|
|
|
|||||||
| منتـــدى الخـواطــر و النثـــــر للخاطرة سحر و للنثر اقتدار لا ينافسه فيه الشعر، فهنا ساح الانتثار.. |
![]() |
| مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان) |
| أدوات الموضوع | تقييم الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
رقم المشاركة : 1 | |||
|
الإنسان حيوان عاطفي بالفطرة ينظر كثير من الناس إلى "العاطفة" على أنها شيء سلبي أو شيء يجب ألا يتصف به المرء القوي أو الإنسان "الكامل" (؟!!!) في مروأته وعليه ألا يبديه إن ابتلي به كأنه عار أو نقص في الشخصية يجب ستره أو التقليل من تأثيره قدر الإمكان حتى لا يوصم صاحبه بالضعف أو الخَوَر، فما مدى صحة هذا الزعم؟ العاطِفَةُ، كما جاء في بعض معاجم العربية، هي:"ميلٌ وشفقةٌ وحُنُوٌّ ورِقَّةٌ" و تطلق، في العربية، على القرابة وعلى أسباب هذه القرابة و هي الصلة من جهة الولاء [بين من تربطهم وشائج الرحم أو الانتماء]؛ وهي في علم النفس: "استعدادٌ نفسيٌّ ينزِعُ بصاحبه إِلى الشعور بانفعالات معيَّنة والقيام بسلوك خاصٍّ حِيالَ فكرة أَو شيء" أو هي:"استعداد نَفسيّ ينزعُ بصاحبه إلى الشُّعور بانفعالات وجدانيّة خاصَّة والقيام بسلوك معيَّن حيال شخص أو جماعة أو فكرة معيّنَة كالعاطفة الدينيَّة مثلا"، هذا ما تُسعفنا به بعض المصادر اللغوية، ومنها "المعجم الوسيط"، في تعريف العاطفة لغة واصطلاحا. فإذا تقرر أن العاطفة غريزة مثل سائر الغرائز التي وجدت في الإنسان ومعه ساعة وجوده، أو خروجه إلى هذه الدنيا، فما مدى "معقولية"(*) الشعور بالنقص الذي ينتاب الشخص إذا ما وصف، أو وصم، بالعاطفي أو بالعاطفة؟ لولا العاطفة لما كان الإنسان إنسانا، فالعاطفة مما قُسِّم لهذا الإنسان من الرحمة التي بها يرأم صغاره وبها يرأف بذويه وبكل من تربطه بهم صلة أو وشيجة ما، وبها يحب، وبها يكره، وبها يود، وبها يبغض، وبها يحنو، وبها يقسو، وبها يوالي، وبها يعادي؛ فإن حُرِم الإنسان هذه "العاطفة" كيف يكون حاله؟ فحتى الحيوانات لها عاطفتها الغريزية الخاصة وبها تتميز عن الجمادات، وحتى النباتات لها "عاطفة" خاصة بها، إحساس من نوع خاص، فهي تتفاعل مع الإنسان وتتأثر به؛ فإن حاولنا تجريد الإنسان من العاطفة، وهو الحيوان العاطفي بالغريزة، كأننا نحاول، وعبثا نفعل، إنزاله من آدميته، أو من بشريته، إلى البهيمية، بل إلى النباتية، بل إلى "الشيئية"، أو إلى "الجمادية"، لأن الجماد هو الشيء الذي ليس له عاطفة أو إحساس أو مشاعر، نقول هذا الآن فلقد تأتي دراسات علمية تثبت أن للجماد، هو