إن أول متكلمي اهل السنّة من التابعين (عمر بن عبد العزيز). ثم (زيد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب). ثم (الحسن البصري). ثم (الشعبي). ثم (الزهري) وهو الذي أفتى (عبد الملك بن مروان) بدماء القدرية".

قابل المعتزلة هذا العداء بعداء مثله. صرّح (معمّر بن عباد) بتكفير من لا يشاطره رأيه، في الصفات وفي خلق الإنسان أفعاله. ونادى (ابو موسى المردار) الملقب براهب المعتزلة، بأن نظرياته وحدها هي التي تؤدي إلى النجاة من النار. ويذهب (الفوطي) إلى أن من المباح قتل خصوم المعتزلة غيلة وخفية والاستيلاء على أموالهم بالخداع او بالقوة، فهم كفرة، وإذن فإن حياتهم ومالهم خارجان عن الشريعة.

(القاضي عبدالجبار) ينطلق من أصول الاعتزال الخمسة ويحدد بدقة شأن من يخالفها أصلا أصلا ويرى أنه ربما كفر او فسق او كان مخطئا. من خالف في "التوحيد" فهو كافر، ومن خالف في "العدل" فهو كافر، ومن خالف في "الوعد والوعيد" فهو كافر، فان قال المخالف: إن الله تعالى وعد وتوعد، ولا يجوز أن يخلف في وعده ووعيده، ولكن يجوز أن يكون في عموميات الوعيد شرط او استثناء لم يبينه الله تعالى، فإنه يكون مخطئا. ومن خالف في "المنزلة بين المنزلتين" فهو كافر [وفي بعض التفصيل يكون فاسقا، وفي بعض التفاصيل يكون مخطئا.]. ومن خالف في "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" أصلا وقال ان الله تعالى لم يكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصلا، فهو كافر. فان قال: إن ذلك مما ورد به التكليف ولكنه مشروط بوجود الإمام، فإنه يكون مخطئا.

احتدم الصراع بين المعتزلة ومخالفيهم: بينهم وبين أهل السنّة والجماعة، وتجلى ذلك على المستوى الديني بالتكفير المتبادل، وهذا هو التراشق بأقسى الأسلحة، وتجلى على الصعيد السياسي_الديني في محنة خلق القرآن، وهي أوج الترجمة الدامية للخلاف النظري، ولم ينتهي الصراع إلى موقف معتدل إلا لدى "الغزالي" وهو الاشعري أصلا، حين وضع للتكفير والتبديع شروطا وضوابط تسعى إلى كبح جماح الشطط في الخصام.

(الغزالي) يوضّح أن أصل الكفر المقطوع به هو أن كل من كذّب (محمدا) فهو كافر أي مخلد في النار، ومستباح الدم والمال في الحياة، إلى سائر الأحكام. ولكنه يميز مراتب للكذب:
أولها خاصة بتكذيب اليهود والنصارى وأهل الملل كلهم من المجوس وعبدة الاوثان.
والثانية تكذيب البراهمة والدهرية.
والثالثة تكذيب من يصدقون بالصنائع والنبوة ولكنهم يقولون عن عمل النبي صلى الله عليه وسلم إنه قاصر على صلاح الخلق وإنه لم يصرح بالحق لكلال افهام الخلق عن دركه وهم الفلاسفة.
والرابعة تكذيب المعتزلة والمشبهة والفرق كلها سوى الفلاسفة، وهم الذين يصدّقون ولا يجوّزون الكذب لمصلحة وغير مصلحة، ولا يشتغلون بالتعليل لمصلحة الكذب، بل بالتأويل، ولكنهم مخطئون في التأويل، فهؤلاء أمرهم في محل الاجتهاد.

عند (الغزالي) "إن استباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة المصرّحين بقول لا إله إلا الله محمد رسول الله خطأ. والخطأ في ترك ألف كافر أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم".
المعتزلة ومن شابههم من فرق المتكلمين، لم يكفروا لأنهم لم يكذّبوا النبي صلى الله عليه وسلم، وانما اشتغلوا بالتأويل، "وهم مخطئون في التأويل، وهذا هو أمرهم في محل الاجتهاد".
ويذهب (الغزالي) في رفقه وتأنيه مذهبا يعترف بأن "الرحمة تشمل ان شاء الله أكثر نصارى الروم والترك في زمانه..."

