كمال الصليبي
بيت بمنازل كثيرة
الكيان اللبناني بين التصوّر والواقع
ترجمة عفيف الرزاز
الطبعة الرابعة 2007
نوفل
.
.
قراءة متأنية ..
منذ العام 1975 , برز لبنان في العالم مضرب مثل للفوضى والعنف .
وهو البلد الذي يتباهى شعبه بأنه أكثر العرب رقيّا وتقدما .
والواقع إن هناك الكثيرين من العرب , وغير العرب , يقرّون للشعب اللبناني ما يدّعيه لنفسه من تفوّق .
ومع ذلك , فقد دخل المسيحيون والمسلمون من أبناء لبنان , منذ ثلاثة عشر سنة ونيف (1975_1989) في دوّامة من النزاع المسلح فتك كل طرف منه بالطرف الآخر بوحشية قلّ مثيلها , ناهيك عن العنف المتكرّر الذي حصل حتى بين الطوائف والأطراف السياسية المختلفة داخل كل جانب , وكانت الحصيلة الدمار العام والانزلاق المتزايد نحو التعاسة والفقر .
وقد يقال بحق أن لبنان اليوم لم يعد بلدا إلا بالاسم . ومن الغريب , مع ذلك , أن مسلمي لبنان ومسيحييه لم يظهروا في السابق ما يظهرونه اليوم من وعي عميق لهويتهم الوطنية المشتركة , وان كان ذلك بقدر من الاختلاف في تعريف مقوّمات هذه الهوية .
والواقع أن الأمر لم يكن كذلك في العام 1920 عندما تأسس لبنان للمرة الأولى على شكل دولة تحت الانتداب الفرنسي , إذ بالغ المسيحيون في التحمس في قبوله , وبالغ المسلمون في رفضه .
ولم يحصل الإجماع حقا على الهوية اللبنانية بين الفريقين العام 1943 عندما حصلت الجمهورية اللبنانية على استقلالها على أساس تصوّر نظري لوحدة وطنية بين مختلف الطوائف .
وفي العام 1958 , تشاجر المسلمون والمسيحيون وتقاتلوا فيما بينهم لمدة ستة أشهر حول مسألة الوحدة العربية بزعامة الرئيس المصري جمال عبد الناصر .
واستمر الصدع العميق بين المسلمين والمسيحيين لسنوات تلت إذ كان المسيحيون يعرفوّن بأنفسهم من خلال الخصوصية اللبنانية , فينكر المسلمون ذلك عليهم من خلال تمسكهم الشديد بالعروبة .
وتفجر الصراع مرة أخرى حول موضوع آخر بالغ الخطورة , وهو القبول أو رفض القبول بحق الثورة الفلسطينية بحرّية العمل في لبنان , وانطلاقا من لبنان , كدولة داخل الدولة .
وهذا النزاع الأخير , الذي اختلط بجملة من الموضوعات الأخرى الشائكة , ومعظمها داخلي , هو ما أدى في النهاية إلى اندلاع الحرب الأهلية في البلاد , وهي الحرب التي ما زالت مستمرة حتى اليوم دون حلّ .
يتوجه هذا الكتاب إلى معالجة مظهر خاص من مظاهر المشكلة اللبنانية على الخلفية التي تشكلها هذه المسألة , ابتداء من ظهور لبنان كدولة لأول مرّة في العام 1920 .
كان المسيحيون والمسلمون آنذاك على اختلاف أساسي حول تاريخية هذا البلد التي يؤكدها المسيحيون بشكل عام وينكرها المسلمون .
كان هناك إصرار في الجانب الإسلامي على أن لبنان , مهما يكن له من تاريخ يدعيه لنفسه , فانه لن يعدو في الواقع كونه جزءا من تاريخ عربي أوسع .
وفي الواقع أن فكرة الماهية التي تشكل التاريخ العربي تبقى مشوشة في الأذهان بسبب التشابك التاريخي الأساسي بين العروبة والإسلام .
وتضم فصول هذا الكتاب تقويما نقديا للنظريات المسيحية والإسلامية حول تاريخ لبنان .
وهي النظريات المتعارضة والمتعاكسة التي تكمن وراء النزاع السياسي الراهن في البلاد .