كذلك، عاطفة أو شعورا أو إحساسا، وليس ذلك بمستبعد افتراضيا على أقل تقدير، وإن العلماء المختصون في الإعلام الآلي والإعلام الذكي يحاولون "غرز" العاطفة في الأجهزة التي يخترعونها لتصير إنسانية أو بشرية شيئا ما، وعبثا يحاولون هم كذلك، لأن العاطفة منحة من الله تعالى لا يمكن للإنسان أن يمنحها إلى شيء حتى إلى نفسه أو إلى أحب الناس إليه، فالقضية ليست في كون الإنسان عاطفيا بل في توجيه هذه العاطفة الوجهة الصحيحة وتوظيفها التوظيف اللائق إنسانيا لإعمار الدنيا وليس في تخريبها، وإن الميزان القسط يكمن في استغلال هذه العاطفة الاستغال المتزن، فلا إفراط ولا تفريط، حتى تستقيم الحياة وتزدهر، فإذا تجاوز الأمر عن حده انقلب إلى ضده. فالإنسان، إذن، عاطفي بالفطرة، وهو بهذا حيوان عاطفي بامتياز، و بهذه العاطفة الممنوحة له من الله تعالى يعمر الدنيا بالخير، فإن حُرمها كلها أو بعضها فقد حُرم خيرا كثيرا وإن وجهها الوجهة السيئة تعس وانتكس وشقي وخاب، وليس على الإنسان أن يكبت جُنوحَ عاطفته ولكن عليه أن يكبح جُموحَها . البُلَيْدة، صبيحة يوم الإثنين 23 من ذي القعدة 1436 الموافق 7 أوت 2015. ــــــــــــــــــــ(*) "المعقولية" مصدر صناعي من اختراعي الآن وهنا للدلالة على قبول هذا الشعور بالنقص عقلا. |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 2 | ||||
|
|
||||
|
|
|
رقم المشاركة : 3 | ||||
|
اقتباس:
أهلا بك أختي الكريمة فاطمة وعساك بخير وعافية. لقد منح الله تعالى الإنسانَ عقلا يميز به الحق من الباطل، والصواب من الخطأ، والصحيح من الفاسد، والجميل من القبيح، والمقارنات لا تكون إلا بمعرفة الأضداد ولا سبيل إلى معرفة الضداد إلا بالتجربة الشخصية أو الإخبار من الثقة أو الوحي من الله تعالى، ولما ألغى الإنسان الوحي كمصدر التلقي واعتمد على تجربته الشخصية أو تجارب الآخرين ضل وانحرف وشقي وتعس وهذا ما تعاني منه البشرية جمعاء إلا من رحم ربي منها وهم الأقلية القليلة ولذا قل السعداء في البشر وكثر التعساء، نسأل الله العافية. العاطفة شيء معنوي مكنون في الإنسان يُعبَّر عنه بشتى الوسائل ومختلف الأساليب والعاقل من يضبط عاطفته بالحق فيدور معه حيث يدور وإن ضد نفسه، فالحق يجب أن يكون أحب إليه من أي شيء حتى من نفسه. أشكر لك أختي فاطمة حضورك الطيب ومشاركتك الحكيمة. تحيتي إليك وتقديري لك. |
||||
|
|
|
رقم المشاركة : 4 | |||||
|
الانسان ( حيوان ) وحيوان في اللغة الممتليء حياة ..
آخر تعديل راحيل الأيسر يوم 28-10-2015 في 08:23 AM.