وما جوهر الصراع بين المعتزلة وبين خصومهم من أهل السنّة والجماعة، سوى افتراق في مضمار الفكر الجدلي وتباعد يمضي لدى أهل السنّة نحو الحفاظ على معنى النصوص "التقليدي" الذي يجعل الإنسان تبع الله، ويمضي لدى المعتزلة شطر تأويل النصوص بما يبعد عن الاتجاه التقليدي ويقترب أشد القرب من الفكر الحر المؤمن بالإنسان، وقدرته على الوصول إلى الحقيقة بهدي من عقله وتفكيره.
24/10/2026

..







التوقيع

https://www.facebook.com/ziad.hawash...ibextid=ZbWKwL
‏"لن تنتصر الضحية على الجلاد إذا لم تتفوق أخلاقيا عليه"
- إدوارد سعيد.

 
رد مع اقتباس
غير مقروء 26-10-2026, 08:10 PM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
زياد هواش
طاقم الإشراف
 
إحصائية العضو







زياد هواش متصل الآن


افتراضي رد: المعتزلة والفكر الحر...

المعتزلة والفكر الحر
( 5 )

2_ المنزع العقلي

القاضي (عبد الجبار) المعتزلي، ذهب إلى أن أول ما【أوجب】الله على الإنسان هو: "النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى لأنه تعالى لا يعرف ضرورة، ولا بالمشاهدة، فيجب أن نعرفه بالتفكر والنظر".
【الواجب】عند القاضي (عبد الجبار) هو: "ما إذا لم يفعله القادر عليه استحق الذم".
【الواجب】على ضربين:
موسع في مخير،
ومضيق دقيق لا يسع الإخلال فيه ..
واجب النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى واجب دقيق مضيق لا يمكن الإخلال فيه. إنه واجب النظر بالفكر.
[يختار الإنسان أن يكون متفكرا او لا يكون متفكرا]
وإذ يتفكر الإنسان بوعي يبلغ اليقين او الطمأنينة.
يقول القاضي (عبد الجبار): "والاصل في ذلك ان المعرفة والدراية والعلم نظائر، ومعناها: ما يقتضي سكون النفس، وثلج الصدر، وطمأنينة القلب".

إن الله تعالى لا يعرف بطريق【الضرورة】ولا بطريق المشاهدة. والضرورة في أصل اللغة الإلجاء او الاضطرار.
【العلم الضروري】هو العلم الذي يحصل فينا لا من قبلنا، ولا يمكننا نفيه عن النفس بوجه من الوجوه.

أقسام【العلوم الضرورية】عند القاضي (عبد الجبار) ثلاثة:
1- العلم الذي يحصل فينا مبتدأ: كالعلم بأحوال أنفسنا من كوننا مريدين وكارهين ومشتهين ونافرين وظانين ومعتقدين وما شاكل ذلك.
[معرفتنا بأنفسنا]
وهو ناجم عن تجربة نفسية مباشرة، قد يشتمل على حس عقلي "تجريبي" مثل علاقة السببية التي تربط الفعل بفاعله، اشتماله على حدوس عقلية "محضة" او "قبلية" من قبل. كالعلم بان الذات إما أن يكون موجودا او معدوما. وان الموجود إما أن يكون قديما او محدثا.

العلم الحاصل فينا مبتدأ ينقسم إلى قسمين:
-- العلم الحاصل فينا مبتدأ ويعد في كمال العقل،،
العلم الحاصل فينا ويستند إلى ضرب من الخبرة، كالعلم بتعلق الفعل بفاعله. وما يتصل بذلك من أحكام الفعل من حسن وقبح وغيرهما.
وأما العلم الحاصل فينا مبتدأ ولا يستند إلى الخبرة، هو كالعلم بأن الذات إما ان تكون موجودا او معدوما، والموجود إما قديم وإما محدث.
-- العلم الحاصل فينا مبتدأ ولا يعد في كمال العقل،،
كالعلم بأن زيدا هو الذي شاهدناه من قبل، فإنه علم مبتدأ من جهة الله تعالى، ثم لا يعد في كمال العقل.

