|
|
|
|||||||
| منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا.. |
![]() |
| مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان) |
|
|
أدوات الموضوع | تقييم الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
رقم المشاركة : 1 | |||||
|
الشيخ الزبير يواري رأسه بعمامة فاسية، متسربلا في جلباب لم يعرف لباساً غيره، يفضحه التيه الذي في عينيه، وكل ما فيه يوحي بأن الهرم أخذ منه مأخذاً، من بعيد يبدو مثل أطلال بيته الذي لم يقو على الصمود أمام صفعات الزمن من برد، ومطر، وشمس حارقة؛ تجاعيد وجهه لم تُفلح في إخفاء جذوة تحدٍ كانت كفيلة بأن يظل واقفاً أمام عناد الأيام، وهول الحياة، وتحديداً أمام عقوق أبنائه. في كل فصل كان يشمر عن ساعده، رغم كبر سنه، فيبدأ في ترميم ما تصدع من بقايا بيت لا يملك غيره، كان يحدوه أمل كبير ألا يتداعى عليه هذا البيت مادام حياً، أما أولاده الذين جحدوه فكان على يقين بأن الايام كفيلة بهم ، و هذا الزمن اللعين نفسه الذي كسر ظهره، وترك أثره، يدعو مع ذلك أن يصفو لأولاده رغم كل شيء.. رغم كل شيء.. زوجه تركته لبيته وحيداً، وماتت فجأة، وآخر ما قالت له قبل أن تنام دون أن تصحو أبداً هو: "لا تكترث، لا شيء يستحق في هذه الحياة، صُن نفسك، وعش أيامك". بعد موتها ظل يهيم في زوايا البيت وحيداً، كل زاوية تذكره بولدٍ من أولاده أيام الصفاء، الآن في هذه الأزمنة صار إنساً منسياً، غابت أخبارُهم ، ولم يعد يعرف عنهم شيئاً بعد أن غادروا البيت دون إذن، ولا وداع، حتى جنازة الأم لم يحضرها أحد منهم. ابنته فاطمة كانت استثناء بين أولاده، حظها العاثر مع زوجها أعاد صياغتها، وبشكل غريب، وجعلها ترق لحال أبيها؛ قبل زواجها، ورغم أنها الأنثى الوحيدة بين ثلاثة ذكور، كانت أكثر خشونة من إخوانها جميعاً، زوجها السكير روضها؛ منذ أن زُفت إليه، لم تشبع الطعام قط وهي معه، مدة عشر سنوات كاملة قضتها في سريره، ولم تنفع خشونتها معه كما كانت تفعل مع أبيها، شيء ما كسرها، وصارت مهيضة الجناح، ابتليت بزوج لم يكن يجيد غير النوم، والسكر، مع جولات من فن الملاكمة يلعب فيها دور بطل فائزٍ دائماً، كان جسمها ينال نصيباً وافراً من لكماته، ضرب عشواء تنهال عليها فوق وتحت، بسببها كانت مناطق حساسة من جسدها مدعاة للرثاء، وهي نفس المناطق المتورمة التي كان يتحسسها بلذة شبقية كل ليل حين يضاجعها. منذ عادت لم تنادِ أباها إلاّ بـِ " بِّي"( بكسر الحرف الأول ) بدل "بَّا"( بالفتح)، وما درت يوماً لماذا كان الكسر يلازمها، أبوها الذي لم يتعود منها ذلك، لم يكلف نفسه سؤالها، لكن غيره من أترابها، وأقاربها لفتوا انتباهها لهذا الكسر، وكانت ترد عليهم بالقول: - أنا مجرد كسرة في هذا الوجود، أيامي مكسورة، فدعوني لكسوري. ومنذ عودتها كانت تنام كثيراً، وتأكل كثيراً، ولكنها أيضاً كانت ترثي لحال أبيها كثيراً كلما حدثها عن إخوانها، وما أبكاهما يوماً معاً هو كيف يتزوج أصغر أولاده دون أن يسأل عن أبيه، أو أخته، ولولا همس الغرباء لما عرفوا بخبر العرس. قال لها متحسراً: "أيامي تعاندني ، وتحاربني بأولادي". يتذكر ، في زمنه وأيامه، كيف كان يحب أباه، وكيف كان يقبل يديْه كل صباح، ومنذ أن صار بالغاً لم يعدم يوماً وسيلة في إرضائه ، ويوم مرض، وصار مُقعداً، سهر على راحته، حتى الحفاظات لم يكن يدع أمه تتكفل بها، هو من كان يتولى بها، حتى حمامه يتولاه بنفسه، الاقتراب من أبيه لتلبية طلباته ممنوع مادام موجوداً. نال رضا والديْه، وما حير الشيخَ أحمد الآن هو كيف لم تطله دعوات أبيه، أوأمه، كيف لم تنزل البركات عليه، وهو الذي تفانى في خدمتهما، لماذا خذله أولادُه إلى هذا الحد المعيب وأين قولهم كما تدين تدان، وأية أيام هذه التي بات يعيشها؟ الأب وفاطمة الآن وجهان يبكيان.. وحدهما يواجهان صروف الحياة، وكونهما معاً تلك نعمة أخرى، ولا شيء الآن غير فضاء البيت، وكله صورة تذكره ببعض ما فلت من أيام عنيدة، عنيدة بشكل غريب . يُقَسم الشيخ الزبير يومه بين المسجد، وبين رعاية شجرة سماها "أيامي"، يظل يسقيها، وحين يتعب يأوي إلى ركن ظليل، ثم يبدأ في سرد حكايته لها؛ أما بالليل فيمارس طقساً آخر، لا يقضي أول ليله إلا رفقة شمعة، يضرب عن الكهرباء، وتستهويه الشموع، فكم يحس بنفسه حين ينتصب أمامها يتأمل نسيس نارها تأكل الشمع كما يأكل الزمن ما تبقى من خريف عمره، أما ربيع هذا العمر فهو اكتشاف متأخر، لذلك لم يحس به كما يجب حين كان أولاده من حوله؛ أفكار كثيرة كانت تتراقص أمام عينين محملقتين، جاحظتين، يبدو أمام شمعته، وهو النحيل مثل غاندي تماماً. فاطمة ابنته لم تستطع أن تنسى حاله في ليلة من لياليه مع الشمع، تلك كانت ليلة فريدة، جلس فيها الأب أمام شمعته، وسبحة في يده، وحين أشعلت الكهرباء، صرخ فيها بصلابة قائلا: "بهذا الكهرباء أقصيتم ليلي.." لم تكن تعرف من يقصد بعلامة الجمع في (أقصيتم)، ولكن حين كانت ترمقه وهو يحني رأسه، ويقترب من الشمعة، قالت له:" احذر النار" قال لها: "بل النار هم أولادي." أضاف بحرقة " كسروني" بعد ذلك واصل طقسه مع شمعته، وبدا أمامها كولي صالح، يتأملها، ويواصل تمرير حبات سبحته في يده، ثم فجأة نظر إلى فاطمة، ترك نار الشمعة تأكل بعضاً من لحيته أمام استغراب ابنته، وقال لها ضاحكا بشكل مريب: "لولا الأولاد لما أصبح للدنيا طعم، ولولا الشموع، بالنسبة لمن يعدمهم، لتفحمت القلوب التي الصدور"...
آخر تعديل ميمون حرش يوم 13-11-2025 في 07:19 PM.
|
|||||
|
|
|
رقم المشاركة : 2 | |||||
|
وأنا أتأمل هذه القصة البديعة التي كتبت بلغة وصفية تأملية ، فجأة انسحبت خيوط تركيزي من كل زواياها وتجمعت وانجذبت نحو جزئية الشمعة التي لخصت كل الحكايا
|
|||||
|
|
|
رقم المشاركة : 3 | |||||
|
فقط لي سؤال :
|
|||||
|
|
|
رقم المشاركة : 4 | |||
|
الأستاذ/ ميمون حرش المحترم ،، |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 5 | |||||
|
قرأت تعليقك بروية،و تمعن، وباندهاش، وإعجاب،
|
|||||
|
|
|
رقم المشاركة : 6 | |||||
|
الأستاذ والمبدع والناقد أحمد فؤاد صوفي، مرحباً بك صديقي،
|
|||||
|
![]() |
|
|