منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديات الحوارية العامة > أبرز مواضيع مجلة أقلام الثقافية

أبرز مواضيع مجلة أقلام الثقافية هنا ندرج أبرز المواضيع التي نشرت في مجلة أقلام الثقافية..

 

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
غير مقروء 23-10-2026, 11:40 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
الهيئة الإدارية العليا
-
 
إحصائية العضو






الهيئة الإدارية العليا غير متصل


جديد المكتبات الفلسطينية المنهوبة عام 1948: النكبة التي أصابت الكتب

حين تُروى النكبة الفلسطينية، تحضر عادة صور القرى المهدّمة، وطوابير اللاجئين، والمفاتيح القديمة التي يعلّقها الأجداد على جدران المخيمات. لكن هناك وجهًا آخر للنكبة قلّما يُروى: وجه الكتب. ففي الأشهر التي أعقبت تهجير سكان المدن الفلسطينية الكبرى عام 1948، بقيت في البيوت المهجورة عشرات الآلاف من الكتب والمخطوطات والدفاتر الشخصية، جمعها أصحابها على مدى أجيال، ثم تُركت خلفهم حين أُجبروا على الرحيل. ما الذي حدث لهذه الكتب؟ وأين هي اليوم؟ ولماذا تمثل قضيتها جزءًا أصيلًا من الصراع على الذاكرة والهوية؟

مدن تقرأ: فلسطين قبل النكبة

كانت فلسطين في النصف الأول من القرن العشرين تعيش حركة ثقافية نشطة، تشبه ما كان يجري في القاهرة وبيروت ودمشق. ففي القدس ويافا وحيفا وعكا ونابلس انتشرت المطابع والصحف والمجلات، وتعددت المدارس الأهلية والتبشيرية والحكومية، ونشأت طبقة متعلمة من المعلمين والمحامين والأطباء والصحفيين والأدباء. وكانت صحف مثل "فلسطين" في يافا و"الكرمل" في حيفا من أبرز الصحف العربية في عصرها.

وفي هذا المناخ أصبحت المكتبة المنزلية علامة على المكانة الاجتماعية والثقافية. فكثير من العائلات المقدسية واليافية والحيفاوية امتلكت مكتبات خاصة تضم كتب الأدب والتاريخ والفقه والفلسفة، بالعربية والإنجليزية والفرنسية والتركية، إلى جانب المخطوطات العائلية والوثائق والرسائل الشخصية. ومن أشهر هذه المكتبات مكتبة المربّي والأديب خليل السكاكيني في حي القطمون بالقدس، ومكتبة الأديب محمد إسعاف النشاشيبي، الذي عُرف بلقب "أديب العربية" وكان من كبار جامعي الكتب في عصره.

ربيع 1948: البيوت المفتوحة

مع اشتداد المعارك في ربيع 1948 وسقوط الأحياء العربية في القدس الغربية، مثل القطمون والطالبية والبقعة، ثم سقوط يافا وحيفا، اضطر عشرات الآلاف من السكان إلى مغادرة بيوتهم. وكان كثير منهم يظن أن الغياب لن يطول، وأنهم عائدون بعد أيام أو أسابيع، فلم يحملوا إلا ما خفّ وزنه وغلا ثمنه، وبقيت المكتبات على رفوفها تنتظر أصحابها.

ويروي خليل السكاكيني في مذكراته أنه غادر بيته في القطمون في نهاية أبريل 1948، تحت وطأة القصف والخوف، ولم يعد إليه أبدًا. وقد كتب لاحقًا في يومياته كلمات مؤثرة يودّع فيها مكتبته، مخاطبًا كتبه كما يخاطب الإنسان أحبّته، معبّرًا عن حسرته على تلك الرفوف التي كانت رفيقة عمره. وقد توفي السكاكيني في القاهرة عام 1953، دون أن يعرف على وجه اليقين مصير كتبه.

