الملائكة اللواتى كن يلقين عليه السلام كل ليلة ، و هن يمتطين سحابة بيضاء ، لم يمروا هذه الليلة على مجلسه ، تحت نخلة معوجة ساقها ، و كان ينتظرهن الليلة حتى يعزف لهن لحنا قضى يومه يتدرب عليه ، أنتظرهن حتى لاح ضوء الفجر ينبأ عن انقضاء الليل دون أن يبصرهن فى الأفق .
لملم ثمرات التمر التى اعتاد أن يقذفها لهن كل مساء ، و وضعها فى سلتها و غطاها بشاله القطنى ، ثم غمس نايه فى جرابه و استقام ، ينظر إلى السماء ، يتجول بين ثناياها عسى أن يراهن ، و لما أيقن غيابهن ، خطا إلى حيث الطريق المؤدى إلى كوخه الفقير فى أطراف القرية ، وحيدا على غير عادته كل ليلة ، يكاد يتفطره الحزن و هو يشعر أن الوحدة قاتلته ، و أنه سيعود إلى سابق عهده قبل أن يلتقى بهن ، منبوذا من أهل قريته ، وحيدا يرعى ثلاثة خراف سوداءعقيمة ، يغنى لها طول النهار دون أن تعيره انتباها ، و يعود إلى ليله الطويل بلا رفيق يؤنس وحدته ،
حين وصل إلى كوخه ، وضع سلة التمر على الأرض بجانب الباب ، و خرج ثانية إلى حيث خرافه ، ليبدأ مراسم يومه المعتاد ، يرعى و يسقى لهم ، و حين وصل إلي حيث يتركهم فى مغرب كل يوم لم يجد خرافه ، بل وجد خراف بيضاء بلون الحليب ، بقرون عاجية و أوجه مضيئة ، يهرولون نحوه و يتمسحون فى جلبابه ، قفز أحدهم ليخطف جرابه و يلقيه أرضا ، ثم يمد فمه ليخرج الناى منه ، و يمد رأسه يناوله الناى ، فأخذه و بدأ يعزف لحنه الذى حفظه بالأمس ، و حين تناثرت الأتغام فى هواء الصباح البارد ، رأى الخراف ترفف بأجنحة بيضاء و كأنهم يرقصون، فأسقط جالسا ثم نظر إلى عيونهم فوجد فيها عيون الملائكة ، فابتسم و أكمل العزف و الرقص