|
|||||
|
|
|
رقم المشاركة : 5 | ||||
|
اقتباس:
وبوركت أختي الكريمة راحيل وكل عام وأنت بألف خير. كم سرتني مشاركتك الطيبة فقد عبرتْ عما كان يدور في خلدي من أفكار وتقاطعت مع نظرتي. ثم أما بعد، لما قررت تثبيت العنوان كما هو هنا توقعت نفور القراء من كلمة "حيوان" لما اعتادوه من معناها الشائع ونسوا أن كلمة "حيوان" ليست معيبة في نفسها وإنما لما توظف له، وقد قال "كبير" القوم [الفلاسفة الأعاجم]:"الإنسان حيوان ناطق" فتُقُبِّل قولُه منه ولم يُناقش، ويمكنك متابعة ما كتبته ردا على بعض المشاركات في منتدى آخر: الإنسان حيوان عاطفي بالفطرة. إن مما يشغل بالي ومنذ أمد بعيد التفكر في حال الإنسان وما يتركب منه وقد توصلت إلى قناعات أعمل على نشرها وبثها في الناس عساهم يساعدونني في فهم هذا الكائن العجيب: الإنسان وما فيه من أسرار وألغاز و..."أعماء" (المجاهل)، فلا عجب إن عنون أحد الأطباء الأفذاذ كتابا له بـ"الإنسان ذلك المجهول" وأعني الطبيب الفرنسي "ألكسيس كاريل"، وليس عجبا أن يكون الإنسان كائنا مجهولا إلى أن يصل اليوم الذي تنكشف فيه حقائقه كلية ولذا دعانا القرآن الكريم إلى التأمل في النفس {وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} (الذاريات:21) وأن الله تعالى سيثبت الحق بما سيكشفه للناس من الآيات في أنفسهم: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (فُصِّلت:53)، ومن هنا كان التأمل في النفس البشرية من أمتع أنواع التأمل فـ "من عرف نفسه عرف ربه" كما يقال. لست أدري، أختي الفاضلة، كيف أشكر لك حضورك الطيب ومشاركتك القيمة فقد أضافت بيانا زاد من قيمة الموضوع، فبارك الله فيك وزادك علما وحلما وفهما وحُكْما وجزاك الله عني خيرا، اللهم آمين يا رب العالمين. تحيتي إليك وتقديري لك. |
||||
|
|
|
رقم المشاركة : 6 | |||
|
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. إتماما للفائدة يسرني أن أنقل إلى القراء الكرام ما وجدته في الشبكة العنكبية عن العاطفة مما سيثري حتما الموضوع: العقل والعاطفة [عند شيخ الإسلام ابين تيمية رحمه الله تعالى] العاطفة بصفتها جزءًا من الحياة الوجدانية لدى الإنسان، لم تُذكَر لدى شيخ الإسلام ابن تيمية - يرحمه الله - بهذا الاسم، وإنما يطلق عليها الحب والكره والهوى والعشق... إلخ. وهكذا يجد القارئ أن ابن تيمية قد تحدَّث عن حب الله ورسوله، وحب الخير، وحب الجمال والسعادة، وكراهية الكبر والشر والشيطان والقبح والشقاء، وهذه كلها من العواطف الإنسانية الفطرية في الإنسان. ويهمنا في هذه الفقرة ودون توسع[1] تبيانُ معنى العاطفة في علم النفس الحديث ومدى انطباقها على مفهومها لدى ابن تيمية. تعريف العاطفة كما يعرِّفها علم النفس الحديث: استعداد نفسي ينزع بصاحبه إلى الشعور بانفعالات وجدانية خاصة، والقيام بسلوك معين حيال شيء، أو شخص، أو جماعة، أو فكرة معينة، ففيها إذًا انفعال، وتصور، وفعل؛ كالعواطف الدينية، أو الخُلُقية، أو الاجتماعية[2]. وتتميَّز العاطفة بطول