جداريات طهران: كيف يحوّل الحرس الثوري البروباغندا إلى ”صورة صحافية“؟
ندخل إلى استديو الصور والفيديوهات في وكالة الصحافة الفرنسية “أ ف ب” للبحث عن صورة لها علاقة بالحرب في إيران والتصريحات المترافقة معها، فتعرض لنا صور جدارية دعائية، حتى بتنا على اطّلاع دائم على تغيّرها والرسائل التي تحملها، والتي تواكب كل حدث.
نجحت إيران منذ اندلاع الحرب في 28 شباط/ فبراير، في تحويل ساحتي ”وليّ العصر“ و”انقلاب“ في قلب طهران إلى مسرح لدعاية تتجازو حدودها وتنتشر في العالم.
فالجدارية التي جعلها النظام منذ سنوات منصّة دعائية يغيّر محتواها باستمرار بحسب الأحداث والرسائل التي يبعث بها، صارت هي “الصورة الصحافية“ التي تُرسل من إيران إلى العالم، وفق خطّة محكمة، وفي ظلّ فرض رقابة كبيرة على الإعلام وشبكة الإنترنت، وعلى كل ما يُبثّ.
اندلعت الحرب في الشرق الأوسط بضربات أميركية إسرائيلية على إيران، بينما كان نظامها يفرض تعتيماً إعلامياً وقطعاً شبه تامّ لشبكة الإنترنت، لإحباط الاحتجاجات التي انطلقت نهاية العام وقمعها بالرصاص. وخلال أكثر من نصف عام من العمل على تغطية الحرب وتحرير أخبارها، كانت جدارية ساحة “وليّ العصر” كما جدارية “انقلاب” أكثر المشاهد التي تصلنا من إيران إلى غرف التحرير.
ندخل إلى استديو الصور والفيديوهات في وكالة الصحافة الفرنسية “أ ف ب” للبحث عن صورة لها علاقة بالحرب في إيران والتصريحات المترافقة معها، فتعرض لنا صور جدارية دعائية، حتى بتنا على اطّلاع دائم على تغيّرها والرسائل التي تحملها، والتي تواكب كل حدث.
لوحة ضخمة تحمل رسائل عسكرية وسياسية وعقدية. تارة تهزأ بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، وتنشر صورة له وفمه مقفل على هيئة مضيق هرمز؛ وهي صورة لاقت رواجاً ورافقت العديد من التقارير الإخبارية حول إغلاق الممرّ الاستراتيجي واستخدامه كورقة قوّة إيرانية، وتارة أخرى تضع صورة مولّدة لترامب وهو مستلقٍ في تابوت، متوعّدة بقتله، وجدارية أخرى تحتفي بإسقاط طائرة أميركية.
جداريات تتبدّل وفق المناسبة، لتعبّر أيضاً عن الولاء للمرشد الإيراني المتواري مجتبى خامنئي وغيره من القادة الإيرانيين وتبجيلهم، ولتؤكّد الثأر لسلفه ووالده علي خامنئي.
كيف تسلك دعاية طهران طريقها إلى الإعلام العالمي؟
في ظلّ حاجة الإعلام الدائمة إلى تجديد صوره باستمرار واختيار صور تتّصل بالموضوع، الذي غالباً ما يترافق مع تصريحات مسؤولين إيرانيين وأميركيين، وفي ظلّ تعتيم إعلامي رهيب تفرضه طهران على الإعلام والسكّان، يصبح لا بدّ من اختيار صور جدارية تشير إلى إيران والحرب، فيقع الاختيار على الصورة التي تحمل دعاية النظام الإيراني خلال تحرير الأخبار، كصورة جدارية “وليّ العصر”؛ الساحة المسماة تيمّناً بأحد ألقاب الإمام المهدي المنتظر لدى الشيعة الإمامية، الذي يعتبر نظام الوليّ الفقيه الإيراني المرشد ممثّله، وينتظر ظهوره.