وقبل أن يتفق اللبنانيون على طبيعة تاريخهم سيكون من الصعب جدا عليهم أن يتابعوا ويلاحقوا قضية المشكلات القائمة التي ما زالت تتحدّى جميع محاولات الحلّ حتى اليوم .
وباختصار , فان الكتاب الحالي ليس رواية عادية لتاريخ لبنان , بل هو عبارة عن دراسة نقدية للرؤى المختلفة لهذا التاريخ .
في 23 أيار (مايو) 1926 , تلقت دولة لبنان الكبير دستورا حوّلها إلى "الجمهورية اللبنانية" . وهكذا برزت الجمهوريتان الشقيقتان , اللبنانية والسورية , إلى الوجود تحت الانتداب الفرنسي الواحد , لهما عملة واحدة وخدمات جمركية واحدة , ولكل دولة علمها الخاص , وإدارتها المحلّية الخاصة , وان كان ذلك تحت إشراف المفوّض السامي الفرنسي ذاته الذي كان مقامه الدائم في بيروت .
ولم تمض سنوات قليلة حتى أصبح لكل من الدولتين الشقيقتين نشيدها الوطني المختلف .
لكن البيروقراطيات الإدارية والأعلام والأناشيد الوطنية لا تكفي وحدها لتحويل الأراضي والشعوب التي تعيش فيها إلى أوطان وأمم بالمعنى الكامل .
فماذا عن مسألة الهوية القومية ؟
لم تكن عند الموارنة ولا عند غيرهم من المسيحيين المتفقين معهم في الرأي شكوك حول هذه المسألة .
أما اللبنانيون , فيبقون لبنانيين مهما اختلف الرأي حول طبيعة هويتهم كشعب في الخارج , لا تجمع بينهم وبين العرب إلا وحدة اللغة , وذلك من باب المصادفة التاريخية .
والخلاصة هي أن الفرنسيين في سورية اوجدوا الدولة في البلاد لكنهم أخفقوا في خلق هوية قومية خاصة تلائمها . والأمر نفسه ينطبق بطريقة ما على لبنان , حيث كان مفهوم الهوية القومية اللبنانية , خلافا للنشيد الوطني , لا يحمل معنى إلا لفئة من أهل البلد , دون الآخرين .
ولم يكن الأمر مختلفا في البلدان الأخرى التي خلقها البريطانيون في الأراضي العربية الخاضعة لانتدابهم .
في العالم العربي الجديد الخارج من خرائب الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى كانت العروبة فكرة تتمتع بشعبية واسعة. لكنها لم تكن في ذلك الوقت أكثر من مفهوم شعري لم تعالج مضامينه الكاملة بعد بما يلزم من العناية .
ولكن الاستعمارين الفرنسي والبريطاني رغبا في أن تسير الأمور بشكل مختلف. ولمنع العرب , في اللحظة المؤاتيه , من تحقيق قوميتهم من خلال الوحدة السياسية , لجأ المستعمرون إلى تقسيم الأراضي القومية العربية إلى بلدان مختلفة دون اعتبار لرغبات الشعب , ناهيك عن الطبيعة والتاريخ .
وفي حالتين خاصتين ذهب المستعمرون إلى ابعد منذ ذلك . ففي لبنان , وجد الفرنسيون في صفوف الموارنة فريقا من العرب متنكرا لعروبته ومستعدا لمؤازرة المستعمرين في انجاز مراميهم , فجعل لهؤلاء دولة لبنانية خاصة بهم , لا تتمتع بمسوغ أساسي لوجودها , مكافأة لهم على خيانته .
وفي فلسطين , ألزم البريطانيون أنفسهم بتشجيع الاستيطان اليهودي الأجنبي في سبيل تحويل هذا الجزء الذي لا يتجزأ من الوطن القومي العربي إلى وطن لليهود .
في المنظور القومي العربي , لم يكن ما حدث مقبولا في أي مستوى كان .
وليس هناك من شك في قدم العرب كشعب تاريخي في المنطقة تجمعه وحدة اللغة والخلق الاجتماعي .