البقاء والاستمرار، أما الانفعال، فحالة عابرة تغلب عليها الصبغة الوجدانية، ومن أمثلة العواطف: الحب، والكراهية، والصداقة[3]. العاطفة وابن تيمية: نجد أن مفهوم العاطفة في علم النفس الحديث لا يخرج عن مفهومها لدى ابن تيمية، فعاطفة الحب لديه: هي استعداد فطري ونفسي، بل دافع فطري كدافع الطعام، والجنس، والاجتماع، يقول: "فإن في المحبوب من المعنى المناسب ما يقتضي انجذاب المحب إليه كما ينجذب الإنسان إلى الطعام ليأكله، وعلى امرأةٍ ليباشرها، وإلى صديقه ليعاشره، وكما تنجذب قلوب المحبين لله ورسوله والصالحين من عباده لما اتَّصف به - سبحانه - من الصفات التي يستحق لأجلها أن يُحَب ويُعبَد"[4]. وقد فطر الله الناس على هذه العاطفة لحفظ الإنسان والحياة واستمرارها بقدر الله في الحياة الدنيا، والمقصود فيها في نهاية الأمر بقاء البرية لعبادة الله - تعالى؛ يقول - يرحمه الله -: "والله - تعالى - خلق في النفوس حبَّ الغذاء وحب النساء؛ لما في ذلك من حفظ الأبدان وبقاء الإنسان، فإنه لولا حبُّ الغذاء لما أكل الناس ففسدت أبدانهم، ولولا حب النساء لما تزوَّجوا فانقطع النسل، والمقصود بوجود ذلك بقاءُ كلٍّ منهم ليعبدوا الله وحدَه، ويكون هو المعبودَ لذاته الذي لا يستحق ذلك غيره"[5]. ويتحدَّث ابن تيمية عن العواطف المتعدِّدة لدى الإنسان، ويؤصِّلها على عاطفَتَي الحب والكراهية، فهو يتحدَّث عن حب الخير وكراهية الشر، وحب التواضع وكراهية الكِبر، وحب الجمال والسعادة واللذَّة، وكراهية القبح والشقاء والألم، وحب المعرفة وكراهية الجهل"[6]. ويحدِّثنا ابن تيمية - ووَفْق التصور الإسلامي السليم - عن انحراف العاطفة، وتحوُّلها إلى هوى يأسر قلب المسلم، ويزيِّفه عن فطرته التي فطره الله عليها، يقول - رحمه الله -: "إن المتَّبِعين لشهواتهم من الصور والطعام والشراب واللباس، يستولي على قلب أحدهم ما يشتهيه حتى يقهرَه ويملكه، ويبقى أسير ما يهواه[7]، وقد ذكرنا سابقًا[8] كيف أن صورةَ المحبوب تستولي على الشخص فلا تفارقه ولا يستطيع إبعادها وصرفها عنه، كما يستولي الأسد على الفريسة، فلا تستطيع الفريسة الحراك بين يديه، وهو ما يعرف في علم النفس الحديث بالعاطفة السائدة. ويحدِّثنا ابن تيمية في مواضعَ كثيرةٍ من فتاواه عن درجات الهوى، ودور الشيطان في ذلك مع المشركين الذين اتبعوا أهواءهم دون علم وعقل، وحتى أولئك الذين أصبحوا عبيدًا لما يحبون من اللباس والأثاث والمال، وغير ذلك من محبوبات الإنسان في هذه الحياة الدنيا[9]. ويبيِّن ابن تيمية - رحمه الله - أن هؤلاء لم يستعملوا عقولهم، ولم يعملوا بالعلم الذي جاءهم، ومن هنا قول أهل النار: ﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ [الملك: 10]؛ حيث إنهم لم يعملوا بما ينفعهم ويدفعوا ما يضرهم بالنظر في العواقب[10]. وهكذا فإننا نجدُ العقل عند ابن تيمية يكبح جموح الهوى، والحب المنحرف، ويسدِّده نحو طريق النجاة، وإنَّ ضعفَ هذا العقل هو الذي يؤدي بالإنسان إلى الفساد والابتعاد عن طريق الله. يقول - رحمه الله -:"نَعَمْ، قد يسلكُ المحبُّ لضعف عقله وفساد تصوره طريقًا لا يحصِّل بها المطلوب، فمثل هذه الطريق لا تُحمَد إذا كانت المحبَّة صالحةً محمودة، فكيف إذا كانت المحبة فاسدة، والطريق غير موصل! كما يفعله المتهوِّرون في طلب المال والرئاسة والصور في حب أمور توجب لهم ضررًا، ولا تحصل لهم مطلوبًا، وإنما المقصود الطرق التي يسلكها العقل لحصول مطلوبه"[11]. وعاطفة الحب لدى ابن تيمية تزيد وتنقص، وزيادتها إذا كانت مسترشدةً بهدى الله وبالعقل تبقى سليمة ومحمودة، أما إذا زادت عن حدِّها وتحوَّلت إلى عشق، فهنا يكمن خطر العاطفة المتزايدة على الإنسان ودينه وعقله. يقول - يرحمه الله - محلِّلاً عاطفة الحب تحليلاً عميقًا، ومبينًا تطورها لدى بعض الناس: "مثال ذلك أن الإنسان يعلم من نفسه تفاضل الحب الذي يقوم بقلبه، سواء كان حبًّا لولده، أو لامرأته، أو لرياسته، أو وطنه، أو صديقه، أو صورة من الصور، أو خيله، أو بستانه، أو ذَهَبه، أو فِضَّته، وغير ذلك من أمواله، فكما أن الحب أوَّلُه عَلاقة لتعلق القلب بالمحبوب، ثم صبابة لانصباب القلب نحوه، ثم غرامٌ للزومه القلب، كما يلزم الغريم غريمه، ثم يصير عشقًا إلى أن يصير تتيُّمًا - والتتيُّم: التعبد، وتيمُ اللهِ عبدُ اللهِ - فيصير القلبُ عبدًا للمحبوب، مطيعًا له لا يستطيع الخروج عن أمره، وقد آل الأمر بكثيرٍ من عشَّاق الصور إلى ما هو معروف عند الناس، مثل مَن حمله على قتل نفسه وقتل معشوقه، أو الكفر أو الردة عن الإسلام، أو أفضى به إلى الجنون وزوال العقل، أو أوجب خروجه عن المحبوبات العظيمة من الأهل والمال والرياسة، أو إمراض جسمه"[12]. وهكذا فإننا نلمحُ في فكر ابن تيمية أن العاطفة والعقل أمران مهمَّان للإنسان، وبهما تتشكَّل ذاته، وأن لا صراعَ بينهما إلا إذا ضعُف دَوْر العقل، وزادت العاطفة عن حدِّها، هنا تغلب العاطفة العقل، ويختلُّ التوازن النفسي بينهما، فينحرف الإنسان تبعًا لذلك عن طريق الهدى والفطرة السليمة. أما إذا سار باتِّزانٍ على طرق الهدى والعلم والاستقامة، فإنهما يشكلان المؤمن المفعَم قلبُه بالإيمان، محبًّا لله ولرسوله وللمؤمنين؛ قال - تعالى -: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ [البقرة: 165]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يُؤمِن أحدكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من ولده ووالدِه والناس أجمعين))[13]. وقد تنحرف العاطفة أيضًا عند طوائف من الناس: • فأصحاب البدع يدَّعون حبَّ الله وحبَّ رسوله، وهم لا يتبعون الرسول في القول والعمل، وهؤلاء منحرفون وكاذبون في حبهم؛ قال - تعالى -: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾ [آل عمران: 31]. يقول ابن تيمية عن هؤلاء: "وهكذا أهل البدع، فمَن قال: إنه من المُرِيدين لله المحبين له، وهو لا يقصد اتباع الرسول والعمل بما أمر به وترك ما نهى عنه، فمحبته فيها شوب من محبة المشركين واليهود والنصارى بحسب ما فيه من البدعة، فإن البدع التي ليست مشروعةً، وليست مما دعا إليه الرسول لا يحبها الله، فإن الرسول دعا إلى كلِّ ما يحبه الله، فأمر بكل معروف ونهى عن كل منكر"[14]. • ومنهم أيضًا بعضُ الصوفية الذين يبالغون في المحبة لله ورسوله - كما يقولون - حتى يصلوا إلى درجة العشق التي أشرنا إليها آنفًا، ويزيدون هذا الحب عن طريق الأشعار والسماع، يقول ابن تيمية: "وصار في بعض المتصوِّفة مَن يطلب تحريكها - أي المحبة - بأنواعٍ من سماع الحديث؛ كالتغبير، وسماع المكاء والتصدية، فيسمعون من الأقوال والأشعار ما فيه تحريك جذوة الحب الذي يحرِّك من كل قلب ما فيه من حب؛ بحيث يصلح لمحب الأوثان والصلبان والإخوان والأوطان والمردان والنسوان، كما يصلح لمحب الرحمن، ولكن كان الذي يحضرونه من الشيوخ يشترطون له المكان والإمكان والخلان، وربما اشترطوا له الشيخ الذي يحرس من الشيطان، ثم توسع في ذلك غيرهم حتى خرجوا فيه إلى أنواع من المعاصي، بل إلى أنواع من الفسوق، بل خرج فيه طوائف إلى الكفر الصريح بحيث يتواجدون على أنواع من الأشعار التي فيها الكفر والإلحاد مما هو من أعظم أنواع الفساد"[15]. ونخلص إلى أن العاطفة بصلتها بالعقل لها آثار مفيدة وآثار ضارة: • أما الآثار المفيدة فتظهر بالإيمان وحب الله ورسوله، وحب المؤمنين، فضلاً عن حب الإنسان لأهله وولده ورحمتهم، وحبه لوطنه، وما يدفعه هذا الحب إلى الخُلق الحسن مع جميع الخَلق، والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ويدفعه أيضًا إلى التضحية بالنفس والمال إن تعرض هؤلاء لمكروه. • أما الآثار الضارة، فهي سيطرة العاطفة على شخصية الإنسان وعلى عقله وحكمته وسلوكه كله، فتتلوَّن شخصيةُ الإنسان بلون العاطفة، فتُصبِح العواطف هي السائدة، مثل عاطفة حب النساء والمال والجاه والمنصب واللباس، فيصبح هؤلاء جميعًا محور تفكيره وشغله الشاغل، حتى يستبعدَ من قبلها، فيبتعد عن طريق الله المستقيم المتوازن، فضلاً عن الآثار المترتبة عن العشق عند الصوفية، حتى يصل ببعضهم إلى السُّكر - في مصطلحهم - أو الفَناء[16]، ومن ثَمَّ الخروج من دائرة التصوُّر الإسلامي للكون والحياة والإنسان. يقول الشاعر الإسلامي الكبير محمد إقبال[17]: "إن حالة السُّكر (في اصطلاح الصوفية) تنافر الإسلام وقوانين الحياة، وحالة الصحو - وهي الإسلام - موافقة قوانين الحياة، وإنما قصد الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى إنشاء أمة صاحية (في حالة الصحو)"[18]. وكما ذكرنا آنفًا عن ابن تيمية - رحمه الله - أن العشق في مصطلح التصوف إذا قوي لدى المسلم، فإنه يُخرِجه عن الإسلام وشريعته، فإن محمد إقبال - رحمه الله - يكرِّر المقولة نفسها، حينما نقد التصوف العجمي[19] وشعراءه قائلاً: "وقد افتن هؤلاء الشعراء في إبطال شرائع الإسلام بأساليب عجيبة خدَّاعة... وأبانوا عن وجهٍ مذموم في كل أمر ممدوح في الإسلام، وأضربُ الجهاد مثلاً؛ فقد التمس شعراء العجم معنى آخر في هذه الشعيرة التي يراها الإسلام من ضرورات الحياة، انظر إلى هذه الرباعية: "يسلك الغازي كل سبيل من أجل الشهادة، ولا يدري أن شهيد العشق أفضل منه، كيف يستوي هذا وذاك يوم القيامة، هذا قتيل العدو، وذاك قتيل الحبيب"[20]. والعقل أيضًا قد ينحرف، وذلك حين يتخلَّى عن الوحي والإيمان، ويباهي بنظرياته وحدوسه، ظانًّا أنه توصَّل إلى الحقيقة وإلى سعادة الإنسان، بينما هو لم يحصل إلا على ظنونٍ وأوهام لا حقيقة وراءها، ورأينا عند دراستنا "العقل عند الإمام ابن تيمية" - الفصل الثاني من هذه الدراسة - كيف أن ابن تيمية حكم على الفيلسوف اليوناني أرسطو ومَن تبِعه ممَّن يُسمَّون بفلاسفة الإسلام أمثال الفارابي والكندي وغيرهم، أنهم لم يتوصَّلوا إلا إلى أوهام، وأن أنواع العقول التي يقولون بها ما هي إلا أوهام، وأن نظرياتهم موجودة في الأذهان لا في الأعيان. ونجد هذا الانحراف كثيرًا في أيامنا هذه، وبخاصة عند العقلانيينَ من ذراري المسلمين، الذين عشقوا الفلسفة الغربية ومقولاتها الظنِّية، وأخذوا يتغنَّون بها في مقالاتهم ومحاوراتهم، بل أخذوا يفسِّرون القرآن وَفْق هذه المقولات حتى بعُدوا عن الإسلام وشرائعه، وهم مع ذلك ما زالوا يدَّعون الإسلام، ولا أدري كيف يجتمع حب الله ورسوله وحب (هيغل وكانت وغاندي) في قلب مؤمن؟! --------- [1] موضوع العاطفة سيبحث في الكتاب الثاني من هذه الدراسات، وعنوانه: النفس عند شيخ الإسلام ابن تيمية. [2] انظر: المعجم الفلسفي؛ جميل صليبا. [3] انظر: معجم مصطلحات علم النفس؛ منير وهيبة الخازن، دار النشر للجامعيين، دون تاريخ. [4] فتاوى الرياض 10/606، 607. [5] فتاوى الرياض: 10/607. [6] انظر: فتاوى الرياض 10/607، 608. [7] فتاوى الرياض 10/611. [8] الفصل الثاني، فقرة العاطفة السائدة. [9] انظر: فتاوى الرياض 10/611. [10] انظر: درء تعارض العقل والنقل 9/122. [11] فتاوى الرياض 10/193. [12] فتاوى الرياض 7/566، 567. [13] المرجع السابق. [14] فتاوى الرياض 8/360. [15] المصدر السابق 10/61 - 64. [16] السُّكْر: ضد الصحو، وهو من أحوال الصوفية؛ حيث يغيب فيها الإنسان عن وعيه. [17] محمد إقبال: شاعر ومفكر إسلامي كبير، ولد في 24 من ذي الحجة، سنة 1289هـ، 22 شباط، سنة 1873م في سيالكوت بالهند قبل نشوء باكستان، وهي الآن جزء من باكستان، وكان له الأثر الكبير في نهضة المسلمين في الهند وإنشاء دولة باكستان، وتوفي عام 1938م. [18] محمد إقبال سيرته وفلسفته وشعره؛ عبدالوهاب عزام ص 63. [19] محمد إقبال سيرته وفلسفته وشعره؛ عبدالوهاب عزام ص 65. [20] محمد إقبال سيرته وفلسفته وشعره؛ عبدالوهاب عزام ص 65، والرباعية من شعر حافظ الشيرازي. رابط الموضوع: http://www.alukah.net/culture/0/70374/#ixzz3m8E81vXz |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 7 | |||||
|
العاطفة هي من نعم الله علينا؛ وبالتالي فإن من يبقيها متزنة لا تخرج عن مسارها الصحيح يقي نفسه الوقوع بخطأ الجموح المفرط إذا صح التعبير فجموح العاطفة جميل إذا كان محكوم بالعقل.
|
|||||
|
|
|
رقم المشاركة : 8 | ||||
|
|
||||
|
![]() |
|
|