|
|
|
|||||||
| منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا.. |
![]() |
| مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان) |
|
|
أدوات الموضوع | تقييم الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
رقم المشاركة : 1 | |||
|
مدفن المشاهد المميتة التحق السيد عبد الباسط زهوان بمقر عمله.. وعند بوابة المخفر صادف الشرطية نسرين تتأهب لامتطاء دراجتها النارية. بادلته ابتسامة مائعة تضمر أمرا عجبا! طأطأ رأسه وألجم بسمته حتى لا يثير انتباه حارس الأمن المنتصب لصق باب المكتب. تصدر مكتبه، فبدا متحمسا في ذروة نشاطه، بيد أن بعض الفتور قد أرخى بظلاله على جفنيه. اعتاد أن ينعم على جسده بقيلولة مريحة، ولكن فرحته بقرب بزوغ سراجه ـ كما يحلو له أن يدعوها في لحظات الصفاء ـ وزينة بيته، أثنته عن ذلك.. جعل يتفحص جملة من محاضر مرتبة أمامه، راوحت مضامينها بين الجنحة والجريمة.. وانبرى يؤشر على بعضها .. طلب عبر جرس المكتب قهوة، فأحضرها الشرطي القابع خلف باب المكتب في لمح البصر.. وضعها أمام رئيسه في أدب بعد أن أدى التحية العسكرية. انشغل زهوان بالفنجان يرج ما بداخله من قهوة وسكر.. بدا، كما هو حاله على الدوام، أنيق المظهر، في الأربعين من عمره، مربوع القد، جميل الطلعة، لا تبرح الابتسامة أساريره الشفافة، ذا عينين متوقدتين تنمان عن شخصية قامت أسسها واستوفت شروطها.. شبك يديه ودس فيهما ذقنه معتمدا بكوعيه على صفحة المكتب. وإذ اعترته نشوة من الأعماق اندمج في لحظة تأمل.. سرى في جسمه نشاط لا مثيل له.. لا لأن النشاط افتقده في غيبتها الاضطرارية، ولكن طبعه ميال إلى التجديد ومحاربة الروتين ـ في منابع الحرام أو الحلال على السواء ـ فضلا عما حازته شريكة العمر، من سحر عينين لا تعدمان حورا ألطف، وطراوة جسد أهيف. بهية سليلة آل السراج موطن العلم والجاه والورع والتقوى، لذلك اطمأن خاطرا وطاب نفسا.. اليوم ستعود العصفورة من جولتها الميدانية.. ارتشف من الفنجان وأخذ نفسا عميقا من سيجارته الراقية.. نفث الدخان وأتبعه عينيه باسما متأملا.. مستدعيا أزهى اللحظات في جنان عروسه.. ومن حيث لا يدري برح المكتب بسائر خواطره وجوارحه إلى أن حط الرحل بإقامته الأنيقة. كل ما في المسكن من فاخر الأثاث يحمل بصمة آل السراج.. بهية فنانة بالسليقة ولا يعوزها مال. جلست قبالته على أريكة جلدية ناعمة واقتعد هو أخرى مماثلة، وبينهما توسطت طاولة ذات سطح من رخام، عليها باقة من ورد تضفي على وجبة الفطور جمالا ورونقا. كانت قبيل ذلك قد حزمت حقيبتها تأهبا لمعانقة السفر الطويل .. بهية السراج مهندسة زراعية في بداية مشوارها.. وطبيعة عملها تفرض عليها القيام برحلات ميدانية قد تستغرق الأسابيع.. سوغت لهما لحظة الفراق تلك أن يندمجا في مناجاة حارة، عبرت ملامح كل منهما على أنها هزت أعطاف النفس بحنان عذب ورقة ساحرة. قالت والتأثر طافح على وجهها: ـ كيف تنظر إلي يا زهوان؟ ـ بعين الحب المنزه عن كل شوق.. ـ كل شوق؟ ـ أجل.. ما عدا شوق الإخلاص للمحبوب والفناء فيه. أطالت النظر إليه وهمست بلهجة متأسية: ـ ما أروعك من زوج متفان وحبيب مخلص!.. الحمد لله على أن الرحلة محصورة في أسبوع.. ـ أسبوع علي كالحول! (وأجهش في البكاء كالصبي).. أنت منار نفسي وسراج بيتي.. ودونك جحيم الوحدة وحر الاشتياق.. ـ إلى هذا المنتهي يؤلمك غيابي؟ ـ أجل يا سراجي المنير.. أشعر بوحشة في خضم خواء مميت.. يمسي حالي في غيبتك كحال سمكة تصلى نارا في مقلاة. راق لهما، في مثل هذا الظرف، أن يتغنيا ببيتين للشاعر المهجري ندرة حداد، يعتبرانهما شعارا ساميا للألفة ورمزا للوفاء والإخلاص.. وأنشد عبد الباسط كأنما يخاطبها: * يا أخي الساعي لنيل المجد خفف عنك جمحك.. وردت في صوت رخيم: * وأرى ليلك ليلي وأرى صبحي صبحك.. نهضا فتعانقا عناقا طويلا لم يخلو من شهيق.. استفاق من سرحته فخالجه الاطمئنان، إذ أدرك أنه في آخر أيام الأسبوع. حمد الله على أنه أفاق اليوم مبكرا وأعد العدة للاحتفال بإشراق الهلال السعيد والسراج المنير. جلب من متاجر راقية نفائس الهدايا وروائع الديكورات، حلويات وفواكه، فساتين وذهب.. ومن أحق بالذهب سوى السيدة بهية؟ ومن حسن الطالع أن يصادف يوم الأوبة الميمونة عيد ميلادها وانصرام عام على زواجهما.. وألبس غرفته حلة زاهية؛ وشح الحيطان بأشرطة مزركشة، وتدلت حبال الكهرباء كالعناقيد.. هذه مجمل فلسفته وجوهر شريعته حتى في موارد الشبهات. لم يطمئن خاطره لروائح عطر مميز ما يزال يعبق من غطاء السرير، ولا لشعيرات شقراء طويلة الحجم عالقة بغشاء الوسادة، فوجد الفرصة مواتية ليستبدل الغطاء والغشاء بما هو أرقى وأجمل، درءا لكل شبهة من شأنها أن تثير حفيظة حرمه المرتقب حلولها بالإقامة عصر هذا اليوم. في ذروة هذه المتاعب النفسية الملمة تمثل، من دون شعور، طيف شرطية المرور، تلك الساحرة اللعوب، مروضة الرجال ومتقنة فنون الغواية.. استفاق من غفوته ومرر راحتيه على سائر وجهه.. امتدت يداه إلى فنجان القهوة وعلبة السجائر، وخاطب الفراغ أمامه في همس كحال مجنون.. ما باليد حيلة يا نسرين.. إلى أن تجود الأقدار بإجازة أخرى تفوق الأسبوع! أطلق هذه الصرخة من غور نفسه، إيمانا منه بأن النازل في ديار الشرطية اللعوب والعاهر بالسليقة، ينعم بحرية لا حدود لها ولا قيود. في هذه اللحظة فتح حارس الأمن باب المكتب.. استأذن رئيسه في أمر شيخ غاضب، مصر على مقابلة الضابط.، فأذن له.. لم يخف عليه الرجل حين مثل بين يديه.. زبون نشيط، مواظب على زيارة المخفر.. وموضوع آخر زيارة له حدثت يوم جاء يشكو عنف أحد أصوله.. ابتسم عبد الباسط زهوان في وجه الرجل وخاطبه ساخرا متفكها: ـ ما بك يا شيخ؟ يبدو أن أحد أبنائك أو حفدتك أذاقك ما طاب من السلخ مرة أخرى! ـ لا يا سيدي، بل سلخنا هذه المرة العويل والصياح، وإذا لم تتداركوا الأمر فسوف تسقط الأرواح.. لقد أعذر من أنذر.. استشاط عبد الباسط غضبا وثارت ثائرته، وهو العارف بأن الحي الذي جاء هذا الرجل ناطقا باسمه منبع المشاكل وبؤرة القذارة بجميع صنوفها وألوانها. احتسى من القهوة جرعة.. جعل يحملق في الوجه المألوف وصاح في انفعال: ـ هذا حالي مع حثالة السوقة والرعاع.. كلما خيمت سحابتك في مكتبي أمطرت مسمعي بمعزوفة الغربان المزعجة.. نزاع وشجار.. حشيش واغتصاب.. لو سلط عليكم الله طوفانا جارفا ماحقا لارتاحت البشرية من شروركم.. قبح الله سعيكم.. وأشار إليه بأن ينصرف للإدلاء بمعلومات في السجل اليومي وينتظر برهة. عاد إلى سالف وضعه بالمكتب، مذهولا يكابد الحيرة والحسرة.. تذكر زميله وصفيه الضابط خالد الغائب في إجازة مرض، فشفق لحاله وتمنى له الشفاء العاجل. ود من أعماقه لو كان حاضرا لأعفاه متاعب هذه المهمة، وما أكثر المهام التي أعفاه منها! أشعل سيجارة وسارع في وضع الأختام على ما تبقى من محاضر أمامه