خطو المحال :
يكون النظر إلى طلعتها توجسا و تخوفا من غرائبية تطويها صحف قصص و روايات عصر النهضة الأوربي الذي ألّف في شكل و مضمون حكايات ورِث منها العالم اليوم بحرا من طبقات الخيال، بينما غارت جواهرها المنسية في الأعماق.
جسدٌ تراءى حداثةً معاصرة في تسريحة الشعر و فضفضة لباس و أطراف مفطفطة في خيلاء مشيتها. تلك التسريحة التي جاءت ثورة على قبو ظلمة الكنائس تحت دثار أثواب تغطي كل الجسد. يخدع بالبياض الملتحف بالرأس، و ذاك السواد الذي يتوعد الجسد. بين الوعد الملائكي صعودا و الحذر الجرمي نزولا، كانت تسريحة الشعر المقصوصة و المكتظة على ظلال الذنين، تعلن توقيع الولادة القيصرية. الخروج من ظلمة إلى نور. من خدعةِ سحرةٍ يرقبون كل شيء بناقوس و جرس إيمان. لعل أكبر سلطة حارقة للروح هي تلك الحاكمة باسم الأسماء، في سادية تحقق لها أكبر اشتهاء.
و جاءت طلعتها التي تراكم اليومي من عادتها. كما تراكم اليومي من تطلعات هذا القلم في تحوير جعبة حبره لكي يرسم لوحتها، و يسافر في روحها، و يُشكّل لها عالما قد لا يكون لها، و قد يحمل الغرائبي الذي إن امتلكت ناصية غيبه، حاكمته كما حوكمت الكنائس في تطفّلها على الأرواح و تمريغها للأنفس باسم فكرة السماء.
تحايل القلم، فلم يركب صهوة المغامرة إلا بعد تموقعه في زاوية جديدة من الشارع. اتخذ من سيلانه عينا ثالثة لا تملكها عيناَ مُخبر أو مقدم و لا مستلذ برياضة البصر.
في لحظات الذروة التي يعرفها الشارع المزدوج الطريق، هذا الذي تتوزرعه مقاهي متقابلة بين أرصفته، تتخذ جولتها هي في الذهاب و الإياب. حينما تجدني آتيا في سيارة الأجرة إلى منتهى المحطة، تكون هي واقفة، متأملة، مبتسمة ابتسامة جرح، شاردة ببصرها فيما وراء المجال و العمران و الآلات و الضجيج، كأنها المحيط الذي لا يأبه لسفينة مضجرة بصراخ محركها. يكفيه تلاطم أمواجه و تيارات مخترقاته و هدير صخبه. ما لم يستطع القلم سبر أغواره. لذلك تحايل في جلسته الجديدة لاستراق ما ترسمه طلاسم سحاب هذا اليوم، و ما يوحي به طيفها حين مروره.
استعرتُ قبل اللحظة حوارا مع ( غودوت )، استلهاما لمتن ( في انتظار غودوت ). اتهمته بعلاقة مع قصتها. أي شبح هذا الذي سيرتكب جريمة تتجلى في وهم الانتظار؟
فجأة، مرت هي بقرب مقهاي الجديدة. اعترضها ( غودوت ). استأذنها في استفسار. و ألصق بيَ الاتهام.
انقلب السحر على الساحر. وجدتني في قفص الاتهام، بين ضحية و شاهد، صنعت معهما قضية لحبري و أناي داخل محاكمة الخيال.
تحالفت نفسي ضد ذاتي. أصبح الثلاثة في مرافعة. و انصاع القلم للتعبير عن نوايايَ، و الجهر بخباياي.
*غودوت :
ـ كنتُ المنتظِر و لستُ المسؤول عن الانتظار.
*نفسي :
ـ كم تعلقتَ بالوقوف فوق قنطرة بسكة و بمرور قطار، و استنشاق رذاذ موجات المسافرين و طلعاتهم الحية في الخفة و الشوق و التوق... كم تظمّأتَ عطشا لطلعة البحر و زرقته المتكلمة وراء رمل متيبس الحصى، و مغرٍ بسباحة مترملة. كم اطلعت على صفحتها الشخصية و طالعت صورها و تمنيت لقاءها ساعات جفاف الفؤاد و عزلة الوجدان.
*هي :
ـ كم انتظرت مجيئك و صراخ قلمك و تفجير نفسك. انْزِلْ من برج خيالك و وهمِ خيلائك، و عانقْ عطر العرق في خطو الخيال !