الرواية بطبعها فن ماكر يمكن تطويعه لتمرير الكثير من الأفكار ، وتلك هي خطورة الفنون جميعا..والرسالة التي شعرت – منذ القراءة الأولى - بأن علاء الأسواني يريد أن يمررها لنا من خلال روايته " عمارة يعقوبيان " هي أن الكثير من الخطايا يمكن تفسيرها – أو حتى تبريرها – حتى لو كانت علاقات جنسية محرمة أو شذوذ جنسي أو انخراط في جماعات متطرفة تمارس الاغتيال أو زواج غير متكافئ على اعتبار أن ضرر هذه الخطايا محدود بمن يقترفها باستثناء إفساد الحياة السياسية على يد كمال الفولي الذي حرم جموع الشعب من الأمل في مستقبل أفضل ، والذي كتب عنه دون ذرة تعاطف فتحولت الكلمات إلى ما يشبه البصق عليه .
....................
ليست مصادفة أن تبدأ الرواية بزكي الدسوقي وتنتهي به ..الكاتب متعاطف معه بوضوح والبداية مؤثرة : مشهد انتقاله من منزله الذي يبعد عن مكتبه في عمارة يعقوبيان مائة متر لكنه يقطعها في ساعة وأكثر..ذلك أن الكل يحبونه هنا..خصوصا البسطاء والفقراء والمهمشين ..صحيح أنه زئر نساء بالمعنى الحرفي للكلمة لكنه لا يمارس الإغواء أبدا ..إن التراضي هو اسم اللعبة..وهو شيء غير مستغرب من إنسان طيب القلب مثله ، ولولا المخدرات والنساء لما أعتبر نفسه قد عصى الله تعالى قط ..
والده كان وزيرا وقطبا وفديا معروفا ..وكان محتما أن يكون لزكي الدسوقي دور سياسي – مثل أبيه - لولا قيام الثورة التي أطاحت بآماله وقضت على والده بالحسرة بعد تأميم معظم أملاكه ..وفشل المكتب الهندسي الذي أفتتحه في عمارة يعقوبيان فصار مجرد مقبرة لطموحه وعشا للغرام مع الساقطات ..ومرت السنون تباعا حتى وجد نفسه عجوزا ضامرا في الخامسة والستين لا يصدق أن العمر أفلت منه بهذا الشكل فصار أعزب وحيدا ..خصوصا بعد أن ساءت العلاقة بينه وبين أخته دولت التي تغار منه لحبه للحياة وقدرته على الاستمتاع بها بعكسها هي التي أفلت العمر منها ولم توفق في الزواج عدة مرات وهاجر أبناؤها يائسين من الوطن ، فرفعت على أخيها قضية حجر وطردته من شقة أبيه لكنه -برغم ذلك لم يستطع أبدا كراهيتها فهي لم تزل في عينيه الفتاة الرقيقة الحالمة التي تجيد العزف على البيانو وتنتظر نصيبها العادل في الحب والحياة .. وتنتهي الرواية بمشهد مؤثر: زواجه من بثينة الفتاة المكافحة التي أحبته حقا رغم فارق السن الكبير بينهما ليمرر لنا علاء الأسواني رسالته في نعومة شديدة أن طيبة القلب والترفع عن إيذاء الآخرين يكفيان لمحو الذنوب حتى لو كانت علاقات جنسية متكررة خارج إطار الزواج .
...........................
وماذا عن الشذوذ الجنسي ؟ كيف استطاع علاء الأسواني بمهارة شديدة تفسيره (ولا أقول تبريره) ..حاتم رشيد (كوديان ) وبلغة الشواذ هو الممارس السلبي الذي يقوم بدور المرأة ..هو أبن الدكتور حسن رشيد الفقيه القانوني الضليع الذي تزوج من فرنسية كانت تخونه وتزدري وطنه رغم تواضع أصلها..لا يذكر حاتم أنه رأى أباه يصلي أو يصوم قط ..وانشغل الوالدان بحياتهما الخاصة تاركين تربيته للخدم ليعيش حياة تعيسة يمقت فيها عطلة الصيف ويتمنى قدوم الدراسة على عكس الأطفال جميعا ..أحب خادمه الأسود الذي اغتصبه في التاسعة من عمره بعد أن أقنعه أنه يفعل ذلك لأنه يحبه وطلب منه ألا يخبر أهله لأنه لو فعل فسوف يطردونه ويسجنوه ويعود للوحدة ..واستمرت الممارسة الشاذة بينهما عدة سنوات قبل أن يذهب الخادم للأبد بعد أن غرس فيه الشهوة الآثمة .
