نهايات بلا ملامح
بقلم: خلدون الدالي
كان يمشي بمحاذاة النهر، خطاه تتلاشى على الممر الرملي، كأن الأرض تبتلعه ببطء. منذ سنوات وهو يسلك هذا الطريق ذاته، لكن النهر لم يعد كما كان. الماء صار أكثر غموضًا، أكثر ثقلًا، كأنه يجرّ خلفه حكايات الذين سقطوا فيه ولم يعودوا.
لم يكن يدري إن كان يبحث عن شيء فقده، أم أنه فقط يهرب من شيء لا يجرؤ على تسميته. في جيبه، ورقة مطوية بعناية، حملها معه كل هذه السنوات دون أن يفتحها. كان يعلم محتواها، لكنه يخشى أن يقرأها مرة أخرى. الرسائل التي لا تُقرأ تظل محتفظة بأملها، لا تتحول إلى نهايات، تظل كاحتمالات معلقة بين الممكن والمستحيل.
في طرف الجسر، جلس على الكرسي الخشبي الذي تصدّع من كثرة الانتظار. في المقعد المقابل، كانت هناك امرأة، لم يرها من قبل، لكنها كانت تعرفه جيدًا. قالت بصوت يشبه الريح:
— هل ما زلتَ تنتظر؟
لم يُجب. فقط أخرج الورقة من جيبه، وضعها أمامه، وتأمل النهر الذي لم يعد كما كان. كان النهر يحمل ذاكرة كل العابرين، لكنه لا يحتفظ بأحد.
رفعت المرأة يدها، أشارت إلى الماء، وقالت:
— هناك، بين التيارات، توجد كل النهايات التي لم تجرؤ على كتابتها.
وحين نظر حيث أشارت، رأى نفسه هناك، يطفو بلا ملامح، كأنه لم يكن.