وباختصار , كان للعروبة , بلا شك , ايجابيات كثيرة كفكرة قومية صالحة , لكن معظم العرب الذين تبنوها كانوا من جماعات عشائرية أو شبه عشائرية من أنواع مختلفة , وكذلك من أديان مختلفة وطوائف مختلفة , لم يتطوروا تطورا اجتماعيا منسجما , وما زالوا _بالتالي_ بعيدين عن التوصل إلى مواصفات الأمة بالمعنى الصحيح . وفي هذا تكمن المشكلة .
( أضف أن القادة السياسيين الداعين إلى القومية العربية كانوا غير معدين لمواجهة هذه المشكلة , وغير متأكدين من الأهداف الدقيقة لحركتهم , وكانوا _وفي الوقت نفسه_ يعلنون الإصرار على تحقيق هذه الأهداف في ظل ظروف تميّزت بصعوبات دولية جدّية , وهذا اقل ما يقال فيها ).
وكانت النتيجة أن القومية العربية أصيبت بالخيبة تلو الخيبة .
ولم يبق لقادتها في النهاية إلا دور حَكَم الفصل في لعبة خصوصيات قبلية وطائفية وإقليمية لا نهاية لها , يصدرون أحكاما ايجابية في صالح أي طرف يلعب اللعبة حسب قواعدهم التي كانت تقوم في الدرجة الأولى على النفاق حيال العروبة وأحكاما سلبية ضد أي طرف لا يفعل ذلك .
لو كان مفهوم الهوية الوطنية اللبنانية كما قدمه الموارنة مفهوما وطنيا صحيحا , موضوعا بشكل عقلاني وواقعي ضمن إطار الاعتراف بعروبة البلد أساسا , لكان هناك مجال لنجاحه قواما لدولة لبنانية مقبولة لدى جميع اللبنانيين .
ففي لبنان الكبير لم يكن الموارنة , ومعهم بقية المسيحيين , الوحيدين الذين كان باستطاعتهم أن يروا ويكشفوا الطبيعة الحقيقية للقومية العربية في تطبيقها العلمي .
فالواقع أن الشيعة والدروز لم يكونوا أكثر رغبة من المسيحيين في الخضوع باسم العروبة لسيطرة طبقة سنّية حاكمة سواء في لبنان أو في غير لبنان .
وهكذا بدأت اللعبة الكبيرة على الساحة اللبنانية , وهي لعبة تشمل تواليا من التعاملات المراوغة بين لاعبين يزعم جميعهم التمسّك بأفكار ومبادئ قومية أو وطنية تهدف إلى خدمة الصالح العام , فيما يسعى كل منهم إلى الاحتيال على الآخر والإطاحة به مدفوعا إلى ذلك بولاءات وضغائن وأحقاد بدائية خبيثة تعود في أصولها إلى غابر الزمن .
( ولم تكن الأفكار والمبادئ في هذه اللعبة ألا أقنعة تستتر وراءها هذه الدوافع الغريزية ( .
وقبل مضي زمن طويل صارت لهذه اللعبة قواعد ثابتة , أوصلتها في الواقع إلى نص تمثيلي , فيه ادوار مخصّصة لمختلف اللاعبين .
في ما عدا ذلك , بقيت اللعبة على درجة عالية من التسامح في المستوى الديني .
والحقيقة أن الجماعات المعنية بها كانت , في الأساس , عشائر , وان اتخذت رسميا شكل الطوائف . أو على الأقل تصرفت كعشائر .
(وكان للعبة التي جرت فيما بينها أن تكون , إذا , لعبة عشائرية).
لقد كانت اللعبة , في المستوى المكشوف , تنافسا بين مفاهيم قومية مختلفة للبلد . أما في المستوى الحقيقي المستور , فقد كانت العصبيات القبلية في أساس اللعبة .
ولو قُدّر لهذه اللعبة أن تستمر بين اللبنانيين وحدهم , لما تعدّت أخطارها أخطار السياسات اليومية العادية , ولبقي باستطاعة الدولة أن تسيطر عليها بطريقة ما .
ولكن الخطر كان في خروج اللعبة من نطاق السيطرة عليها .
فمنذ البداية كان باستطاعة اللاعبين من خارج لبنان أن يتدخلوا بسهولة في اللعبة إذا ما أرادوا إفساد مسارها الطبيعي .