والتوقيع عليها.. تأسف لكونه عزم على مغادرة مقر عمله اللحظة فينهي آخر الترتيبات قبيل بزوغ سراجه، ولكن.. لعن في نفسه الشيخ الغراب الذي انتصب أمامه كالعقبة. ورغم ذلك نهض مغمورا حيوية مفعما نشاطا، يحك يدا بيد معزيا نفسه؛ إذ أدرك أن سريره الليلة لن يعدم فاكهة من حلال عزت أسبوعا بالتام والكمال، ولا ضير في أن ينتقل إلى بؤرة النزاع ويؤدي ما عليه من واجب.. وانطلقت سيارة الشرطة في سرعة جنونية يقودها مفتش مساعد وإلى جانبه الضابط عبد الباسط، وبالخلف حارسا أمن يتوسطهما الشيخ الشاكي. عند مدخل الحي دلهم الرجل على الوكر مصدر الضوضاء والجلبة.. قال الضابط مخاطبا مساعديه: ـ هيا باغتوا من فيه على حين غرة.. حاصروهم واحجزوا وسائل إثباتهم ريثما ألحق بكم.. وانطلقوا غير هيابين، زادهم الهراوات والمسدسات، وما فقهوه من أصول المهنة وما حازوه فيها من دربة ومراس. أسعفهم باب الوكر المنفرج فاقتحموه بعد أن وزعوا الأدوار فيما بينهم.. انطفأت شعلة عزمهم وخبا بريق تأهبهم واستنفارهم.. لا خطر أمامهم يذكر، لا عصيان ولا مقاومة ولا هم يحزنون.. كل ما هناك شبحان جالسان جنبا إلى جنب وقد التف الساق بالساق، والتصق الكتف بالكتف، ومال الرأس على الرأس وراحا يتمايلان يمنة ويسرة وكأنهما جسد واحد، غير آبهين بما يجري حولهم.. وحسب ما أملته الأوامر وما تقتضيه أصول المهنة انقض حارس الأمن على زجاجة وسكي لم يبق في قعرها من باقية، وقطعة حشيش بدا من حجمها أن ثلثها فعل في الشبحين فعلته النكراء، وحملهما على جناحيه إلى عالم آخر يسمو عن دنيا الأرض، ولا غرابة إذا انتفى من حسباهما عزرائيل البشر المنتصب عند رأسيهما وقد نزل يطالبهما الحساب.. أمام هذا المنظر الباعث على الرثاء تعالت قهقهات الشرطيين.. أما المفتش فقد وجم مصعوقا.. انتحى قصيا وقرفص شابكا راحتيه على سائر رأسه.. ما بك سيدي المفتش؟ هل من مكروه ألمَ بك؟.. ورفع إليهما وجها طفح فيه الشحوب والانزعاج.. همَ بالنطق لولا أن سمع حفيف خطوات الضابط عبد الباسط .. عاد إلى وضعه داسا رأسه بين ذراعيه. مر به الضابط ولم يجشم نفسه غناء السؤال ظنا منه أن المصيبة هنا قد تكون أجل أمرا، وأن الأرواح فعلا قد تكون سقطت كما تنبأ الشيخ الغراب.. واصل سيره صوب مدفن المشاهد المميتة، فنهض المفتش واقترب من مرافقيه.. همس عاضا على شفتيه بالنواجذ: طامة كبرى أرخت سدولها.. تهيئوا لاستدعاء الإسعاف.. وفي غمرة اندهاش تساءل الشرطيان تحدوهما الرغبة في أن يعرفا السر ما داما حديثي عهد بالمهنة والمخفر؟! ولم يجد المفتش من بد غير النطق، فنبس قريبا من أذانهم، مختلسا النظر إلى عبد الباسط يقترب من عين الفجيعة رويدا رويدا: الضابط خالد والمصونة بهية السراج!!! المج.القصصية: فرسان الجحيم قصبة تادلة في:16 ماي 2006 محمد غالمي |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 2 | |||||
|
سرد جميل ايها الصديق محمد
|
|||||
|
|
|
رقم المشاركة : 3 | |||
|
العزيز سلام نوري: تحية ود وإخلاص مشفوعة بالشكر الجزيل على مرورك الكريم وإشادتك المشجعة، ودمت من مشرف مهتم... |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 4 | |||||
|
تحية حب للابداع دائما يا استاذ محمد
|
|||||
|
![]() |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| آخر المشاهد.. منظر مروووع | ياسر أبو هدى | المنتدى الإسلامي | 4 | 05-08-2006 11:32 AM |