منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديات الحوارية العامة > منتدى الحوار الفكري العام

منتدى الحوار الفكري العام الثقافة ديوان الأقلاميين..فلنتحاور هنا حول المعرفة..ولنفد المنتدى بكل ما هو جديد ومنوع.

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
غير مقروء 24-08-2009, 11:08 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
زياد هواش
طاقم الإشراف
 
إحصائية العضو







زياد هواش متصل الآن


افتراضي بيت بمنازل كثيرة / كمال الصليبي .

كمال الصليبي

بيت بمنازل كثيرة
الكيان اللبناني بين التصوّر والواقع

ترجمة عفيف الرزاز

الطبعة الرابعة 2007

نوفل

.
.

قراءة متأنية ..


الخلفية التاريخية لظهور لبنان الحديث ..

في الأزمنة القديمة , كان الساحل اللبناني جزءا من موطن الفينيقيين .
وهؤلاء قوم من رواد البحر قاموا بتأسيس عدد من المدن_الدول المزدهرة على امتداد الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط بين بلدتي اللاذقية وعكا , وأكثرها في المناطق التي تشكل اليوم الأراضي اللبنانية .
وكان الفينيقيون يتكلمون في أيامهم لهجة من لهجات اللغة السامية التي تسمّى كنعانية , لا تختلف كثيرا عن العبرية التوراتية , كتبوها بأحرف أبجدية .
لكن الفينيقيين هؤلاء لم يكتبوا إلا القليل القليل عن أنفسهم وأحوالهم .
ونظرا لندرة السجلات , يتعذر علينا اليوم أن نرسم صورة لتاريخ المدن_الدول الفينيقية التي ازدهرت على الساحل اللبناني رسما دقيقا .
والمعروف أن استقلال هذه المدن_الدول قد زال في القرن السادس قبل الميلاد مع الفتح الفارسي لسورية الطبيعية , وهي التي تسمى بالعربية بلاد الشام .
وبعد ذلك بقرنين تم القضاء على الإمبراطورية الفارسية على يد الإسكندر الكبير .
وبعد موت الاسكندر وتقسيم إمبراطوريته بين كبار العسكريين أصبحت أراضي لبنان الحالي جزءا من المملكة الهيلينية السلوقية التي شملت معظم بلاد الشام وكانت عاصمتها إنطاكية .
وفي القرن الأول قبل الميلاد جاء الفتح الروماني وأصبحت أراضي لبنان الحالي جزءا من مقاطعة سورية في الإمبراطورية الرومانية التي اتسعت في ذلك الوقت لتضم جميع أنحاء البحر الأبيض المتوسط .
واستمر وجود الحكم الروماني في بلاد الشام حتى الفتح العربي في القرن السابع للميلاد .
وكانت عاصمة الإمبراطورية الرومانية قد انتقلت بعد القرن الرابع الميلادي من روما إلى بيزنطة أو القسطنطينية (التي هي اسطنبول الحالية) على مضيق البوسفور , والتي كنت تسمى أحيانا روما الجديدة .
ثم انقسمت الإمبراطورية الرومانية إلى جزءين , شرقي وغربي .
وصارت روما القديمة , في ايطاليا , عاصمة للإمبراطورية الرومانية الغربية حتى استولى عليها الغوط الشرقيون , وقضوا عليها في العام 476 للميلاد .
المهم هو أن عاصمة الإمبراطورية الرومانية المبكرة كانت روما , وان مركز الإمبراطورية الرومانية المتأخرة , أي الإمبراطورية البيزنطية , كان القسطنطينية .
وقد كان للإمبراطورية الرومانية القديمة دولة تقوم على الوثنية .
أمّا الدولة البيزنطية فجاءت مسيحية منذ نشأتها الأولى .
كانت بلاد الشام ما زالت تحت الحكم البيزنطي , أي الروماني المتأخر , عندما بدأ
الرسول محمد دعوته إلى الإسلام في العام 610 ميلادي في بلاد الحجاز من شبه جزيرة العرب .
بعد وفاة الرسول محمد العام 632 بعامين بدأ فتح بلاد الشام في عهد الخلفاء الراشدين الذين خلفوا الرسول في قيادة دولة الإسلام , وانسحبت آخر القوات البيزنطية , إلى برّ الأناضول عبر جبال طوروس في العام 641 .
ومنذ تلك الأيام وحتى العام 1918 بقيت بلاد الشام , بما فيها لبنان كما هو اليوم , جزءا من أراضي الدولة الإسلامية الجامعة التي تتابع على حكمها الخلفاء ومن بعدهم السلاطين , باستثناء فترة الحروب الصليبية بين 1098 و 1291 .
وقد شهدت هذه الفترة الأجزاء الساحلية والشمالية من الأراضي الشامية تحت حكم من اسماهم العرب "بالفرنجة" (أي المسيحيين الغربيين) .
وبدءا من القرن السابع للميلاد , كانت الدول الإسلامية التي سيطرت على بلاد الشام أو على أجزاء منها , من الناحية النظرية أو الفعلية , هي التالية :
1_ الخلافة الأموية (661 _ 750) للميلاد , التي كانت عاصمتها دمشق والتي توسعت في زمانها لتمتد من حدود الهند وآسيا الوسطى عبر شمال إفريقيا , إلى سواحل الأطلسي , أضف إلى ذلك شبه الجزيرة الأيبيرية التي هي اليوم اسبانيا والبرتغال , والتي سماها العرب باسم الأندلس .
2_ الخلافة العباسية (750 _ 1258) للميلاد , التي أقامت عاصمتها في بغداد , والتي ضمت جميع الأراضي التي سيطرت عليها الدولة الأموية السابقة باستثناء الأندلس والمغرب .
وبعد العام 820 خصوصا بعد العام 861 , بدأت الدولة العباسية بالتفتت عندما ضعفت سلطة الخلفاء المركزية في بغداد , حتى أنها بلغت حد التلاشي , مما أدى إلى نشوء إمارات وممالك في أنحاء مختلفة من البلاد , كانت تدين لبني العباس بالولاء من ناحية المبدأ .
وكانت في جملة هذه الإمارات والممالك الدولتان الطولونية والإخشيدية اللتان توالتا على مصر وسيطرتا على الأجزاء الجنوبية من الشام بين العامين 868 و 969 , أضف إليهما الإمارة الحمدانية والإمارة المرداسية اللتين تبعت أحداهما الأخرى في السيطرة من مدينة حلب على الأجزاء الشمالية من الشام بين العامين 845 و 1070 .
3_ الخلافة الفاطمية (909 _ 1171) للميلاد , التي كانت قد أقامت عاصمتها في الأصل في المهدية , في تونس , ثم انتقلت إلى القاهرة في العام 973 , بعد فتح الفاطميين لمصر وقضائهم على الدولة الإخشيدية هناك (969) .
وبينما كانت الخلافة العباسية في بغداد على مذهب السنّة , كانت الخلافة الفاطمية تقوم على مذهب الشيعة الإسماعيلية .
فتح الفاطميون مصر في العام 969 , حيث أسسوا مدينة القاهرة وجعلوها عاصمة لهم . وما أن انتقل خلفاؤهم إلى القاهرة في العام 973 حتى تابعوا توسيع نطاق سيطرتهم على الشام , بما فيها لبنان .
وفي ذروة الحكم الفاطمي بالشام , اعترفت لهم الدولة المرداسية القائمة بحلب بالسيادة ودانت لهم .
ومن المؤكد أن ذلك حصل بعد العام 1015 للميلاد على اقل تعديل .
4_ السلطنة السلجوقية (1058 _ 1157) , وكانت عاصمتها مدينة أصفهان الفارسية . وكان السلاجقة في الأصل زعماء قبائل الغزّ التركية الموجودة في بلاد ما وراء النهر (أواسط آسيا) , ثم استولوا على بلاد فارس في الفترة 1037 _ 1044 وأقاموا مملكة هناك وجعلوا من أصفهان عاصمة لها .
وكان السلاجقة شديدي التمسك بمذهب أهل السنة , فهبوا إلى مساعدة الخليفة العباسي في بغداد العام 1055 , وفعلوا ذلك ثانية في العام 1058 , عندما كان هذا الخليفة في ضيق شديد .
فاعترف الخليفة للحاكم السلجوقي في أصفهان بالمقابل بكونه سلطانا على دولة الإسلام كلها , موليا إياه كامل السلطة الزمنية التي كانت تتمثل حتى ذلك اليوم , من ناحية المبدأ , في مؤسّسة الخلافة .
وفي العام 1070 , فتح فريق من زعماء قبائل الترك بلاد الشام وانتزعوا أراضيها من الفاطميين , ثم لحق بهم ملوك السلاجقة فاحتلوا هذه البلاد وتم بسط سيطرتهم عليها في العام 1086 .
وصارت مدينة حلب قاعدة الحكم السلجوقي هناك .
وبعد موت أول ملوك السلاجقة بحلب في العام 1095 اقتسم ابناه بلاد الشام فيما بينهما , فأقام احدهما في حلب والأخر في دمشق .
وحصل بعد ذلك أن حكمت في دمشق , كما في حلب , اسر مختلفة من الأتابكة (الذين هم وكلاء السلطان أو القصر) الذين كانوا يدينون بالولاء اسميا لا فعليا للسلطان السلجوقي المقيم في أصفهان .
5_ السلطنة الأيوبية (1183 _ 1250) , وكانت عاصمتها القاهرة , ومؤسس هذه السلطنة هو صلاح الدين يوسف بن أيوب , واصله من الأكراد الذين التحقوا بالأتابكة الزنكية بالموصل ثم بحلب فدمشق .
وكان الأتابك نور الدين بن زنكي قد أرسل صلاح الدين من دمشق العام 1169 إلى مصر حيث أطاح بآخر الخلفاء الفاطميين وتملّك مكانه باسم صاحبه نور الدين .
وفي العام 1174 توفي نور الدين فاحتل صلاح الدين دمشق , ثم استولى على حلب في العام 1183 , وصار يتلقّب بعد ذلك بالسلطان .
وتعاظم شأن صلاح الدين بشكل خاص عندما خاض الجهاد ضد الفرنجة في بلاد الشام فصار يعتبر بطل الإسلام الأول في زمانه . وبعد وفاته في دمشق , في العام 1193 , تشاجر أبناؤه وخلفاؤه فيما بينهم , فتمكن شقيقه سيف الدين احمد بن أيوب (وهو الملقّب بالملك العادل) في العام 1200 من خلافته كسلطان في القاهرة , حيث استمرت السلطنة في ذريته حتى العام 1250 .
6_ سلطنة المماليك (1261 _ 1571) , وعاصمتها القاهرة أيضا .
وكان أول المماليك الذين استولوا على السلطة في مصر , في العام 1250 , من الرقيق الأتراك الذين اشتراهم آخر السلاطين الأيوبيين ودربهم كجنود ليشكلوا الكتيبة الممتازة في جيشه .
وبعد موت هذا السلطان في العام 1250 حل أحد مماليكه في السلطة محله .
وكان المغول في هذه الأثناء قد أقاموا لأنفسهم دولة في بلاد فارس , فانقضوا على بغداد في العام 1258 وأطاحوا بالخلافة العباسية فيها .
ثم تابعوا الزحف فورا عبر الأجزاء التي كان يسيطر عليها المسلمون في الشام , حيث قضوا على ما تبقى من حكم الأيوبيين .
وفي العام 1260 جاء المماليك من مصر ليهزموا المغول في الشام ويخرجونهم منها , وبالتالي صار الحكم في هذه البلاد أيضا للمماليك .
وفي السنة التالية أعاد المماليك تأسيس الخلافة العباسية في القاهرة بسلطات اسمية , وبدأ ملوكهم يتلقبون بالسلاطين على أساس أنهم المشاركون نظريا في خط الخلفاء العباسيين الجدد .
وأصبح احدهم , وهو قلاوون (1279 _ 1290) , مؤسسا لأسرة من السلاطين المماليك الأتراك استمرت في الحكم حتى العام 1382 .
وبدا قلاوون هذا بتجنيد الشركس الذين كان يستقدمهم من إقليم القوقاز كمماليك له بدلا من الأتراك .
وفي العام 1382 , أطاح احد هؤلاء المماليك الشركس , وهو برقوق (1382 _ 1399) , بآخر السلاطين من أسرة قلاوون .
وأصبح برقوق هذا أول السلاطين من جماعة المماليك الشركس الذين استمروا في حكم مصر والشام حتى الفتح العثماني .
7_ السلطنة العثمانية (1379 _ 1922) , التي جعلت عاصمتها أولا في إيدرنه (على الحدود التركية_البلغارية الحالية) , ثم في استامبول بعد العام 1453 .
ومن بدايات صغيرة كإمارة تركية في الأناضول الغربية انطلقت الدولة العثمانية (التي سميت باسم مؤسسها) إلى التوسع السريع , أولا على حساب الدولتين البيزنطية والصربية , في بلاد البلقان , وثانيا على حساب الإمارات التركية في الأناضول .
وفي العام 1389 أقدم ملوك الأسرة العثمانية , بعد استيلائهم على المملكة الصربية , على التلقّب بالسلاطين , وقد كانوا أصلا يتلقبون بالأمراء .
وفي العام 1516 توجّه العثمانيون جنوبا لفتح الشام وأخذها من المماليك .
وانتقلوا بعد ذلك إلى فتح مصر والقضاء على سلطنة المماليك في القاهرة في العام 1517 .
وفي ذروة قوتهم سيطر السلاطين من بني عثمان على العراق وأجزاء كبيرة من شبه جزيرة العرب إلى جانب الشام ومصر .
واعترف لهم كذلك بالسيادة في جميع بلاد شمال أفريقيا باستثناء المغرب .
ووقفت قواتهم المنتصرة مرتين على أبواب فيينا , ببلاد النمسا , الأولى في العام 1524 والثانية في العام 1683 .
وإذ استولى العثمانيون على مصر وأنهوا فيها سلطنة المماليك , فإنهم انهوا أيضا الخلافة العباسية هناك وحملوا معهم إلى استامبول رموز الإمامة الإسلامية التي كان يحتفظ بها الخلفاء العباسيون في القاهرة , وأهمها البردة النبوية .
وهذا ما سمح لهم بادعاء الخلافة والتشديد على كونهم الخلفاء الشرعيين على جميع المسلمين في العالم عندما كانوا يرون ضرورة في ذلك .
وفي العام 1918 هُزمت الدولة العثمانية أمام الحلفاء في الحرب العالمية الأولى وفقدت أراضيها العربية .
ثم قامت ثورة مصطفى كمال (أي كمال أتاتورك) فألغت السلطنة العثمانية في استامبول , وحولت البقايا التركية للإمبراطورية العثمانية إلى جمهورية تركية .
وبقي أحد أفراد الأسرة العثمانية في استامبول يمثل الخلافة الإسلامية حتى العام 1924 , حيث ألغيت مؤسسة الخلافة نهائيا .







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 24-08-2009, 11:10 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
زياد هواش
طاقم الإشراف
 
إحصائية العضو







زياد هواش متصل الآن


افتراضي رد: بيت بمنازل كثيرة / كمال الصليبي .

منذ وفاة الرسول (ص) وقع خلاف حاد بين المسلمين حول قضية الإمامة , أي خلافة الرسول في رئاسة الأمة الإسلامية .
وكان فريق منهم يصرّ على حصر الإمامة في بيت الرسول وأهله , وتحديدا بابن عمه علي بن أبي طالب الذي كان زوجا لابنته فاطمة , وبذرية علي من بعده .
وتسمّى هذا الفريق من المسلمين بالشيعة .

وانتخب الإمام علي فعلا خليفة للرسول آخر الأمر (656 _ 661) , بعد تتابع ثلاثة خلفاء تولوا السلطة قبله .
وبعد اغتيال الإمام علي 661 للميلاد أصبحت الخلافة حكرا على أسرتين متواليتين , الأموية والعباسية .
الأسرة الأموية , لم تكن تمت بأية قرابة مباشرة للرسول , عدا انتمائها إلى قريش , وهي قبلية الرسول .
الأسرة العباسية , كانت تدعي التحدر من صلب العباس , عم الرسول .
ولم يعترف الشيعة بأي من خلفاء الأسرتين كإمام شرعي لأمة الإسلام .
وبدلا من ذلك , فإنهم استمروا في الاعتراف بالإمامة الشرعية لسلالات مختلفة من ذرية الإمام علي , وبالتالي فإنهم انقسموا مع الوقت إلى فرق متعددة .

وفي البداية كانت أهم هذه الفرق الشيعية في الشام , من الناحية السياسية , هي الطائفة الشيعية السبعية أو الإسماعيلية التي جعلت الإمامة حكرا على ذرية الحسين بن علي , ورأت بالإضافة إلى ذلك أن الإمام السابع من سلالة علي هو إسماعيل بن جعفر الصادق .
وقالت الطائفة بان اسماعيلا اختار "الستر" , أي انه اختفى , وبالتالي فان هويته لم تعد تُعرف إلا لفئة مختارة من أتباعه .
حتى خرج واحد منهم عن تستره في البلاد التي تسمّى اليوم تونس , وهو الإمام عبيد الله , فلقّب نفسه بالمهدي وأصبح مؤسس الخلافة الفاطمية في تونس , ثم نقل خلفاؤه عاصمتهم إلى القاهرة .
وكان الخلفاء الفاطميون يمارسون الخلافة على أساس كونهم أئمة إسماعيليين .
درج الإسماعيليون على الاعتقاد بان أئمتهم معصومون عن الخطأ . ومنهم من نسب إلى هؤلاء الأئمة صفات من الألوهية تسمو بهم وتجلّهم عن سائر البشر .
واعترف بعض الاسماعيليين لأحد الخلفاء الفاطميين , وهو الحاكم بأمر الله (996 _ 1021) , بكونه إماما ذا صفة فريدة , ألا وهي كونه التعبير الأخير عن الوحدة في ذات الله .
ولكن هذه الدعوة الإسماعيلية الخاصة لم تجد لها نجاحا إلا في الشام , وكانت هذه الدعوة تطلق على أتباعها اسم "الموحدين" .
أما الطائفة الشيعية الثانية التي تعاظم أمرها في الشام فهي الطائفة الاثنا عشرية أو الشيعية الامامية التي تعترف بتوال لاثني عشر إماما أولهم الإمام علي , ويليه ابناه الحسن والحسين , ومن بعد الحسين تسعة أئمة يتحدّرون من صلبه , جيلا فجيل .
والإمام السابع في نظر الشيعة الاثني عشرية لم يكن اسماعيلا بل شقيقه الأصغر الإمام موسى الكاظم .
وذلك لوفاة إسماعيل قبل وفاة أبيه الإمام جعفر الصادق الذي كان الإمام السادس .
وقالت الاثنا عشرية أن اسماعيلا لم يذهب إلى "الستر" كما يدعي أتباعه .
والشيعة الاثني عشرية تقول بان الإمام الثاني عشر , محمد المهدي , دخل في العام 874 أو في العام 879 , في "غيبة" عن العالم سيعود منها حتما عندما يحين الوقت ليملأ الأرض عدلا بدلا من الظلم السائد .
وبينما اعتقد الاسماعيليون بأن مهمتهم , عندما يكون أئمتهم في حالة "الستر" , هي أن يمهدوا لعودتهم إلى العلن من خلال النشاط السياسي , قالت الشيعة الاثنا عشرية بان البشر ليس باستطاعتهم أن يفعلوا شيئا للتعجيل في عودة الإمام الثاني عشر من "الغيبة" سوى الرجاء والمزيد من التعبّد والإيمان .

وبينما كانت هذه الطوائف الشيعية تنمو وتتكاثر في العالم الإسلامي على هامش الدولة القائمة , عملت الخلافة العباسية في بغداد على تحديد أسس الإسلام ومبادئه كما كان مطبقا في الواقع من قبل الدولة .
وذلك بدءا من أيام الخليفة المتوكل (847 _ 861) .
ولان الإسلام دين في أساسه الشريعة , فقد تم الاعتراف الرسمي منذ ذلك الوقت بأربعة مذاهب فقهية تشريعية في الإسلام , وهي الحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي , على أن الإسلام القويم يعتمد على هذه المذاهب الأربعة دون غيرها .

في العام 1094 , حصل انشقاق بين الشيعة الاسماعيليين أدى إلى ظهور ما سمّى بالإسماعيلية "الباطنية" أو "الحشيشية" , وهي التي انفصلت عن الدعوة الإسماعيلية الفاطمية المستمرة في القاهرة .
وصارت قاعدة هؤلاء الحشيشية في حصن ألموت , في جبال بلاد فارس المطلة على بحر قزوين .
ولكن الحشيشية كان لهم وجود قوي في الشام أيضا , حيث حصلوا على امتيازات من الملك السلجوقي المتسلط على حلب , وهو الذي كان يأمل في استخدامهم ضد خصومه السياسيين في البلاد . وقبل مضي وقت طويل أصبح للحشيشية قواعد أخرى خاصة بهم في منطقة دمشق التي كان حكامها يأملون في استخدامهم ضد الفاطميين .

وبدءا من القرن التاسع وصلت بدعة القرامطة إلى الشام ونفذت إلى وادي البقاع , بعدما كانت قد ظهرت في البداية بين عشائر جنوب العراق وشرق شبه جزيرة العرب . ومن الباحثين من يعتقد أن القرامطة من غلاة الإسماعيلية .
وفي المصادر الإسلامية المعاصرة لحركتهم ما يشير إلى أن طائفتهم تطورت أصلا ليس من الإسماعيلية بل من فريق آخر من الشيعة عرف ب "الكيسانية" .
ولعل القرامطة كانوا على نوعين أصلا , أحدهم إسماعيلي والآخر كيساني .

وكان الخلفاء الفاطميون الاسماعيليون في مصر هم الذين تصدّوا أخيرا لبدعة القرامطة في الشام وقضوا عليها هناك .
وقد استكمل ذلك عندما وصل الحاكم بأمر الله إلى عرش الخلافة في القاهرة .







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 24-08-2009, 11:11 PM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
زياد هواش
طاقم الإشراف
 
إحصائية العضو







زياد هواش متصل الآن


افتراضي رد: بيت بمنازل كثيرة / كمال الصليبي .

بدءا من القرن السادس عشر ألقت دولتان إسلاميتان كبريان بظلهما على الشام والعراق وشبه جزيرة العرب : الدولة العثمانية السنية من الغرب , والدولة الفارسية الشيعية (منذ العام 1501) من الشرق .
وكانت الدولة العثمانية في أوج عزها في القرن السادس عشر , ثم بدأت تبدي مظاهر ضعف في القرن السابع عشر , وانهيارا سريعا في القرن الثامن عشر , حتى باتت بعد ذلك لا تكاد تكون قادرة على البقاء لولا عدم اتفاق القوى الأوروبية الكبرى في العالم على شروط تدميرها .
وقد كان هو الموضوع الأساسي لما سمي يومها بالمسألة الشرقية .
والدولة الفارسية كانت هي أيضا قوية في مطلع القرن السادس عشر , ثم انتعشت في مطلع القرن السابع عشر بعد فترة من التشوش , وتدهورت بعد ذلك لفترة طويلة .
لكنها عادت فانتعشت لفترة قصيرة في العقود الوسطى من القرن الثامن عشر في عهد المغامر العسكري نادر شاه (1736 _ 1749) لتشهد تدهورا كارثيا فيما بعد .
وحافظت الدولة العثمانية طيلة بقائها على سيطرة مستمرة لها على الشام وكذلك على الحجاز في غرب شبه جزيرة العرب , وقد اختلفت فاعلية هذه السيطرة من وقت إلى آخر .
وكانت السلطنة العثمانية تمتد في غرب شبه جزيرة العرب لتصل حتى اليمن عندما تكون الدولة قوية , أو عند تمتعها بدعم قوة أوروبية ما .
وباستثناء بعض الفترات التي كانت فيها الدولة الفارسية قوية , كان العثمانيون يسيطرون أيضا على العراق , وكان لهم أحيانا موطئ قدم في شرق شبه جزيرة العرب .
ومن ناحية أخرى , عندما كانت الدولة الفارسية قوية , كان في استطاعتها أن تسيطر على العراق , وان تكون لها سيطرة متفرقة في شرق شبه جزيرة العرب , أو على الأقل شيء من النفوذ هناك .
أما في مياه الخليج العربي , فقد سيطر الفرس على جزر البحرين من العام 1602 وحتى العام 1783 .
وكان هذا أطول بقاء لهم في ارض عربية .

وكان من الأمور السياسية التي أدت إلى تدهور الدولتين العثمانية والفارسية على حد سواء _ وهو تدهور كانت مؤشراته ظاهرة منذ القرن السادس عشر _ ذلك التغير الذي طرأ على اقتصاد العالم والذي جاء بمبادرة من أوروبا الغربية .
ففي العام 1492 نزل الأسبان لأول مرة على ارض القارة الأمريكية .
بعد خمس سنوات فقط , في العام 1497 , دار البرتغاليون حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا واثبتوا إمكانية الوصول مباشرة من أوروبا الغربية إلى بلدان حوض المحيط الهندي بطريق البحر .
وتبع ذلك توسع سريع للتجارة العالمية لأوروبا الغربية التي بدأت تتحاشى المرور , وبشكل متزايد , في الأراضي التي نعرفها اليوم باسم الشرق الأوسط .
أما الضربة القاضية فجاءت في القرن الثامن عشر مع تدهور تجارة البن من اليمن .
وتعود بداية هذا التضخم _ وهو ما يسمى في تاريخنا "الغلاء" _ إلى العام 1555 , عندما اكتشف الاسبان لأول مرة مناجم الفضة في بوتوزي في البيرو .
ومع نمو التجارة العالمية لأوروبا الغربية , جاء ذلك التضخم الذي تصاعد بشكل سريع وهائل منذ أن ابتدأت الفضة الأمريكية تصل إلى الأسواق الأوروبية , ثم إلى الأسواق العالمية .
وعندما وصل التضخم نفسه إلى الأراضي العثمانية والفارسية في القرن السابع عشر , كانت النتيجة أنه لعب دورا تدميريا بالنسبة إلى الاقتصاد التقليدي في الدولتين , مما أدى إلى إفقارهما السريع .
ولما انتظم استخدام الأمم التجارية الكبرى في أوروبا الغربية (البرتغال أولا , ومن بعدها انكلترا وهولندا وفرنسا) للطريق البحرية المباشرة التي تدور حول القارة الإفريقية وصولا إلى المحيط الهندي .
بدأت هذه الأمم بالتعدي على أطراف شبه جزيرة العرب والعراق من الشرق .
وفي هذه الأثناء كان بعضها قد بدأ يضغط على الشام من الغرب , وان بطريقة أخفى .

وسواء جاء التجار الأوربيون إلى المنطقة من غربها أو من شرقها , فإنهم فضلوا التعامل مع حكام محليين ضعفاء على التعامل مع إحدى الدولتين الكبريين , العثمانية أو الفارسية .
وهذا ما حداهم على أن يشجعوا نمو الكيانات السياسية المحلية على حساب السلطة العليا العثمانية , أو تلك الفارسية , حيثما وجدت لهم مصالح تجارية خاصة .
وفي عدد من الحالات كان لضعف السلطة العثمانية من جهة , وضعف السلطة الفارسية من جهة أخرى , أن يمهد الطريق لقيام هذه الكيانات وحصولها على قدر صغير أو كبير من الاستقلال الذاتي .
وكذلك , فان استمرار النزاع والحروب المتفرقة بين العثمانيين والفرس اوجد توازنا للقوى الإسلامية في المنطقة كان بإمكان الزعماء المحليين من أصحاب الطموحات السياسية _من العرب أو غير العرب _ أن يستغلوه لصالحهم .
وعلى سبيل المثال , فبحلول القرن السابع عشر كانت بلاد الأناضول العثمانية قد وقعت فعلا تحت حكم الزعماء المحليين المعروفين بـ "الدره بكلرية" (أي أمراء الوديان) , وهم الذين انتشرت بينهم الثورات التي سميت "بالجلالية" .
وفي العام 1612 , قام مغامر اسمه أفراسياب , من أصل فارسي أو كردي , بتنصيب نفسه سيدا مستقلا في البصرة , بجنوب العراق , مستغلا توازن القوى هناك بين العثمانيين والفرس .
وقد تمكنت ذرية أفراسياب هذا من المحافظة على نوع من الإمارة المستقلة في البصرة , وبدعم من البرتغاليين لفترة من الزمن , حتى العام 1668 .
وقام آخر أمراء البصرة من آل أفراسياب بتشجيع ثورة ضد الحكم العثماني في منطقة الإحساء من شرق جزيرة العرب , حيث طُرد الباشا العثماني , وتحوّلت المنطقة على الأثر إلى إمارة قبلية هي إمارة بني خالد . واستمر وجود هذه الإمارة في بلاد الإحساء حوالي القرن من الزمن .
وقبل ذلك قامت أسرة من أسر الزعماء الأكراد في شمال الشام , هي أسرة جانبولاد (جنبلاط) , فتولّت الحكم على ايالة حلب في العام 1591 , ثم استقلت به بين العامين 1603 و 1607 بتحد سافر للعثمانيين , وبالتحالف مع آل ميديشي أصحاب توسكانية .
ثم قام أئمة الشيعة الزيدية في اليمن بثورة ناجحة ضد العثمانيين في العام 1636 , وصارت لهم سيطرة مستقلة على بلادهم .
وربما حصل ذلك بتشجيع خفي من الهولنديين أو الانكليز الذين كانوا يتنافسون فيما بينهم على تجارة البن اليمني في ذلك الوقت .
وبعد ذلك بقليل , وفي العام 1649 , نجح أئمة الخوارج الإباضية من أسرة "اليعاربة" في طرد البرتغاليين من مسقط , وصار لهؤلاء الأئمة بالتالي الاستقلال الكامل في بلاد عُمان .
ولعل نجاح تحركهم هو أيضا , قد جاء بمساعدة خفيّة من الهولنديين أو الانكليز .
وعندما دخل حكم الأئمة من أسرة اليعاربة طور الانحطاط منذ فترة من الزمن , ظهرت أسرة حاكمة جديدة هي أسرة آل بو سعيد التي نجحت في الاستيلاء على البلاد كلها في العام 1743 .
وحكم آل بو سعيد عمان في بداية الأمر كأئمة إباضية , ثم عادوا عن ذلك واستحدثوا لأنفسهم لقب "السيد" حتى غلب عليهم أخيرا لقب "السلطان" .
بدءا من العام 1745 أدت الحركة الوهابية في قرى نجد في وسط شبه الجزيرة , إلى ظهور أول دولة وهابية هناك في ظل آل سعود .
وفي تلك الأثناء بدأت العشائر المحلية في البوادي الداخلية من عُمان , وفي شرق شبه جزيرة العرب , تتجمع على نفسها لتشكيل ائتلافات قبلية جديدة كان من بينها بنو ياس .
ومن بني ياس فرع صار له مشيخة صغيرة شبه مستقلة في جزيرة ابو ظبي في العام 1734 .
ومن شرق شبه جزيرة العرب توجه فرع من الائتلاف القبلي المحلي المعروف بعرب العتوب , تقوده أسرة آل خليفة , فاحتل جزر البحرين في العام 1783 حالا محل الحكم الفارسي المتداعي هناك ومقيما مشيخة مستقلّة في تلك الجزر .
وفي هذه الأثناء , كانت قبضة الأئمة الزيديين الممسكة بزمام الأمور في صنعاء , في الأجزاء الجنوبية من اليمن , قد بدأت بالتراخي , ربّما نتيجة لتراجع تجارة البن في البلاد , فأدّى ذلك إلى ظهور عدد كبير من الكيانات المحلية المستقلة في المناطق الجنوبية منها .

.
.

من يخاف من التاريخ , يخاف بالتأكد من المستقبل .
ومن يزور التاريخ , بالتأكيد , لا مستقبل له .
ومن يقدس التاريخ , يكرس عبادة الحكام وظلمهم .
ومن يتشارك مع الناس بالتاريخ , يمتلك روح الإنسانية وعظمتها .