وغالبا ما حصل ذلك بدعوة للتدخل من هذا الفريق الداخلي أو ذاك .
يكاد يكون عمر الموارنة في بلاد الشام أن يكون مساويا لعمر الإسلام تقريبا .
وما زالت الذاكرة الشعبية في بعض مناطق جبل لبنان تستعيد أصولا للطائفة تعود إلى جنوب شبه جزيرة العرب . ويلاحظ بالمناسبة أن الشيعة في جبل عامل , وكذلك الدروز في الشوف ووادي التيم , يقولون بأنهم كانوا هم أيضا في الأصل من قبائل عرب اليمن .
كان هنري لامنس (توفي عام 1937) أبا يسوعيا من أصل فلمنكي , أستاذا للدراسات الشرقية في جامعة القديس يوسف اليسوعية التي تأسست في بيروت في العام 1875 .
وفي العام 1920 كان لامنس يعمل على وضع كتاب هو عبارة عن مسح عام لتاريخ "سورية" . وتم طبع الكتاب في العام 1921 في جزءين تحت عنوان "سورية: موجز تاريخي".
وهو من مطبوعات المطبعة الكاثوليكية في بيروت .
وكان لامنس قد بدأ بكتابة تاريخ سورية هذا بعد فترة وجيزة من نهاية الحرب العالمية الأولى . ومن الواضح انه فعل ذلك لهدف سياسي , وربما بإيحاء من السلطات الفرنسية في بيروت , وهي التي كانت تنظر باحترام كبير إلى عمله . وكانت أعمال لامنس السابقة تتركز أساسا على موضوع الإسلام وتاريخه المبكر . وقد كانت لهذا الأب اليسوعي نظرة إلى الإسلام غاية في السلبية .
وكانت القومية العربية آنذاك قد بدأت تنتشر في بلاد الشام على نطاق واسع , وخصوصا بين المسلمين .
وكان لامنس يرى أن هذه القومية , في أساسها , ليست أكثر من توضيب جديد للعصبية السياسية الإسلامية .
وكانت بريطانيا قد تبنت القضية القومية العربية في الشام , خلال سنوات الحرب , ودعمت ثورة الشريف حسين العربية في الحجاز , وسمحت لابنه فيصل بدخول دمشق في العام 1918 وإقامة حكومته العربية هناك .
وضمنت فرنسا أخيرا , في العام 1920 , انتدابها على بعض أراضي "المشرق" فأخرجت فيصل من دمشق , وأعلنت خلق "دولة لبنان الكبير" كخطوة أولى باتجاه إعادة التنظيم السياسي للأراضي الموضوعة تحت انتدابها .
ولكن القومية العربية بقيت تشكل قوة لا يستهان بها ولا بد من أخذها في الحساب , يدعمها البريطانيون سرا ضد الانكليز , وتتلقى دعما مكشوفا من الأمريكيين الذين كانت لهم قاعدة ثقافية وطيدة في المنطقة ممثلة بـ "الكلية الإنجيلية السورية" التي أسست في العام 1866 , ثم غُيّر اسمها لتصبح "الجامعة الأمريكية في بيروت".
وفي هذه الأثناء حافظ تشارلز كرين , وهو رجل الأعمال صاحب الارتباطات الوثيقة مع المصالح النفطية الأمريكية , وأحد رئيسي بعثة كينغ_كرين , على الاتصالات التي أقامها مع العرب القوميين في البلاد العام 1919 , واستمر في تقديم التشجيع المعنوي لهم .
ولقبه أصدقاؤه العرب بهارون الرشيد , نسبة إلى أشهر الخلفاء العباسيين .
وفي العام 1938 أُهدي إلى تشارلز كرين هذا أول مؤلف تاريخي كتب للحركة القومية العربية , وكان المؤلف بعنوان "اليقظة العربية" , واسم مؤلفه جورج أنطونيوس , وهو عربي مسيحي من فلسطين ومن أصل لبناني .
وإذ أُحرج الفرنسيون بالدعم البريطاني للقومية العربية أولا , ثم بالتبني الأمريكي لها , فإنهم باتوا يشعرون بضرورة إيجاد فكرة أخرى تكون قوية بما يكفي لطرحها في مواجهة فكرة العروبة .