جمع الكتب: من البيوت إلى المؤسسات

في الأشهر التالية، بدأت عملية منظمة لجمع الكتب من البيوت الفلسطينية المهجورة. وبحسب الأبحاث التي نُشرت لاحقًا، ولا سيما دراسات الباحث الإسرائيلي غيش عميت، فقد شارك في هذه العملية موظفون من المكتبة الوطنية والجامعية في القدس (التي أصبحت لاحقًا المكتبة الوطنية الإسرائيلية)، بالتعاون مع جهات عسكرية ورسمية. وكان هؤلاء الموظفون يرافقون الجنود إلى الأحياء المهجورة، ويجمعون الكتب من البيوت ويُنقلونها إلى مستودعات المكتبة.

تشير التقديرات الواردة في هذه الدراسات إلى أن ما جُمع من القدس الغربية وحدها يقارب ثلاثين ألف كتاب، بينما جُمعت عشرات الآلاف من الكتب الأخرى من يافا وحيفا والناصرة ومدن أخرى. ويذهب بعض الباحثين إلى أن المجموع الكلي قد تجاوز ستين أو سبعين ألف كتاب. وتبقى هذه الأرقام تقديرية، لأن عملية الجمع لم تُوثَّق كلها توثيقًا دقيقًا، ولأن جزءًا من الكتب بيع أو أُتلف أو وُزّع على مؤسسات مختلفة.

حرفان على كعب الكتاب: "AP"

من أكثر تفاصيل هذه القصة دلالة، أن جزءًا من الكتب التي حُفظت في المكتبة الوطنية صُنّف تحت رمز خاص هو الحرفان اللاتينيان "AP"، اختصارًا لعبارة "Abandoned Property"، أي "الأملاك المتروكة". وتذكر الدراسات أن نحو ستة آلاف كتاب ما زالت تحمل هذا الرمز في فهارس المكتبة. أما بقية الكتب، فقد ذاب كثير منها في المجموعات العامة دون أن يحمل ما يدل على أصله.

ويكشف هذا الوصف، "أملاك متروكة"، عن طريقة كاملة في رؤية ما حدث: فالكتب لم تُسمَّ "منهوبة" أو "مصادرة"، بل "متروكة"، كأن أصحابها تخلّوا عنها بإرادتهم، لا أنهم هُجّروا قسرًا ومُنعوا من العودة. وهو المنطق نفسه الذي طُبّق على البيوت والأراضي والممتلكات الأخرى بموجب قوانين "أملاك الغائبين".

وتقول الروايات الرسمية الإسرائيلية إن جمع الكتب كان عملًا لحمايتها من التلف والضياع في ظروف الحرب، وإن المكتبة حفظتها بعناية. لكن المنتقدين، ومنهم باحثون إسرائيليون، يردّون بأن "الحماية" الحقيقية تقتضي إعادة الكتب إلى أصحابها أو ورثتهم، أو على الأقل الاعتراف بأصلها، وأن الاحتفاظ بها بعد عقود طويلة يحوّل "الحفظ" إلى استيلاء دائم.

"سرقة الكتب الكبرى": حين خرجت القصة إلى العلن

ظلت هذه القصة لعقود طويلة مجهولة على نطاق واسع، حتى لدى كثير من الفلسطينيين أنفسهم. ثم بدأت تخرج إلى العلن في مطلع القرن الحادي والعشرين، حين عثر الباحث غيش عميت أثناء عمله على أطروحته للدكتوراه على وثائق في أرشيف المكتبة تتحدث عن عملية الجمع. ونشر نتائج بحثه في مقالات علمية، ثم في كتاب بالعبرية.

وفي عام 2012 عُرض الفيلم الوثائقي "سرقة الكتب الكبرى" (The Great Book Robbery) للمخرج الهولندي الإسرائيلي بيني برونر، الذي تتبّع القصة من خلال الوثائق والشهادات، والتقى بأبناء وأحفاد بعض أصحاب المكتبات المنهوبة، ومنهم من وقف أمام كتب تحمل تواقيع آبائهم وأجدادهم وملاحظاتهم بخط اليد، دون أن يستطيع استعادتها. وقد أثار الفيلم نقاشًا واسعًا في الأوساط الثقافية العربية والدولية.