عندي قراءتي لأي كتاب اقتبس منه نصوصا انشرها عندما أرى فيها ما يفيد في فهمنا لواقعنا , أو يساعد على تصحيح وتصويب وتدقيق رؤيتنا لتاريخنا , في محاولة لإخراج رؤوسنا جميعنا , من وهم كبير , وتزييف هائل , وتطرف قاتل وعنصرية بغيضة , وعمى قلب وروح , يشمل مناحي حياتنا الإنسانية المكرّمة بالعقل .

..







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 28-08-2009, 06:20 AM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
سلمى رشيد
نائب المدير العام
 
الصورة الرمزية سلمى رشيد
 

 

 
إحصائية العضو







سلمى رشيد غير متصل


افتراضي رد: بيت بمنازل كثيرة / كمال الصليبي .

من يخاف من التاريخ , يخاف بالتأكد من المستقبل .
ومن يزور التاريخ , بالتأكيد , لا مستقبل له .

ومن يقدس التاريخ , يكرس عبادة الحكام وظلمهم .
ومن يتشارك مع الناس بالتاريخ , يمتلك روح الإنسانية وعظمتها .

اشكرك أستاذ زياد
هو التاريخ ولا بد من قراءة منطقية ومتأنية لمجريات أمور حدثت
أمنياتي الطيبة







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 28-08-2009, 11:02 AM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
زياد هواش
طاقم الإشراف
 
إحصائية العضو







زياد هواش متصل الآن


افتراضي رد: بيت بمنازل كثيرة / كمال الصليبي .

أختي الفاضلة ..

والله العظيم , أحيانا الإنسان بيتعب وبيتألم , وأحيانا يكون هناك جدل عقيم بيجنن .

الإسلام دين أركان وعقل وطمأنينة .

الأنبياء طلبوا لأنفسهم من خالق السموات والأرض , الطمأنينة.

الله تعالى عن كل وصف قال للأنبياء والمؤمنين أن يجادلوا الناس , والجدل من باب الرحمة .

ومع ذلك لا نقابل إلا من أغلق باب العقل على نفسه والآخرين , وهجم علينا بالسيف قاضيا لا جدل في حكمه ..!!

في عنوان نقوم بتحضير نصوصه (النصارى في القران الكريم) في تفسير صورة الفاتحة , يقول محمد عبده ج1 ص 66 _ 72 :

فثلاثة أرباع القرآن تقريبا قصص, وتوجيه الأنظار إلى الاعتبار بأحوال الأمم...
ومن هنا ينجلي للعاقل شان علم التاريخ وما فيه من فوائد... والقرآن ينادي بان معرفة أحوال الأمم من أهم ما يدعو إليه هذا الدين, (ويستعجلونك بالسّيّئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات) الرعد: 6.

على طريق القدس ..

..







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 29-09-2009, 11:21 AM   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
زياد هواش
طاقم الإشراف
 
إحصائية العضو







زياد هواش متصل الآن


افتراضي رد: بيت بمنازل كثيرة / كمال الصليبي .

كمال الصليبي


بيت بمنازل كثيرة

الكيان اللبناني بين التصوّر والواقع

ترجمة عفيف الرزاز

الطبعة الرابعة 2007

نوفل

.
.

قراءة متأنية ..


منذ العام 1975 , برز لبنان في العالم مضرب مثل للفوضى والعنف .

وهو البلد الذي يتباهى شعبه بأنه أكثر العرب رقيّا وتقدما .

والواقع إن هناك الكثيرين من العرب , وغير العرب , يقرّون للشعب اللبناني ما يدّعيه لنفسه من تفوّق .

ومع ذلك , فقد دخل المسيحيون والمسلمون من أبناء لبنان , منذ ثلاثة عشر سنة ونيف (1975_1989) في دوّامة من النزاع المسلح فتك كل طرف منه بالطرف الآخر بوحشية قلّ مثيلها , ناهيك عن العنف المتكرّر الذي حصل حتى بين الطوائف والأطراف السياسية المختلفة داخل كل جانب , وكانت الحصيلة الدمار العام والانزلاق المتزايد نحو التعاسة والفقر .

وقد يقال بحق أن لبنان اليوم لم يعد بلدا إلا بالاسم . ومن الغريب , مع ذلك , أن مسلمي لبنان ومسيحييه لم يظهروا في السابق ما يظهرونه اليوم من وعي عميق لهويتهم الوطنية المشتركة , وان كان ذلك بقدر من الاختلاف في تعريف مقوّمات هذه الهوية .

والواقع أن الأمر لم يكن كذلك في العام 1920 عندما تأسس لبنان للمرة الأولى على شكل دولة تحت الانتداب الفرنسي , إذ بالغ المسيحيون في التحمس في قبوله , وبالغ المسلمون في رفضه .

ولم يحصل الإجماع حقا على الهوية اللبنانية بين الفريقين العام 1943 عندما حصلت الجمهورية اللبنانية على استقلالها على أساس تصوّر نظري لوحدة وطنية بين مختلف الطوائف .

وفي العام 1958 , تشاجر المسلمون والمسيحيون وتقاتلوا فيما بينهم لمدة ستة أشهر حول مسألة الوحدة العربية بزعامة الرئيس المصري جمال عبد الناصر .

واستمر الصدع العميق بين المسلمين والمسيحيين لسنوات تلت إذ كان المسيحيون يعرفوّن بأنفسهم من خلال الخصوصية اللبنانية , فينكر المسلمون ذلك عليهم من خلال تمسكهم الشديد بالعروبة .

وتفجر الصراع مرة أخرى حول موضوع آخر بالغ الخطورة , وهو القبول أو رفض القبول بحق الثورة الفلسطينية بحرّية العمل في لبنان , وانطلاقا من لبنان , كدولة داخل الدولة .

وهذا النزاع الأخير , الذي اختلط بجملة من الموضوعات الأخرى الشائكة , ومعظمها داخلي , هو ما أدى في النهاية إلى اندلاع الحرب الأهلية في البلاد , وهي الحرب التي ما زالت مستمرة حتى اليوم دون حلّ .

يتوجه هذا الكتاب إلى معالجة مظهر خاص من مظاهر المشكلة اللبنانية على الخلفية التي تشكلها هذه المسألة , ابتداء من ظهور لبنان كدولة لأول مرّة في العام 1920 .

كان المسيحيون والمسلمون آنذاك على اختلاف أساسي حول تاريخية هذا البلد التي يؤكدها المسيحيون بشكل عام وينكرها المسلمون .

كان هناك إصرار في الجانب الإسلامي على أن لبنان , مهما يكن له من تاريخ يدعيه لنفسه , فانه لن يعدو في الواقع كونه جزءا من تاريخ عربي أوسع .

وفي الواقع أن فكرة الماهية التي تشكل التاريخ العربي تبقى مشوشة في الأذهان بسبب التشابك التاريخي الأساسي بين العروبة والإسلام .

وتضم فصول هذا الكتاب تقويما نقديا للنظريات المسيحية والإسلامية حول تاريخ لبنان .

وهي النظريات المتعارضة والمتعاكسة التي تكمن وراء النزاع السياسي الراهن في البلاد .

وقبل أن يتفق اللبنانيون على طبيعة تاريخهم سيكون من الصعب جدا عليهم أن يتابعوا ويلاحقوا قضية المشكلات القائمة التي ما زالت تتحدّى جميع محاولات الحلّ حتى اليوم .

وباختصار , فان الكتاب الحالي ليس رواية عادية لتاريخ لبنان , بل هو عبارة عن دراسة نقدية للرؤى المختلفة لهذا التاريخ .

في 23 أيار (مايو) 1926 , تلقت دولة لبنان الكبير دستورا حوّلها إلى "الجمهورية اللبنانية" . وهكذا برزت الجمهوريتان الشقيقتان , اللبنانية والسورية , إلى الوجود تحت الانتداب الفرنسي الواحد , لهما عملة واحدة وخدمات جمركية واحدة , ولكل دولة علمها الخاص , وإدارتها المحلّية الخاصة , وان كان ذلك تحت إشراف المفوّض السامي الفرنسي ذاته الذي كان مقامه الدائم في بيروت .

ولم تمض سنوات قليلة حتى أصبح لكل من الدولتين الشقيقتين نشيدها الوطني المختلف .

لكن البيروقراطيات الإدارية والأعلام والأناشيد الوطنية لا تكفي وحدها لتحويل الأراضي والشعوب التي تعيش فيها إلى أوطان وأمم بالمعنى الكامل .

فماذا عن مسألة الهوية القومية ؟

لم تكن عند الموارنة ولا عند غيرهم من المسيحيين المتفقين معهم في الرأي شكوك حول هذه المسألة .

أما اللبنانيون , فيبقون لبنانيين مهما اختلف الرأي حول طبيعة هويتهم كشعب في الخارج , لا تجمع بينهم وبين العرب إلا وحدة اللغة , وذلك من باب المصادفة التاريخية .

والخلاصة هي أن الفرنسيين في سورية اوجدوا الدولة في البلاد لكنهم أخفقوا في خلق هوية قومية خاصة تلائمها . والأمر نفسه ينطبق بطريقة ما على لبنان , حيث كان مفهوم الهوية القومية اللبنانية , خلافا للنشيد الوطني , لا يحمل معنى إلا لفئة من أهل البلد , دون الآخرين .

ولم يكن الأمر مختلفا في البلدان الأخرى التي خلقها البريطانيون في الأراضي العربية الخاضعة لانتدابهم .

في العالم العربي الجديد الخارج من خرائب الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى كانت العروبة فكرة تتمتع بشعبية واسعة. لكنها لم تكن في ذلك الوقت أكثر من مفهوم شعري لم تعالج مضامينه الكاملة بعد بما يلزم من العناية .

ولكن الاستعمارين الفرنسي والبريطاني رغبا في أن تسير الأمور بشكل مختلف. ولمنع العرب , في اللحظة المؤاتيه , من تحقيق قوميتهم من خلال الوحدة السياسية , لجأ المستعمرون إلى تقسيم الأراضي القومية العربية إلى بلدان مختلفة دون اعتبار لرغبات الشعب , ناهيك عن الطبيعة والتاريخ .

وفي حالتين خاصتين ذهب المستعمرون إلى ابعد منذ ذلك . ففي لبنان , وجد الفرنسيون في صفوف الموارنة فريقا من العرب متنكرا لعروبته ومستعدا لمؤازرة المستعمرين في انجاز مراميهم , فجعل لهؤلاء دولة لبنانية خاصة بهم , لا تتمتع بمسوغ أساسي لوجودها , مكافأة لهم على خيانته .

وفي فلسطين , ألزم البريطانيون أنفسهم بتشجيع الاستيطان اليهودي الأجنبي في سبيل تحويل هذا الجزء الذي لا يتجزأ من الوطن القومي العربي إلى وطن لليهود .

في المنظور القومي العربي , لم يكن ما حدث مقبولا في أي مستوى كان .

وليس هناك من شك في قدم العرب كشعب تاريخي في المنطقة تجمعه وحدة اللغة والخلق الاجتماعي .

وباختصار , كان للعروبة , بلا شك , ايجابيات كثيرة كفكرة قومية صالحة , لكن معظم العرب الذين تبنوها كانوا من جماعات عشائرية أو شبه عشائرية من أنواع مختلفة , وكذلك من أديان مختلفة وطوائف مختلفة , لم يتطوروا تطورا اجتماعيا منسجما , وما زالوا _بالتالي_ بعيدين عن التوصل إلى مواصفات الأمة بالمعنى الصحيح . وفي هذا تكمن المشكلة .

( أضف أن القادة السياسيين الداعين إلى القومية العربية كانوا غير معدين لمواجهة هذه المشكلة , وغير متأكدين من الأهداف الدقيقة لحركتهم , وكانوا _وفي الوقت نفسه_ يعلنون الإصرار على تحقيق هذه الأهداف في ظل ظروف تميّزت بصعوبات دولية جدّية , وهذا اقل ما يقال فيها ).

وكانت النتيجة أن القومية العربية أصيبت بالخيبة تلو الخيبة .

ولم يبق لقادتها في النهاية إلا دور حَكَم الفصل في لعبة خصوصيات قبلية وطائفية وإقليمية لا نهاية لها , يصدرون أحكاما ايجابية في صالح أي طرف يلعب اللعبة حسب قواعدهم التي كانت تقوم في الدرجة الأولى على النفاق حيال العروبة وأحكاما سلبية ضد أي طرف لا يفعل ذلك .

لو كان مفهوم الهوية الوطنية اللبنانية كما قدمه الموارنة مفهوما وطنيا صحيحا , موضوعا بشكل عقلاني وواقعي ضمن إطار الاعتراف بعروبة البلد أساسا , لكان هناك مجال لنجاحه قواما لدولة لبنانية مقبولة لدى جميع اللبنانيين .

ففي لبنان الكبير لم يكن الموارنة , ومعهم بقية المسيحيين , الوحيدين الذين كان باستطاعتهم أن يروا ويكشفوا الطبيعة الحقيقية للقومية العربية في تطبيقها العلمي .

فالواقع أن الشيعة والدروز لم يكونوا أكثر رغبة من المسيحيين في الخضوع باسم العروبة لسيطرة طبقة سنّية حاكمة سواء في لبنان أو في غير لبنان .

وهكذا بدأت اللعبة الكبيرة على الساحة اللبنانية , وهي لعبة تشمل تواليا من التعاملات المراوغة بين لاعبين يزعم جميعهم التمسّك بأفكار ومبادئ قومية أو وطنية تهدف إلى خدمة الصالح العام , فيما يسعى كل منهم إلى الاحتيال على الآخر والإطاحة به مدفوعا إلى ذلك بولاءات وضغائن وأحقاد بدائية خبيثة تعود في أصولها إلى غابر الزمن .

( ولم تكن الأفكار والمبادئ في هذه اللعبة ألا أقنعة تستتر وراءها هذه الدوافع الغريزية ( .

وقبل مضي زمن طويل صارت لهذه اللعبة قواعد ثابتة , أوصلتها في الواقع إلى نص تمثيلي , فيه ادوار مخصّصة لمختلف اللاعبين .

في ما عدا ذلك , بقيت اللعبة على درجة عالية من التسامح في المستوى الديني .

والحقيقة أن الجماعات المعنية بها كانت , في الأساس , عشائر , وان اتخذت رسميا شكل الطوائف . أو على الأقل تصرفت كعشائر .

(وكان للعبة التي جرت فيما بينها أن تكون , إذا , لعبة عشائرية).

لقد كانت اللعبة , في المستوى المكشوف , تنافسا بين مفاهيم قومية مختلفة للبلد . أما في المستوى الحقيقي المستور , فقد كانت العصبيات القبلية في أساس اللعبة .

ولو قُدّر لهذه اللعبة أن تستمر بين اللبنانيين وحدهم , لما تعدّت أخطارها أخطار السياسات اليومية العادية , ولبقي باستطاعة الدولة أن تسيطر عليها بطريقة ما .

ولكن الخطر كان في خروج اللعبة من نطاق السيطرة عليها .

فمنذ البداية كان باستطاعة اللاعبين من خارج لبنان أن يتدخلوا بسهولة في اللعبة إذا ما أرادوا إفساد مسارها الطبيعي .

وغالبا ما حصل ذلك بدعوة للتدخل من هذا الفريق الداخلي أو ذاك .

يكاد يكون عمر الموارنة في بلاد الشام أن يكون مساويا لعمر الإسلام تقريبا .

وما زالت الذاكرة الشعبية في بعض مناطق جبل لبنان تستعيد أصولا للطائفة تعود إلى جنوب شبه جزيرة العرب . ويلاحظ بالمناسبة أن الشيعة في جبل عامل , وكذلك الدروز في الشوف ووادي التيم , يقولون بأنهم كانوا هم أيضا في الأصل من قبائل عرب اليمن .

كان هنري لامنس (توفي عام 1937) أبا يسوعيا من أصل فلمنكي , أستاذا للدراسات الشرقية في جامعة القديس يوسف اليسوعية التي تأسست في بيروت في العام 1875 .

وفي العام 1920 كان لامنس يعمل على وضع كتاب هو عبارة عن مسح عام لتاريخ "سورية" . وتم طبع الكتاب في العام 1921 في جزءين تحت عنوان "سورية: موجز تاريخي".

