السؤال 150 : إن فرضنا جدلاً أن الحركة الصوفية حركة إصلاحية سنية أصيلة، فلما لم يرد بالتصوف حديث شريف صحيح أو حتى ضعيف يشير إليهم وإلى أحقية منهجهم وضرورة اتباعهم ولماذا أجمع أكثر فقهاء السنة في العهد العباسي واتهموا أهم أعلامهم باستثناء الجنيد البغدادي بالزندقة، وإن صح ما يقال بشأن الصوفية، بأنها حركة دينية مبتدعة، ولا أصل لها في الدين، فلما قبلت هذه الحركة بدولة العباسيين حتى حين، ثم انقلب عليها أصحاب الدين ومن ثم الحكام العباسيين وحجموها لعشرات السنين، ولكن دون اقتلاع لجذورها، وما هي المحنة التي حجمت الصوفية؟.
الجواب:
نقول ادعى الهجويري أن التصوف موجود في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصحبه!، واستدل على ذلك بحديث تفرد به دون سند يذكر أو يؤثر، ووقد كان معلقاً حتى عن راويه من الصحابة، وفحواه أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه، قال: ( مَنْ سَمِعَ صَوُتَ أّهْلِ التَصَوُفِ، فَلّاَ يُؤْمِنُ عَلّىَ دُعَائِهِمْ، كُتِبَ عِنْدَ اللهِ مِنَ الغَاّفِلِيِنَ )؛ (1) ..
نقول لو فرضنا جدلاً بصحة الحديث لاعتبار ما، فإن هذا الحديث لا يعني عقلاً أن الصوفية كانوا في زمن النبي فلا داعي لداعي للحق بوجود خير البرية، أصحاب رسول الحق صلى الله عليه وآله وسلم، فيصل الدعوة إلى الحق وأصلها الأصيل ..
إنما هو إشارة إلى فئة تأتي بعد زمان الصحابة تدعو إلى الزهد والإخلاص والتزكية بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصحبه الأوائل السابقون بالتقوى والإيمان، بعد أن تبدأ هذه المفاهيم الإيمانية والسلوكية الأصيلة بالتناقص والاضمحلال، فالغاية الأسمى عند الصوفية الدعوة إلى ترك الانشغال بالدنيا والاشتغال بموجبات النجاة في الآخرة، لأن سمة المؤمن السلوكية الفعلية، هي الإنابة إلى دار البقاء والخلود، والتجافي عن دار الفناء والغرور، وانتظار الموت قبل الموت كما ورد في الآثار المشهورة ..
وهذه الإشارة وردت بالكتاب الكريم، بقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } [المائدة : 54] ..
فالله تعالى أشار إلى بعث فئة مصلحة بحالة الارتداد على أصول الدين الصحيحة نتيجة حب الدنيا وترفها وظهور الترف الفكري الفلسفي والكلامي، فلما كانت هذه الظاهرة بالفعل ظهر الأثريين المحدثين والصوفية المتقين، والطائفتين على التحقيق من أهل التقوى والأيمان، إلا أن الصوفية كانوا أكثر تخصص سلوكي، إضافة إلى أن الأثريين قدموا صحة النقل على العقل، وموافقة الأصول، إلا أن عدد من الحفاظ والنقاد تحولوا من تقديم النقل على العقل إلى العكس من إمام الأثريين الأكبر ابن حنبل وابن الجوزي وابن الباقلاني وابن الملقن وابن حجر والخطيب والسيوطي والسخاوي وغيرهم من المحدثين المتأثرين بالصوفية الأصحاء المتقدمين، ومن كان على أثرهم من متكلمي الأصوليين من أهل السنة والجماعة ..
