
في تجوالي بالبراري متحررا من قيد المدينة لفت انتباهي آثار حوافر في الدرب مرتسمة بشكل واضح ، فقد كانت أمطرت منذ أيام قريبة مما سهل للحوافر أن تترك أثرها جليا جميلا .
ذكرتني هذه الصورة للحوافر بقول العرب قديما " قدد يقع الحافر على الحافر "
أي : يحدث أن يسلك فارس ما دربا بفرسه ثم يأتي بعده فارس آخر فيسلك الدرب نفسه فيقع حافر حصانه في موضع حافر حصان الفارس الأول .
يستشهد بهذا القول عند الاتفاق بين شخضين في فكرة ما أو موضوع ما دون سابق تنسيق بينهما أو تأثر و تأثير .
ومثلما يحدث هذا التطابق في درب الفرسان ، يحدث كذلك ما يشبهه في درب الشعراء ن فقد يطرق شاعر ما فكرة أو معنى ، ثم يأتي بعده شاعر آخر فيطرق الفكرة نفسها و يخرجها في ثوب جديد قد يكون أحسن مما كانت عليه في ثوبها القديم
في هذا الباب ورد إلى ذهني قول الشاعر الجاهلي النابغة الذبياني يعتذر للنعمان بن المنذر :
" و لست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث ، و أي الرجال المهذب ؟ "
أي :
إذا لم تقبل صديقك بما فيه من عيوب ( شعث) فإنك لن تبقي على أي أخ لك ...ثم يطر ح استفهاما يؤكد المعنى " أي الرجال المهذب ؟ "
أين تجد الرجل المهذب كامل التهذيب ؟ فالغرض البلاغي للاستفهام هنا هو النفي ، ينفي وجود الرجل كامل التهذيب .
هذا الحافر الجميل بقي على منحوتته الرائعة كأجمل ما تكون معاني الحكمة في الشعر العربي القديم ... إلى أن يمر الشاعر بشار في العصر الأموي و بداية العصر العباسي فيتلقف المعنى ليعيد إخراجه في ثوب جميل .
يقول في بائيته الشهيرة :
إذا كنت في كل الأمور معاتبا ... صديقك ، لم تلق الذي لا تعاتبه
و من ذا الذي ترضى سجاياه ... كلها ؟ كفى المرء نبلا أن تعد معايبه
أي :
إذا رحت تعاتب صديقك على كل صغيرة و كبيرة فإنك ستنتهي بلا أصدقاء، لأنهم سينفضون من حولك .
وأين هو الشخص الذي كل صفاته مرضية ؟ لا أحد معصوم من الخطأ ، بل إذا وجدنا شخصا له من الأخطاء ما نستطيع إحصاءه فذلك يعد شرفا له لأن الناس في الغالب لهم من الأخطاء ما لا يحصى .
الحافر على الحافر ، أو الحافر بجوار الحافر ...
*كلا الشاعرين طرح السؤال الجوهري :
-أي الرجال المهذب ؟
-من ذا الذي ترضى سجاياه كلها ؟
*كلا الشاعرين قرر حقيقة واقعية و نفسية :
-لست بمستبق أخا لا تلمه على شعث .
-إذا كنت في كل الأمور معاتبا صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه .
ما أجمل هذين الأثرين ...!
ما أجمل ذينك الحافرين ...!