تحلق الأطفال في أحد مساجد طولكرم حول الشيخ، عفواً عفواً، حول رجل الأمن، الذي جلس يحمل نجمتين على كتفه وسط المسجد يقدم محاضرة توعوية لحفظة القرآن فيه. هذه المحاضرة ليست عشوائية، وإنما واحدة من برنامج محاضرات يُعده ويرتبه الأمن الوطني مع مديرية الأوقاف مستهدفاً 80 طفلاً من رواد المسجد، وذلك في إطار ما أسمته برنامج "التفريغ النفسي".
تخيلوا، رجل الأمن الذي يرفع المجرور وينصب المرفوع، يستولي على دور الشيخ، يجلس مكانه، ويسرق طلابه، ويحاضر في كتاب الله بعد سنوات من محاربة بيت الله. هاجمت السلطة مساجد الضفة جميعها وشددت الحرب عليها بين عامي 2007 - 2008 بوصفها مؤسسة إعداد اجتماعية ووطنية للأجيال. عملت السلطة على إفراغ المسجد من محتواه، وعادت الصلوات التي تنهى عن فحشاء الاحتلال ومنكر سياستها. اعتقلت ولاحقت وأقصت كل من حاول إحياء دور المسجد الاجتماعي السياسي، وزعت الخطب الجاهزة ومنعت التواجد فيه، وسرقت مئذنته وإمامه.
ولكن، لماذا طولكرم؟ لماذا الآن؟
تشتد المقـ!ومة في مخيمات طولكرم منذ أكثر من عام، حيث تشكلت الكتائب المسلحة من شبان وفتية فخخوا أزقة مخيماتهم والطرق إليها، وجعلوا وصول جيش الاحتلال صعباً ومكلفاً؛ أعاد هؤلاء الفتية إحياء سورة الأنفال والتوبة في أحياء المخيم، وصنعوا مسجدهم في محراب الجـ8ـاد، وهنا جاء دور أجهزة السلطة في محاولة للقضاء على المقـ!ومة وخطابها " الإرهابي". لاحقت المقـ!ومين وقتـ*ـلت واعتقلت منهم، وفككت عبواتهم، كما ضغطت على عائلاتهم لثنيهم عن دربهم الذي اختاروه. واستمراراً لمشروعها القمعي، حذرت من فكرهم "المتطرف" وتوجهت للأطفال لاستدراك المستقبل الذي تراه ينفلت منها، ويذهب لصالح مشروع المقـ!ومة.
إذن، هذا ما تسعى إليه السلطة: لا القضاء على مقـ!ومة اليوم، بل والقضاء عليها اليوم وغداً من خلال رجل أمن - الذي فشل أصلاً في تحقيق الأمن- يقدم موعظة في المسجد للأطفال، للجيل القادم.
أما في غزة، فقد تشكلت حلقات تحفيظ وتفسير القرآن في كل مدرسة نزوح، وفي كل حي مدمر، وفي كل تجمع للنازحين. درس الأطفال والفتية آيات القتـ*ـال والصمود، فكانت لهم ملجأً، تُعدّهم اليوم، كما أعدت مقاتلي الطوفان. فكيف سيُدرّس رجل أمن السلطة آيات القتـ*ـال لأطفال الضفة؟ في الوقت الذي سلم فيه مجا@ـدوها؟ وكيف سيُعدّهم لمواجهة الحرب التي يشنها المستوطنون عليهم؟ هل سيتلعثم في آية "وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ "؟