وتعلم الأئمة فقهاء المذاهب، وعلى رأسهم فقيه المحدثين الأكبر الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، الاستدلال القرآني في الفقه إضافة لما تعلموه قبلاً من الاستدلال السني، ومنه دليل أصل الإجماع بقيام الحجة والدليل في فقه الأصول بعد القرآن والسنة (2)، برواية رواها ابن السبكي في "طبقات الشافعية" [ج2/ص: 245/ر:212]، وقال: "وسند هَذِهِ الحكاية صحيح لا غبار عَلَيْهِ" (3) ..
وتعلم منهم إمام أهل السنة ابن حنبل رحمه الله تعالى الاستنباط القرآني للفقه بعد أن أتقن ذلك من السنة، وقبل أن يجتمع بالإمام الشافعي (4)، ممن جاءه على أنه مريد وهو أبو حمزة البغدادي أو الصوفي مريد العارف المعروف معروف الكرخي رحمه الله تعالى، حيث سأله عن مقدار الزكاة في بالمال، وكانت وفق السنة تعرف بربع العشر أي 2.5 % (5)، فأجاب الصوفي وفق تسمية ابن حنبل: ثمن الخمس، وإذ تبين أن الرجل قد استنبط هذا القدر من آيتين آية الخُمس لله ورسوله [الأنفال : 41]، وآية الفئات الثمانية المستحقة للزكاة: [التوبة : 60] ..
وبعد فإنما إن صح قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، الذي أورده الهجويري بالتصوف فليس بلفظ التصوف إنما بمنهج التصوف، وأوائل رجالاته، فكانت أول إشارته صلى الله عليه وآله، للتابعي الذي عاصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآمن به ولم يره أو يصحبه وهو أويس القرني:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ( (( لَيَشْفَعَنَّ رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِي فِي أَكْثَرِ مِنْ مُضَرَ [أو: يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَةِ رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَكْثَرُ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ] ))، قَالَهَا الثَّانِيَةَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ تَمِيمًا مِنْ مُضَرَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ: (( لَيَشْفَعَنَّ رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِي لأَكَثْرِ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، وَمِنْ مُضَرَ، وَإِنَّهُ أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ )) )؛ (6) ..
والشفاعة بالتشفع أو الارتباط القلبي معه وضمن زمرته، لقوله تعالى: { وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ } [الزمر : 73] ..
ولكن في حديث نادر يحسن بشاهد سني صحيح، يخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بوصية لأبي هريرة رضي الله عنه، عن الصوفية وضرورة الأخذ بطريقتهم، فيقول: ( يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، عَلَيْكَ بِطَرِيقِ قَوْمٍ، إِذَا فَزِعَ النَّاسُ لَمْ يَفْزَعُوا، وَإِذَا طَلَبَ النَّاسُ الأَمَانَ لَمْ يَخَافُوا، قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَحْشَرَ الأَنْبِيَاءِ، إِذَا نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِمْ ظَنُّوا أَنَّهُمْ أَنْبِيَاءُ مِمَّا يَرَوْنَ مِنْ حَالِهِمْ فَأَعْرِفُهُمْ، فَأَقُولُ: أُمَّتِي، فَيَقُولُ الْخَلائِقُ: إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ، فَيَمُرُّونَ مِثْلَ الْبَرْقِ وَالرِّيحِ يَغْشَى مِنْ نُورِهِمْ أَبْصَارُ أَهْلِ الْجَمْعِ، يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، رَكِبُوا طَرِيقًا صَعْبَ الْمَدْرَجَةِ ؛ مَدْرَجَةِ الأَنْبِيَاءِ، طَلَبُوا الْجُوعَ بَعْدَ أَنْ أَشْبَعَهُمُ اللَّهُ، وَطَلَبُوا الُعْرَي بَعْد أَنْ كَسَاهُمُ اللَّهُ، وَطَلَبُوا الْعَطَشَ بَعْدَ أَنْ أَرْوَاهُمُ اللَّهُ، تَرَكُوا ذَلِكَ رَجَاءَ مَا عِنْدَ اللَّهِ، تَرَكُوا الْحَلالَ مَخَافَةَ حِسَابِهِ، وَجَانَبُوا الدُّنْيَا فَلَمْ تَشْتَغِلْ قُلُوبُهُمْ، تَعْجَبُ الْمَلائِكَةُ مِنْ طَوَاعِيَتِهِمْ لِرَبِّهِمْ، طُوبَى لَهُمْ، لَيْتَ اللَّهَ قَدْ جَمَعَ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، ثُمَّ بَكَى رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، شَوْقًا إِلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِأَهْلِ الأَرْضِ عَذَابًا فَنَظَرَ إِلَى مَا بِهِمْ مِنَ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ كَفَّ ذَلِكَ الْعَذَابَ عَنْهُمْ، فَعَلَيْكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، بِطَرِيقِهِمْ، تَقْوَ فِي شِدَّةِ الْحِسَابِ؛ وفي رواية: فعليك يا أبا هريرة بطريقهم، من خالف طريقهم بقي في شدة الحساب ))، قال مكحول: "فقد رأيت أبا هريرة وإنه ليتلوى من الجوع والعطش، فقلت له: رحمك الله أرفق بنفسك، فقد كبرت سنك، فقال: يا بني إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكر قوما وأمرني بطريقهم، فأخاف أن يقطع القوم طريقهم، ويبقى أبو هريرة في شدة الحساب )؛ (7) ..
وما يحسن رفع الأثر أعلاه في الصحيح:
عن الفاروق الأشهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لَأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ، وَلَا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ، وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ؟، قَالَ: هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ، وَلَا أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا، فَوَاللَّهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ، وَإِنَّهُمْ عَلَى نُورٍ، لَا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ وَلَا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ، وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } [يونس : 62] )؛ (8) ..
فالصوفي السني هو الولي الصالح، والولاية لغة الموافقة، وهي أن يكون العبد همه وهواه موافقاً لما يحبه الله ويرضاه، والولي هو من والى الله فتولاه الله، وهو الصوفي، لأنه من صفا لله فاصطفاه الله وصافاه عن الخلق بالقرب ..
ومصطلح الصوفي لم يكون في الإسلام بل كان قبل الإسلام في قبيلة جاهلية تدعى "صوفة" تعهد أهلها خدمة الكعبة وكان الفرد فيها يسمى صوفي: وكان منقطع لله ملازماً للكعبة، وبقيت سدانة الكعبة لصوفة حتى آلت لعدوان ومن عدوان آلت لقريش (9) ..
ونقول نعم إن الحركة الصوفية مبتدعة بتخصصها المنهجي في مجال الإخلاص وتزكية النفس والزهد، والعمل بمقام الإحسان ..
والمتصوف هو المجاهد لنفسه، ليصبح سيداً لها بعد أن كان عبد لأهوائها وشهواته كأكثر الناس، والهدف الأسمى للصوفي أن يكون عبداً لله الواحد القهار بكل كيانه ..
والصوفي كما أخبر أبو الفتح البستي: من صفا لله فصُوفي من الله أي اصطفاه وصافاه الحق مع خاصته، فالتصوف كلمة جامعة لمعنين متلازمين، وهما: الصفاء والاصطفاء؛ ويعني صفاء القلب من الأغيار، يعقبه اصطفاء له من قبل الله عز وجل مع الأخيار ..
والصوفي كما أخبر العارف التستري والعارف الزملكاني: هو من صفت نفسه من الكدر، وامتلئ قلبه بالعبر، واستوى عنده الذهب والمدر، وانشغل بالله عن البشر ..
إلا أن التصوف حورب منذ بداية نشأته تقريباً، بالدرجة الأولى لظهور زنادقة المتصوفة الباطنية الذين أشرنا إلى نشأتهم بالسؤال السابق، والزنديق كما أسلفنا هو الذي يظهر ما لا يبطن، أو بتعريف أوضح، هو: "مَنْ يُظْهِرُ الإِيمانَ وَيُخْفِي الكُفْرَ وَيُضْمِرُهُ" ..