برغم شذوذه فإنه كان رئيس تحرير مجلة فرنسية بارعا في عمله جادا كل الجد بعيدا عن حياة المجون والاستهتار التي تطبع حياة الشواذ ..ولم يكن لديه أي نقطة ضعف سوى تلك الشهوة الملعونة التي تستبد به فتعرضه للإيذاء والمهانة والاحتقار دون أن يستطيع أن يدفعها عن نفسه.ولطالما تعرض للضرب والسرقة وهو يلتقط الشواذ من المنحرفين ليمارس معهم شذوذه ، ولذلك كانت فرحته بعبد ربه المجند الأسمر بالأمن المركزي لا توصف حينما استطاع إغواءه وأستعاد فيه صورة خادمه القديم وعشيقه الأول ..تمنى لو تستمر العلاقة بينهما دائما فلا يتعرض بعد ذلك لمغامرات الطريق العنيفة لكن عبد ربه كان متأثما من ممارسة الشذوذ مع حاتم رشيد الذي كان يصر على مطاردته وإغواءه بالمال ..وحينما مات أبن عبد ربه الصغير تأكد أنه عقاب الله عز وجل وأصر على هجر حاتم رشيد الذي حاول استدراجه للمرة الأخيرة لينتهي الأمر بقتله على يد عشيقه ويدفع ثمن جرائمه بدمه .
شاذ ؟ نعم ، ولكنه ضحية والديه وهو أيضا إنسان جاد ناجح في عمله ، وفي كل الأحوال فقد غسل إثمه بدمه .
.................................
طه الشاذلي ..الفتي المجتهد المهذب الوسيم الذي فشل في تحقيق حلمي حياته : الزواج من حبيبته بثينه والالتحاق بكلية الشرطة لمجرد أن والده بواب عمارة يعقوبيان فألتحق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية يائسا متضائلا ولذلك كان طبيعيا أن يشعر بالانسجام مع أقرانه الذين يشاركونه نفس الأوضاع الاجتماعية .. يتعاطف مع مجموعة إسلامية لكنه لم يكن منتميا إلى التنظيم حينما تم القبض عليه ليتعرض للتعذيب لإجباره على الاعتراف بدوره في التنظيم الذي لا يدري عنه شيئا ويتم اغتصاب رجولته عدة مرات بواسطة عقيد أمن الدولة ..كان طبيعيا بالنسبة لإنسان حساس مثله أن تتحطم حياته نهائيا فيصمم على الانتقام من جلاديه فينضم لمعسكر إرهابي للتدريب على القيام بالاغتيالات .. الخلاصة أن العنف الغبي والقمع المبالغ فيه يخلقان الإرهابيين ، ويبدو أن حنق الكاتب على القبضة الأمنية الحديدية تفوق على خلافه الأيدلوجي - ككاتب يساري- مع اليمين المتشدد فبرغم أن طه الشاذلي خرج للاغتيال دون أن يعلم من سيقوم باغتياله فإن علاء الأسواني - في مجاملة واضحة له- جعله يقوم باغتيال نفس الضابط الذي عذبه وأنتهك رجولته ، وحتى حينما أصابته رصاصة قاتلة فإن العبارات الشفافة الناعمة التي استخدمها في وصف مشهد موته تعطي إيحاء قويا بالشهادة وكأنه يزف إلى الجنة " صرخ متألما ثم خيل إليه أن الألم الرهيب يتلاشى شيئا فشيئا وأحس براحة غريبة غامره تحتويه وتحمله في طياتها وتناهت إلى سمعه أصوات بعيدة مفعمة : أجراس وترانيم وهمهمات منشدة تتردد وتقترب منه وكأنها تستقبله في عالم جديد "
...................
بثينه ليست المومس الفاضلة التي يحاول دائما حسن الإمام تصويرها في أفلامه حينما تضطر الفتاة الفقيرة لبيع شرفها من أجل أسرتها ، ولكنها ليست كذلك القديسة التي تصمد أمام كل أصناف الاحتياج والضغوط الاجتماعية وتقف بمفردها طاهرة بيضاء ..باختصار هذا ليس زمن الرومانسية ، هذا ما يريد علاء الأسواني أن يمرره لنا ، فتلك الفتاة المكافحة التي توفى أبوها واضطرت أمها للعمل كخادمة في البيوت وحاولت أن تجد عملا شريفا دون جدوى فدائما كان أصحاب العمل يتحرشون بها وفي النهاية تنصحها صديقتها بالموافقة والإذعان لأنها لا تحمل سوى الدبلوم وليست خريجة إدارة أعمال في الجامعة الأمريكية (!!!) ولا بأس من بعض التنازلات دون أن تفقد بكارتها حتى يحين موعد الزواج..هذا هو المنطق السائد عند مثيلاتها والتي تضطر لقبوله خصوصا بعد أن أغضت أمها الطرف فيما يشبه موافقة ضمنية ومؤامرة مشتركة بينهما..وهكذا تبدأ العمل عند طلال الذي يمنحها عشر جنيهات مقابل السماح له بإفراغ شهوته على ثيابها فتشعر بالنجاسة وتكف عن الصلاة الوحيدة التي كانت تصليها بانتظام ( صلاة الصبح ) لأنها لم تعد أهلا للوقوف بين يدي الله عز وجل ( هكذا تشعر ) ..وتترك حبيبها القديم طه الشاذلي لشعورها أنها ملوثه ولا تليق بإنسان ملتزم مثله ..وحينما تعمل لدى زكي الدسوقي بتدبير من خادمه القبطي الذي رتب سيناريو للحصول على توقيعه على شركة وهمية بينهما - وهو سكران - ليستطيع الاستيلاء على شقته بعد وفاته فإنها – بتأثير من حسن معاملته لها – تشعر أنها غير قادرة على خيانته ..وبالتدريج تقع في حبه رغم فارق السن بينهما لتنتهي الرواية نهاية سعيدة بزواجهما .
...................................
الحاج عزام يمثل الازدواجية في فهم الدين .. بدأ حياته ماسحا للأحذية بشارع قصر النيل وأختفي عن وسط القاهرة عشرين سنة ليعود إليها مفرط الثراء دون أن يعرف أحد حقيقة ثروته وكيف اكتسبها ( نكتشف في نهاية الرواية أنها تجارة المخدرات ) ..الحاج عزام - برغم ذلك - محسن كبير ويعطف على الفقراء والمحتاجين ويفعل ذلك سرا دون قصد رياء أو دعاية ..كما أنه لا يشرب الخمر أبدا ولكنه يرى أن الحشيش حلال ولا ضرر منه ..لا يقرب الزنا ويؤمن أن ذلك هو سبب توفيقه في حياته وعمله ..ولكن حينما تلح عليه الرغبة الجنسية - رغم عمره الستيني - ويقع اختياره على الأرملة الفقيرة سعاد فإنه يتزوجها بشروط مجحفة ..مطلوب منها أن تترك ولدها الوحيد ولا تنجب مقابل عشرين ألف جنيه وضعتها في حساب ابنها تامر في صورة شهادات استثمار لتؤمن له مستقبله.
ترشح الحاج عزام لمجلس الشعب بعد دفع مليون جنيه لكمال الفولي أمين التنظيم في الحزب القومي وبعد نجاحه يحصد توكيل إحدى السيارات اليابانية ، ولكن الفولي يطلب منه في المقابل – لمصلحة الرجل الكبير – ربع الربح لأن اللقمة كبيرة عليه (هكذا قال ) ويستعظم هو المبلغ المطلوب فيحاول لقاء الرجل الكبير الذي يهدده بفضح تجارته في المخدرات ما لم يذعن له .
وحينما ترفض زوجته الإجهاض يحدثه عنوه وينتهي الأمر بطلاقها بعد منحها حقوقها كاملة دون أن يشعر بالذنب لأنها من أخلت بالعقد..
.................................
لا أحد يستطيع أن يلوم سعاد كثيرا على إخلالها بالعقد المبرم مع الحاج عزام ..لقد أحبت زوجها السابق الذي كان يروي أنوثتها ولكنه كان فقيرا يعمل من اليد للفم مباشرة كما يقولون لذلك صمم على الذهاب للعراق رغم معارضتها ..بعدها ذهب ولم يعد تاركا إياها وابنها تامر ..وللفقر المدقع ضاقت بها الدنيا وبيوت أهلها أيضا ولذلك لم تستطع أن ترفض شروط الحاج عزام المجحفة في ترك ولدها مقابل عشرين ألف جنيه ..شعورها بالمهانة وإحساسها أنها مجرد جسد يفرغ فيه العجوز شهوته ..وإحساسها أنها مضطرة للتمثيل عليه باستمرار جعلها تصمم على الاحتفاظ بحملها منه لتقنع نفسها أنها زوجة وليست مجرد عشيقة ..ترفض كل محاولاته للإجهاض الذي يحدث في النهاية عنوه ويتم الطلاق وعودتها لمنزل أهلها .