وهو من مطبوعات المطبعة الكاثوليكية في بيروت .

وكان لامنس قد بدأ بكتابة تاريخ سورية هذا بعد فترة وجيزة من نهاية الحرب العالمية الأولى . ومن الواضح انه فعل ذلك لهدف سياسي , وربما بإيحاء من السلطات الفرنسية في بيروت , وهي التي كانت تنظر باحترام كبير إلى عمله . وكانت أعمال لامنس السابقة تتركز أساسا على موضوع الإسلام وتاريخه المبكر . وقد كانت لهذا الأب اليسوعي نظرة إلى الإسلام غاية في السلبية .

وكانت القومية العربية آنذاك قد بدأت تنتشر في بلاد الشام على نطاق واسع , وخصوصا بين المسلمين .

وكان لامنس يرى أن هذه القومية , في أساسها , ليست أكثر من توضيب جديد للعصبية السياسية الإسلامية .

وكانت بريطانيا قد تبنت القضية القومية العربية في الشام , خلال سنوات الحرب , ودعمت ثورة الشريف حسين العربية في الحجاز , وسمحت لابنه فيصل بدخول دمشق في العام 1918 وإقامة حكومته العربية هناك .

وضمنت فرنسا أخيرا , في العام 1920 , انتدابها على بعض أراضي "المشرق" فأخرجت فيصل من دمشق , وأعلنت خلق "دولة لبنان الكبير" كخطوة أولى باتجاه إعادة التنظيم السياسي للأراضي الموضوعة تحت انتدابها .

ولكن القومية العربية بقيت تشكل قوة لا يستهان بها ولا بد من أخذها في الحساب , يدعمها البريطانيون سرا ضد الانكليز , وتتلقى دعما مكشوفا من الأمريكيين الذين كانت لهم قاعدة ثقافية وطيدة في المنطقة ممثلة بـ "الكلية الإنجيلية السورية" التي أسست في العام 1866 , ثم غُيّر اسمها لتصبح "الجامعة الأمريكية في بيروت".

وفي هذه الأثناء حافظ تشارلز كرين , وهو رجل الأعمال صاحب الارتباطات الوثيقة مع المصالح النفطية الأمريكية , وأحد رئيسي بعثة كينغ_كرين , على الاتصالات التي أقامها مع العرب القوميين في البلاد العام 1919 , واستمر في تقديم التشجيع المعنوي لهم .

ولقبه أصدقاؤه العرب بهارون الرشيد , نسبة إلى أشهر الخلفاء العباسيين .

وفي العام 1938 أُهدي إلى تشارلز كرين هذا أول مؤلف تاريخي كتب للحركة القومية العربية , وكان المؤلف بعنوان "اليقظة العربية" , واسم مؤلفه جورج أنطونيوس , وهو عربي مسيحي من فلسطين ومن أصل لبناني .

وإذ أُحرج الفرنسيون بالدعم البريطاني للقومية العربية أولا , ثم بالتبني الأمريكي لها , فإنهم باتوا يشعرون بضرورة إيجاد فكرة أخرى تكون قوية بما يكفي لطرحها في مواجهة فكرة العروبة .

وظهر كتاب هنري لامنس عن "تاريخ سورية" في الوقت المناسب لإيجاد مثل هذه الفكرة , إذ قال لامنس في كتابه هذا أن السوريين كشعب لهم وجود تاريخي يسبق بكثير وصول العرب إلى بلادهم , وان لديهم كامل الإمكانية للتطور والتحوّل إلى أمة قائمة بذاتها .
ومستقلّة تمام الاستقلال عن محيطها العربي .

أصاب لامنس في أطروحته هذه حول تاريخ سورية , بما فيها "الملجأ اللبناني" , هدفين بسهم واحد .

فقد وصف سورية بكونها بلدا طبيعيا ينتظر الفرصة لكي يصبح أمة , فيما أعطى للبنان موقعا تاريخيا خاصا داخل سورية كملاذ جبلي تقليدي للمضطهدين .

كان الأب لامنس يوفّر مسوّغا تاريخيا لظهور حركة قومية علمانية متعددة الأديان ومستقلة عن العروبة في سورية الجغرافية .

وأصبح كتابه "تاريخ سورية" مرجعا للقوميين السوريين حيثما وجدوا , وكذلك للمسيحيين من دعاة اللبنانية في لبنان . وكذلك كان الأمر أيضا بالنسبة إلى المفوضية الفرنسية السامية في بيروت , فقد أوجد الكتاب غطاء فكريا مثاليا لسياساتها .

(لكن التصور التاريخي لما اعتبره لامنس الهوية القومية المميزة للشعب السوري جاء متناقضا مع حقائق أساسية).

فقد كان يصعب على أيّ كان الادعاء بان أهل سورية , مهما يكن أمرهم في قديم الزمان , لم يكونوا عربا تماما بلغتهم وحضارتهم التقليدية في العصور الوسطى والأزمنة الحديثة ...

وبالإضافة إلى هذا فالقول بأن السوريين استعربوا بعد فتح العرب المسلمين لبلادهم لم يكن صحيحا على الإطلاق , لان وجود العرب في بلاد الشام _أي ما يسمى الآن بسورية الجغرافية_ جاء سابقا للإسلام بزمن طويل , إذ كان معظم عرب الشام على المسيحية .

واليوم يكاد من في لبنان يقبلون جميعا نظرية لامنس القائلة بان تاريخ لبنان في الأزمنة الإسلامية هو تاريخ ملجأ جبلي للجماعات التي اضطهدت في محيطه . وفي هذه النظرية القليل مما هو صحيح , ولكن فيها الكثير أيضا مما هو غير صحيح .

فالواقع أن أجداد الجسم الرئيسي لسكان لبنان وجواره المباشر لم يصلوا إلى لبنان هاربين من الملاحقة في البلاد المجاورة في أيام الحكم الإسلامي , بل كانوا قد وطدوا وجودهم محليا كقبائل وعشائر عربية مختلفة منذ ما قبل الإسلام .

ففي القرن التاسع عشر وجد شيء يمكن أن نسميه لبنان . وقد كانت للبنان هذا صفات ملازمة تجعل منه ظاهرة اجتماعية , لا سياسية , فريدة في الشام وفي العالم العربي التي وصل إليها التأثير الحضاري للغرب لا بشكل مفاجئ ولا بالحيلة أو العنف , بل عبر خطوات بطيئة وتدريجية , وبشكل مسالم .

وكان مثل هذا التأثير الغربي قد وصل إلى أنحاء أخرى من العالم العربي في الوقت نفسه بواسطة البوارج الحربية وجيوش الاحتلال , ومن خلال الاستدراج الاقتصادي عن طريق المعاملات المالية الخبيثة التي مهّدت الطريق للتدخل العسكري , كما حدث مثلا في مصر .

وبقي لبنان وحده البلد العربي الذي وصل إليه تأثير العالم الحديث بشكل دمث ومقبول , ومرحلة بعد أخرى . وغالبا ما وصل بناء على دعوة محلية . وجاء التكيف معه بالتالي تدريجيا , وبقدر مماثل من الدماثة .

وفي العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر كان مجتمع جبل لبنان , المرتبط ارتباطا وثيقا ببيروت , قد أخذ يتطور عبر قفزات سريعة , بالمقارنة مع محيطه العربي المباشر والأوسع .

(ولكن السياسة في جبل لبنان بقيت عشائرية في الأساس).

وعندما اتسع جبل لبنان بعد الحرب العالمية الأولى ليصبح لبنان الكبير , دخل حلبة السياسية اللبنانية مزيد من العشائر الملوحة بالرايات الطائفية .

وجاءت هذه العشائر من مناطق لم تشارك قبلا في التجربة الاجتماعية التاريخية الغنية لجبل لبنان وبيروت , فلم يكن لها أن تستوعب نتائج هذه التجربة , والأسس التي قامت عليها , بالقدر الكافي من السهولة .

وتبقى العشائرية آخر الأمر , ومهما كان الستار أو القناع الذي تختبئ وراءه , أساسا ضعيفا لبناء مجتمع حديث قابل للديمومة .

ولم يكن لبنان في الواقع , كما لم يكن جبل لبنان قبله , أكثر من تمثال من النحاس المذهب اللماع , ينظر إليه من حوله بدهشة وإعجاب , والتمثال يقف على رجلين من الخزف .

كانت المؤسسة المسيحية الحاكمة في لبنان بحاجة ملحة إلى مقولة أخرى توفر مسوغا تاريخيا لوجود لبنان كبير مستقل عن سورية وعن العروبة يمكن لجميع سكان البلد , ومنهم مسلمو المدن الساحلية السنة , أن يقبلوا به .

وحتى العقود الوسطى من القرن التاسع عشر لم يكن إلا لأناس قليلين من لبنان أن يعرفوا الكثير عن الفينيقيين القدماء ...

لكن الاهتمام اللبناني المسيحي بفينيقيا القديمة نما بسرعة أواخر القرن التاسع عشر .

ثم جاء الأب هنري لامنس فعالج بشيء من التطويل تاريخ المدن الفينيقية القديمة في دراسته عن سورية , حيث عامل الموضوع كتاريخ سوري قديم , وذلك بما يتفق مع أطروحته التي عرضناها قبلا .

ولم يكن باستطاعة أحد أن ينكر واقع الوجود التاريخي للفينيقيين القدامى . وكان الحزب السوري القومي في جملة من اهتم اهتماما كبيرا بأمرهم , على أساس أن تراثهم هو من تراث الأمة السورية .

واعتبرهم العرب القوميون , من جانبهم , عربا قدامى وصلوا أساسا من شبه الجزيرة العربية إلى السواحل السورية .

وكان هؤلاء على حق إلى حد ما .

فعندما زار المؤرخ الإغريقي هيرودوتس سورية في القرن الخامس قبل الميلاد أخبره شيوخ صور الفينيقيون بان أجدادهم كانوا قد جاؤوا في الأصل نزوحا من سواحل البحر الأحمر , بل أنهم حددوا زمن هجرتهم من تلك السواحل إلى سورية بثلاثة وعشرين قرنا قبل ذلك التاريخ .

وقد أثير نقاش كثير حول اسم الفينيقيين .

وعلى كل حال , فإذا كان لأحد حق في أن يدعي تحدره من قدامى الفينيقيين , فان أصحاب هذا الحق هم مسلمو المدن الساحلية السنّة الذين اعتبروا أنفسهم عربا , وليس مسيحيو الجبال أو أي فريق آخر .

ولقد تطورت النزعة الفينيقوية في الأوساط اللبنانية المسيحية كعقيدة أكثر منها كنظرية سياسية عقلانية .


..


دكتور صليبي ..

في حواركم مع مجلة بوهيميا , وجوابكم عن سؤال حول كتابكم الهام والرؤيوي "بيت بمنازل كثيرة" , قلتم أن نظريتكم في النقد التاريخي للمدارس السياسية والدينية اللبنانية لا تزال شبه يتيمة .

نتمنى أن نتوسع قليلا وبعد تقديم قراءة متأنية لكتابكم , في توضيح نقاط نؤمن أنها مستقبلية في رؤيتكم للتاريخ كعامل حاسم في تحديد الهوية القومية إنسانيا .


الأسئلة ..

_ الجزء الأول _

http://www.bohemea.com/mag/index.php?option=com_frontpage&Itemid=1

..







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 03-10-2009, 06:45 AM   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
زياد هواش
طاقم الإشراف
 
إحصائية العضو







زياد هواش متصل الآن


افتراضي رد: بيت بمنازل كثيرة / كمال الصليبي .

كمال الصليبي


بيت بمنازل كثيرة

الكيان اللبناني بين التصوّر والواقع

ترجمة عفيف الرزاز

الطبعة الرابعة 2007

نوفل

.
.

قراءة متأنية ..


الأسئلة ..


_ هل التاريخ المتفق عليه بين مجموعات بشرية في جغرافية ما , هو العامل الحاسم في تحديد الهوية القومية التي تستطيع بناء الدولة وتضمن استمراريتها ..؟؟

ج- التاريخ "المتفق عليه" ليس تاريخاً بالمعنى الصحيح، لأن "الاتفاق" على قول معيّن دون غيره يتنافى مع حرية التحرّي والفهم والادراك التي هي في أساس موضوع التاريخ. في رأيي أن "العامل الحاسم" في تحديد الهويّة القومية، أو، لنقل الكيانية على أنواعها، هو فهم مغزاها السياسي والاجتماعي، والاقتناع العام بفائدتها، بغضّ النظر عن التاريخ، سواء أكان هذا التاريخ متلائماً مع واقع هذه الهويّة أو معاكساً لها.



_ هل يمكن للبنانيين أن يتفقوا على رؤية مرنة وايجابية لتاريخهم بمعزل عن الاتفاق الأوسع على تاريخ المنطقة العربية ككل ..؟؟

ج- الرؤية الايجابية المرنة لتاريخ لبنان أصبحت متوفرة لدى اللبنانيين، على ما أظن، سواء من ناحية مبرّرات وجوده ككيان وطني مستقل قائم بذاته، أو من ناحية كمال عروبته وصفائها. هذه النظرة إلى تاريخ لبنان في نطاق تاريخ المنطقة العربية الذي يشكّل جزءاً لا يتجزأ منها هي النظرة الوحيدة المعقولة. إذ لا يمكن أن تستقيم أية نظرة علمية إلى تاريخ لبنان بمعزل عن التاريخ العربي الأوسع، كما هو الواقع بالنسبة إلى تاريخ سائر الكيانات العربية القائمة. هذا لا ينفي وجود قلّة من اللبنانيين ما زالت متمسكة بصورة خياليّة لتاريخ لبناني منفصل كامل الانفصال عن تاريخ محيطه. لكن الأرجح أن رأي هذه القلة مصيره النقصان التدريجي إلى أن ينتهي عاجلاً أم آجلاً إلى الزوال.



_ هل يتحمل الموارنة تحديدا , مسؤولية الأفق السياسي الضيق للكيان اللبناني , وصعوبة تحوله إلى دولة قادرة ..؟؟

ج- قبل عام 1920، لم يكن هناك كيان رسمي اسمه "لبنان" ولا كيان رسمي اسمه "سوريا" أو "سورية" ولا آخر اسمه "فلسطين"، أو "الأردن" أو "العراق"، الخ إلخ. هذه الكيانات جميعها، مع أسمائها، هي من صنع الحلفاء - وتحديداً، بريطانيا وفرنسا- بعد القضاء على الدولة العثمانية نتيجة لهزيمتها في الحرب العالمية الأولى. الشيء الوحيد الذي تميز به لبنان في هذه الصناعة للكيانات العربية المستحدثة هو أن مشروعاً لكيان اسمه "لبنان الكبير" كان معداً للتنفيذ منذ ما قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى. وأصحاب هذا المشروع كانوا من الموارنة وغيرهم من المسيحيّين الكاثوليكيين، من سياسيين وإداريين وأدباء ورجال أعمال، تساندهم في ذلك الكنيسة المارونية. وكذلك القوى الشعبية المارونية. الفئات المسيحية والاسلامية التي تحفّظت تجاه قيام الكيان اللبناني في البداية، ولمدّة عقود من الزمن، حمّلت الموارنة ما حمّلته من مسؤولية بشأن هذا الكيان. وربّما صحّ القول بأن الأكثرية الواضحة من هذه الفئات، وهي الرافضة للكيان اللبناني أصلاً، أو المتحفّظة تجاهه، تحوّلت منذ نهاية الحرب الأهلية اللبنانية من ذمّ الموارنة إلى الاعتراف بفضلهم التاريخي لكونهم هم الذين أوجدوا لبنان أصلاً- بل ولبنان "الكبير" تماماً كما هو من الناحية الجغرافية. هذا من ناحية من كانوا ضدّ الكيان اللبناني في البداية. أما من ناحية الموارنة وغيرهم من المسيحيين، فمن بينهم عقلاء يبتهجون بهذا الاجماع المتزايد حول فكرة لبنان، بعد أن تطوّرت هذه الفكرة وأصبحت مقبولة من غير المسيحيين، ومن بينهم غير عقلاء يرون خلاف هذا الرأي "لغاية في نفس يعقوب"، كما يقال. هؤلاء، مع من لفّ لفّهم من الفئات غير المسيحية في البلاد، هم أصحاب "الآفاق السياسيّة الضيقة للكيان اللبناني" التي يدور حولها السؤال.



