[justify]كوكب الوهم الدموي: حين تتحول المشاعر إلى رصاص في "الطاقة الغامضة"
هل يمكن أن تتحول أبسط المشاعر البشرية، كالغضب أو الكراهية، إلى قوة مادية قاتلة؟ وهل يمكن لمكان ما أن يقرأ ما في قلوبنا ويجسد أسوأ ما نخفيه في مشاهد حقيقية تقودنا للموت بأيدينا؟
رائد قاسم، قاص سعودي، يجيد المزج بين الرعب النفسي والخيال العلمي، حيث يبتكر عوالم مغلقة تحاصر شخصياته وتجبرها على مواجهة أعماقها المظلمة. نصوصه غالبًا تتناول فكرة العقاب الذاتي وتحوّل المشاعر الداخلية إلى أحداث خارجية، مع توظيف ذكي للتوتر التصاعدي ولحظة الكشف النهائية.
تحط مركبة فضائية على كوكب مجهول تبدو ظروفه المناخية مناسبة للحياة، لكن سطحه قاحل. ينطلق القائد عامر وطاقمه لاستكشافه، ويتفرقون على مسافات مختلفة. فجأة تبدأ سلسلة من جرائم القتل بين أعضاء الفريق، كل واحد يظن أنه ينتقم لمقتل زميله، حتى يفنى الطاقم تقريبًا. ينجو فقط جمال ولميس، ليكتشفا أن الكوكب يمتلك "طاقة غير منظورة" تجسد المشاعر العدائية إلى صور حية توحي للآخرين بأن جريمة قتل وقعت فعلًا، فتقودهم لارتكاب جريمة حقيقية وفق "القانون رقم واحد" الذي يقضي بإعدام القاتل فورًا. يهرب الاثنان من الكوكب، تاركين خلفهم سرًّا كونيًا مرعبًا.
تقوم القصة على فكرة خيال علمي ذات بعد نفسي عميق، إذ يُقدَّم الكوكب بوصفه كائنًا فاعلًا، لا بيئة محايدة. فـ"الطاقة الغامضة" ليست مجرد ظاهرة فيزيائية، بل قوة نفسية-ميتافيزيقية تتلاعب بإدراك الشخصيات، فتخلق صورًا مرئية انطلاقًا من مشاعرها الدفينة. هذا البعد يجعل النص قريبًا من أدب الخيال النفسي أكثر من كونه مغامرة فضائية بحتة.
البنية السردية تعتمد تصاعد التوتر عبر التكرار الدائري: كل شخصية تشهد جريمة قتل مزعومة، فتطبق القانون رقم واحد، فتخلق جريمة فعلية جديدة، ما يولّد سلسلة مغلقة من العنف الذاتي. هذا التكرار لا يبعث على الملل، بل يرسخ فكرة أن القتل هنا ليس نتيجة عدو خارجي، بل بسبب عدوانية داخلية تم تضخيمها حتى تحولت إلى واقع.
الحوار يلعب دورًا مركزيًا في كشف التناقضات، إذ كل مواجهة بين اثنين تبدأ بالاتهام والنفي، وتنتهي برصاصة، ما يضع القارئ أمام تراجيديا سوء الفهم القاتل، لكن المفارقة أن هذا "سوء الفهم" ليس طبيعيًا، بل صنيعة الكوكب نفسه.
على مستوى الرمزية، يمكن قراءة الكوكب كاستعارة لمناخات العداء البشري في أي بيئة مغلقة — سواء كانت سفينة فضاء أو مجتمعًا محاصرًا — حيث الشك وانعدام الثقة يمكن أن يتحولا إلى سلاح. "القانون رقم واحد" يمثل الوجه البيروقراطي البارد للعدالة، حيث القتل يصبح تطبيقًا حرفيًا للنظام، بلا فرصة للتحقيق أو الحوار.
اللحظة النهائية، حين يطلب جمال من لميس اختبار نظرية الطاقة الغامضة عبر استدعاء مشاعر الكراهية عمدًا، تكشف براعة في الإخراج السردي: فبدل أن يأتي التفسير في شكل تقرير علمي، يقدَّم كعرض عملي أمام القارئ، ليصبح الفهم لحظة مشاهدة، لا سماع فقط.
"الطاقة الغامضة" تنتهي بالهروب، لكن ترك الكوكب لا يعني الهروب من فكرته. فهل يكفي تغيير المكان لوقف تأثير هذه الطاقة إذا كانت أصلًا انعكاسًا لما نحمله بداخلنا؟ أم أن كل إنسان يحمل معه كوكبه الملعون، ينتظر فقط الظروف المناسبة ليفجّر أوهامه في وجه الآخرين؟[/justify]