ما هو أكثر من الورق

قد يتساءل البعض: لماذا كل هذا الاهتمام بالكتب، في حين أن النكبة أصابت ما هو أعظم من ذلك بكثير: الأرواح والبيوت والأرض؟ والجواب أن الكتب هنا ليست مجرد أشياء مادية، بل هي شواهد على مجتمع كامل:

شاهد على الحياة الثقافية: فهذه المكتبات تثبت أن فلسطين قبل 1948 كانت مجتمعًا حضريًا متعلمًا، منفتحًا على الثقافات العالمية، وهو ما يدحض الأسطورة القائلة بأن الأرض كانت "خالية" أو "متخلفة".
شاهد على الملكية الفردية: فكثير من الكتب يحمل أسماء أصحابها وتواقيعهم وإهداءاتهم وتعليقاتهم على الهوامش، فهي وثائق ملكية لا يمكن إنكارها.
شاهد على الذاكرة العائلية: فبعض المكتبات ضمّت دفاتر شخصية ورسائل ومخطوطات عائلية، لا يمكن تعويضها بأي نسخة أخرى.
جزء من التراث الوطني: فالمخطوطات العربية والإسلامية القديمة التي كانت في هذه المكتبات جزء من تراث الأمة كلها، لا من تراث عائلة بعينها فقط.
الكتب في سياق أوسع: الصراع على الأرشيف

لا تقف قضية الكتب المنهوبة عند عام 1948. فقد تكررت مصادرة الأرشيفات الفلسطينية في محطات أخرى، ومن أبرزها استيلاء الجيش الإسرائيلي على أرشيف مركز الأبحاث التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية في بيروت خلال اجتياح عام 1982، وهو أرشيف ضم وثائق وكتبًا وصورًا ومخطوطات تتعلق بتاريخ فلسطين. وقد أُعيد جزء من هذا الأرشيف لاحقًا في إطار صفقة لتبادل الأسرى، لكن مصير محتوياته الكاملة ظل موضع تساؤل.

كما تعرضت المكتبات والجامعات والمراكز الثقافية في قطاع غزة خلال الحروب المتتالية لدمار واسع، وفقد كثير من الأدباء والباحثين مكتباتهم الشخصية تحت الأنقاض. وهكذا تتواصل قصة الكتب الفلسطينية بوصفها جزءًا من قصة الإنسان الفلسطيني نفسه: قصة اقتلاع متكرر، ومحاولة دائمة لإعادة البناء.

كيف نحفظ الذاكرة اليوم؟

في مواجهة هذا الضياع، ظهرت مبادرات فلسطينية وعربية ودولية للحفاظ على الذاكرة الثقافية الفلسطينية، ومنها:

مشاريع الأرشفة الرقمية: التي تسعى إلى تصوير الوثائق والصحف والكتب الفلسطينية القديمة وإتاحتها على الإنترنت، حتى لا تبقى رهينة مكان واحد.
مشاريع التاريخ الشفوي: التي تسجل شهادات من عاشوا النكبة قبل أن يرحلوا، وتحفظ ذكرياتهم عن البيوت والأحياء والمكتبات.
إعادة نشر التراث المطبوع: مثل نشر يوميات خليل السكاكيني كاملة في مجلدات عدة، وهي مصدر فريد عن الحياة في القدس في النصف الأول من القرن العشرين.
البحث الأكاديمي: الذي يتتبع مصير الكتب والوثائق، ويوثق ملكيتها، ويطالب بالاعتراف بأصولها.
ماذا يمكن أن يفعل القارئ العربي؟

قد تبدو هذه القضية بعيدة عن حياة القارئ اليومية، لكن الحفاظ على الذاكرة مسؤولية مشتركة. ويستطيع كل منا أن يسهم فيها بطرق بسيطة: أن يقرأ عن تاريخ المدن الفلسطينية وحياتها الثقافية قبل النكبة، وأن يحفظ ما لدى عائلته من صور ووثائق ورسائل قديمة ويُسجّل حكايات الكبار، وأن يدعم المكتبات والمبادرات الثقافية الفلسطينية، وأن يعرّف الأجيال الجديدة بأسماء مثل خليل السكاكيني وإسعاف النشاشيبي وغيرهما من أعلام النهضة الفلسطينية.

