مشهد حي من الجامعات الأميركية..
عبد القادر عثمان
في ساحات تكسوها خضرة الربيع بجامعة كولومبيا يحتشد آلاف الطلاب المنددين بجرائم الاحتلال الصهيوني في غزة، يطالبون بوقف الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين ووقف التعاون البحثي العسكري بين الجامعة وجيش الاحتلال.
هنا يبدو الوضع كخلية نحل، لا يتوقف الشباب عن العمل بروح الفريق الواحد، لكأنهم يمسكون بعصا موسى التي تغير الواقع، غير مكترثين للتهم التي تحيط بهم، من عداء السامية وانتهاك الحق الخاص وعرقلة العملية التعليمية التي تحاول السلطة الأميركية، المشاركة للكيان في كل قطرة دم مسفوكة في القطاع، إيقافهم بواسطتها.
على مقربة من الشباب الثائر تتجمع الشرطة المتربصة بهم، تعتقل بعضهم تارة، وتعتدي على آخرين تارة ثانية، وتقف مشدوهة من الحماس الذي يتملكهم تارة أخرى، ولسان حالها يقول: "فلتغفروا لنا هذه الممارسات التي نُجبر على اتخاذها معكم، فأنتم أملنا المستقبلي بوطنٍ لا تحكمه الرأسمالية التوسعية، ولا يناقض ساسته أنفسهم كل يوم".
ورغم القمع والترهيب والتنكيل، يواصل الشباب العمل بحرص كامل على أهمية هذه الثورة وقدرتها على التغيير، فالأمر لا ينتهي عند الهتافات التي أصبحت كابوسا يؤرق البيت الأبيض والكابينت، بل هو أقرب إلى مسار بناء شامل، عقد أصحابه العزم على صناعة الآتي.
تحت ظلال شجرة وارفة الخضرة تجلس مجموعة من الفتيات، ترتدي بعضهن الحجاب وتحمل أخريات الصليب وغيرهن الكثير من الفتيات لا تُعرف معتقداتهن الدينية، لكن ما يُعرف عنهن أن جميعهن مؤمنات بفلسطين، يتبادلن أدوار العمل لخياطة العلم الفلسطيني من وقت لآخر.
وعلى مقربة من تلكم الفتيات نسوة أخريات يحملن الألوان والأقلام، يرسمن على لوحات مختلفة الأحجام والألوان والأشكال ما يعبر عن مطالب الانتفاضة الطلابية في عبارات أو صور أو غير ذلك.
في الجهة المقابلة مجموعة من الشباب والفتيات الذين يدرسون خيارات التصعيد السلمي، يرتبون أوراقهم ويهتفون باسم الحرية لهم ولفلسطين، وبجانبهم آخرون يصنعون الطعام وغيرهم يتلقونه من الأهالي ويوصلونه لرفاقهم، وثمة شباب يوزعون الماء والكوفية الفلسطينية بين الجموع، وآخرون ينصبون الخيام للراحة، وعدد غير ذلك يعمل على تأمين التظاهرات من دخول العناصر المؤيدة لإسرائيل؛ حرصا على عدم إفساد سلمية الثورة وسمو أهدافها.
وفي وسط الميدان يغني البعض أغاني الحرية وأناشيد الثورة، عربية وغربية، فيرقص الكثير الدبكة الفلسطينية ويلقي البعض الشعر والنثر وشيء بين ذلك. وحول هؤلاء يتجمع المئات ممن يصورون التظاهرات ويرسلونها عبر التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام.
بجانب أحد المباني العريقة عدد من الشباب ينظمون مؤتمرا صحفيا لإيصال أصواتهم للعالم، وآخرون يلقون المحاضرات الثقافية عن عراقة فلسطين المتجزرة وقبح الصهيونية الطارئة على أرض المسرى، يسردون تاريخ أميركا المليء بالتناقضات والملطخ بدماء مئات الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني.
إنها ثورة يشترك فيها طلاب من مختلف الطبقات والأعراق والبلدان والأديان واللغات، يتساوون في مطالبهم وأدوارهم من أجل فلسطين. فلسطين الثورة التي عجزت الصهيونية عن إخمادها منذ ما يقارب قرن من الزمن.
فلسطين التي فشل العرب في أبنائها ونسائها، وخسر الغرب كل القيم أمامها، لكنها تعيد نفسها اليوم من خلال الوعي الذي ينبثق من الثقافة السليمة المتدفقة من عمق التاريخ.