2- العلم الذي يحصل فينا عن طريق: كالعلم بالمدركات، فان الادراك طريق إليه.
[قد تتدخل المشيئة الإلهية وتخلق فينا العلم بالمدركات من دون الادراك]

3- العلم الذي يحصل فينا ويجري مجرى الطريق: العلم بالحال مع العلم بالذات، فان العلم بالذات أصل للعلم بالحال.
[معرفتنا بالاعتبارات المنطقية من حيث واجب تقدم الأصل على الفرع]

ولذا يحدّد المعتزلة قدرة الله، بل ينفون امكان خروجها عن قوانين المنطق العقلية.
ان الله تعالى لا يعرف بالضرورة ولا بطريق المشاهدة. وليس من الممكن ولا الجائز معرفة الله بالمشاهدة الحسية، فالله منزه عن الجسمانية، وموضع هذا الامتناع نفي الرؤية لدى المعتزلة، معرفة الله علم اكتسابي متولد عن نظرنا وتفكرنا.

الضرورة تنفي الحرية، والضروري هو ما يحصل فينا لا من قبلنا، وعلى هذا فإن الإنسان يعرف الله بفعل إنساني لا يفرض عليه بالضرورة من خارج، بل ولا من داخل، وانما معرفة الإنسان بالله فعل إنساني حر لا يقيده الا القيد العقلي الإنساني الذي يجعل هذه المعرفة علما، ويتصف هذا العلم بأنه علم عقلي، علم تفكر ونظر.

ولكن ماذا يؤول إليه امر التقليد في معرفة الإنسان بالله من غير استخدام التفكير وإعمال العقل ؟
يرفض القاضي (عبد الجبار) التقليد اسلوبا للمعرفة، واعتماد النظر والاستدلال.
وهنا تثار شبهة تقليد المسلم للرسول صلى الله عليه وسلم، واجاب عن ذلك القاضي بقوله: "معاذ الله ان يكون ذلك تقليدا، ونحن انما قبلنا قوله لظهور العلم المعجز عليه".

الواجبات الشرعية عند القاضي (عبد الجبار) قسمان: أحدهما ما هو من باب الوصف والقول والعبارة، ومثلا الإقرار بالشهادتين وما يجري هذا المجرى، والآخر ما هو خارج عن هذا الباب كالصوم والصلاة والحج وما شاكل، ولكن الوجهين كليهما متأخران عن معرفة الله تعالى.

النظر الإنساني لمعرفة الله إذن منطلق العلم، وهو أول الواجبات العقلية وأول الواجبات الشرعية معا، فكيف ينظر أهل السنّة الى هذا "النظر" !

يقول (الاسفراييني): "لا يجب على الخلق شيء إلا بأمر يرد من قبل الله تعالى على لسان رسول مؤيد بالمعجزة".
لا يجوز التقليد في أصول الاعتقاد، وأما ما يتعلق بفروع الشريعة من المسائل فيجوز له أن يقلد فيه من أهل الاجتهاد.

أوضح (البغدادي) بدقة "ما يعلم بالعقل وما لا يعلم الا بالشرع" واظهر اختلاف موقف الأشاعرة عن سواهم، وعن المعتزلة بوجه خاص.
(البغدادي) يرى "أن العقول تدل على حدوث العالم وتوحيد صانعه وقدمه وصفاته الازلية وعلى جواز إرساله الرسل إلى عباده، وعلى جواز تكليفه عباده ما شاء".
فأما وجوب الأفعال وحظرها وتحريمها على العباد فلا يعرف إلا من طريق الشرع، "فان أوجب الله عز وجل على عباده شيئا بخطابه إياهم بلا واسطة، او على لسان رسول اليهم وجب. وكذلك اذا نهاهم عن شيء بلا واسطة، او على لسان رسول حرم عليهم. وقبل الخطاب والارسال لا يكون شيء واجبا ولا حراما على واحد، وكل عاقل فعل فعلا قبل ورود الشرع لا يستحق به ثوابا ولا عقابا...".

وصفوة القول، ترى المعتزلة ان العقل يأمر بوجوب النظر، قبل الشرائع، وان النظر سبيل معرفة الحقائق، ويرى الأشاعرة ان الشرائع هي الاسباب الموجبة للنظر والتكليف، لا العقل، وبالرغم من ان في وسع العقل ان يدرك وجود الله، فان معرفة الله لا تكون إلا بالوحي، ولا يعتبر النظر المنفصل عن الوحي سبيلا إلى معرفة الأمور الإلهية.
25/10/2026

..







التوقيع

https://www.facebook.com/ziad.hawash...ibextid=ZbWKwL
‏"لن تنتصر الضحية على الجلاد إذا لم تتفوق أخلاقيا عليه"
- إدوارد سعيد.

 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 07:31 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط