بقلم هشام النجار
فى حديث الشاب الذى جاء النبى "صلى الله عليه وسلم" ليرخصَ له فى الزنا، نلمح أمْرًا هاماً؛ عندما بدأ الرسول الحكيم بالحُجة العقلية وإقناع الشاب الفائر بالحيوية والغريزة بالجدل العقلى: أترضاه لأمك؟ أترضاه لأختك؟ أترضاه لابنتك؟، ثم اتجه فور الاقتناع العقلى إلى التصديق الوجدانى، فوُضعتْ اليد الشريفة على القلب القلق فشحنته باليقين.
لكن خالد يوسف عندما يقول على الملأ: أشجع ابنتى على القيام بأدوار الإغراء، وهى حرة تمامًا تفعل ما تشاء بعد سن البلوغ وليس لى أى سلطان عليها!، فهو بعد مرور أكثر من أربعة عشر قرنًا على هذا الجدل العقلى الراقى الذى انتهى باقتناع شاب حديث السن، يقول: أنا أرْضى لابنتى وأشجعها!!، وبالطبع لا يُستبعد أن يقوم هو بتصوير هذه المشاهد كمُخرج سينمائى متمكن فى مثل هذه الأعمال، وعندما يكون الحُضن أو القبلة فاترة، يزعق خالد أفندى فى الممثل الذى – لا مؤاخذة – يقبل ابنته قائلاً: "ما ينفعش كدا أنا عاوز اندماج أكتر، عاوز معايشة وحرارة ومصداقية، عاوز أحضان وقبلات حقيقية، عشان المشاهد يصدقكم!!"..
هل يحتاج خالد يوسف الناضج المثقف لأن نعيدَ عليه السؤال: أترضاه لابنتك؟
للأسف لا أظن ذلك؛ لأن خالد يوسف وأمثاله قد تحَنطتْ عقولهم وتجمد تفكيرهم عند حقبة الستينيات، وتوقف قطار تطورهم الفكرى فى محطة موسكو عام1967م، فهم لا ينظرون للواقع ولا يفسرون المتغيرات إلا من خلال المُعْجم الفلسفى المكتوب من وجهة النظر الشيوعية.
يحتاج يوسف دروس وكُرسات مكثفة لتطوير عقليته وطريقة تفكيره، وقد تحدث على سبيل المثال عن مسئولية الفتاة عن تصرفاتها بعد البلوغ وأنها حرة تفعل ما تشاء؛ فحتى لو تجاوزنا مسئوليته عن تربيته إياها على القيم والأخلاق الفاضلة والتحلى بالفضيلة والعفة وتحرى الستر وألا تُمْتهن كرامتها كأنثى بأى حال، بأن تصبح مشاعًا ومحط قبلات وأحضان، لا محط تقدير وتوقير واحترام.. لو تجاوزنا هذه الجزئية على أهميتها فهناك المسئولية الشخصية للفتاة البالغة وللشخص البالغ، ويمكن تلخيص هذه الرؤية بالاستئناس بعبارة العقاد: "الشعور بالمسئولية والمُسكرات نقيضان"!
هو يتحدث عن مسئولية الفتاة عن نفسها بعيدًا عن قيود الأخلاق ومبادئ وقيم الدين وتقاليد المجتمع المحافظ، وهذا إذا دققنا النظر ليس حديثًا عن مسئولية، إنما حديث عن عَبث وتيه وضياع وفوْضى.. أما المسئولية فهى فى الدين والالتزام بالقيم، لأن التدين يُوقظُ فى نفس المتدين – رجلاً وامرأة – شعورًا دائمًا بالمسئولية فى جميع الأحوال فى سره وعلانيته، وتجاه نفسه وكيانه، وأيضًا تجاه أهله وعائلته ومجتمعه ووطنه.
الأشد عجبًا هنا هى تلك الازدواجية ناحية المرأة فى خطاب كل من خالد يوسف وإيناس الدغيدى، ففى الوقت الذى يتصورون بخيالهم القاصر وتفكيرهم المتجمد المشلول أن ما يطرحونه يتسق مع التقدمية والحداثة والتطور ومعايشة العصر.. ولا ينسون اتهام الطرح المقابل بالتخلف والرجعية.. كان طرح الدغيدى هو عين الرجعية والتخلف عندما نادت بعودة بيوت الدعارة والترخيص لشبكات البغاء، بشكل يشبه تمامًا ما كان قائمًا فى العصر الجاهلى قبل ظهور الإسلام، فيما كان يُسمى بصاحبات الرايات الحمراء.
وكذلك كان طرْح خالد يوسف فى منتهى التخلف والرجعية والردة للوراء.. ليس إلى العصر الجاهلى فقط الذى كان فيه الزوج أو الأب يبيع زوجته أو ابنته أو يُقايض عليها أو يُؤجرها أو يهبها لمن يشاء!
بل إلى أقدم من ذلك بكثير، عندما أقر فلاسفة اليونان هذا الوضع المُمتهن لكرامة المرأة؛ فسقراط لم يعارض فى أن يُقرض الزوج زوجته لمن يشاء من الأصدقاء، وأفلاطون أيضًا قال فى جمهوريته بتداول النساء.