جرف الصخر
جرف الصخر وسكّانها المطرودين: “قاعدة إيرانية جنوب بغداد”؟
يعتبر رئيس “تحالف السيادة” خميس الخنجر أن استمرار منع نحو 120 ألفاً من أهالي جرف الصخر من العودة إلى مناطقهم، وانتزاع ممتلكاتهم وأراضيهم، يمثّل “إعلاناً صريحاً لمشروع تغيير ديموغرافي طائفي” في محافظة بابل.
“وضعي أحسن من غيري، وأكو ناس أتعس مني، وأكو ناس أني أتعس منهم… الحياة مراحل وهزائم”. بهذه الكلمات يبدأ النازح محمود عبّاس (50 عاماً) من جرف الصخر (شمال محافظة بابل) إلى مخيّم بزيبز (جنوب شرقي محافظة الأنبار غربي العاصمة بغداد)، رواية أكثر من 12 عاماً قضاها بعيداً عن منزله، حيث ما تزال مئات العائلات تنتظر العودة منذ العام 2014.
يتحدّث عبّاس لـ”درج” عن خساراته الشخصية قبل الخيام والخدمات، يقول إن والدته كانت ترى أن علاجها الوحيد هو العودة إلى منزلها في جرف الصخر والموت بين جدرانه، لكنّها فارقت الحياة في عام 2017 في مخيّم النزوح، أمّا والده، فيؤكّد أنه لم يكن يعاني من مرض مزمن أو أزمة صحّية خطيرة، لكنّه توفي، بحسب وصف ابنه، قهراً وحسرة بسبب البعد عن منزله، وذلك في ثاني أيّام عيد الأضحى.
ويضمّ مخيّم بزيبز نحو 1300 عائلة، يقول عبّاس إن جميع أفرادها خضعوا للتدقيق الأمني، فيما توجد فيه ثلاث مدارس ابتدائية مخصّصة للطلبة النازحين، ويصف الواقع الخدمي بأنه مأساوي، خصوصاً مع أزمة المياه التي لا تصل إلى جميع القطاعات، ما يدفع بعض العائلات إلى الاعتماد على مياه الآبار أو ما يوفّره المتبرّعون من ماء وثلج.
ويقطن في المخيّم نازحون خرجوا في عام 2014 من منطقتين رئيسيتين؛ جرف الصخر التابعة لبابل، والعويسات التابعة إدارياً وجغرافياً لقضاء العامرية في الأنبار. ويوضح عبّاس أن عائلات جرف الصخر نزحت بدايةً إلى العويسات، قبل أن تُهجّر مجدّداً مع سكّانها إلى بزيبز نتيجة العمليّات العسكرية.
ويستعيد لحظة الخروج قائلاً إن الأهالي كانوا يعتقدون أن العمليّة العسكرية لن تستغرق سوى أيّام أو أسابيع، لكنّهم تركوا منازلهم ومزارعهم وسيّاراتهم وهربوا بأرواحهم نحو المخيّمات، ويقول: “تركنا كل شيء وهربنا بأرواحنا، ومنذ العام 2014 ونحن نعيش مرارة الحياة في المخيّم”.
ويضيف أن الرحيل لم يكن خياراً شخصياً، بل فرضته ظروف الحرب، وأن سنوات النزوح حملت معها فقدان أفراد من العائلة والجيران والأصدقاء، فضلاً عن بقاء مصير بعض الأشخاص مجهولاً، ويختصر أثر ذلك بقوله: “هناك شيء انكسر في داخلنا”.
ويصف الحياة داخل الخيمة بأنها معاناة مستمرّة، فالحرارة في الصيف لا تطاق والبرد في الشتاء قاسٍ، ومع تراجع المساعدات الدولية والدعم الحكومي، غادرت عائلات كانت تملك إمكانات أفضل، المخيّم بحثاً عن العمل ومصادر الرزق.
ويقول عبّاس إن سكّان المخيّم يعيشون حالة انتظار دائمة للعودة إلى مناطقهم، مؤكّداً أن الإنسان يبقى متعلّقاً بمكان ولادته وبيته مهما استقرّ في مكان آخر، ويشير إلى أن أهالي جرف الصخر لا يستطيعون العودة حتى الآن، موضحاً أن المنطقة ما زالت مغلقة وتخضع لإجراءات وسيطرة عسكرية، ويقسم بأن أوّل ما سيفعله عند العودة هو السجود على أرضه شكراً لله بعد سنوات الانتظار.
من يحكم الجرف؟
الباحث والصحافي رسلي المالكي يصف جرف الصخر بأنها “قاعدة إيرانية في جنوب بغداد”، متسائلاً عن مدى قدرة الدولة على فرض سلطتها فيها.
ويقول المالكي: “نحن نتحدّث عن سلاح خارج إطار الدولة، والدولة تعلن أنها تريد حصر السلاح بيدها، لكن السؤال: هل الدولة قادرة على إرسال شرطي واحد، وليس جندياً، إلى هذه القاعدة الإيرانية في جنوب بغداد التي اسمها جرف الصخر من أجل إنفاذ القانون؟”.
ويضيف أن معيار السيادة لا يقاس بالتصريحات، إنما بقدرة مؤسّسات الدولة على ممارسة سلطاتها داخل جميع الأراضي العراقية دون استثناء، معتبراً أن الجدل المستمرّ بشأن جرف الصخر يعكس، بحسب رأيه، أزمة تتعلّق بإنفاذ القانون واحتكار الدولة للسلاح.
من جانبه، قال الشيخ جابر رجبي، المنشقّ عن “فيلق القدس”، إن منطقة جرف الصخر تُعدّ واحدة من أهمّ القواعد والمواقع التابعة للنظام الإيراني والحرس الثوري خارج حدود إيران، مشيراً إلى أن أهمّية المنطقة ترتبط بموقعها الجغرافي الحسّاس الذي يربط بين العاصمة بغداد والمحافظات الجنوبية.
وأضاف رجبي أن جرف الصخر تُستخدم كمركز لإدارة العمليّات والاستخبارات وتجميع التجهيزات العسكرية، ومنها الصواريخ والطائرات المسيّرة، مبيّناً أن القوّات الموجودة في المنطقة تعمل تحت إشراف وتوجيه مباشرين ضمن المنظومة الأمنية والعسكرية الموالية لطهران.
وأوضح أن المنطقة تتمتّع بحصانة أمنية عالية وسيطرة تامّة، ما يجعلها موقعاً مغلقاً ومخصّصاً للأنشطة العسكرية واللوجستية التابعة للفصائل والحرس الثوري، بعيداً عن الرقابة الاعتيادية.
اختبار إرادة الدولة
في السياق، يؤكّد عضو مجلس محافظة الأنبار عدنان الكبيسي لـ”درج” أن ملفّ عودة أهالي جرف الصخر والعويسات لم يغب عن تحرّكات القيادات السياسية السنّية، مشيراً إلى أن الحكومات المتعاقبة شكّلت أكثر من لجنة رسمية لمعالجة الملفّ، لكنّها لم تحقّق نتائج ملموسة.
ويقول الكبيسي: “سلكنا طرقاً سياسية مختلفة، وقدّمنا جميع الالتزامات الأمنية المطلوبة، كما شُكّلت أكثر من لجنة بأوامر ديوانية من رؤساء الوزراء السابقين، لكن للأسف لم نجد تعاوناً حقيقياً، خصوصاً من الجهات والفصائل المسيطرة على تلك المناطق”، ويتابع: “إنهاء القضيّة يحتاج إلى قوّة سياسية وتفاهمات تفرض إرادة الدولة، أما إذا استمررنا بالاعتماد على اللجان فقط فلن يكتمل الملفّ”.
ويرفض الكبيسي الاتّهامات التي تتحدّث عن التخلّي عن ملفّ جرف الصخر وعدم طرحه إلا خلال المواسم الانتخابية، مؤكّداً أن ما يجري خلف الكواليس مختلف تماماً، ويقول: “هناك تفاهمات وضغوط سياسية مستمرّة، حتى أن ملفّ تشكيل الحكومة السابقة تضمّن مطالب تتعلّق بعودة النازحين والكشف عن مصير المغيّبين، لكنّ الطرف الآخر ما زال يماطل، فيما لا نملك سوى اللجوء إلى القانون”.
