[justify]دهشة الهدف الموجوع: قراءة نقدية في: "هدف... هدف!" لعبد الرحيم الجزائري
كيف يمكن لكلمة واحدة مثل "هدف" أن تحمل الفرح والخيبة في آن واحد؟ وما الذي يجعل مباراة كرة القدم، لحظة لهو وتسلية، تتحوّل في نص قصير جدًا إلى صرخة مكتومة ضد الجوع؟ وهل تكفي ومضة أدبية لتذكيرنا بأن الواقع أقسى من أي فرحة عابرة؟
عائلة تتابع مباراة كرة قدم. أحدهم يغيّر القناة وسط حماسة المتابعين، فيصرخ الأطفال الجوعى، ثم فجأة يسود الصمت في الغرفة حين يدوّي من بعيد صوت الحشود: "هدف... هدف!". المفارقة أن ما أسكت صراخ الجوع لم يكن الطعام، بل ضجيج الفرجة الكروية.
القاص عبد الرحيم الجزائري يكتب بلغة مقتضبة وبنية مكثفة، وهو هنا يفضح التناقض بين انشغال الناس باللهو وانغماسهم في الفرجة من جهة، وبين المآسي الإنسانية التي تجري حولهم في صمت من جهة أخرى. تجربته تنتمي إلى تيار الومضة العربية الذي يشتغل على المفارقة والدهشة، متجاوبة مع الأدب العالمي الذي يرى في القصر والتكثيف وسيلة لمباغتة القارئ وإجباره على إعادة التفكير.
العنوان "هدف... هدف!" يبدو في البداية رياضيًا مألوفًا، لكنه في الحقيقة عتبة سيميائية. التكرار وعلامات التعجب يوجهان التلقي نحو الإثارة، لكن النص ينقلب فجأة ليفضح المفارقة: الهدف الكروي يقابل صمت الجوع، لا فرح الشبع. من حيث السرد، يتبع النص خطية مباشرة: بداية بمشهد المشاهدة، انتقال إلى صراخ الأطفال، ثم قفلة الصمت المدوّي.
الزمن هنا سريع ومباغت، يحقق ما وصفه جنيت باستراتيجية الزمن السردي: لحظة قصيرة تختزل توترًا إنسانيًا عميقًا. أما المكان فهو مزدوج: غرفة داخلية يسيطر عليها الجوع، وملعب بعيد يعج بالهتاف. هذا التضاد حيث يتقاطع فضاء البؤس مع فضاء الاحتفال الجماهيري في لحظة واحدة. الشخصيات قليلة ومكثفة: الأطفال الذين يمثلون البراءة والحرمان، مقابل جمهور المباراة البعيد الذي لا نراه لكن صوته يملأ المشهد.
الأطفال ليسوا مجرد شخصيات، بل رموز لملايين المهمّشين، فيما الجمهور يمثل جماعة غارقة في الوهم الجماعي. القفلة تشكل المفارقة الكبرى. القفلة المفاجئة تعيد النص كله إلى البداية بمنظور جديد. الصمت الذي يخيّم بعد صراخ الأطفال لا يعني السكينة، بل يفضح قسوة المفارقة: الجوع غُطّي بالضجيج، لا بالخبز.
النص يقوم على الإيحاء والانفتاح الدلالي. كما تقول ملص، الإيحاء ليس فقرًا بل غنى تأويليًا. هنا تُترك الفجوات عمداً: هل صمت الأطفال يعني موتهم؟ استسلامهم؟ أم انبهارهم بالصوت؟ النص المفتوح يستدعي مشاركة القارئ في إنتاج المعنى، وهذا ما يحدث هنا. القارئ إذن شريك أساسي. النصوص تترك فجوات للقارئ ليملأها، والنص هنا ينجح في استدعاء هذه المشاركة. النص الأدبي يعيش عبر خرق أفق التوقع، وقد خُرق التوقع فعلًا: من انتظار المتعة الرياضية إلى مواجهة مأساة إنسانية.
اجتماعيًا، القصة تفضح مجتمعًا يقدّم الرياضة على المأساة الإنسانية. نفسيًا، تكشف عن آلية الهروب إلى الوهم الجماعي لتغطية الألم الفردي. فلسفيًا، تطرح سؤالًا جوهريًا عن القيم: ما الذي يستحق أن يُسمع أعلى، فرحة هدف في مباراة عابرة أم أنين طفل جائع؟ النص يتناص مع المخيال الكروي العالمي الذي يُسوّق المباراة كحلم جامع، لكنه يقلب هذا المخيال إلى سخرية سوداء. كل نص امتصاص وتحويل لنصوص أخرى، وهنا يتحول "الهدف" من رمز للانتصار إلى رمز للتغاضي والخيانة.
قصة عبد الرحيم الجزائري تتقاطع مع نصوص عربية كثيرة في جنس القصة الومضة، على المفارقة الساخرة كأداة لفضح الواقع الاجتماعي. فكما يختصر المتقي في نصوصه مأساة الاغتراب أو الفقر في جملة واحدة، يختزل الجزائري هنا المأساة الإنسانية للجوع في مشهد تلفزيوني عابر. وعالميًا، يعتمد على الإيجاز الحاد والمفارقة، ويتركان القارئ أمام أسئلة أكبر من حجم الجملة.
كذلك تتجاوب "هدف... هدف!" مع نصوص تحوّل مواقف يومية عابرة إلى لحظات وعي إنساني جارح. بهذا تصبح القصة جزءًا من تراث عالمي حيث الهدف ليس فقط الحكاية، بل خلق صدمة معرفية أو وجدانية تجعل القارئ يقرأ نفسه والعالم من جديد.
"هدف... هدف!" ليست مجرد ومضة عابرة، بل نص يتجاوز حجمه القصير ليترك أثرًا عميقًا. قوته في الصدمة التي يثيرها، وفي الأسئلة التي لا يقدّم لها إجابة سهلة. فهل نحتفي فعلًا بالأهداف أكثر مما نصغي إلى صرخات الجوعى؟ وهل الصمت الذي عمّ الغرفة كان لحظة انبهار عابرة، أم علامة على موت صامت؟ وأي أهداف تهمّنا في النهاية: تلك التي تدخل المرمى، أم تلك التي تُسكت صرخات البشر؟[/justify]