"بعض الأغنيات لا تكتب لتُغنّى... بل لتبقى خالدة في الحلق، عالقة كعبرة لا تُقال."
في صباح رماديّ، كان "مالك" يعبر جسرًا ضيقًا يربط طرفي المدينة القديمة. جسر من حديد متهالك، يعرفه العشاق كما يعرفه الهاربون من أنفسهم.
كان يحمل آلة كمان مغلفة بقماشٍ رمادي، ونظرة مكسورة كأنّ الليل لم يغادر عينيه. مرّ إلى جانب باعة السجائر، والمتسكعين، وامرأة ترسم حروفًا على الأرض كما لو كانت تبحث عن مفقودٍ ما.
لم يكن عائدًا إلى البيت، بل إلى ذاكرة البيت.
---
في إحدى العمارات القديمة، صعد الدرج بخطوات بطيئة.
باب الشقة ما يزال كما هو. طلاءٌ متقشر، وجرس لا يعمل.
فتح بمفتاح صدئ، ودخل.
رائحة المكان كانت هي.
الكتب نفسها. الطاولة نفسها. الكرسي الذي كانت تجلس عليه "ريم" وتعزف له كل مساء.
قالت له ذات مرّة وهي تضع رأسها على كتفه:
– "أنا أغنية لم يكتبها أحد... هل تجرؤ أن تكتبني؟"
قال:
– "أخاف ألا أعرف اللحن."
---
ريم... كانت موسيقاه.
ثم صارت صمتَه.
رحلت ذات خيانة. لم تترك رسالة، بل أغنية ناقصة، لم تكتب منها سوى مقطعٍ واحد:
"لا تقُل لي أحبّك الآن... فقد تأخّرتَ عمرًا."
كان يسمعها كل ليلة، يحاول إكمال اللحن، لكن يده تتجمد عند نفس النغمة، كأن الذاكرة تأبى أن تُغفَر.
---
في الغرفة نفسها، جلس على الكرسي، أخرج الكمان، وضعه تحت ذقنه، وأغمض عينيه.
الوتر الأوّل ارتجف.
الثاني بكى.
الثالث فضح السرّ.
أما الرابع، فظلّ صامتًا... كأنه ينتظر اعترافًا لا يأتي.
لم يكن يعزف لأحد. كان يعزف كي يتأكد أنه ما زال حيًا.
في كل نغمة، يستعيد صورة ريم وهي تغادر...
ريم وهي تبتسم لشخصٍ آخر على الرصيف المقابل...
ريم وهي تقول له، دون أن تقول:
"أحيانًا، نحبّ من لا يُحبّنا بالشكل الذي نحتاجه."
---
في منتصف العزف، سمع طرقًا خفيفًا على الباب.
توقّف.
سكون ثقيل.
الطرق تكرر. ثلاث نقرات، بنفس الإيقاع الذي كانت تفعله حين تعود متأخرة وتنسى مفتاحها.
قام، فتح الباب ببطء...
لكن لا أحد كان هناك.
فقط ورقة مطوية على الأرض.
فتحها.
"الأغنية لم تكتمل... لكنها كُتبت."
"سامحني."
لا توقيع. لا اسم.
فقط الكتابة نفسها التي كانت تخط بها قصائدها الصغيرة على حواف الأوراق.
---
أعاد قراءة الورقة خمس مرات.
ثم نظر إلى الكمان، وعاد ليكمل العزف.
وهذه المرّة، اكتمل اللحن.
لم يدرِ إن كانت الأغنية جميلة، أم موجعة، أم مجرّد وهم.
لكنه بكى.
وبكى الكمان معه.
------