وظهر كتاب هنري لامنس عن "تاريخ سورية" في الوقت المناسب لإيجاد مثل هذه الفكرة , إذ قال لامنس في كتابه هذا أن السوريين كشعب لهم وجود تاريخي يسبق بكثير وصول العرب إلى بلادهم , وان لديهم كامل الإمكانية للتطور والتحوّل إلى أمة قائمة بذاتها .
ومستقلّة تمام الاستقلال عن محيطها العربي .
أصاب لامنس في أطروحته هذه حول تاريخ سورية , بما فيها "الملجأ اللبناني" , هدفين بسهم واحد .
فقد وصف سورية بكونها بلدا طبيعيا ينتظر الفرصة لكي يصبح أمة , فيما أعطى للبنان موقعا تاريخيا خاصا داخل سورية كملاذ جبلي تقليدي للمضطهدين .
كان الأب لامنس يوفّر مسوّغا تاريخيا لظهور حركة قومية علمانية متعددة الأديان ومستقلة عن العروبة في سورية الجغرافية .
وأصبح كتابه "تاريخ سورية" مرجعا للقوميين السوريين حيثما وجدوا , وكذلك للمسيحيين من دعاة اللبنانية في لبنان . وكذلك كان الأمر أيضا بالنسبة إلى المفوضية الفرنسية السامية في بيروت , فقد أوجد الكتاب غطاء فكريا مثاليا لسياساتها .
(لكن التصور التاريخي لما اعتبره لامنس الهوية القومية المميزة للشعب السوري جاء متناقضا مع حقائق أساسية).
فقد كان يصعب على أيّ كان الادعاء بان أهل سورية , مهما يكن أمرهم في قديم الزمان , لم يكونوا عربا تماما بلغتهم وحضارتهم التقليدية في العصور الوسطى والأزمنة الحديثة ...
وبالإضافة إلى هذا فالقول بأن السوريين استعربوا بعد فتح العرب المسلمين لبلادهم لم يكن صحيحا على الإطلاق , لان وجود العرب في بلاد الشام _أي ما يسمى الآن بسورية الجغرافية_ جاء سابقا للإسلام بزمن طويل , إذ كان معظم عرب الشام على المسيحية .
واليوم يكاد من في لبنان يقبلون جميعا نظرية لامنس القائلة بان تاريخ لبنان في الأزمنة الإسلامية هو تاريخ ملجأ جبلي للجماعات التي اضطهدت في محيطه . وفي هذه النظرية القليل مما هو صحيح , ولكن فيها الكثير أيضا مما هو غير صحيح .
فالواقع أن أجداد الجسم الرئيسي لسكان لبنان وجواره المباشر لم يصلوا إلى لبنان هاربين من الملاحقة في البلاد المجاورة في أيام الحكم الإسلامي , بل كانوا قد وطدوا وجودهم محليا كقبائل وعشائر عربية مختلفة منذ ما قبل الإسلام .
ففي القرن التاسع عشر وجد شيء يمكن أن نسميه لبنان . وقد كانت للبنان هذا صفات ملازمة تجعل منه ظاهرة اجتماعية , لا سياسية , فريدة في الشام وفي العالم العربي التي وصل إليها التأثير الحضاري للغرب لا بشكل مفاجئ ولا بالحيلة أو العنف , بل عبر خطوات بطيئة وتدريجية , وبشكل مسالم .
وكان مثل هذا التأثير الغربي قد وصل إلى أنحاء أخرى من العالم العربي في الوقت نفسه بواسطة البوارج الحربية وجيوش الاحتلال , ومن خلال الاستدراج الاقتصادي عن طريق المعاملات المالية الخبيثة التي مهّدت الطريق للتدخل العسكري , كما حدث مثلا في مصر .
وبقي لبنان وحده البلد العربي الذي وصل إليه تأثير العالم الحديث بشكل دمث ومقبول , ومرحلة بعد أخرى . وغالبا ما وصل بناء على دعوة محلية . وجاء التكيف معه بالتالي تدريجيا , وبقدر مماثل من الدماثة .
وفي العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر كان مجتمع جبل لبنان , المرتبط ارتباطا وثيقا ببيروت , قد أخذ يتطور عبر قفزات سريعة , بالمقارنة مع محيطه العربي المباشر والأوسع .