......................
وأخيرا نأتي للسواد المطلق في هذه الرواية ..الشخصية التي لم يحاول المؤلف انتحال الأعذار لها مما يدل على احتقاره البالغ ..كمال الفولي الذي نشأ فقيرا في شبين الكوم وكان في غاية الذكاء والطموح والتحق بكلية الحقوق وانضم لكافة تنظيمات السلطة بالترتيب : هيئة التحرير والاتحاد القومي ثم الاتحاد الاشتراكي والتنظيم الطليعي ثم منبر الوسط وحزب مصر وأخيرا الحزب القومي وكان اشد المتحمسين للاشتراكية في عهد عبد الناصر لينقلب تماما حينما انقلبت الدولة للرأسمالية فصار من أشد أنصار الخصخصة والاقتصاد الحر وشن حملة ضارية تحت قبة البرلمان ضد القطاع العام والأفكار الشمولية
موهبته السياسية الحقيقة انحرفت وتشوهت واختلطت بالكذب والنفاق والدسائس حتى صار اسم كمال الفولي يستدعي إلى ذهن المصريين معنى النفاق والفساد ، وترقي في المناصب الحزبية حتى تولي أمانة التنظيم وصار المتحكم الأول في الانتخابات في مصر كلها فهو يرشح ويستبعد من يشاء ويتقاضى رشاوى كبيرة بالملايين ، ويغطي على فساده بالأعيب كثيرة : تبادل منافع وتسهيلات تدر الملايين على كبار السياسيين وتقارير أمن ووثائق سرية تثبت انحرافات المسئولين يحتفظ بها ليستعملها في ابتزازهم أو القضاء عليهم إن لزم الأمر.
"الناس الساذجة فاهمين إننا بنزور الانتخابات ..أبدا ..كل الحكاية إننا فاهمين طبيعة الشعب المصري كويس ، هكذا يقول كمال الفولي مزهوا وهو يمسح بكفه على بطنه الكبير ، المصريين ربنا خلقهم في ظل حكومة ..لا يمكن لأي مصري يخالف حكومته ..فيه شعوب طبعها تتمرد وتثور إنما المصري طول عمره يطاطي لأجل ياكل عيش ..الكلام ده مكتوب في التاريخ ، الشعب المصري أسهل شعب ينحكم في الدنيا ..أول ما تاخد الحكم المصريين يخضعوا لك ويتذللوا لك وتعمل فيهم على مزاجك..وأي حزب لما يعمل انتخابات وهو في السلطة لازم يكسبها لأن المصري يؤيد الحكومة ..ربنا خلقه كده "
وتنتهي الرواية بدون أي سوء يصيب كمال الفولي ، ربما لأن الكاتب يشعر في داخله باليأس من أمكانية التغيير أو لا يراه أهلا للتطهر من آثامه وخطاياه .
.........................
وتبقى رواية عمارة يعقوبيان جديرة بالتأمل والقراءة فقد قدم لنا علاء الأسواني نماذج واقعية لكنها ليست – بالتأكيد- قلب الوطن حتى لو كانت العمارة تقع جغرافيا في وسط القاهرة ..وبالتأكيد فإن أمثال هؤلاء لا يمثلون أي نسبة تذكر بالنسبة لسبعين مليون مسلم وقبطي متدينين بالفطرة خلت منهم أحداث الرواية تماما وكأنهم غير موجودين ( أين باقي شعب مصر الطيبين ؟) ..وبالقطع كلنا نتفق مع الكاتب في فداحة جرم كمال الفولي لكننا نرفض أيضا التماس المبررات للخطايا الأخرى ، والذي أخشاه – إلى أقصى حد – أن تمرر لنا هذه الرواية – وبعدها الفيلم – قبول كارثة الشذوذ الجنسي مغلفة بقليل من السكر بعد أن تم تجاهل طلب العلاج من هذا الداء وكسر حاجز الحياء والخوض في تفاصيل هذا الفعل الشنيعوكأننا في حاجة إلى هم جديد في هذا الوطن المبتلى المسكين .