هكذا صارت دعاية النظام الإيراني على الصفحات الأولى لصحف ومواقع إعلامية، أميركية بخاصّة، لتتجاوز الجدارية حدود طهران إلى العالم. وبذلك نجح النظام في جعلها وسيلة دعائية سريعة الانتشار والتداول، لا تتوجّه إلى الآلاف الذين يمرّون في ساحة هي من الأكثر ازدحاماً في العاصمة الإيرانية، بل تصل إلى الملايين حول العالم، بل وتُنشَر على الصفحات الأولى في الإعلام الأميركي وغيره.
وصار يمكن القول إن النظام الإيراني عرف كيف يستخدم الحاجة إلى الصورة الصحافية، ومصوري “أ ف ب”، كجزء من دعايته؛ وإن كانوا يقومون بما تتطلبه منهم وظيفتهم. بل حتى إن الصحافي الذي يحرّر الأخبار، ويدرك جيّداً أسلوب الدعاية الإيراني، يجد أنه لا بدّ له من أن يتورّط بنشرها، لتصبح الصورة الصحافية المنشورة من طهران هي الرسالة التي يريدها النظام أن تصل إلى العالم، فيخاطبه عبر إعلامه.
فنجد مثلاً صورة تمثال الحرّية مرمياً على الأرض، وفوقه يقف مواطنون إيرانيون يرفعون العلم الإيراني ورايات دينية مكتوباً عليها “يا لثارات الحسين”، على صفحات صحيفة “وول ستريت جورنال الأميركية”.
بنية دعائية بصرية جاهزة
إلا أن تحويل الجداريات إلى مسرح دعائي لم يبدأ مع الحرب، وإن برزت الجداريات أكثر خلال تغطية يومياتها، وصار الإعلام العالمي عرضة لها باستمرار. إذ تعمّدت طهران منذ سنوات إعداد بنية دعائية بصرية قابلة لتغيير محتواها بسرعة عند كل حدث، كما هو الحال في ساحات طهران التي يُسمَح للمصوّرين العمل فيها.
ولطالما لازمت الجداريات والرسائل البصرية النظام منذ وصول مؤسّس الجمهورية الإسلامية في إيران، روح الله الخميني، إلى الحكم بعد ثورة العام 1979. حتى إنها نقلت خبرتها في هذا المجال إلى فرع ”الثورة الإسلامية في لبنان“، كما كنّا أشرنا في ”درج“ في مقال قبل سنوات بعنوان: “الصورة قبل البندقية في بروباغندا حزب الله” .
ووفق وكالة “تسنيم” الإيرانية، تقف منظّمة “أوج” للفنون والإعلام خلف الجدارية، التي ”تُوظّف عادةً أعمالاً فنّية إعلامية مستوحاة من قضايا وأحداث وطنية، تتناول مواضيع مثل نمط الحياة الإسلامية في إيران ومناهضة الاستكبار“، وعادة ما يعمل ”بيت مصمّمي الثورة الإسلامية“ التابع للمنظّمة على إنتاج المحتوى الذي سيرفع على الجدارية.
وتُعدّ ”أوج“ الذراع الفنّية والثقافية للحرس الثوري الإيراني، وكان قد أسّسها في عام 2009، عقب الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها إيران في ذلك العام إثر اتّهام النظام بتزوير الانتخابات لصالح أحمدي نجاد.
أمّا ساحتا انقلاب وفلسطين، فتتولّى منظّمة “الدعوة الإسلامية”، التي تأسّست في عام 1981، إنتاج الرسائل التي تُعرض فيهما.
وإن كان من غير الممكن قياس مدى تأثير هذه الاستراتيجية البصرية على الإيرانيين وفي وسائل الإعلام العالمية والرأي العامّ العالمي، من دون دراسة منهجية متخصّصة، فإن ما يمكن رصده بوضوح هو نجاح النظام في نشر رسالته في أبرز وسائل الإعلام حول العالم، انطلاقاً من جدارية في قلب العاصمة الإيرانية، وإن كانت هذه الدعاية لا تؤخذ دائماً على محمل الجدّ، وكثيراً ما توضع في سياق المبالغات الإيرانية.
https://daraj.media/%D8%AC%D8%AF%D8%...pSW-VlcvOGCr-g