وشدّد الكبيسي على أن الدستور العراقي كفل للمواطنين حقّ العودة إلى أراضيهم ومنازلهم، معترضاً على التصريحات التي تربط حق العودة بانتهاء العقود الزراعية.
وينهي الكبيسي حديثه بالإشارة إلى تعقيدات التعامل مع الجهات المسيطرة على الأرض، قائلاً: “الموضوع صعب، والتعامل معهم ليس سهلاً. نحن نتعامل مع فصائل مسلّحة لديها مواقفها الخاصّة، وهذا ما يجعل الوصول إلى حلول نهائية أكثر تعقيداً ويحتاج إلى قرار دولة حاسم يضمن تنفيذ القانون وحماية حقوق المواطنين”.
الخطاب التصعيدي أعاق الحلّ
يقول زعيم “عصائب أهل الحق” قيس الخزعلي، إن ملفّ نازحي جرف الصخر كان جزءاً من الاتفاقات السياسية مع القوى السنّية، معتبراً أن بعض مطالبها “ضرورية وواقعية”، فيما يرى أن بعضها الآخر “غير دستوري”.
ويؤكّد الخزعلي أن قضيّة النازحين “ملفّ اجتماعي” ينبغي معالجته، موضحاً أن آلاف العراقيين ما زالوا يعيشون بعيداً عن مناطقهم الأصلية، لكنّ العودة، بحسب رأيه، يجب أن تسبقها عمليّة فرز واضحة بين “الأشخاص المتورّطين في الإرهاب والعوائل ذات الثقافة الداعشية”، وبين العوائل التي لم يثبت تورّطها في أي عمل إرهابي.
ويرى أن الخطاب التصعيدي الذي رافق المطالبة بعودة النازحين كان “السبب الأساسي” في تعطيل الملفّ، مؤكّداً أن الإطار التنسيقي، بحسب قوله “مقتنع وموافق على عودة العوائل غير المتورّطة”.
ويتابع: “عندما يأتي شخص ويتحدّث بلغة التحدّي ويقول سنعود وسنفعل، فإنه يضرّ بالنازحين أكثر ممّا يخدمهم، لأن جرف الصخر لها خصوصية أمنية وتاريخ دموي يحتاج إلى معالجة هادئة”.
ويشير إلى أن عدداً من عائلات جرف الصخر يقيمون حالياً في الإسكندرية والمسيّب داخل محافظة بابل، ولو كانوا يشكّلون خطراً أمنياً “لتمّ القبض عليهم”، فيما توجد عائلات أخرى في المخيّمات وإقليم كردستان مطلوبون للقضاء.
الحل بالحوار المباشر
ويؤكّد رئيس مجلس النوّاب السابق محمود المشهداني أن عودة نازحي جرف الصخر تحتاج إلى توافق سياسي بين العرب السنّة والعرب الشيعة، مشيراً إلى وجود “مخاوف حقيقية” لدى جزء من أبناء المكوّن الشيعي بسبب ما شهدته المنطقة من أعمال عنف خلال السنوات الماضية.
كما يرى أن الفصائل المسلّحة استغلّت الفراغ في المنطقة وأنشأت مصالح اقتصادية، وهو ما يجعلها، بحسب رأيه، غير راغبة في التخلّي عنها، منتقداً في الوقت نفسه أداء وزارتي الهجرة والعدل، ومحمّلاً القوى السياسية السنّية جزءاً من مسؤولية ضعف متابعتهما لملفّي النازحين والسجناء.
الجرف خارج سلطة الدولة
بدوره، يقول رئيس حزب “تقدّم” محمّد الحلبوسي إن ملفّ عودة نازحي جرف الصخر كان جزءاً من الاتّفاق السياسي، لكنّه يؤكّد أن المنطقة “تحوّلت إلى معسكر لفصائل مسلّحة”، مضيفاً أن “لا أحد، مهما كان موقعه، يستطيع الدخول إلى جرف الصخر”.
ويشير إلى وجود حديث عن إعادة نحو 700 عائلة إلى مركز ناحية جرف الصخر، لكنّه يؤكّد أن عودة بقيّة السكّان لن تتحقّق “ما لم تستعد الدولة سيطرتها على البساتين”، موضحاً أن تلك المناطق “خارج سلطة الدولة وتسيطر عليها فصائل مسلّحة”، ويضيف: “حتى قادة ائتلاف إدارة الدولة، سنّة وشيعة، لا يستطيعون دخول جرف الصخر”.