_ هل نستطيع أن نأخذ من الكيان اللبناني نموذجا لتعقيدات الواقع الجغرافي العربي , سياسيا واجتماعيا وتاريخيا , وحاضرا ومستقبلا ..؟؟

ج- كل بلد عربي يمكن اعتباره "نموذجا" لتعقيدات الواقع الجغرافي العربي، سياسياً واجتماعياً وتاريخياً، وحاضراً ومستقبلاً. جلّ ما في الأمر أن لبنان شفّاف، وتعقيداته واضحة للعيان وسهلة الاستغلال عربياً ودولياً. هذه هي نقطة الضعف الأساسية في لبنان، ولعلّها في الوقت ذاته مصدر قوّته. الصحفي اللبناني الكبير ميشال أبو جودة، رحمه الله، كان يقول بين المزح والجد: لبنان "مشرشح" لكنه في الوقت ذاته قادر على "شرشحة" كل من يحاول النيل منه. والمتفلسفون يقولون، بالمعنى ذاته، "قوة لبنان في ضعفه".



_ هل نستطيع النظر إلى الفترة العثمانية على أنها "أبطأت بشدة" التطور الطبيعي إنسانيا , للنسيج الاجتماعي للسكان في الجغرافيا العربية والجوار ..؟؟

ج- ما هو الدليل على وجود أي تطوّر تاريخي في بلادنا العربية وجوارها تمّ ابطاؤه "بشدة" خلال الفترة العثمانية؟



_ وهل نستطيع القول أن الفترة العثمانية , كرست بطريقة ما الواقع العشائري العربي اجتماعيا , من حيث أنه شكلت الحاضنة التي أمنت انتقاله من زمنه الطبيعي إلى الأزمنة الحديثة من دون أن يخضع للتحولات التاريخية ..؟؟

ج- عانت الدولة العثمانية من الواقع العشائري العربي مثلما عانت منه قبلها دولة المماليك. وكذلك السلاجقة والأتابكة، ومن قبلهم الفاطميون والعباسيون والأمويون. العشائرية متأصلة في بلادنا بحيث لا تحتاج إلى من يحتضنها لتأمين انتقالها من جيل إلى جيل.



_ وهل يمكننا أن نعيد كل ذلك إلى الآليات الاقتصادية للدولة العثمانية التي انحصرت في البلاد العربية "بنظام الجباية" الذي أعاق تماما التطور الاقتصادي الطبيعي , وعطل بفعالية الانتقال إلى بُنى اجتماعية اقتصادية ودينية وفكرية ايجابية ..؟؟

ج- للحكم على الفترة العثمانية من تاريخ بلادنا، علينا أولاً أن ندقق في دراسة هذه الفترة من جميع الجوانب. والسبل إلى ذلك أصبحت اليوم متوفّرة عن طريق المحفوظات المركزية في اسطنبول، والمحليّة حيث توجد. يبقى المهم: عندما اقتسم الفرنسيون والبريطانيون بلادنا وأقاموا عليها انتدابهم، علّمونا أن ننسب كل السلبيات في أوضاعنا إلى الحكم العثماني البائد. ونحن صدّقناهم. وقد حان الوقت لنا ان نعيد النظر في الموضوع وان نتساءل: هل كل ما قاله لنا البريطانيون والفرنسيون عن العثمانيين كان بالضرورة صحيحاً وخالياً من الأهواء؟



_ هل نستطيع الرهان على الآليات الاقتصادية المعاصرة , في أن تقوم بتصحيح هذا الواقع التاريخي الشاذ , بفعل العولمة كتجربة إنسانية , وبغض النظر عن مستقبلها , في أن تكون الأداة التاريخية "غير الواعية" , القادرة على تفكيك البُنى العشائرية المهيمنة على المشهد الإنساني العربي بكل مناحيه ..؟؟

ج- لا أستبعد أن تتمكن الروح العشائرية المتأصلة فينا إلى الحد الذي وصفته من التغلب على العولمة كتجربة انسانية، مهما كان لها من آليات اقتصادية الكترونية وغير الكترونية. لا تستقلّ قوة دعوى الجاهلية وقدرتها - منفردة أو بالتعاون مع القوى الكبرى التي تستفيد من وجودها - على معاندة الزمن.



_ هل نستطيع القول بثقة , أن الهويات القومية , للجماعات البشرية في الجغرافيا العربية , بتعدديتها , ليست أكثر من فهم استعماري مخادع للتاريخ , يحافظ على السلبية العشائرية الكامنة فيها , ويقوم دائما بتوظيفها وبكل سهولة ..؟؟

ج- من طبيعة الاستعمار استغلال كل فرصة سانحة لتقوية مكانته. لكن ما من استعمار يستطيع خلق فرص سانحة من العدم. يمكنه ان يبحث عن فرص لاستغلالها، وأن يدعم ما وجد منها، مهما كان ضعيفاً، حتى يقوى وينضج إلى أن يحين قطافه. لكنّه لا يستطيع أن يفعل أكثر من ذلك. الروم والفرس في جاهليتنا استغلّوا السخف العشائري الذي فرّق بين بكر وتغلب، وبين عبس وذبيان، فكانت حرب البسوس وحرب داحس والغبراء. ولكن الروم والفرس، في أي من الحالتين، لم يخلقوا السخف العشائري الذي استغلّوه من العدم. الحكمة تبدأ بوضع الملامة أولاً على النفس بدلاً من وضعها على فريق خارجي، قبل أن يتسنى لهذا الفريق من لعب دوره.



_ هل يمكننا قراءة القضية الفلسطينية , من زاوية تأثيرها المستمر , على المشهد العربي المعاصر , على أنها المفتاح الذي يدخلنا إلى الأبجدية الاستعمارية التي خلقت الشرق الأوسط السياسي ورسمت حدود كياناته , وعلى أرضية أهمية النفط , بما يخدم الفكر الاستعماري , ويكرس على الأرض هيمن الفكر العشائري العربي سياسيا وسلطويا ..؟؟

ج- إسرائيل اليوم ليست في أفضل أيامها. ولذلك، نكون مخطئين إذا عدنا إلى موضوعها، وفي الوقت الراهن بالذات، لنجعل منه "المفتاح" لأي شيء. بحيث نعيد الروح إلى كيان ربّما بدأ يفقد ما كان له من الموقع سابقاً. على كل حال، فإن خريطة العالم العربي الحديث لم ترسم بسبب المشروع الصهيوني لمستقبل فلسطين. بل ان الأساس في رسم هذه الخريطة كان النفط والمواصلات. وكل ما زاد على ذلك جاء عرضاً، ومن الخطأ أن يعطى ما لا يستحق من الاهتمام.



_ هل نستطيع القول بعلمية تاريخية , أن الكيانات السياسية العربية عموما , والمجاورة لفلسطين تحديدا , تم صياغتها استعماريا , بحيث تشكل عمليا , جغرافيات عشائرية متنافرة داخليا , وفيما بينها , بما يسمح للكيان اليهودي المُحدث , بالبقاء والاستمرار ...؟؟

ج- الكيانات السياسية العربية عموماً، بما فيها تلك المجاورة لفلسطين، تمت صياغتها استعمارياً. نقطة على السطر.



_ هل نستطيع سحب ذلك على لبنان تحديدا , ككيان يدفع ثمن جغرافية ملاصقة ومكملة لجغرافية فلسطين , استراتيجيا , بحيث يشكل للكيان اليهودي , أرضا ومياها , يحتاجها بشدة , ولا بديل له عنها ..؟؟

ج- نعم، نستطيع سحب ذلك على لبنان بالطريقة المعدلة التي طرحتها في جوابي السابق.



_ هل يمكننا القول بان لبنان بطوائفه , والجغرافيا العربية بتنويعاتها البشرية , وهوياتها القومية الغنية , قد لا تستطيع يوما , وبالرغم من انكشاف الحقائق التاريخية علميا , أن تتجاوز بناءا عشائريا استعماريا متداعيا , مستمدا من تزييف وتوظيف تاريخي حاد وقلق ..؟؟

ج- بداية أكرر، العشائرية من طبيعتنا، وليست دخيلة علينا عن طريق الاستعمار، وإن كان الاستعمار أمعن في استغلالها وهي - من جانبها- أمعنت، وربّما أكثر، في استغلاله. لن نتقدم اطلاقاً إذا بقينا نخدع أنفسنا فنعتبر أن كل ما لدينا من سلبيات، من المتأصّل والمشهود له تاريخياً فينا، مردّه إلى الاستعمار أو غير الاستعمار من العوامل الخارجة عن ارادتنا. عندما نتوقّف عن مخادعة أنفسنا بمثل هذه المخادعة، وفقط عند ذلك، يصبح بإمكاننا تجاوز كل ما نريد أن نتجاوزه، بل ويجب أن نتجاوزه، بما فيه العشائرية بجميع أشكالها.



_ هل نستطيع الرهان لإحداث التغيير الضروري في البنية العشائرية السياسية والاجتماعية والدينية العربية , على الوعي والإرادة , والرغبة المشتركة بذلك ..؟؟

ج- نعم، شرط أن تكون النية للإقدام على ذلك صادقة وصافية وليست مَمليّة من الخارج، بل نابعة من الداخل.



_ هل لا يزال التاريخ يمتلك أدوات التغيير الحتمية , اللاواعية , كما يسميها المفكرون الماركسيون (كالاستعمار البريطاني للهند الذي نقلها إلى بُنية جديدة) ..؟؟

ج- المبدأ بسيط: كل ما هو أقوى يسيطر على ما هو أضعف، وكل ما هو أسرع يحل محل ما هو أبطأ، وكل ما يسهّل الأمور يحلّ محل ما يعقّد الأمور- على الأقل، في نهاية المطاف. وكذلك، كل ما هو طيّب المذاق يحل محل ما هو كريه المذاق، وكل ما هو ممتع يحل محل ما هو غير ممتع، وكل ما هو مكسب يحل محل ما هو غير مكسب، وكل ما هو أرخص يحل محل ما هو أغلى، إلخ إلخ... لا يحتاج الانسان إلى الكثير من الفلسفة لفهم هذه الأسس التي عن طريقها تتحول البشرية من حال إلى حال، سيراً نحو المستقبل. أضف أن من يأتي بالأسرع، وبالأسهل، وبالأطيب، وبالأمتع، وبالأكسب، وبالأرخص، إلخ. إلخ...، هو الذي ينتهي إلى قيادة العالم أو السيطرة عليه.



_ هل يمكن للأقليات في الجغرافية العربية يوما , أن تكون في داخل كياناتها السياسية , مستقرة ومنتمية ..؟؟

ج- المسألة، برأيي، تعود إلى الفرد، وما يقرره الأفراد كلّ لنفسه. أنا، كفرد، يمكنني أن أطرح نفسي كبروتستانتي أولاً، أو كمسيحي أولاً، وبالتالي أن أكون، كإنسان لبناني أو إنسان عربي، عضواً في أقلية. لكني أنا، الفرد، اتخذت قراراً بأن لا أكون عضواً في أقلية، بل عضواً في مجتمع مدني.
بقرار من نفسي، أنا أطرح نفسي كمواطن لبناني داخل لبنان، لا يفرّق بين لبناني وآخر ولا يعترف بأقلية أو أكثرية من أي نوع بين مواطنيه، كما قرّرت أن أطرح نفسي على صعيد آخر كإنسان عربي لا يفرّق بين عربي وآخر. الذين يؤثرون العيش في مجتمعات كأعضاء من أكثرية أو من أقلية عليهم أن يتحملوا نتائج اختيارهم لهذا النوع من العيش.



_ هل يمكن للأكثرية الإسلامية في الجغرافيا العربية يوما , أن تصل إلى تعريف للهوية العربية يشكل الأساس الطبيعي لبناء كيان سياسي جامع , ومواطنة عربية قابلة للحياة ..؟؟

ج- إذا لم تتمكن الأكثرية الإسلامية في العالم العربي من أن تصل يوماً إلى تعريف لهوية عربية لا دخل للدين فيه، فلن تكون هناك مواطنة قابلة للحياة تستحق أن تسمّى عربية. والاستثناء الوحيد، بهذه المناسبة، هو لبنان الذي - وحده من بين الدول العربية - لا يحدّد ديناً للدولة.



_ هل وصل الفكر القومي عالميا إلى حائط مسدود ..؟؟

ج- الانتماء القومي، أو الوطنية، ظاهرة إنسانية طبيعية، نابعة من العاطفة. ولذلك، فهي غير مرشّحة للزوال في المستقبل المنظور. أما الفكر القومي، فأظن أن تطوّر العالم تخطّاه، بحيث أصبح تأثيره محدوداً.



_ هل يمكن للمفكرين القوميين في الجغرافيا الإنسانية أن ينتقلوا إلى صياغة جديدة للهوية الإنسانية بتراث قومي ..؟؟

ج- للانتماء القومي من المكانة، كظاهرة عاطفية طبيعية، ما يرشحها لأن تكون بحدّ ذاتها- وبغضّ النظر عن الفكر القومي- عنصراً أساسياً في أيّة صياغة جديدة للهوية الانسانية.



_هل علينا في الجغرافيا العربية أن ننتظر إلى (ما بعد عصر النفط) حتى يكون لنا فرصة تاريخية حقيقية فكريا وسياسيا واقتصاديا , وبالتالي اجتماعيا وإنسانيا , لإحداث التغيير ..؟؟

ج- الفرصة الذهبية التي وفرها عصر النفط للعرب فاتهم استغلالها كما يجب. مال النفط لم يستثمر فيما يصلح حال العرب ويساعدهم على تغيير ما بأنفسهم. معظمه ذهب هباءً، والذي تبقى منه استثمر سياسياً، وفي ما هو غير ذلك من المجالات، في مشاريع فساد وإفساد لم تستثنى أي قطر من أقطارنا. وما أخشاه هو أنه عندما ننتهي من عصر النفط ستكون أحوالنا - على الصعيد الإنساني العام - أسوأ بكثير مما كانت عليه عند بداية هذا العصر، عندما كانت لدينا بعد تقاليد انسانية جميلة نحافظ عليها. والحق في ذلك ليس على أحد غيرنا لأننا جميعاً، بشكل أو بآخر، قبضنا وسكتنا، أو هُوّل علينا فسكتنا. لكن لا شيء يمنع أن نستفيق على وضعنا السيء، وأن نعمل على تغيير ما بأنفسنا بعد أن يزول عنا أثر مال النفط، لكي تصلح أحوالنا. وعسى أن تأتينا بعد ذلك فرص ذهبية مستقبلية من نوع أو آخر نتمكن من استغلالها لخيرنا، وأيضاً لخير البشرية. لأننا، من الآن فصاعداً، لن نتمكن من الاستمرار في العيش منفصلين عن سائر البشرية، وإن تقنا أحياناً إلى ذلك. لأن الأرض أصبحت صغيرة، وسوف تصبح أصغر فأصغر.



_ هل جاء رهان أي أقلية في الجغرافيا العربية , على القوى الاستعمارية , محض خيار حر , أو من ضمن عصبيات عشائرية , أو أن الجميع وقع عمليا ضحية اللعبة الاستعمارية ..؟؟

ج- الأقليات التي تتآمر مع قوى من خارج مجتمعها للنيل من مكانة الأكثرية في هذا المجتمع هي، في رأيي، شرّ مطلق، بقدر كون "تمقطع" الأكثرية أو اضطهادها السافر للأقليات التي تتعايش معها، كذلك، شر مطلق. وما الفارق بين الشر والآخر سوى أن الأكثرية لا تحتاج إلى مساعدة خارجية للنيل من الأقلية، على عكس الأقليات التي تحتاج إلى ذلك. تنمّر الأكثرية واستئسادها على الأقليات التي تعيش في كنفها هو شيء مقرف للغاية. وهو دليل جبن، بخاصة لكون الأكثرية بطبيعة الحال أقوى من الأقلية وقادرة على لوي ذراعها بكل سهولة. لكن لا شيء يثير الاشمئزاز أكثر من تجبّر الأكثرية إلا نقيق الأقليات مهما كان السبب، بخاصة إذا جاء هذا النقيق مقروناً بالتآمر والاستقواء بقوى خارجية لتحقيق أهداف مضرة بالمجموعة. في ذلك ما يجعل من الأقليات، على أنواعها، المدخل المثالي للإستعمار إلى البلاد التي يصبو إلى استعمارها والتمكن من مقاديرها. ولا استثناء لهذه القاعدة حسب علمي.