(ولكن السياسة في جبل لبنان بقيت عشائرية في الأساس).
وعندما اتسع جبل لبنان بعد الحرب العالمية الأولى ليصبح لبنان الكبير , دخل حلبة السياسية اللبنانية مزيد من العشائر الملوحة بالرايات الطائفية .
وجاءت هذه العشائر من مناطق لم تشارك قبلا في التجربة الاجتماعية التاريخية الغنية لجبل لبنان وبيروت , فلم يكن لها أن تستوعب نتائج هذه التجربة , والأسس التي قامت عليها , بالقدر الكافي من السهولة .
وتبقى العشائرية آخر الأمر , ومهما كان الستار أو القناع الذي تختبئ وراءه , أساسا ضعيفا لبناء مجتمع حديث قابل للديمومة .
ولم يكن لبنان في الواقع , كما لم يكن جبل لبنان قبله , أكثر من تمثال من النحاس المذهب اللماع , ينظر إليه من حوله بدهشة وإعجاب , والتمثال يقف على رجلين من الخزف .
كانت المؤسسة المسيحية الحاكمة في لبنان بحاجة ملحة إلى مقولة أخرى توفر مسوغا تاريخيا لوجود لبنان كبير مستقل عن سورية وعن العروبة يمكن لجميع سكان البلد , ومنهم مسلمو المدن الساحلية السنة , أن يقبلوا به .
وحتى العقود الوسطى من القرن التاسع عشر لم يكن إلا لأناس قليلين من لبنان أن يعرفوا الكثير عن الفينيقيين القدماء ...
لكن الاهتمام اللبناني المسيحي بفينيقيا القديمة نما بسرعة أواخر القرن التاسع عشر .
ثم جاء الأب هنري لامنس فعالج بشيء من التطويل تاريخ المدن الفينيقية القديمة في دراسته عن سورية , حيث عامل الموضوع كتاريخ سوري قديم , وذلك بما يتفق مع أطروحته التي عرضناها قبلا .
ولم يكن باستطاعة أحد أن ينكر واقع الوجود التاريخي للفينيقيين القدامى . وكان الحزب السوري القومي في جملة من اهتم اهتماما كبيرا بأمرهم , على أساس أن تراثهم هو من تراث الأمة السورية .
واعتبرهم العرب القوميون , من جانبهم , عربا قدامى وصلوا أساسا من شبه الجزيرة العربية إلى السواحل السورية .
وكان هؤلاء على حق إلى حد ما .
فعندما زار المؤرخ الإغريقي هيرودوتس سورية في القرن الخامس قبل الميلاد أخبره شيوخ صور الفينيقيون بان أجدادهم كانوا قد جاؤوا في الأصل نزوحا من سواحل البحر الأحمر , بل أنهم حددوا زمن هجرتهم من تلك السواحل إلى سورية بثلاثة وعشرين قرنا قبل ذلك التاريخ .
وقد أثير نقاش كثير حول اسم الفينيقيين .
وعلى كل حال , فإذا كان لأحد حق في أن يدعي تحدره من قدامى الفينيقيين , فان أصحاب هذا الحق هم مسلمو المدن الساحلية السنّة الذين اعتبروا أنفسهم عربا , وليس مسيحيو الجبال أو أي فريق آخر .
ولقد تطورت النزعة الفينيقوية في الأوساط اللبنانية المسيحية كعقيدة أكثر منها كنظرية سياسية عقلانية .
..
دكتور صليبي ..
في حواركم مع مجلة بوهيميا , وجوابكم عن سؤال حول كتابكم الهام والرؤيوي "بيت بمنازل كثيرة" , قلتم أن نظريتكم في النقد التاريخي للمدارس السياسية والدينية اللبنانية لا تزال شبه يتيمة .
نتمنى أن نتوسع قليلا وبعد تقديم قراءة متأنية لكتابكم , في توضيح نقاط نؤمن أنها مستقبلية في رؤيتكم للتاريخ كعامل حاسم في تحديد الهوية القومية إنسانيا .
الأسئلة ..
_ الجزء الأول _
http://www.bohemea.com/mag/index.php?option=com_frontpage&Itemid=1
..