قصة قصيرة لـ خلدون الدالي
"ما لا يقوله الماء"
عادَ بعدَ غيابٍ طويل، كأنّه لم يخرج يومًا.
الطريقُ الترابيُّ ما زال يفضي إلى النهر، والنهرُ ما زال يمضي دون أن يلتفت لأحد. وحده تغيّر؛ صار يحمل في عينيه مدنًا لا تعرف هذا الطين، ولا هذه الرائحة التي تشبه ذاكرةً رطبة.
توقّف عند الشجرة الكبيرة، تلك التي كانت أمّه تربط عند جذعها خيوط الدعاء. لمسها بحذر، كأنّه يختبر إن كانت حقيقية أم مجرد بقايا حلم. شعر بشيءٍ ينسحب من صدره، شيءٍ قديمٍ، ثقيلٍ، لا اسم له.
في القرية، لم يسأله أحد: لماذا عدت؟
نظروا إليه كما يُنظر إلى عابرٍ يعرف الطريق، لكنه تأخر كثيرًا. النساء همسن، والرجال أطرقوا برؤوسهم، وكأن عودته تعيد حسابًا لم يكتمل.
دخل بيتهم. الجدران أضيق مما يتذكر، والسقف أخفض، لكن الصمت أوسع. في الركن، وجد عصا أبيه. رفعها، فارتجفت يده. تذكّر صوته، غليظًا كالنهر في موسم الفيضان، ثم خافتًا كهمس التراب حين يُوارى فيه سرّ.
في الليل، خرج إلى النهر.
جلس على حافته، وألقى بحجر صغير. تموّج الماء قليلًا، ثم عاد إلى سكونه. قال في نفسه:
"هكذا أنا… أُحدثُ اضطرابًا عابرًا، ثم يبتلعني النسيان."
لكن النهر، في تلك اللحظة، لم يكن صامتًا.
كان يُعيد صدى خطواته القديمة، ضحكاته، وأحلامه التي دفنها هناك، عند الضفة نفسها. شعر بأن المكان لا ينسى، حتى لو ادّعى البشر ذلك.
عند الفجر، حين بدأ الضوء يتسلّل كاعترافٍ خجول، نهض.
لم يعد غريبًا كما كان، لكنه لم يعد ابنًا كاملًا لهذه الأرض أيضًا.
ابتسم ابتسامةً خفيفة، وقال بصوتٍ لا يكاد يُسمع:
"العودة ليست وصولًا… إنها بداية حسابٍ جديد."
ثم مضى، والنهر خلفه يراقب، كشيخٍ يعرف أكثر مما يقول.