لذلك نجد هؤلاء الزنادقة قد عطلوا على الصوفية المصلحين ميسرتهم إلى حين أي حتى تبين الخيط الأبيض من الأسود ..
أما عن سبب ظهور الحركة الصوفية كتخصص منهجي، فهو أنه في عهد الدولة العباسية ظهر وانتشر الترف الفكري والمادية، وسيطر هذا الترف على الشارع الإسلامي، فتصدى لهذا الانحراف، تيار المحدثين الأثرية وإمامهم الأكبر ابن حنبل الشيباني رحمه الله تعالى، في محاولة لحفظ السنة من الضياع وضبط مخارجها الحديثية، فيما يخص الشريعة السمحاء والعقيدة الغناء، وكذلك ظهر تيار الأولياء الصوفية وكان أكبر أعلامهم الدعوية والعلمية إمامهم الأكبر فقيه الصوفية الإمام الجنيد البغدادي رحمه الله تعالى، إلا أن التيار الصوفي أشكل على بعض الفقهاء والعلماء، كونه ركز على الوعظ والإرشاد، دون أي تركيز على دقائق أحكام الشريعة، وثوابت قواعد العقيدة، والسبب أن الحركة الصوفية كانت حركة إصلاحية سلوكية تربوية إرشادية، أكثر من كونها تشريعية أصولية، فهذا العلم الأخير كان له أهله ..
بل أنه من أسباب ظهورها أيضاً كثرة اجتهاد الرأي عند بعض الفقهاء، وترك الاجتهاد الأصولي الفقهي المبني على استنباط الأحكام الشرعية من النصوص القرآنية، والاستدلال بالنصوص الحديثية المرفوعة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والخبرية الموقوفة على الصحابة، وكثر الشطط الكلامي في العقائد عند الأصوليين ..
لذلك لما عرف كبار الفقهاء والأصوليين حقيقة منهجية الصوفية كفوا عنهم أو أذعنوا لهم، بالتبعية السلوكية، فقد ظن أئمة المذاهب الفقهاء في بداية الأمر، وباستثناء الإمام الأصبحي إمام دار الهجرة رحمه الله تعالى، والإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله تعالى، أن أكثر الصوفية جهال لا فقه لديهم بالدين، إلا أنه ولما صحب الإمام الشافعي والإمام أحمد العارف المعروف معروف الكرخي رحمه الله تعالى، تغير عندهم هذا الانطباع ..
وباختصار كانت دوافع معاداة الحركة الصوفية، هي:
1.الجهل بحقيقتها المنهجية الموافقة للقرآن الكريم، والسنة الشريفة ..
2.بدعية الظهور التخصصي الذي لم يكن موجود في زمن الصحابة وأوائل التابعين ..
3.الدافع السياسي من الناحية الدينية والحاكمية، باستحواذ المكانة الدنية بالشارع المسلم، والاعتراض على المخالفات عند أصحاب السيادة السياسية ..
والخطر الأكبر المزعوم للصوفية على المحدثين وكثير من الفقهاء والأصوليين، كمُنَ بأن أعلام الصوفية أصبح لهم بين الناس شعبية كبيرة، رغم أنهم لم يكونوا يتكلمون بالدقائق الفقيهة ولم يهتموا بالروايات الحديثية والثوابت العقدية، فقد كانوا يرون الحديث مرفوعاً معلقاً من غير رواي بأكثر الأحوال، إلا عن شيخ معاصر، أو الراوي الصحابي الأصل، دون تحقيق نقلي متصل، فهم أول من قدم التصديق العقلي على التوثيق النقلي، وكان الحكم الفصل بصحة الحديث عندهم بالموافقات القرآنية بصريح العبارة أو بدلالة الإشارة ..