كل الشكر والامتنان للدكتور الصليبي .


زياد هواش _ خاص بوهيميا



_ الجزء الثاني _

http://www.bohemea.com/mag/index.php?option=com_content&task=view&id=306&Item id=1

..







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 25-10-2009, 10:53 AM   رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
زياد هواش
طاقم الإشراف
 
إحصائية العضو







زياد هواش متصل الآن


افتراضي رد: بيت بمنازل كثيرة / كمال الصليبي .

بيت بمنازل كثيرة

حوار خاص مع الدكتور كمال صليبي (2)



(" ننتقل إلى كتبكم التاريخية الهامة عن لبنان وخصوصا كتابكم (بيت بمنازل كثيرة) , الذي صدرت طبعته الأولى بالانجليزية عام 1989، وبالعربية عام 1990 .


س _ هل أثبتت المرحلة التي تلت نهاية الحرب الأهلية اللبنانية عام 1989 , الفرضيات التي ذهبتم إليها في كتابكم المذكور ..؟؟




بمعنى أن اللبنانيين صاروا أكثر لبنانية..!!


ج _ صحيح , لقد تحول اللبنانيون إلى أكثر لبنانية , بطريقة ما , وبما لم يكن متوقعا حتى مني. " ).


أحببنا أن نبدأ هذه القراءة المتأنية التي تمهد للقسم الأخير من حوارنا مع الدكتوركمال الصليبي حول " بيت بمنازل كثيرة" بالسؤال والجواب الموجودين أعلاه ، وهما قد وردا سابقاً خلال حوارنا الأول مع حضرة الدكتور وهو الحوار الذي قمنا بأعداد أسئلته ، وأجرى الحوار مباشرة الأستاذ الياس جرجوس " رئيس تحرير مجلة بوهيميا الثقافية " خلال لقائه مع الدكتور الصليبي في مكتبه في بيروت وكان ذلك بتاريخ 29/تموز 2009 م , أي بعد أن نشر الدكتور الصليبي كتابه " بيت بمنازل كثيرة" بعشرين عاما تقريباً .


عشرون عاماً مضت إذاً ، ودون أن يثبت هذا الزمن الطويل /في عصر السرعة/ إي تغيير واجب على المعطيات التي جاء بها الدكتور الصليبي وذلك في نظريته الواردة في كتابه التاريخي الفائق الأهمية " بيت بمنازل كثيرة" بل بالعكس تماماً لقد أثبتت تلك المرحلة الزمنية الطويلة نسبياً صحة الفرضيات التي أوردها الدكتور الصليبي وبدقة تدعو أحياناً إلى الدهشة . لكن هذه الدهشة لا تلبث أن تزول عند متابعي فكر الدكتور الصليبي الذين يتلمسون منهجية البحث العلمي ذات المستوى الرفيع والموجودة عند الباحث والمؤرخ الكبير على الصعيد العالمي.


وحينما يعود الدكتور الصليبي إلى كتابه ويتصفحه إما تصفحا ًمباشراً أو عبر أسئلتنا وحواراتنا معه ، تصفحاً كاملاً أو جزئياً تحليلياً أو تركيبياً ، فهو لا يجد فيه أية فقرة قد تحتاج إلى تعديل أو حتى إلى تنقيح بسيط . ولعمري أن طريقته هذه هي الطريقة العلمية المثلى في كتابة التاريخ ، وهذه هي أفكار الدكتور الصليبي التي يثبت الزمن جودتها وصحتها مع توالي الأيام .


نتابع اليوم ، قراءتنا التمهيدية المتأنية، التي نقدم بها للقسم الأخير من أسئلتنا التي دارت مع الدكتور حول كتابه "بيت بمنازل كثيرة" ، وقد أعد الجزء الأول من تلك الأسئلة وهو الجزء المنشور في عدد بوهيميا السابق صديقي الأستاذ زياد هواش ، بينما قمت أنا بإعداد هذا الجزء الأخير من الأسئلة مع قراءة تمهَدله وتتضمن هذه القراءة التمهيدية، مقتطفات تاريخية منتقاة بحرفيتها وبعناية من الكتاب ، و هي تدور حول بعضاً من مواضيعه الهامة وهي :



".... وفي العام 1948، كتب ساطع الحصري الذي كان من كبار دعاة القومية العربية ، وشخصية سياسية بارزة في العراق ، ملاحظاً أن العرب المسلمين ،وخلافاً للعرب المسيحيين ، قد فهموا تاريخهم في البداية كتاريخ للخلافة الإسلامية ، متابعين أياها في فترات مختلفة ، مرحلة بعد مرحلة ، وأسرة بعد أسرة ، من الخلفاء الراشدين ، إلى الأمويين والعباسيين ، ثم أخيراً إلى العثمانيين . وقال الحصري أيضاً أن القومية العربية كانت تعني بالنسبة إلى اوائل القوميين العرب المسلمين المطالبة بالخلافة الإسلامية ، وهي التي كانت يومها للأتراك العثمانيين ـ الخليفة من أصل عربي .


وانتهى الحصري إلى القول أن هذا ما جعل القومية العربية تصاغ أول ماصيغت على يد مفكرين من العرب المسيحيين" .



ـ " وبالإضافة إلى هذا، فقد كان القوميون العرب مصممين على اكتشاف عناصر الوحدة في الماضي العربي مشددين على هذه العناصر وليس على عناصر الاختلاف. ومهما تكن عناصر هذه الوحدة الموجودة ..فإنه لايمكن العثور عليها إلافي القرون المبكرة للإسلام ، أي في الفترة مابين القرنين السابع والتاسع من التقويم المسيحي عندما كان تاريخ العرب يسير جنباً إلى جنب مع تاريخ الإسلام ".



- " وهناك أيضا الدين وقد لاحظنا سابقا أن إحدى نقاط الضعف للقومية العربية كفكرة تكمن في خلطها منذ البداية بين تاريخ العرب وتاريخ الإسلام. وليس التمييز بين هذين الخطين من التاريخ , المترابطين والمختلفين في آن معا , بالأمر السهل , وذلك لان العرب لم يكن لهم في أي وقت تاريخ مشترك إلا عندما وجدوا جميعا تحت حكم الإسلام , بل تحت سيادة إسلامية واحدة .


ـ " ومع ذلك يمكن الإبقاء على التصوَر القائل بإن تاريخ القرون الإسلامية الأولى كان تاريخاً عربياً في الواقع . وما ساعد في الترويج لهذا التصوَر حقيقة أن اللغة العربية أصبحت بطبيعة الحال لغة الإسلام كحضارة عالمية ،لأنها كانت لغة الإسلام كدين ، واستمرت في كونها لغة الإسلام كدولة قروناً عديدة ."



ـ " وهناك الموقف العربي المتغير تجاه لبنان والذي لابد من أخذه في الاعتبار. فبينما كان بعض الأطراف العربية يعبر حتى الأمس القريب عن درجات مختلفة من التحفظ بشأن الموقع السياسي المتميز للبنان في العالم العربي ، لم يعد أحد يفعل ذلك اليوم علناً ، ولم يبق هناك الكثير من التوظيف السياسي العربي السابق في الخلافات السياسية اللبنانية ، وما من طرف عربي يعلن وقوفه بشكل مكشوف في هذه المرحلة الراهنة من النزاع إلى جانب هذا الفريق اللبناني أو ذاك ـ ومع المسلمين ضد المسيحيين كما جرت العادة ـ مثلما فعل البعض في مراحل سابقة. والواقع أن معظم الأطراف العربية بدأت أخيراً تعبر عن اهتمام عميق بوضع حد للمأزق اللبناني المستمر ، ويبدو أنها جميعها مخلص في اتجاه التوصل إلى تسوية سياسية لبنانية عادلة بالنسبة إلى المسيحيين والمسلمين على السواء . ولقد أصبحت الخصوصية اللبنانية ضمن الإطار العربي مقبولة عموماً بين العرب في الوقت الحاضر لأنها أصبحت واقعاً ، ولم يعد أحد يشجبها بكونها إدعاءً " ًمفرطاً ".



ـ " ... والاستنتاج الثالث هو أن العالم العربي، ومهما يكن من موقفه الأولي من مسألة لبنان، أصبح يقبل بالجمهورية اللبنانية كما هي موجودة فعلاً ويفهم البنية الحساسة للمجتمع اللبناني ويقدرها اليوم - وبالتأكيد- كما لم يقدرّّها في السابق. وهذا يعني أن التسليم بعروبة لبنان – إلى الحد الذي قد يكون فيه هذا المفهوم صحيحا – لم يعد يشكّل خطرا على استمرار سيادة البلد ووحدته , ولا على منزلة أية مجموعة معينة من اللبنانيين , هذا إن كان قد شكّل مثل هذا الخطر في الماضي .



... إنّ ما يعبر عنه العرب من اهتمام راهن بإعادة لبنان إلى ما كان عليه قبل اندلاع الحرب الأهلية فيه, هو اهتمام حقيقي, له دوافع معقدة تتعلق بالمصالح العربية الذاتية عموما ".


- " وتمكن الحزب السوري القومي " الذي أسسه أنطون سعادة من تخطي الخطوط الطائفية . لكنه كان يدعو إلى وحدة سورية ، وله أعضاء من سوريا و فلسطين و الأردن كما من لبنان . وهو بالتالي لم يكن فريقا سياسيا لبنانيا بالمعنى المحدود .


ولم يكن لهذا الحزب القوة اللازمة في لبنان، أو في غير لبنان لتوصله إلى السلطة..." .


- " ... ولكن الوضع اليوم صار مختلفا من هذه الناحية. فقد أصبح هنالك لدى اللبنانيين , وعلى استمرار الخلاف السياسي فيما بينهم , شعور مميز بهوية خصوصية مشتركة , تماما كما هو الأمر بين سائر الشعوب في البلدان العربية . والشعور هذا – من جميع النواحي – هو شعور بخصوصية الكيان والدولة , وهو قوي في معظم الحالات بما يجعله لا يحتاج إلى تسويغ تاريخي مصطنع . وفي الوقت نفسه هناك في جميع أرجاء العالم العربي تمسّك بهوية عربية مشتركة يتمثل في أضعف حالاته بإحساس كامل بأن الكيانات العربية إنما تنتمي إلى مجتمع عربي واحد. هذا الإحساس لا يمكن تجاهله سياسيا إلا بثمن معين. والى هذا الحد تبقى العروبة واقعا وجوديا مهما لا بد لكل العرب وكل المتعاملين مع العالم العربي من أخذِه في الحساب. والعروبة هي أيضا ليست بحاجة الى تسويغٍ تاريخي مصطنع , وجل ما في الأمر أنه يجب فهمها كما هي عليه , رابطة أساسية توحد العرب على مستويات معينة , وان لم تتجاوز كل الاختلافات فيما بينهم . والرابطة هذه لها من القوة الخفية ما يجعل كل عربي يشعر في قرارة نفسه بذنب عميق إذا هو تجاهل عن قصد أو عن غير قصد واجباته المعنوية تجاهها ".


ـ " .... في المدارس الإسلامية السنية التي تديرها جمعية المقاصد في بيروت ، حيث برز هناك إصرار على تدعيم كل الرموز والتقاليد القائمة للدولة اللبنانية بكل مايلزم من إحترام .وشكل هذا بالنسبة إلى المسلمين السنة في بيروت ،عنصراً مهماً في وقت كان فيه لبنان يتفككك بسرعة ، محتاجاً إلى ولاء كل مواطن فيه لكي يحافظ على وجوده ، مع الأمل بتحسن في أوضاعه " .


ـ " وكان شيعة لبنان يعرَفون أنفسهم بكونهم عرباً ، وذلك بما لايقل عن دروزه ، وقد إعتبرت هاتان الطائفتان المسيحيين الذين يعيشون بين ظهرانيهما عرباً مثلهما ، بغض النظر عما إختاره هؤلاء المسيحيون من أهواء في تعريف أنفسهم ، ورأى الشيعة ،كمارأى الدروز ، أن تاريخ أي بلد عربي أو أية جماعة عربية ليس إلا تاريخاً عربياً في النهاية . ".


- "المجاملة التي قدمها البابا ليون العاشر للطائفة المارونية في العام 1510م لم يسبق لها مثيل . ففي بيان رسولي رسمي موجه الى البطريرك الماروني بطرس الحدثي , استهل الحبر الأعظم كلامه بتقديم شكر خاص "للعناية الإلهية" لأنها شاءت أن تستمر في رعاية الشعب الماروني في أحلك الظروف – فتحفظه زاهر يتألق في بيئته "كالسوسنة بين الأشواك".



- " ويبدو من مراجعة أحوال الطائفة المارونية أن الدويهي كان على حق .


فالبيزنطيون لا المسلمون هم الذين طردوا الموارنة من وادي العاصي . غير أن هذا لم يحدث في العام 685م كما يفترض الدويهي , إذ كانت جميع بلاد الشام تحت الحكم الأموي في تلك الفترة . والواضح انه حدث بين العام 969م والعام 1071م حيث كان الوضع مختلفا . ففي ذلك الوقت كانت للبيزنطيين سيطرة فعلية على وادي العاصي من دون أن يكون لهم موطئ قدم في جبل لبنان. ".



ـ "... وليس عجيبا , بالتالي , أن تكون حوليات الدولة الإسلامية , بمراحلها المختلفة , قد وفرت الإطار المرجعي الرئيسي للبطريرك اسطفان الدويهي في كتابه المعروف "تاريخ الأزمنة" , وهو الكتاب الذي ضم حوليات الموارنة وحوليات جبل لبنان وبقية أنحاء الشام من الفتح الإسلامي حتى أيامه , أي حتى الزمن الذي عاش فيه هذا البطريرك الماروني الباحث , وهو العقود الأخيرة من القرن السابع عشر عندما كانت الدولة العثمانية لا تزال قريبة من أوج قوتها . وكما أشرنا في فصل سابق فأن الدويهي سمى كتابه هذا في البداية "تاريخ المسلمين" . وكان لاختيار الدويهي هذا التعبير عنوانا لمؤلفه التاريخي الرئيسي مغزاه . والأمر ذو المغزى الأهمّ هو أن الدويهي رأى من المناسب إدخال طائفته المسيحية نفسها في هذا المجرى الخاص للأحداث بتاريخها السياسي والاجتماعي وحتى الكنسي , كجزء من تفصيل محلي يرتبط أخيرا بالحوليات العامة للإسلام ".


ـ "... أما العرب المسيحيون فقط بقيت لهم أهميتهم حتى اليوم. وهناك طائفة منهم – وهي الطائفة المارونية – تقف على رأس إحدى الدول العربية حتى الوقت الحاضر. بالإضافة الى هذا فان العرب المسلمين لا يتبعون كلهم نوعا واحدا من الإسلام.



ـ " هذه عبارة عن نظرة حديثة الظهور الى لبنان . وهي نظرة تاريخية تتطلع الى ما هو أبعد من تفاصيل التاريخ السياسي , وتفهم المجتمع اللبناني خلال القرنين الماضيين كتجربة فريدة لشعب واحد في عالم عربي حديث مقبل على حضارة عالمية حديثة . وهي تجربة يجب أن تنجح وان تتجاوز كل الاختلافات الطائفية بين اللبنانيين إذا كان للبنان أن يبقى . وهي بطريقة ما , نظرة توزع الجوائز على الجميع في اللعبة اللبنانية . وفي ضوئها , كما في ضوء نظرات أخرى من النوع نفسه قد تسهم الآلام الحالية للبنانيين في تكاثرها , لا بدّ من أن يتوقف ماضي لبنان – آخر الأمر – عن أن يكون مسألة جدل عقيم بين مواقف سياسية متصلبة ومبنية على أحكام مسبقة , وعن أن يكون تعبيرا عن حزازات عشائرية أو شبه عشائرية قديمة بات للزمن أن يطويها . فيصبح بالتالي تاريخا يحمل معنى اكبر بالنسبة الى الحاضر , بل وبالنسبة الى المستقبل أيضا , وأكثر .



