"بعض البيوت لا تسكنها الأرواح، بل الانتظار.
وبعض النوافذ، لا تطلّ على الخارج... بل على الذين غادروا دون أن يلتفتوا."
---
لم يكن "يونس" يعرف أن عودته ستكون بهذا الصمت.
الشارع ذاته، الشجرة التي نمت بعنف رغم إهمالها، الرصيف الذي كُسر ذات شتاء ولم يُصلح، والباب... الباب الذي تغير لونه لكن ما زال يعرفه.
مضى عشر سنوات، أو أكثر.
نسي عددها، كما نسي وجهها، أو ادّعى النسيان.
---
حين دخل البيت، لم يسأله أحد أين كان.
لا زوجته، ولا ابنته التي كبرت وصار صوتها خجولًا كأنها تطلب الإذن لتتذكره.
كل شيء في البيت بدا كأنه تكيف مع الغياب:
الستائر القصيرة، الثلاجة التي لم تعد تصدر ضجيجها، صورة معلقة له لكنها بوجه غريب.
---
في الليل، جلس وحده في الصالة.
الضوء خافت، والراديو القديم لا يلتقط إلا تشويشًا يشبه ذاكرته.
سمع خطى زوجته في المطبخ، ثم سكونًا.
سألها دون أن يرفع صوته:
– "ألم تسألي يومًا عني؟"
قالت:
– "سألتُ في البداية، ثم تعبت من الأجوبة."
ثم أضافت، بصوت لا يشبهها:
– "وحين يتعب القلب، يتوقف عن السؤال."
---
في الغرفة المجاورة، كانت ابنته "مريم" تستمع.
هي لم تكن طفلة حين غادر، لكنها لم تكن كبيرة بما يكفي لتفهم لماذا يختار الأب الرحيل في منتصف الحكاية.
كتبت في دفترها في تلك الليلة:
"عاد أبي، لكنه لا يشبه الحكاية التي صنعتها له في الغياب.
الذاكرة كانت أكثر حنانًا من الحقيقة."
---
في الصباح، أعدّت له زوجته القهوة.
وضعت الفنجان على الطاولة، دون كلام، دون نظرة.
هو لم يشربه.
ظلّ يحدق فيه طويلاً، كأنه ينتظر أن تنعكس صورته فيه، لكن لم يظهر شيء.
---
قال لها أخيرًا:
– "هل يمكن أن أعود؟"
فقالت بهدوء:
– "أنت عدت.
لكننا نحن من لم نعد."
---
في تلك الليلة، خرج دون أن يُسمع له صوت.
لم يأخذ حقيبته، لم يغلق الباب خلفه.
كأن البيت لم يفتح له، وكأنه لم يدخل أصلًا.
---
وفي صباحٍ لاحق، قالت الجارة لزوجته:
– "أين ذهب؟"
فقالت وهي تنظف النافذة:
– "أعاد نفسه إلى الغياب... المكان الوحيد الذي كان يعرف كيف يسكنه."
---