[align=center][frame="2 85"]

📜
لم تكن في النص...
لكنني سمعت خطاها حين استيقظ الندى على الورقة،
كما لو أن حرفا نسي أن يكتبها،
فراح يعيد ترتيب الجملة بصمت يليق بها.
لم تكن في البيت...
لكن ظلها ظل أغنية قديمة،
يطوف أركان الصمت،
يفتح النوافذ بحذر،
كالذين لا يريدون إيقاظ الذاكرة.
كل طاولة هنا تهمس بوجه لم يأت قط،
كل باب يغلق نفسه خوفا من أن تنساق مع الهواء.
لم تكن في الطريق...
لكن رائحة المطر بدأت تتعلم طريقها إلى القلوب،
تعلمها كيف تبكي على الفرح بصوت منخفض،
"تخبئ الكلمات أنفاسها تحت الورود، كي أستنشقها عبيرا جديدا."
لم تكن في الطريق،
فانحنى الطريق قليلا كما لو أنه يخشى التضييق عليها.
لم تكن في قلبي...
لكن نبضاتي تشهد بأنها كانت هي التي تخفق،
تخترق الجدران القديمة كضوء مستعجل،
تهرب من تعريف الأمكنة، لا تسمح لي بأن أضعها في قائمة الأشياء المعروفة.
لم تكن في قلبي،
مع ذلك تزرع فيه موسما كاملا من الشتاء تحصده في الربيع.
لم تكن في ذاكرتي...
لكن الصوت الذي يشبهها حين يمر في الردهات يعيد ترتيب الزوايا.
تجلس في ركن بعيد من أمسي،
تشاهدني وأنا أعيد قراءة صفحات خشيت أن تمزق.
لم تكن في ذاكرتي،
فما يزال اسمها يطفو عندما يطفئ الزمن مصباحه الأخير.
لم تكن في عيني...
لكن الضوء الذي تعرفه عيني قد تعلم كيف يرضع من البطء.
كل شيء حولي يتعلم أن ينتظرها،
كأن الكون قد وعد نفسه أن يبقي لها مقعدا بين النجوم.
لم تكن في عيني،
مع ذلك تعكس البندقيات الصغيرة في زواياها صورة وجه غائب.
لم تكن في الكتابة...
لكن القلم يعتمر حزنها كغطاء دافئ،
يداري ثقل الجملة كلما تذكر ضحكتها القصيرة.
كل سطر هنا يبكي على حرف لم يدر ما إذا كان سيولد أم سيموت قبل أن ينطق.
لم تكن في الكتابة،
مع ذلك تملأ الفراغ بين السطور كأوراق شجر تزهر ليلا.
أحيانا أظن أنها حقا لم تأتِ،
فأتكلم في الصباح مع الكوب الفارغ وأخبره عن طيف.
يضحك الكوب بصوت معدني خافت،
يرد الماء بكلمة لا ندري من قائلها.
لم تكن هنا،
لكن الناس تعيد تمثيل حضورها كلما رمينا نظرة إلى زاوية مهجورة.
أحيانا أراها في مرآة لم تكشف بعد،
تتأنى في العبور كما لو أنها تخشى أن ترهق الأشياء بوجودها.
تلمس حافة يومي برفق، تهدي للغد مفتاحا لا أعرف طريقه.
لم تكن هنا، مع ذلك تبقي على باب مفتوح في صدري لأجلها.
ليست غائبة للغياب وحده،
إنما هي غائبة بفن خاص: تغيب لتعلم ظلها كيف أفتقده.
تختفي لتعلم الكلمات كيف تبكي،
لتعلم الصمت كيف يهذي
وتعلم الأماكن كيف تصاب بالعطش لخطوات لم تمر بعد.
لو سألتموني عنها،
سأشير إلى صمت في زاوية الورقة،
سأريكم حرفا تأتأ قبل الولادة،
سأهمس بأنها كانت ضاحكة كقلب مكسور،
أنها لم تكن هنا،
"لكنها كانت سببا كافيا لكي يصير كل شيء آخر ذا معنى."
مخرج
غيابكِ يعلم القمر أن يطفئ نفسه خجلا.
اسمكِ يكتب على الماء، فتصبح الأمواج صفحات تقرأها الريح.
حين تغيبين، تتذكر الأشياء كيف تحب بصمت طويل.
غيابكِ باب يفتح على غرفة كلها أشجار لا تثمر إلا شوقا.
أحببتكِ كما يحب الليل الضوء: بإيمان لا ينتظر جوابا.
دعاء صغير
أن تدرج بين السطور كطيف مرهف، تعيد ترتيب الحروف وتعلمنا كيف نشتاق بأمان.
══════════ ✦ ══════════
« "لم تكن هنا،
لكنها كانت البدايةَ التي جعلتْ لكلِّ نهايةٍ طعمًا" »
✒️الهاشمي محمد
16 / 11 / 2025
══════════ ✦ ══════════
[/frame][/align]