وفي التحليل الأخير يمكن القول إن التاريخ ليس مجرد بحث عن معرفة, فهو كذلك بحث عن الفهم والإدراك, أي عن الحكمة. ولبيت الحكمة منازل كثيرة . وإذا ما تم تنظيف السقائف اللبنانية بالمعاسف , إذ يجب أن يتم ذات يوم تنظيفها مما علق أو تجمع فيها على مر الزمن من نسيج العنكبوت , فستكون هناك طرق لا متناهية يمكن من خلالها إعادة النظر في تاريخ لبنان بما هو في صالح اللبنانيين , وخير للعالم العربي عموما . ولا يمكن أن تكون للتاريخ أكثر من قيمة أثرية إذا كان مجرد رواية لأحداث الماضي . وإذا كان التاريخ كذلك فمن الأفضل التخلي عنه للمؤرخين . أما إذا كان له معناه وفائدته الاجتماعية , فلا بد من إعطائه كل ما يستحقه من أبعاد له ".



الأسئلة:


دكتور..


في الفصل الثاني من كتابكم بيت بمنازل كثيرة وهو بعنوان "اللعبة اللبنانية" تتحدثون عن ثلاثة تيارات فكرية رئيسية تشكلت على الساحة اللبنانية , لبنان كنموذج للمحيط العربي الأوسع ولدار الإسلام , خلال القرن الماضي :


1_ "القومية العربية".


2_ "الخصوصية اللبنانية".


3_ "السورية القومية".


وإذا ما فهمناكم جيدا تقصدون بهذه التيارات الثلاثة "عشائر مقنعة" تغلف وتخفي أشياء وعناصر قديمة وبدائية ليس اقلها "العنصر العشائري" , حتى أنكم سميتم اللعبة الدائرة بين هذه التيارات بـ "اللعبة الكبرى" واعتبرتموها في حقيقتها "لعبة عشائرية" , وأن هذه اللعبة قد تحولت مع وبسبب تدخل اللاعبين من خارج لبنان من لعبة كان يسودها التسامح النسبي إلى حرب أهلية اندلعت نارها في العام 1975م .


_ اليوم وبعد التراجع المخيف الذي شهدته تلك التيارات الثلاثة وانحسار دورها إلى حدوده الدنيا , والذي تزامن مع صعود وبروز القوتين الإقليميتين الكبيرتين القديمتين والمتجددتين , القوة الإيرانية والقوة التركية .


هل حلت هاتين القوتين محل التيارات الثلاث المنحسرة ؟


وهل ملأت الفراغ في "اللعبة الكبرى الجديدة" ؟


ج- يفترض السؤال "التراجع المخيف" و"انحسار الدور إلى الحدود الدنيا" للتيارات التي تصارع حولها اللبنانيون – وبخاصة التياران العروبي واللبناني- منذ أن تأسّس لبنان عام 1920 وحتى نهاية حربه الأهلية، لنقل عام 1990. وبرأيي فإن ما حصل هو العكس تماماً. خرج لبنان من الحرب بمفهوم للعروبة أكثر صفاء من أي وقت سابق، عندما كانت العروبة ليست أكثر من قناع تختبئ وراءه العصبيّة الإسلامية السنية وما يتبعها. وكذلك خرج لبنان من الحرب بمفهوم للهويّة اللبنانية أكثر صفاءً من أي وقت سابق، عندما كانت المناداة بها تكاد أن تكون غرضاً مسيحيّاً، أو مارونياً فحسب، لا دخل لغير المسيحيين فيه. ولدي حدس بأن هذا الواقع الجديد، من حيث الخلفية الفكرية التي يقوم عليها لبنان، لا رجوع عنه، مهما حاول المحاولون إرجاعه إلى ما كان عليه في السابق، ومهما كان السبب لمثل هذه المحاولات. المحاولون من اللبنانيين سيستمرون في الاستفادة من وضع أنفسهم في خدمة هذا الفريق الخارجي أو ذاك، كما كانوا يفعلون سابقاً. لكن لعبتهم الآن انفضحت. وقلائل من الشعب اللبناني، من غير مدفوعي الأجر، هم الذين ما زالوا يصدّقونهم. أما الحديث عن تقسيم المنطقة العربية مجدداً بين قوة إيرانية إلى الشرق وأخرى تركية إلى الغرب، فيبدو لي أنه جزء من فولكلور جديد للمنطقة من نسيج الخيال السياسي الغربي لخدمة الغرض السياسي الغربي.


_ ما هو مصير العشائر المقنعة في لبنان وبيئته العربية في ظل اللعبة الكبرى الجديدة ؟


وهل بإمكان التيارات الثلاثة بعد اليوم الإفلات من الاستقطاب الحاد الذي فرضه وسيفرضه بقوة مستقبلا العنصران الجديدان الإيراني والتركي ؟


ج- لدي شعور بأن ما من قوة في العالم تستطيع أن تفرض شيئاً على شعب كامل العقل ومدرّب على استعمال عقله. الأفخاخ ينصبها الأذكياء ليقع فيها الأغبياء. لكن ليس للنبيه أن يقع في كل فخ ينصب له.


مع صعود المد الإسلامي وتراجع "القومية العربية" خصوصا عبر بعدها العلماني الذي طالما جذب إليها اغلب الأقليات في العالم العربي , وهذا التراجع كان لصالح تعاظم تأثير البعد الإسلامي ضمنها , وضمن ما هو أوسع منها أي دار الإسلام ككل .


_ هل كانت فكرة العروبة "فكرة طارئة" خلال ألف وأربعمائة عام من تاريخ الإسلام ؟


وإذا لم تكن كذلك, فهل يمكن إحياؤها من جديد على الأقل ببعدها اللغوي كلغة عربية شاملة لجغرافية دار الإسلام ؟


هل يمكننا القول انه لم يبق من عناصر "القومية العربية" سوى "عنصر اللغة" فقط بحيث لم يعد ممكنا الدفاع عن القومية واثبات وجودها التاريخي , وأنها لم تكن مجرد فكرة طارئة اخترعتها الإرساليات في القرن التاسع عشر ؟


ج- يفترض السؤال ان المد الإسلامي الذي يبدو اليوم قادراً على جرف كل ما في طريقه هو مد لا جزر بعده. ربما نستفيق غداً ونجد الأمر على غير ذلك. القومية العربية لم تخفق لكونها فكرة طارئة لا تاريخ لها. ولا هي أخفقت بسبب عمقها العلماني الذي تبرهن أنه أقوى منها. القومية العربية أخفقت لأنها كانت في زمانها قومية منافقة. ولأن عمقها العلماني كان زيفاً. ولأن الأقليات في العالم العربي، مثلها مثل الأكثريات، تبنّت هذه القومية زيفاً وفي نيتها النفاق. الصادقون من الفريقين كانوا قلائل. وهؤلاء وحدهم يستحقون التحية. العروبة ليست مجرد فكرة اخترعتها الإرساليات في القرن التاسع عشر. الإرساليّات وجدتها على تربتها وحاولت تنشيطها، ربما بدافع المثالية، في الأقل بداية. وإذا نحن تمعّنا في تاريخنا في ذلك العصر، لربما وجدنا أننا نحن الذين بدأنا بإفساد هذه الفكرة، أو إننا شاركنا في ذلك منذ البداية، إلى أن جعلنا منها سلعة رخيصة تشترى وتباع في البازارات الدولية.


_ ما هي حقيقة "الخصوصية اللبنانية" ؟


وهل هي ذات أساس تاريخي أم مجرد "كنيسة متنكرة" لمصطلح ابتكره البابا ليون العاشر خلال مجاملته للطائفة المارونية في العام 1510م حين وصفهم بأنهم "السوسنة بين الأشواك" ؟


وما هي عناصر الاستمرارية للخصوصية اللبنانية في ظروف الحرب الصليبية الجديدة التي أعلنها جورج بوش الابن ؟


ج- ولد لبنان، كما سبق وذكرت، عام 1920، وأُعطي دستوره ليُصبح "الجمهورية اللبنانية" عام 1926. هذا الدستور لم يتعدّل منذ أن أُقر إلا حسب الأصول الدستورية. وفي ذلك ما يجعله من أقدم الدساتير المعمول بها حالياً في العالم. لا يفوقه قدماً، على ما أظن، إلا دساتير الأنظمة الملكية التي ما زالت قائمة في أوروبا، المدون فيها وغير المدون. وطبعاً، دستور الولايات المتحدة الأميركية الذي هو (كذلك على ما أظن) أقدم دستور مدون ما زال معمولاً به، مع تعديلاته المتكررة.


هذا الواقع وحده هو خصوصية لبنانية قلما تسترعي الانتباه. أضف أن اللبناني الذي ولد عام 1926، أي عندما أصبح للبنان دستوره، هو اليوم في الثالثة بعد الثمانين. وهذا يعني أن ما من إنسان لبناني تقريباً، يمكنه أن يتذكر وقتاً لم يمارس فيه اللبنانيون حياة دستورية. وحتى زمن الحرب الأهلية فإنه تم الحفاظ على الدستور اللبناني وكان ذلك أعجوبة العجائب. ثم هناك خصوصية الحريات الدستورية التي يحسن استعمالها بعض اللبنانيين ويسيء استعمالها آخرون. لكنها تبقى حريات مصانة مبدئياً وعملياً. لكن لبنان ما زالت تنقصه صفات مدنية كثيرة يمكن الحصول عليها أو الوصول إليها بطرق دستورية، دون أقل مسّ بمبدأ الحريات. ولبنان ما زال يواجه مشاكل داخلية وخارجية. لكن، هل يبقى للحياة طعم بدون مشاكل؟ مررنا بمشاكل دربتنا على المرونة وسوف نمر على الأرجح بأخرى نخرج منها كما خرجنا من سابقاتها عن طريق الخبرة التي توصلنا إليها بأساليب المرونة والدربة. وعندما تُنصب لنا الأفخاخ، مهما كان نوعها، سوف نحاول الجهد أن لا نقع فيها كما حدث لنا أن وقعنا مراراً في السابق. يبقى الأكيد، أن لبنان منذ نهاية حربه الأهلية لم يعد "كنيسة متنكرة"، ولا هو أصبح "جامعاً متنكراً". والدلائل التي أراها تشير إلى أن هذا الواقع الجديد مرشح للدوام. لأن الداخل اللبناني- بأكثريته الساحقة- يبدو قابلاً به.


تعتبر التيارات الأشد تطرفا في الحركة الأصولية الإسلامية فلسطين دار جهاد ضد اليهود والصليبيين , وفي تطبيقات العقيدة التي يدعو إليها تنظيم "القاعدة" أو ما كان يعرف باسم [الجماعة الإسلامية العالمية لمحاربة اليهود والصليبيينٍ] , تتضح حدود الكيانات الجغرافية المطلوب إزالتها عن الخارطة في "دار الإسلام" حيث يقسمون العالم إلى دارين، دار الإسلام ودار الحرب والجهاد .


تؤسس هذه العقيدة عند أنصارها لنوع من التماهي الخطِر بين المصطلحات , أكثرها خطورة التماهي بين مصطلحي "النصارى العرب" و "الصليبيين" .


_ ما هو مدى خطورة هذا التماهي بين المصطلحات على الخصوصية اللبنانية نموذجا ؟


ج- حركات التطرف على أنواعها، من دينية وغيرها، تكون أقل خطورة على المجتمع المدني في العادة إذا تركت لتأخذ مداها ضمن حدود القانون. ما يقوّي من خطورة مثل هذه الحركات هو الخوف منها، أو محاولة معالجتها بالتي هي أحسن (الحوار الخبيث معها، مثلاً)، أو مقاومتها سرّاً أو علناً بنيّة القضاء عليها. وبرأيي فإن المرونة التي هي من أبرز صفات الخصوصية اللبنانية- وهي التي لم تعد، بالمناسبة، خصوصية لفريق من اللبنانيين دون الآخر- كفيلة بجعل المجتمع اللبناني قادراً مع الوقت على امتصاص خطورة أي طارئ قد يتعرض له، حاضراُ أو مستقبلاً. أو، على الأقل، الصمود الهادىء في وجه هذا الطارىء.

حددتم بدقة في كتابكم , فرعي المسيحيين العرب تاريخيا بعنصرين رئيسيين هما : "الموارنة" , و "الملكية" بفرعيها الجزئيين الأرثوذكسي والكاثوليكي .


وتابعتم أن الفرع الأول "الموارنة" قد تبنى "الخصوصية اللبنانية" كخيار سياسي رئيسي , بينما تبنى الفرع الثاني "الملكيين" وخصوصا في لبنان بأغلبيته الفكرة "السورية القومية" .


وربطتم في الفصلين , السابع الوطن الملجأ , والتاسع انبعاث فينيقيا , منشأ كلتا الفكرتين بقاسم مشترك أعظم هو "النزعة الفينيقية" بجغرافيتين مختلفتين , لبنان وسوريا الكبرى .


_ هل يمكننا القول بأن الأساس لكلا التيارين هو أساس واحد ؟


وما علاقة هذا الأساس بالشعب ومصطلحي "الكنعاني وكنعان" ؟


ومن هو المؤسس الأول لمصطلح "كنعان" تاريخيا وفي العصر الحديث ؟


ج- نعم. الأساس لكلا التيارين كان واحداً. والمفاهيم التاريخية في كليهما هي أولاً، مفاهيم قديمة طواها الزمن وثانياً، مفاهيم متعثرة إن لم تكن غير صحيحة.


لتسهيل الأمور، سوف أضرب صفحاً عما قلته في كتاب "بيت بمنازل كثيرة"، حول هذا الموضوع، وأنظر إلى الأمور المتعلقة به من زاوية أخرى.


بلادنا كما خلقها الله تتألف من امتداد من البوادي والقفار والواحات المتفرقة، تحيط به من كل جانب أطراف أكثر خصوبة: الجانب الشمالي الشرقي الذي درجت تسميته عرفاً بالعراق، والجانب الشمالي الغربي الذي درجت تسميته عرفاً بالشام، أو بلاد الشام، والأطراف الساحلية الثلاثة للجزيرة العربية التي تشكّل، بمجموعها، الجانب الجنوبي بأجزائه الثلاثة. هذه الأطراف المتباعدة عن بعضها، كانت منذ القدم وما زالت أرض الحضر، من الفلاحين في القرى وأهل الصناعات والتجارة في المدن. أما الامتداد الصحراوي الفاصل بين هذه الأطراف، وهو في الوقت ذاته صلة الوصل بينها، فكان تاريخياً موطن البدو الرعاة الذين درجت تسميتهم بالعرب. وهم الذين كان التواصل بينهم بلهجات من اللغة العربية تم تدوينها والتنسيق بينها لاحقاً لتصبح اللغة العربية الفصحى.


بين حين وآخر، ولسبب أو آخر، كانت تقوم أحياناً عداوات وحروب بين بدو بلادنا وحضرها. وعندما كان النصر يحالف البدو في هذه الحروب، فيحتّلون ما أمكنهم من قرى ومدن جيرانهم من الحضر، كان هؤلاء الحضر يلجأ ون إلى النزوح، فيحل البدو مكانهم ويصبحون حضراً. وربما وجدت أحياناً أسباب أخرى لنزوح البدو أو الحضر من مكان إلى آخر. لكن المهم في الأمر أن مجرّد مثل هذا النزوح كان يؤثر على اللغة لهجة أو تركيباً. وموجات التركيب اللغوي الكبرى، انطلاقاً من لغة البادية الأم، كانت ثلاث: الموجة التي انبثقت عنها اللغة المسماة في التوراة "الكنعانية" التي كانت اللغة الطاغية في أطراف بلادنا الشامية والساحلية العربية منذ بداية العصور التاريخية وحتى العام 500 ق.م. تقريباً، ثم الموجة التي انبثقت عنها اللغة المسماة في التوراة "الأرامية" والتي حلت مكان سابقتها حيث وجدت، ومن بعد ذلك العربية التي خرجت من الصحراء إلى الأطراف تدريجاً ابتداءً، ربما، من القرن الأول للميلاد (إذ يرد ذكرها في سفر أعمال الرسل 11:2 من الكتاب المقدس)، ثم بشكل جارف مع الفتوحات العربية في القرن الميلادي السابع.