ويشير الحلبوسي إلى أن المبرّرات المطروحة تتراوح بين وجود مطلوبين أمنياً، وبين عدم استقرار الوضع الأمني، لكنّه يلفت إلى أن “أيّ قوّة رسمية من وزارتي الدفاع أو الداخلية لا تستطيع الدخول إلى جرف الصخر أو حتى التقاط صورة داخلها، وهو أمر غريب لا يمكن فكّ شفراته”.
أم عمر: عائلة تفرّقت في الجرف
على الطرف الآخر من المخيّم، تختصر أم عمر سنوات النزوح الطويلة بعبارة واحدة: “اليوم تحديداً دخلنا العام الثالث عشر ونحن نعيش في المخيّم، بلا حول ولا قوّة، وأُصبنا بكل أنواع الأمراض”، وتقول إن جرف الصخر كانت بالنسبة إلى عائلتها “الجنّة”، وإنهم غادروها خلال المعارك وهم لا يحملون سوى الملابس التي كانوا يرتدونها.
ولا تحصر أم عمر مطالبها بالعودة إلى منزلها فقط، بل تمتدّ إلى ملفّ المعتقلين من أبناء المنطقة، وتقول: “لا نريد سوى العودة إلى ديارنا، وأن ينصف المظلومون في السجون. عندما نذهب لزيارتهم نشعر وكأن أحداً لم يبقَ خارج السجن. أوضاعهم صعبة، ويُمنعون حتى من إدخال الطعام لهم، وأنا لا أملك القدرة على مساعدتهم بأيّ شيء داخل السجن”.
وتستعيد خسائر عائلتها خلال أحداث العام 2014، موضحة أنها فقدت أحد أبنائها، وكان يبلغ من العمر 13 عاماً، بعدما اختفى أثناء رعي الأغنام في جرف الصخر، ولم يُعرف مصيره منذ ذلك الحين. كما فقدت زوجها، لتجد نفسها مسؤولة عن أسرة لم يبقَ فيها سوى النساء والبنات.
وتقول أم عمر لـ”درج”: “أتمنّى أن تعود عائلتي كما كانت، لكن حتى لو عدنا اليوم، فنحن لم يبقَ منا سوى النساء والبنات. أتمنّى أن أرجع إلى الجرف حتى لو كان السكن في بيت من الخوص (ورق النخيل)، وأن تعود الأيّام الجميلة والعائلة، لكن تلك الأيّام لن تعود”.
الحلّ يبدأ بفرز المتورّطين من الأبرياء
أما رئيس “ائتلاف دولة القانون” نوري المالكي، فيرى أن معالجة الملفّ تبدأ بعزل المتورّطين عن غير المتورّطين، معتبراً أن التجربة التي شهدها قضاء الدجيل بعد العام 2003 تمثّل نموذجاً يمكن الاستفادة منه.
تغيير ديموغرافي قسري
في المقابل، يعتبر رئيس “تحالف السيادة” خميس الخنجر أن استمرار منع نحو 120 ألفاً من أهالي جرف الصخر من العودة إلى مناطقهم، وانتزاع ممتلكاتهم وأراضيهم، يمثّل “إعلاناً صريحاً لمشروع تغيير ديموغرافي طائفي” في محافظة بابل.
ويقول إن ما يجري يندرج، بحسب رأيه، ضمن جرائم الحرب المنصوص عليها في المادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة، والمادة (7/1) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، اللتين تجرمان النقل القسري والإبعاد السكّاني.
إقرأوا أيضاً:
ويضيف أن إبقاء جرف الصخر مغلقة أمام مؤسّسات الدولة والجهات الرقابية ووسائل الإعلام منذ أكثر من 12 عاماً “يمثّل نموذجاً واضحاً للتغيير الديموغرافي القائم على اعتبارات طائفية، تنفّذه ميليشيات خارج إطار القانون”.
أزمة بلا حلول
من جانبه، يرى محافظ بابل علي تركي أن الوضع القانوني والأمني في جرف النصر (جرف الصخر)، يختلف عن الطروحات الداعية إلى إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل العام 2014، مؤكّداً أن غالبية أراضي المنطقة زراعية وتخضع لعقود انتهت مدتها القانونية.
ويضيف أن أهالي جرف النصر “موجودون داخل قضاء المسيّب، وليسوا مبعدين بالشكل الذي يصوَّر، فكما كانوا يمتلكون أراضي في الجرف، أصبح لديهم اليوم أراضٍ في المسيّب والإسكندرية والحصوة”.
ويؤكّد محافظ بابل أن إعادة فتح الملفّ قد تُعيد الأوضاع إلى “نقطة صفر”، معتبراً أن ذلك قد ينعكس سلباً على الأمن في المحافظة والمناطق المجاورة، ويقول: “لا يمكن أن نتحدّث عن قضيّة قد تُعيدنا إلى نقطة صفرية وتتسبّب بضرر في خاصرة قد تنعكس آثاره على محافظة بابل والمحافظات المحيطة بها”.
ويضيف أن التقييم الأمني القائم يدفعه، بوصفه رئيساً للوحدة الإدارية ورئيساً للجنة الأمنية في المحافظة، إلى تفضيل استمرار انتشار القوّات الأمنية في المنطقة، قائلاً: “إذا سألتني اليوم كرئيس وحدة إدارية ورئيس لجنة أمنية في المحافظة، فأقول إن الأفضل هو الإبقاء على قوّاتنا من الحشد والقوّات الأمنية الماسكة لهذه المنطقة”.
غياب الخطّة الحكومية
من جانبه، يقول المتخصّص في الشأن السياسي زيدون السلماني لـ”درج” إن الأجهزة الأمنية التي تتولّى إدارة الملفّ في جرف الصخر تتمثّل بصورة رئيسية في “كتائب حزب الله”، إلى جانب بعض الفصائل والقوى المنضوية معها، فيما تنتشر تشكيلات أمنية أخرى في أطراف المنطقة.
ويضيف السلماني أن “الجزء الذي يُمنع أيّ شخص من دخوله يخضع لسيطرة كتائب حزب الله”، معتبراً أن هذا الواقع يجعل المنطقة خارج السيطرة الفعلية للمؤسّسات الحكومية.
ويرى السلماني أنه “لا توجد أسباب حقيقية تحول دون عودة النازحين، سوى أن المقصود كان إحداث تغيير ديموغرافي”، موضحاً أن جرف الصخر وعدداً من المناطق الواقعة شمال محافظة بابل ذات أغلبية سنّية، وأن إفراغها من سكّانها، بحسب رأيه، يحقّق توازناً مذهبياً داخل المحافظة، ولا سيّما في ما يتعلّق بتركيبتها السكّانية وانعكاس ذلك على التمثيل في مجلس محافظة بابل.
وبشأن وجود خطّة حكومية لإعادة الأهالي، يؤكّد السلماني أنه “لا توجد خطّة حكومية واضحة”، مشيراً إلى أن محاولات جرت في نهاية العام الماضي لإفراغ جرف الصخر من بعض الفصائل، حيث انتقل جزء من القوّات المتمركزة فيها إلى مدينة القائم، إلا أن تلك الخطوات، بحسب قوله، لم تتبعها أيّ إجراءات لإعادة السكّان إلى مناطقهم.
ويقدّر السلماني عدد أهالي جرف الصخر الذين ما زالوا نازحين بما “لا يقلّ عن 100 ألف نسمة”، مبيّناً أن هذا الرقم يمثّل الحدّ الأدنى وفق التقديرات المتداولة، في ظلّ غياب إحصاءات رسمية دقيقة.
ويؤكّد أن جرف الصخر لا تخضع، من وجهة نظره، لسلطة المؤسّسات الحكومية، قائلاً: “هذا ليس كلامنا فقط، بل ما أكّدته، بحسب معلوماتنا، قيادات أمنية وجهات في رئاسة الوزراء ومؤسّسات حكومية أخرى على المستويين الأمني والسياسي”.
وفي ما يتعلّق بالنفوذ الإيراني، يقول السلماني إن الفصائل المسيطرة على جرف الصخر تُعدّ، بحسب وصفه، من الأذرع المرتبطة بإيران في العراق، معتبراً أن ذلك يعني وجود تدخّل إيراني في إدارة الملفّ، لافتاً إلى أن بعض التقارير تحدّثت عن وجود مكاتب للحرس الثوري الإيراني داخل المنطقة، فيما يشير إلى أن المنطقة تضمّ، بحسب قوله، معسكرات ومخازن للأسلحة، مستدلاً بضخامة الانفجارات التي كانت تعقب الضربات الجوّية التي تعرّضت لها المنطقة خلال السنوات الماضية.
ويقول إن هذا الملفّ لا يخضع لأيّ تحقيقات، معتبراً أن حساسيته السياسية والأمنية تمنع فتحه، لأن القوى الشيعية المشاركة في العمليّة السياسية، بحسب وصفه، “لا تستطيع الذهاب باتجاه صدام مسلّح مع كتائب حزب الله”.
ويرى أن محاولات التغيير الديموغرافي لم تقتصر على جرف الصخر، بل شملت، بحسب رأيه، مناطق أخرى ضمن حزام بغداد جنوباً وشرقاً وغرباً وشمالاً، مشيراً إلى ما يصفه بـ”استهداف طائفي ممنهج” دفع كثيراً من السكّان إلى مغادرة مناطقهم.
ويوضح أن هذه المرحلة أعقبتها، بحسب قوله، عمليّات شراء للأراضي بأسعار مرتفعة، دفعت بعض الأهالي إلى البيع نتيجة انعدام الأمن، فيما اضطرّ آخرون إلى التخلّي عن ممتلكاتهم تحت التهديد.
وينتقد السلماني إجراءات الحكومة في حماية حقوق الملكية، رافضاً التصريحات التي تقلّل من قيمة العقود الزراعية التي يمتلكها أهالي المنطقة.
ويقول إن غالبية الأراضي الزراعية في العراق تُدار أساساً بعقود زراعية مع الدولة، وإن القانون لا يجيز إخراج أصحابها ما داموا مستمرّين في استصلاحها، وفي حال إنهاء تلك العقود فإنهم يستحقّون التعويض، ولا سيّما أصحاب ما يُعرف بـ”سند 25″.
ويتابع السلماني أن عودة النازحين تتطلّب أولاً جهداً حكومياً حقيقياً، وإعادة إعمار البنى التحتية للمدينة، فضلاً عن صدور “قرار سيادي عراقي” يقضي بإخراج الفصائل من المنطقة، حتى لو تطلّب ذلك استخدام القوّة، معتبراً أن القائد العامّ للقوّات المسلّحة هو الجهة المسؤولة عن تنفيذ هذا القرار، وأنه “لا يوجد، برأيي، أيّ حلّ آخر”.
يقول السلماني إن التغيير انتقل، بحسب وصفه، من “مرحلة الفرض القسري بقوّة السلاح إلى مرحلة التغيير الإداري الناعم”.
ويقول إن هذا المسار بدأ قبل أكثر من عامين باستحداث ناحية جديدة تحمل اسم “سوراء”، اقتُطعت من المقاطعة (9 هور حسين) التابعة إدارياً لناحية جرف الصخر، موضحاً أن الناحية الجديدة ثُبتت قانونياً وإدارياً، فيما تُبذل، بحسب قوله، محاولات لإلحاق ما تبقّى من مقاطعة (9 هور حسين) بها، فضلاً عن ثماني مقاطعات أخرى.
ويشرح السلماني أن هذه الإجراءات تُنفّذ “بخطوات مدروسة” بهدف تفريغ جرف الصخر من صفتها القانونية كوحدة إدارية، بما يؤدّي، بحسب رأيه، إلى زوالها إدارياً، حتى في حال التوصّل مستقبلاً إلى حلّ يسمح بعودة سكّانها، مبيناً أن “هناك مجموعة من الأشخاص والجهات الحزبية تعمل على هذا الملفّ بالتنسيق مع مدير ناحية جرف الصخر الحالي حسن صباح العرداوي، وهو بالأصل من أهالي قضاء الإسكندرية”.
أيوب سعد - صحافي عراقي
العراق
12.10.2026
https://daraj.media/%D8%AC%D8%B1%D9%...T9R1uDD4YSAP5Q