لذا أجمع المحدثين الفقهاء والفقهاء المجتهدين من غير جماعة الصوفية، على أن هذا المنهج السلوكي المقتصر على الإرشاد والوعظ والدعوة إلى الزهد، بمفرده قد يؤدي إلى زندقة لأنه تصوف بلا تفقه، وجهله زندقة، وكان ذلك في عهد الخليفة العباسي المعتمد سنة 264 هـ، وهو تاريخ وفاة سلطان العارفين وإمام المتقين أبو يزيد البسطامي رحمه الله تعالى، وسهل الأمر واعظ صوفي منشق عن جماعته متفرد برأيه أراد أن يخرج من الظل الذي يكون العبد الموحد في ظل لله يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظل الله، إلى نور الدنيا الذي قد يؤدي للهلاك، وهذا الواعظ كان يلقب بغلام الخليل حيث وشى بشيخه وجماعته بمسألة زندقة بالسلوك العقدي، وحول عليه تهمة زندقة بالإسناد الحديثي والوضع، وكان شيخه الذي دارت عليه الدائرة هو من كان يعرف بابن البغوي أو المحتسب أبو الحسين النوري، وهو من أقران الإمام الجنيد إمام الطائفتين، وقيل شيخه، إلا أن تاج العارفين الجنيد كان بعيد عن تهمة الزندقة لظهور علمه السلوكي والفقهي والحديثي أيضاً، وقد أجمع المحتسب الموفق مفتي الخلافة مع جمع من الفقهاء والمحدثين والقضاة على تجريم النوري وأعوانه بجرم الزندقة، واخضاعهم للقصاص فنزل الحليفة العباسي عند رغبتهم وأمر بضرب أعناق جماعة النوري الصوفية، ولولا مشيئة الحق تعالى بعدم تمام الأمر، لموقف ايثار إيماني شهده سياف الخليفة في غرفة القصاص من المحتسب النوري، وهو يهم بتنفيذ القصاص لقُضي الأمر، إلا أن السياف رفع الأمر إلى الخليفة ليعيد النظر فيه، حيث قام الأخير برفع أمرهم إلى قاضي القضاة الأزدي، ليتحقق من صحة هذه الزندقة حيث حاور الإمام النوري في الفقه والحديث والعقيدة، ووصل إلى حقيقة أن هؤلاء إن كانوا زنادقة فليس على ظهر الأرض مسلم، وهو ما برئ جماعة النوري من تهمة الزندقة، وهذه الحادثة رويت بروايات عدة منها القصير (10)، ورواية واحدة مفصلة (11)، إلا أن المحتسب النوري كان شديد بالحق، لا يخشى بالحق لومة لائم رغم قلة فضوله، لذلك سمي المحتسب، أي الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، يقول أَحْمَدَ بْنِ إبْرَاهِيمَ الْمُقْرِي: ( كَانَ أَبُو الْحَسَنِ النُّورِيُّ رَجُلًا قَلِيلَ الْفُضُولِ، لَا يَسْأَلُ عَمَّا لَا يَعْنِيهِ، وَلَا يُفَتِّشُ عَمَّا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَكَانَ إذَا رَأَى مُنْكَرًا غَيَّرَهُ )؛ (12)؛ وكان كذلك إلى أن غير منكر رأه يخص الخليفة العباسي المعتضد الذي جاء بعد المعتمد التي اتت المحنة في زمنه، وكان المعتضد بالله، يسمى بالسفاح الثاني لشدته وقوة بطشه، فأرسل بطلب ابن البغوي، ليقاضيه ويقضي عليه، إلا أن وفق الله المحتسب النوري أن يثني المعتضد عن نيته، ويفرج عنه، إلا أن الله ألهم المحتسب النوري ابن البغوي، أن يغادر حينها بغداد إلى الرقة وقيل البصرة حتى حين، أو حتى وفاة المعتضد، تخوفاً من كيد المغرضين، بإعادة تأجيج غضب الخليفة العباسي عليه، وذلك خوفاً أن يمتد الأذى لجماعته مرة أخرى، وفي كل الأحوال فإني العبد لله أنوي أن أفرد بحث في هذا الموضوع تحت عنوان: "الحقائق الخفية حول محنة الصوفية"، إن أذن الحق ووفقني للحق، وبهذا القدر تنتهي الأسئلة في هذا البحث، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
النهاية ..