واليوم يكاد الوضع يشبه ما كان عليه بالأمس إلى حد بعيد. فالعنصر الأساسي الذي حافظ على الوحدة اللغوية وتركيبها في البلاد العربية قاطبة هو استمرار الفصحى لغة مشتركة بين أهل هذه البلاد، وإلا لكان التواصل والتفاهم عن طريق لهجاتها المتباينة أمراً في غاية الصعوبة، وذلك لكون هذه اللهجات فيما لو قيد لها أن تكون رسمية هي في واقع الحال لغات مستقلة لكنها متحدرة من سلالة لغوية واحدة، تماماً مثلما كانت الكنعانية والأرامية والعربية في الماضي السحيق.


إن فصل "انبعاث فينيقيا" هو في رأينا أهم وأخطر فصول كتاب هو بحد ذاته شديد الأهمية.


ركزتم في فصل "الوطن الملجأ" التمهيدي على الدور الرئيسي للباحث الأب هنري لامنس كأحد أهم الآباء المؤسسين للفكرتين / العقيدتين "الوطن الملجأ" و "انبعاث فينيقيا" .


_ ولكن ماذا عن دور المؤسس الأول الأساسي لهاتين الفكرتين / العقيدتين ,أي الباحث الفرنسي ارنست رينان مؤلف [مهمة في فينيقيا] وبالتحديد ؟


ج- أرنست رينان، حسب علمي، كان أول من اهتم بالتنقيب عن الآثار الفينيقية في بلادنا. ومثل هذا العمل علمي ومشروع. لكن رينان، على ما أذكر، لم يذهب إلى أبعد من ذلك لينظّر، رابطاً بين تاريخ بلادنا في العصور القديمة وتاريخها بعد الفتح العربي وحتى العصر الحديث. هذا الربط هو من تأليف وتلحين محلي. والذين قاموا به كانوا من الهواة، وليسوا من المحترفين.


_ هل الباحث الفرنسي ارنست رينان هو المخترع الأول لمصطلح فينيقيا ؟


وهل صحيح انه يساوي ما بين "الفينيقيين" و "العبرانيين" معتبرا الأولين الفرع البحري التجاري للآخرين ؟


ج- الإغريق هم الذين أطلقوا اسم "الفينيقيين" على منافسيهم في تجارة حوض البحر المتوسط من بحّارة بلادنا، لأن هؤلاء البحّارة كانوا يتخذون من تمر البلح قوتاً لهم في سفراتهم البحرية، فيما البحّارة الإغريق كانوا يقتاتون من التين المجفف. والبلح، في اللغة اليونانية، يسمّى phoenix. ومن هذا الإسم اليوناني للبلح اشتقاق اسم "فينيقيا" و "الفينيقيين". أضف أن phoenix، باليونانية، هو أيضاً اسم طير بلاد العرب الخرافي المعروف بالعربية باسم "العنقاء" وسابقاً باسم "طير البُلَح". هذه هي القصة من طق طق للسلام عليكم، كما رواها لي اللغوي العلامة المرحوم محمود الغول، وهو في رأيي صاحب القول الفصل في مثل هذه المواضيع.


أما بالنسبة إلى الجزء الثاني من السؤال، فلا معرفة لي بمساواة رينان بين "الفينيقيين" و "العبرانيين". لكن الواقع أن اللغتين، "الفينيقية" و "العبرية" التي دُوّنت بها التوراة، هما لغة "كنعانية" واحدة، مع قدر بسيط من الاختلاف في التهجئة بينهما.


يفيدنا علم الآثار أن أهم الآثار المعتبرة العائدة إلى الحواضر الفينيقية من مبانٍ وغيرها تعود إلى الفترات التي كان الفينيقيون فيها تحت الحكم الأجنبي وهذه الفترات هي التالية:


_ الفترة الفارسية [525_332 ق.م] .


_ الفترة اليونانية الهلنستية [332_63 ق.م] .


_ الفترة الرومانية [63 ق.م _ 330م] .


مما يؤدي بنا إلى الاستنتاج أن ذروة نتاج الفينيقيين الحضاري والفكري هو حينما كانوا تحت الحكم الأجنبي .


_ كيف يمكن تفسير ذلك ؟


وهل يلقي الجواب الضوء على كون الفينيقيين مجرد شعب تجاري امتهن البحرية مبتعدا عن سياسة ذلك الزمن ببعدها التوسعي العسكري ؟


ج- عدم وجود آثار باقية أو معالم أثرية بارزة للمدنيّة الفينيقية في عصر ما قبل الفرس لا يعني بالضرورة أن الفينيقيين، حتى ذلك الحين، ما كانوا إلا بحّارة يعيشون على هامش المدنيّة. ربما كانت لهم مدنية درست لسبب أو آخر مع تواتر الأزمنة. أو أن مثل هذه المدنية حُطّم تحطيماً، كما حصل في قرطاجة. وهذه أمور كثيراً ما تحدث في التاريخ. يبقى أن ما نعرفه عن الفينيقيين هو، بمعظمه، ما كتبه عنهم خصومهم الذين قضوا عليهم وعلى أثرهم في نهاية المطاف. والويل للمغلوب.


في مداخلتكم الهامة حول انبعاث فينيقيا تقولون : " ... والجغرافيا لا التاريخ هو ما يجعل لبنانيي مدن الساحل اليوم شبيهين بقدامى الفينيقيين فهم يعيشون في المدن نفسها وعلى ساحل البحر الأبيض المتوسط نفسه. ويمكن للجغرافيا أن تكون, في احد وجوهها , بأهمية التاريخ , بل أكثر أهمية منه في نهاية المطاف" .


إن الأمر المذهل الذي يؤكد دقة هذه المداخلة هو نتائج علم الجينات المعاصر الذي اثبت علميا أن سكان المدن الساحلية من اللاذقية إلى عكا هم اقرب جينيا إلى جينات الفينيقيين من أي شعب آخر .


_ ما هو الخيط الدقيق الفاصل بين "جغرافيا الفينيقيين" و "تاريخ الفينيقيين" الذي وضعتم يدكم عليه ؟


ج- لم أضع يدي على شيء في هذا المضمار. استخدمت مخيلتي.



الفصلان السابع والحادي عشر.


في العام 1613م هرب الأمير فخر الدين المعني الثاني بحرا إلى توسكانا حيث بقي فيها خمس سنوات ضيفا لدى أمرائها "آل ميديشي" .


كان سبب هروب الأمير من وجه الدولة العثمانية هو انكشاف دوره في مشروع صليبي جديد يمكن تسميته بأحد مراحل "الصليبية الارتجاعية" وقد قاده أمراء توسكانا أملين استثمار فخر الدين كحليف محلي في مشروع استرجاع "الأراضي المقدسة" .


بعد نشوب الحرب اللبنانية 1975م قام الدروز في بعقلين بنسف تمثال الأمير فخر الدين الذي أقامته الدولة اللبنانية قبل عام تكريما له.


_ ألا يمكن اعتبار تحطيم تمثال فخر الدين من قبيل ردة الفعل التاريخية ليس فقط على قراءة الموارنة الخاصة لتاريخ لبنان , بل أيضا وهذا هو الأهم ردة فعل عنيفة على رمز من رموز الصليبية الارتجاعية ؟


ج- لا أظن أن تحطيم تمثال فخر الدين في بلدة بعقلين عام 1983 جاء من قبيل ردّة فعل على "صليبيته الارتجاعية". ردات الفعل لدينا، في العادة، هي أكثر عفوية وبدائية من هذا التفكير.


_ ما هو الفرق بين نظرية المفكر ساطع الحصري حول القومية العربية المستنيرة والدور الواضح للمسيحيين العرب فيها وبين الرؤية القومية للتاريخ العربي التي روجتها بعض الأوساط "المسيحية" حول نفس الموضوع وقد وصفتموها بأنها "مشوشة" ؟


ج- ساطع الحصري- وقد عرفته جيداً- كان رجلاً صادقاً ومستنيراً عن حق، لا يضمر قصداً مغايراً لما يجهر به. وكان في الوقت ذاته خالياً تماماً من العصبية الدينية، محسناً الظن في صفاء نوايا أقرانه من المسيحيين المنادين بالقومية العربية. سمعته مراراً يكيل لهم المديح، وقرأت ما كتبه بشأن تقديره لمواقفهم. لكن كان يخالجني الشعور أحياناً بأنه، حسب تعبير المتنبي، يحسب الشحم في من شحمه ورم. وعسى أن أكون مخطئاً.


في الرؤية القومية للتاريخ العربي التي روجت لها بعض الأوساط المسيحية وصلت النظرية إلى مرحلة كان على القوميين العرب فيها أن يفصلوا التاريخ العربي عن التاريخ الإسلامي في إحدى مراحله.


وكانت المرحلة التي اختاروها هي العام 1258م عندما انقض المغول على بغداد ووضعوا حدا لما تبقى من سيادة اسمية للخلافة العباسية . ولم يكتفوا بذلك بل اعتبروا الفترة التالية فترة تراجع مطبق للعرب , وسموها "عصر الانحطاط" , وزادوا على ذلك بسحب هذه الفترة وإسقاطها على المرحلتين التاليتين المملوكية 1260م _ 1516م , والعثمانية 1516م _ 1918م .


في ضوء الرؤية القومية السابقة تم وصف الفترة العثمانية كاملة بـ "عصر الانحطاط" رغم أن هناك على الأقل أكثر من مليون وثيقة خاصة بالولايات العربية ومحفوظة في أرشيف الدولة العثمانية في استانبول وهي مكتوبة باللغتين العربية الفصحى والتركية المكتوبة بالحرف العربي , وكلاهما مخطوطتان بالخط النسخي الجميل , ويعتبر هذا الأرشيف متقدما على الأرشيف الإداري لمعظم الدول الأوروبية المعاصرة للعثمانيين .


_ ألا تشكل هذه النظرة الانتقائية إلى ما سمي بـ "عصر الانحطاط العثماني" عائقا كبيرا في وجه إعادة كتابتنا لتاريخنا العربي بشكل علمي وموضوعي ؟


ج- الجهل بواقع الأمور، عموماً، هو العائق الكبير لفهم التاريخ. ولا دواء للجهل إلا العمل الدؤوب على تحصيل المعرفة بشكل متراكم، جيلاً بعد جيل.


_ نوهتم إلى بعض المزايا الايجابية القليلة للعولمة و منها أن كل شيء صار مكشوفا . كيف يمكن استمرار الإرهاق الذي سببته القوى الغربية بتقديمها ضمانات الاستمرارية لبعض الاستقلالات الذاتية أو أشباهها في العالم العربي ؟


وهل استمرار الإرهاق على هذه الاستقلالات الذاتية وأشباهها يشكل العائق الأكبر أمام الاستقلال الحقيقي لها ككيانات ؟


ج- نحن، على وجه العموم، شعب تنقصه ميزة الجدية. حياتنا العامة معظمها تمثيل. والتمثيل ليس الحياة الحقيقية. نقطب وجوهنا ونتصرّف كأننا خائبون ومرهقون ومحبطون، ونحن في قرارة نفوسنا لا نشعر بشيء من ذلك. ولو جاء مثل هذا الشعور صادقاً لدينا في أي وقت، لكنّا، ولا بد، قمنا بعمل ما يرد الخيبة والإرهاق والإحباط وسائر السيئات التي نثرثر عنها وننظّر حولها لتمضية الوقت.


من أعظم فوائد العولمة اليوم الإنترنت التي، عن طريقها، يمكن لكل شخص في العالم متمكن من اللغة الانكليزية أو الفرنسية (وربما غيرهما) وحتى العربية التوصل بظرف ثوانٍ إلى أدق المعلوم عن كل شيء في العالم، وبذلك أن يحصل على معارف ما بعدها معارف. كم من انسان في العالم العربي، من أقصاه إلى أقصاه، يفعل ذلك؟


تم الحوار مع الدكتور الصليبي حول كتابه "بيت بمنازل كثيرة".



على أمل الانتقال إلى تقديم كتابه "خفايا التوراة واسرار شعب إسرائيل" الذي يعتبر بمثابة دراسة تطبيقية لنظرية الدكتور الصليبي كما جاء بها في كتابه الأساسي"التوراة جاءت من جزيرة العرب" وذلك في اعداد قادمة .


بسام عيسى القحط _ خاص بوهيميا


شكر خاص من أسرة تحرير بوهيميا للآنسة " لينا يحيى " للمجهود الذي تبذله في إعداد المواد وتنسيقها .



تتمنى المجلة على كل من يرغب في الاقتباس من النصوص , أو يرغب في إعادة نشرها أن يشير إلى المصدر . "أسرة التحرير "







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 25-12-2016, 09:13 AM   رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
زياد هواش
طاقم الإشراف
 
إحصائية العضو







زياد هواش متصل الآن


افتراضي رد: بيت بمنازل كثيرة / كمال الصليبي .

رحمة الله عليه..
لست حتى هاو تاريخ انا فقط انسان يحب الحقيقة او ربما يجب ان أقول أحب الحياة التي يضع حقائقها النبيلة رجال ونساء أصحاب رؤية وقلوب وضمائر وابتسامة.

زرع الدكتور صليبي في حدائق الشرق المعلقة من "نود" شرقا الى "عدن" غربا الكثير من سنديان الحقيقة (هوية هذا الشرق) في ارض بور استباحتها أشواك الخرافات وطفيليات الاساطير وصبار الدجال ولو كان لبعضها طعم او منظر جميل.

لم اقابله، فقط استمعت الى صوته في الحوار الأخير معه عبر الأستاذ الياس جرجوس الذي سجل المقابلة في بيروت والتي قام الأستاذ والمؤرخ بسام القحط بإعداد الأسئلة وكان لي الحظ في مساعدته بذلك وما تبعه من أسئلة عبر ايميل مجلة بوهيميا، واحسست وأسجل هنا للتاريخ أنني اصغيت الى صوت التاريخ نفسه ونبرته الابوية وصدقه ووضوحه وعمقه ورسوخه.

وللتاريخ أيضا أنكر على الأستاذ الياس جرجوس ان ينسب الحوارات الأخيرة مع الراحل الى شخصه وينشرها بكتاب باسمه وهي تعود في ملكيتها الحقيقة للأستاذ بسام القحط وكنت شاهدا عليها سؤال وجوابا على امتداد الايميلات.

ان تحارب رجلا حرّا في الحياة فكريا في ذلك بعض من العلم والفضيلة، وأما أن تسرق بعضا في ظلّ سنديانة عاشت واقفة واستمرت ارثا فكريا خالدا تلك قصة الشرق وحقيقة غربائه وقومييه، قال فيه الراحل الكبير كلمة حق.

25/12/2016

صافيتا/زياد هواش

..







التوقيع

https://www.facebook.com/ziad.hawash...ibextid=ZbWKwL
‏"لن تنتصر الضحية على الجلاد إذا لم تتفوق أخلاقيا عليه"
- إدوارد سعيد.

 
رد مع اقتباس
غير مقروء 20-08-2025, 03:54 PM   رقم المشاركة : 10
معلومات العضو
زياد هواش
طاقم الإشراف
 
إحصائية العضو







زياد هواش متصل الآن


افتراضي رد: بيت بمنازل كثيرة / كمال الصليبي .

من يخاف من التاريخ , يخاف بالتأكد من المستقبل .
ومن يزور التاريخ , بالتأكيد , لا مستقبل له .
ومن يقدس التاريخ , يكرس عبادة الحكام وظلمهم .
ومن يتشارك مع الناس بالتاريخ , يمتلك روح الإنسانية وعظمتها .







التوقيع

https://www.facebook.com/ziad.hawash...ibextid=ZbWKwL
‏"لن تنتصر الضحية على الجلاد إذا لم تتفوق أخلاقيا عليه"
- إدوارد سعيد.

 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 12:11 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط