كانت الساعة التاسعة مساء , عندما دخل خالد إلى منزله,تقدم نحو مكتبه ، دلفه ،وأغلق الباب على نفسه ,انتبهت فاطمة لوجوده, لكنها آثرت الصمت , حتى لا تحدث مشكلة جديدة بينهما..! لقد اعتادت على هذه المعاملة القاسية , وعدم احترامه لها، أصبحت ترى نفسها بلا قيمة , وتحس بأن وجودها معه يساوي العدم ! احساس مقيت يكاد يحطمها،فمشاكلها مع زوجها تزداد يوماً بعد يوم. وضعت فاطمة الطعام , وتقدمت نحو باب المكتب , لتناديه لتناول وجبة العشاء، وعندما وقفت أمام الباب , تذكرت تلك الليلة التي صرخ في وجهها قائلاً :"لا أطيق أن أرى وجهك ، أذهبي ولا تفتحي على الباب مرة أخرى."
جرت قدميها بصعوبة شديدة, اتجهت إلى حجرتها وألقت بجسدها على السرير , حيث أجهشت في بكاء مرير:" إن حياتها مع هذا الرجل جحيم, لا يتكلم معها , لا يناديها با سمها ،فقط يكتفي بالإشارة إليها عندما يكون بحاجة إلى شىء ما" وتسألت في نفسها :"أهكذا يصنع العلم؟ أنه أستاذ في الجامعة ،حقاً ما فائدة المال والعلم إذا لم يكن هناك احترام بين الأخرين، إن وجوده يصبح كعدمه"انتشلها من بكائها صوت صراخه :" كم مرة أقول لك أني لا أحب أن آكل الطعام بارداً..؟" ثم أخذ يردد بصوت هادر : "هم و نكد ،ليتني لم أتزوج.."
خيم الصمت ، وهبطت قطع من الليل المظلم على عيني فاطمة، وعادت تبكي، إلى أن غطت في نوم عميق.في صباح اليوم التالي ،أستيقظت على جرس الهاتف ،رفعت السماعة , ليأتيها صوت صديقتها هدى:
- فاطمة كيف حالك
- بخير
- أريد أن أخبرك بشىء مهم
ردت فاطمة بشيء من الألم:
- ليس في حياتي شىء مهم.
قالت هدى مخففة عن صديقتها :
- بعد ساعة ، سيكون في قاعة الأنشطة، ندوة بعنوان:"السعادة الزوجية" حقيقة زوجي لا يعلم بالأمر إلا من صديق له
فما رأيك أن تذهبي معنا،لعلك تجدين حلاً لمشاكلك الزوجية؟
- لكن لابد من أستئذان زوجي..فأنت تعرفينه
- حسناً اتصلي به وأخبريه وعندما يوافق أخبريني بذالك
- حسناً إلى اللقاء
أدارت أقراص الهاتف بتوجس،جاءها صوت زوجها الخشن
- ماذا تردين؟أنا مشغول جداً
- لا شيء.. أحب فقط أن أخبرك بأني سوف أذهب مع صديقتي هدى..
وقبل أن تكمل، قاطعها:
- وماذا أفعل لك..! اذهبي معها إلى الجحيم الحمراء
أغلق السماعة،شعرت بالحزن..أدارت أقراص الهاتف مرة ثانية..أخبرت هدى بأن زوجها وافق على ذهابها معهم.
في السيارة كانت هدى تجلس في المقعد الأمامي بجانب زوجها ،وفاطمة جلست في المقعد الخلفي،تراقب الطريق، وتفكر في معاملة زوجها لها. عصفت بها الأفكار،ودغدت مشاعرها كلمة لفظها زوج هدى:"حبيبتي لقد وصلنا" ما أجمل هذه الكلمة، كم تمنت أن يناديها خالد بها.. حبيبتي ،شعرت بغيرة شديدة تجاه صديقتها ، دخلوا القاعة..بينما بدأ الأستاذ الفاضل، يتحدث عن السعادة الزوجية.. وعن واجبات الزوج تجاه زوجته ،وواجبات الزوجه تجاه زوجها،مركزاً على أهمية الحب والأحترام بينهما،فهما أساس الحياة الزوجية السعيدة،وإن سبب التعاسة الزوجية ، أنعدام الكلمة الطيبة بينهما،والتركيز على أمور تافهة مثل : "لماذا الطعام بارد ؟ لماذا تدخلين علي المكتب من غير أذن؟ لماذا البيت غير نظيف؟ ليتني لم أتزوج." تغلغلت كلماته في نفس فاطمة، حيث هتفت في داخلها:" كأنه يتحدث عن زوجي .. ليته معنا ليسمع حديث هذا الأستاذ الفاضل.أطلقت تنهيدة قوية تناهت لمسامع صديقتها، حيث عقبت الأخيرة :
- لماذا لا تخبرين الأستاذ بمشكلتك مع زوجك ، لعله يجد حلاً لها
ابتسمت فاطمة، وبدون تردد امسكت الميكروفون..وما كادت تبدأ بالكلام حتى جاءها صوت مساعد الأستاذ الفاضل معتذراً :
"لقد حدث عطل في الميكروفون" وطلب من الجميع كتابة مشاكلهم على ورقة ،وسيرد عليهم في الأسبوع القادم أذا شاء الله.
فتحت فاطمة حقيبتها وأخرجت قلماً ،وراحت تكتب عن مشكلاتها مع زوجها، ثم وضعت الورقة في صندوق الرسائل.
عادت إلى المنزل وهي تنتظر الأسبوع القادم على أحر من الجمر، وعاد خالد أيضاً إلى المنزل، كانت تبدو عليه علامات التعب والإرهاق، وكعادته دخل المكتب..وضع أوراقا كان يحملها بيده،اتجه إلى الغرفة ليبدل ملابسه،ألقى بجسده المتعب على السرير ونام. حينما شعرت فاطمة بالملل، اتجهت إلى المكتب لترتيبه ،وبينما تصفف الأوراق.. سقطت ورقة على الأرض ..انحنت تلتقطها ، وما أن لمحت ما بها ، حتى عقدت الدهشة لسانها ، حيث كانت ورقتها، التي كتبتها اليوم للأستاذ الفاضل..!