خليل السكاكيني: صاحب المكتبة الذي صار رمزًا

لا تكتمل هذه القصة دون التوقف عند شخصية خليل السكاكيني نفسه، الذي صارت مكتبته المفقودة رمزًا لكل المكتبات المنهوبة. فقد وُلد السكاكيني في القدس سنة 1878، وكان من أبرز رواد التربية الحديثة في العالم العربي، إذ أسس في القدس "المدرسة الدستورية" عام 1909، وطبّق فيها أساليب تربوية متقدمة لعصرها، فألغى العقاب البدني، واهتم بالموسيقى والرياضة، وشجع الطلاب على التفكير الحر بدل الحفظ والتلقين. كما وضع كتبًا مدرسية لتعليم القراءة العربية للأطفال، ظلت أجيال من الفلسطينيين تتعلم منها، وعمل مفتشًا للغة العربية في عهد الانتداب البريطاني.

وكان السكاكيني أديبًا ذا أسلوب رشيق ساخر، وكاتب يوميات مواظبًا، دوّن فيها تفاصيل الحياة اليومية في القدس والتحولات السياسية التي شهدتها فلسطين على مدى عقود. ولهذا فإن فقدان مكتبته لم يكن خسارة لرجل واحد، بل خسارة لمرآة كاملة من مرايا المجتمع المقدسي. ويحمل اليوم "مركز خليل السكاكيني الثقافي" في رام الله اسمه، وهو من أبرز المؤسسات الثقافية الفلسطينية، وقد احتضن لسنوات مكتب الشاعر محمود درويش.

الكتاب بوصفه بيتًا

في الثقافة الفلسطينية، كثيرًا ما يُقارن الكتاب المفقود بالبيت المفقود. فكما يحتفظ اللاجئون بمفاتيح بيوتهم رمزًا لحق العودة، يحتفظ أحفاد أصحاب المكتبات بقوائم الكتب وصورها وذكرياتها، رمزًا لحق آخر لا يقل أهمية: حق الذاكرة. وقد عبّر كثير من الكتّاب الفلسطينيين عن هذا المعنى، حين رأوا أن سرقة الكتب محاولة لسرقة الرواية نفسها، أي سرقة الحكاية التي يرويها شعب عن نفسه. فمن يملك الأرشيف يملك جزءًا كبيرًا من القدرة على كتابة التاريخ.

ولهذا لم تعد المطالبة بالكتب المنهوبة مطالبة بأشياء مادية فقط، بل صارت جزءًا من نضال ثقافي أوسع، يطالب بالاعتراف بما جرى عام 1948 بكل أبعاده، الإنسانية والمادية والثقافية. وهو نضال يخوضه الباحثون والمؤرخون والأدباء والفنانون، كل بأدواته، في الجامعات والمعارض والأفلام والكتب.

ولا يقتصر الأمر على الكتب المطبوعة، فقد ضمت المكتبات المنهوبة أيضًا مخطوطات نادرة، ونسخًا من صحف فلسطينية قديمة، ودفاتر مدرسية، ورسائل عائلية، وصورًا فوتوغرافية، وكلها مواد لا تُقدّر بثمن لمن يريد أن يكتب التاريخ الاجتماعي لفلسطين قبل النكبة.

خاتمة

في يومياته، كتب خليل السكاكيني يودّع كتبه بعد أن فقدها، كأنه يودّع جزءًا من روحه. وما زالت تلك الكتب، أو كثير منها، على رفوف بعيدة عن أصحابها، تحمل حرفين باردين على كعوبها: "أملاك متروكة". لكن الكتب لم تُترك، بل انتُزعت من أيدي قرّائها. وإذا كانت عودتها المادية لا تزال بعيدة، فإن عودتها إلى الذاكرة ممكنة الآن: حين نروي قصتها، ونكتب عنها، ونرفض أن يُطوى هذا الفصل من النكبة في صمت. فالشعوب التي تحفظ ذاكرتها لا تُهزم، والكتب التي تُروى قصتها لا تموت.



اضغط هنا لقراءة بقية الموضوع...







 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 01:14 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط