سوريا الجديدة، تحدي الخروج من شعارات العداء لإسرائيل وأمريكا...
الاحتجاجات العفوية واسعة الطيف على ارتفاع أسعار المحروقات والغاز المنزلي، كشفت خطورة الفراغ السياسي في البلاد.
"غياب المنابر" السياسية والثقافية والإعلامية ذات البعد الجماهيري والتأثير المباشر على الشارع الذي لا يزال يتأثر بصناع المحتوى السطحيين والمتشبعين والمتمسكين بلغة ومصطلحات الثورة، يضع السلطة السياسية في دمشق في موقف محرج أمام وسائل الإعلام العربية العالمية التي تعمل بحرية إيجابية في الداخل، وفي موقف معقد أمام الأنظمة العربية والاقليمية والدولية الداعمة بقوة للإدارة الجديدة للبلاد !
هناك ظاهرة سلبية بدأت تتراجع ببطء عند الشرائح الداعمة، النخب والمثقفين في الداخل والخارج والطبقات الاجتماعية الاقتصادية في المدن والأرياف للسلطة السياسية، تتجسد في مخاطبة "رئيس الجمهورية" مباشرة وتحميله المسؤولية ومطالبته بالتصحيح الفوري، وهي ظاهرة تعكس التأثير السلبي المستمر لعقود من الحكم الستاليني الاستبدادي الفردي بسبب "غياب المنابر " وتعكس تأثير لغة "الإسلام السياسي" الحاضنة الطبيعية للإدارة الجديدة للبلاد المتشبعة بمصطلحات الحاكمية لله ودولة الخلافة وتراثها والتي ترى في رئيس البلاد "خليفة المسلمين" !
حدود تأثير نظام البعث البائد تتجاوز "لغة" الشارع والجمهور السلبية إلى "فعل الفوضى" لطبقة الأولغارش الباقية والمنتمية إلى الحاضنة الطبيعية للإدارة الجديدة، والتي نجحت في تسوية أوضاعها بدرجات والتي ترى في (الفساد واستمرارية بيروقراطية الفساد) الذي مكنها سابقا من بناء امبراطوريات اقتصادية، تحاول بقوة الحفاظ عليها من خلال الحفاظ على "السوق السوداء".
ومن خلال الجماهير الانفعالية المتضررة مرحليا من سياسات اقتصادية صحيحة ومؤلمة لا تعتمد على الدعم لاكتساب شرعية جماهيرية، تعتمد عليها لإفشال عملية تصحيح الاقتصاد الوطني والحفاظ على اقتصاد السوق السوداء والفساد البيروقراطي واسع الطيف.
الشارع الذي يخرج لحماية أمنه الاقتصادي اليوم على حساب أمنه المستقبلي الدائم، لا يصحح عمل السلطة السياسية، بل يخدم الأولغارش البعثي الإسلامي الذي يحاول بقوة وعناد دفع الإدارة الجديدة للبلاد نحو الاعتماد على أولغارش جديد موازي وفاسد لتأمين تدفق السلع الرئيسية في زمن الفوضى الخلاقة في المنطقة والإقليم، وهذا المشهد المعقد والغاطس هو التحدي الحقيقي للمنابر الوطنية الغائبة لمراقبته وتعطيله من خلال جمهور يتكلم لغة صحيحة ويتحرك بطريقة منظمة ويحارب الفساد البيروقراطي المتجذر والقوي ويمتلك الوعي الوطني الإيجابي والقدرة والرغبة على التصحيح بقوة القانون والنظام العام.
تحدث متظاهر حرّ أمام الكاميرات معترضا على أسعار المحروقات ومخاطبا رئيس الجمهورية بما معناه (نحنا معك علاقتك بأمريكا ما بتفيدك نحنا منفيدك) !
الحقيقة التي لا يجب أن تغيب عن أذهان (البيئة الحاضنة للإدارة الجديدة للبلاد) أن علاقة الرئيس أحمد الشرع بولي العهد محمد بن سلمان وعلاقة ولي العهد محمد بن سلمان بالرئيس الأمريكي القوي ترامب، أنقذت سوريا خلال عام فقط من معارك دبلوماسية وقانونية دولية وداخل الكونغرس الأمريكي وفي الأمم المتحدة لرفع إسم سوريا من سلسلة قوائم العقوبات والتصنيفات الجائرة، لا يزال العراق ومنذ العام 2003, غير قادر على التخلص من آثارها المدمرة.
العلاقات الشخصية المبنية على الثقة قدمت لسوريا بكل مناطقها والشعب بكل أطيافه "خدمة جليلة"، يستفيد منها الحاضر بأجياله المتعبة والقلقة والمستقبل بأجياله الواعدة والصاعدة، معارضة وموالاة إسلاميين وغيرهم مدن وأرياف فلاحين وعمال طبقة فقير ومتوسطة وبرجوازية وطنية، المتضرر الوحيد هم الأولغارش القديم والانفصاليين، اللذين بنيا إستراتيجية الفوضى على العقوبات الأمريكية والدولية والأممية، وفشلت فشلا ذريعا ولكنهما لم يستسلما بعد !
"خدمة جليلة" لا تقل أهمية قدمها الرئيس ترامب لسوريا الجديدة ولولي العهد محمد بن سلمان، في إغلاق ملف المقاتلين الأجانب الذين أحسنت السلطة السياسية في دمشق تسوية أوضاعهم، وفي ملف "قسد" الأكثر خطورة، وإعادة اندماج ناجحة للمكونات السورية والجغرافية السورية في السلطة السياسية والسيادية والمؤسسات الرسمية للجمهورية العربية السورية.
"خدمة جليلة" إستراتيجية بكل الأبعاد تسجل للرئيس ترامب وولي العهد محمد بن سلمان في لجم إسرائيل تحت قيادة حكومة نتنياهو المتفلتة والمتوحشة ومنعها من التمدد في الداخل السوري وتهديد دمشق عسكريا وتحقيق الحلم التوراتي في احتلالها، ما تقوم به إسرائيل حاليا من اعتداءات وتصريحات إعلامية وتمدد جغرافي محدود ومرتبط بالصراع المحتدم والوجودي مع إيران وحزب الله، لا يقارن بالأحلام والمخططات التوراتية التلمودية لليمين الإسرائيلي المتطرف قبل وبعد نتنياهو.
الأفراد والجماعات الكامنة والمناوئة للسلطة السياسية في دمشق او الراغبة في إسقاطها من الطبيعي أن ترفع شعارات ضد أمريكا وإسرائيل في الداخل، لإظهار دمشق بمظهر السلطة الفاشلة وغير الجديرة بالثقة، أما الأفراد والجماعات المؤيدة إذا كانت غير قادرة على قراءة المشهد الإقليمي والدولي وخطورته على الاستقرار في البلاد، وخطورة المجاهرة بالعداء لإسرائيل وأمريكا، وخطورة الإعلام، البلاد تنزلق إلى الفوضى والضعف.
تحديدا الأفراد والفصائل المنضوية داخل المؤسسات الأمنية والرسمية للإدارة الجديدة للبلاد عندما ترفع شعارات العداء لإسرائيل وأمريكا، والتمسك بلغة غيبية عقائدية لا جدوى منها ولا مبرر عقلاني لها ولا ارتباط لها بالواقعية السياسية، هي ترتكب فعل خيانة واعية او غير واعية وهدامة للسلطة السياسية في دمشق.
15/9/2026
..