==================
(1)ورد في "كشف المحجوب" للهجويري [ج1/ص: 227] ..
(2)عن أبو ذر الغفاري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا، فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ )، رواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 655/ر:4758]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [4758]، ورواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 136/ر:2863]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2863]، وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:3134]، ووافقه الألباني وفي "صحيح الجامع" [6410]، وخلاصة حكمه: [صحيح] ..
(3)أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْد اللَّه الحافظ، أخبرني أَبُو عَبْد اللَّه الزبير بْن عَبْد الواحد الحافظ الأسد اباذى، قَالَ: سمعت أَبَا سَعِيد مُحَمَّد بْن عقيل الفريابي، يقول: قَالَ المزني، أو الربيع: ( كنا يوما عند الشافعي، بين الظهر والعصر، عند الصحن فِي الصفة، والشافعي قد استند، إما قَالَ: إِلَى الأسطوانة، وإما قَالَ: إِلَى غيرها، إذ جاء شيخ عَلَيْهِ جبة صوف، وعمامة صوف، وإزار صوف، وفي يده عكازه، قَالَ: فقام الشافعي، وسوى عَلَيْهِ ثيابه، واستوى جالسا، قَالَ: وسلم الشَّيْخ، وجلس، وأخذ الشافعي ينظر إِلَى الشَّيْخ هيبة لَهُ، إذ قَالَ لَهُ الشَّيْخ: (( أسأل؟ ))، قَالَ الشافعي: (( سل )). قَالَ: (( أيش الحجة فِي دين اللَّه؟ ))، فقال الشافعي: (( كتاب اللَّه )). قَالَ: (( وماذا؟ ))، قَالَ: (( وسنة رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )). قَالَ: (( وماذا؟ ))، قَالَ: (( اتفاق الأمة )). قَالَ: (( من أين قلت: اتفاق الأمة؟ ))، قَالَ: (( من كتاب اللَّه )). قَالَ: ((من أين فِي كتاب اللَّه؟ ))، قَالَ: فتدبر الشافعي ساعة . فقال الشَّيْخ: (( قد أجلتك ثلاثة أيام ولياليها، فإن جئت بحجة من كتاب اللَّه فِي الاتفاق، وإلا تب إِلَى اللَّه ))، عز وجل . قَالَ: فتغير لون الشافعي، ثم إنه ذهب فلم يخرج ثلاثة أيام ولياليهن، قَالَ: فخرج إلينا فِي اليوم الثالث فِي ذلك الوقت، يعنى بين الظهر والعصر، وقد انتفخ وجهه، ويداه، ورجلاه وَهُوَ مسقام، فجلس قَالَ: فلم يكن بأسرع من أن جاء الشَّيْخ، فسلم وجلس، فقال: (( حاجتي )). فقال الشافعي: (( نعم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قَالَ اللَّه، عز وجل: { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } [النساء : 115]، لا نصليه عَلَى خلاف المؤمنين، إلا وَهُوَ فرض ))، فقال: ((صدقت )). وقام وذهب ) وقد أدرجها الإمام الذهبي في "سير الأعلام" [ج10/ص: 85] بسند مضيء، بقوله: " أنبئت بهذه القصة، عن منصور الفراوي، أخبرنا محمد بن إسماعيل الفارسي، أخبرنا أبو بكر البيهقي، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا الزبير، فذكرها" ..
(4)يقول الإمام الجنيد رحمه الله تعالى: ( كَاّنَ الشَافِعِيِ مِنْ المُرِيدِينَ النَاطِقِينَ بِلِسَانِ الحَقْ فِيْ الدِينِ )؛ ورد في "مناقب الشافعية" للبيهقي [ج2/ص: 178]، وفي "الإحياء" للغزالي [ج3/ص: 210]، وفي "توالي التأسيس" للعسقلاني [ج1/ص: 61]، وفي "نهاية الأرب" للنويري[ج2/ص: 117] ..
(5)روى البخاري في "صحيحة" [ر:1454]، عن أنس رضي الله عنه أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ لَهُ هَذَا الْكِتَابَ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ: ( هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ ... وَفِي الرِّقَّةِ رُبْعُ الْعُشْرِ )، والرقة هي الفضة ..
(6)رواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 540/ر:2438]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2438]؛ ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج3/ص: 543/ر:4316]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:3502]؛ ورواه الدارمي في "سننه" [ج2/ص: 784/ر:2704]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الأسد في "سنن الدارمي" [ج2/ص: 423]؛ ورواه الإمام أحمد في "سننه" [ج4/ص: 512/ر:15431]، بإسناد صحيح، على شرط مسلم؛ بتحقيق الأرناؤوط في "مسند أحمد" [ج3/ص: 470]؛ ورواه الحاكم في "المستدرك" [ج3/ص: 461/ر:15431]، وقال: صَحِيحُ الإِسْنَادِ؛ ووافقه الذهبي في "التلخيص" [ج3/ص: 402]، وقال: صحيح؛ وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:7556]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:5364]؛ وحكمه: [صحيح] ..
(7)رواه المتقي الهندي في "كنز العمال" [ج3/ص: 729/ر:8595]؛ ورواه الكناني في "تنزيه الشريعة" [ج2/ص: 381/ر:90]؛ ورواه الديلمي في "مسند الفردوس" [ج5/ص: 347/ر:8392]؛ وأورده السيوطي في "الجامع الكبير" [ج39/ص: 329/ر:42660]؛ وورد في "الفتوحات المكية" لابن عربي [ج4/ص: 518]؛ وفي "روح البيان" للبروسوي [ج2/ص: 37]؛ وخلاصة حكمه: [حسن لغيره] ..
(8)رواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 310/ر:3527]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:3527]؛ وصححه ابن حبان في "صحيحة" [ج2/ص: 332/ر:573]؛ وصححه الألباني في "صحيح الترغيب" [ر:3023]؛ وفي "صحيح الموارد" [ر:2126]؛ وحكمه: [صحيح] ..
(9)وفق ما ورد في "تلبيس إبليس" لابن الجوزي [ج1/ص: 161] ..
(10)انظر: في "سراج الملوك" للطروشي [ج1/ص: 74]؛ وفي "تاريخ بغداد" للخطيب [ج5/ص: 341]؛ وفي "ذيل تاريخ بغداد" لابن النجار [ج5/ص: 136و137]؛ وفي "التذكرة الحمدونية" لابن حمدون [ج1/ص: 58]؛ وفي "تدريب المدارك" لعياض [ج1/ص: 308]؛ وفي "الرسالة القشيرية" للقشيري [ج1/ص: 97]؛ وفي "حلية الأولياء" لأبو نعيم [ج10/ص: 250]؛ وفي "الموافقات" للشاطبي [ج3/ص: 93]؛ في "سير الأعلام" للذهبي [ج14/ص: 71]؛ وفي "روح البيان" لحقي البروسوي [ج8/ص: 67]؛ وفي "شعب الإيمان" للبيهقي [ج5/ص: 144] ..
(11)انظر في: إيقاظ الهمم" لابن عجيبة [ج1/ص: 490] ..
(12) ورد في "مفاتيح الغيب" للفخر الرازي [ج10/ص: 457]؛ وفي "معالم القربة" لابن الأخوة [ج1/ص: 19]؛ وفي "البداية والنهاية" لابن كثير [ج11/ص: 89]؛ وفي "سير الأعلام" للشمس الذهبي [ج11/ص: 76]؛ وفي "تاريخ دمشق" لابن عساكر [ج71/ص: 211]؛ وفي "تاريخ الإسلام" للذهبي [ج5/ص: 243] ..