كان يتصور بأن هذه الحياة فضاءات واسعة مفتوحة لكل الناس ، و طالما إعتقد بحب كل البشر للربيع و فجأة أضحت طموحاته و رغباته تتأرجح على جسر الزمن الغادر و تنتظر رحمة المكان الجامد .
فتح النافذة التي تطل على الشارع المسكين ، تأمل وجهه في المرآة
نفس الملامح يبعث بها كل صباح ، شاب غارق في بحر الأزمات ما زال يصارع الأمواج و التيار .
أفنى سنوات عمره على مقاعد الدراسة ، و فهم كل ما يحتويه التاريخ الرسمي فكانت الوطنية مطبوعة في سلوكاته و مواقفه ، يعرف أن إنتشار الرشوة و الفساد و ضعف شخصية السلاطين المتأخرين من أهم أسباب سقوط الدولة العثمانية ، و يدرك بأن هدف المستعمر الغاشم هو نهب خيرات البلاد ، و يعلم أن حادثة المروحة كانت سببا مباشرا للإستعمار ، لو زار القنصل داي الجزائر في الشتاء لما كان ثمة إحتلال ، و عندما تزوره أطياف الطفولة يتذكر حصان أبي سعيد و كلبي واشق و مالك الذي لا يخاف من البرد .
الجامعة جعلته يفهم قوانين العرض و الطلب و أسباب التضخم و تأثير العملة و دور البنوك ، ثورة الفاتح من نوفمبر نقشت معالمها في صدره ، لقد رفع الأوائل لواء الجهاد لينعم حاليا بالإستقلال و يعيش مرفوع الرأس بين الأوطان ، لقد كانت الدولة شديدة السخاء عليه حيث رمته في بحر العلوم فتفتح ذهنه على كل ضروب المعرفة ، فهو مقتنع بأن عاطفة الشاعر دوما صادقة ، فضلا على ذالك فالمتنبي هو أبو الشعراء و مفدي زكرياء شاعر الثورة ، و يعرف نيوتن الذي سقطت بقربه تفاحة ، فإكتشف قانون الجاذبية و يذكر حشائش السافانا و خط غرينيتش و جبال الهيمالايا و نهر الأمازون و طبعا لن ينس طوال عمره الدالة و منحناها البياني .
جعلت منه الدولة متعلما و مثقفا و أغدقت عليه بالعلم ، و لكن لحد الساعة لم يرد الجميل ، ما زال يعيش البطالة و التهميش فهو كالثروة التي يجمعها المرء طوال حياته و يبددها في خريف العمر .
تحتفل بلادنا بذكرى عظيمة و غالية ألا و هي ذكرى الفاتح من نوفمبر في مثل هذا اليوم أعلن الثوار بداية عهد جديد مع مستعمر البلاد ، لقد أعلنوها ثورة حتى الإستقلال و ها نحن ننعم بالحرية و خيرات وطننا .
نهض صالح مسرعا من مكانه و بدل القناة ، و أصبح يتفرج على حصة ألعاب فرنسية ، لقد طرد المستعمر من الأرض و عاد عبر الفضاء
كفاك ضحك على أذقاننا كل عام تطل علينا عبر الشاشة و تخبرنا بأن الجميع يتمتعون بالنعيم ، و الحقيقة أن صفوة الصفوة يعيشون رغد الحياة و الباقي و أغلبهم شباب يعانون في بلادهم ، متواجدون فقط كرصيد ثوري لكل مرحلة و ليس لهم إلا الشارع و الحيطان ، وعدوهم بتسليم المشعل و لم ينالوا سوى الإحتراق في الكلام المعسول و الضياع على حافة التصريحات و الخطب ، ليس ثمة تطابق بين ما يقال و ما يرى على أرض الواقع ، صالح وجد نفسه غريبا في وطنه ، فقد كل قدراته على تبرير ما يحدث له ، لم تنفعه إطلاعاته و معارفه على فهم سر الهوة العميقة التي تفصل بين جيل الثورة و جيل الإستقلال ، الزمن هو الوحيد الكفيل بإرجاع الأمور الى نصابها .
كل نهار جديد قد تكون فيه أحداث جميلة ، هذا ما تقوله أمه كل صباح و هذا ما يجعله يخرج كل صباح باحثا عن الجديد المنتهي الشوارع و الطرقات تحتفل بالذكرى المجيدة ، لم يكن صالح يعنيه كل هذا فهو هائم في المدينة ، جسد ليس له أي محيط أو روح ، يشغل حيزا من الفضاء عبثا ، نسي مواقفه و مبادئه ، الوطنية أصبحت لعنة تطارده و تطرده عند بداية كل طريق ، ندم على اليوم الذي وطأت فيه أقدامه المدرسة و ما قيمة الشهادات التي يطرد صاحبها عند كل باب ، المقاهي هي الأماكن الوحيدة التي يدخلها بدون حاجة الى توصيات أو معارف من حق الشباب أن يفتخر بهذا العدد الهائل منها ، إنه إنجاز حضاري يجعلنا في مصاف الدول المتقدمة ، لقد تزوج البطالة و أنجب منها الفراغ و الضياع و الملل و كم كانت سخية حين سمحت له بتبني الكآبة و التشاؤم الحياة بالنسبة إليه ساعة بدون عقارب ، و ما قيمة التوقيت حين يكون المرء يعيش خارج الزمن .
إعادة كتابة تاريخ الثورة أمانة للأجيال ، شعار ما يزال صامدا وسط المدينة ، ما يحير في الأمر هو الضبابية التي تكتنف هذا المطلب ، إذا كان الجيل الحالي المعاصر لثوار الأمس مهمش و تعرض الى عملية إقصاء ، ما عسى جيل الغد أن يستفيد من بقايا الدخان ، ليست هناك نية حقيقية لكتابة هذا التاريخ لأنه مليء بالألغام و فاعلوه حاضرون في كل مكان ، من الأحسن كتابة تاريخ الشهداء لأن الكذب على الأموات سهل .
و في الجهة المقابلة للشعار المقبور ، إلتف جمع غفير من الناس حول المنصة الشرفية ، إقترب صاحبنا من المكان و ظهر عن بعد مسؤول في عقده السادس يتكلم عن الذكرى بتأثر كبير ، حضر الكبار و الأطفال و غاب الشباب .
فكر صالح في الإنضمام لهذا الجمع من المصفقين لكنه فضل مغادرة المكان ، هذا النوع من التجمعات مفتوح لمن لديهم عضوية كاملة في المجتمع ، فيما يخصه فإن طلبه ما زال قيد الدراسة و على كل حال سوف يؤخذ بعين الإعتبار فور الحصول على منصب مالي .
الإنهزامية و التفكك تلك هي السمات العامة لنسقه الشخصي و لكن أربع سنوات من التسكع جعلته يؤرخ لعهد جديد ميزته التراجع و التذمر العام من كل رموز المجتمع ، أضحى عالة على أسرته .
تاريخه زال و لم تبق سوى جغرافيته المشوشة بنكبات الأيام و سوء الحظ
ما أتعس أن تظل طموحات الإنسان حبيسة فكره و ما أصعب أن يعيش و لا يعيش .
يدخل المقهى نفسه و يجلس في المكان ذاته ، و يطلب فنجان قهوة على الحساب ، ثم يتقدم نحو أول غريب يراه طالبا ، سيجارة ، من خلال دوائر الدخان التي تعلو وجهه يتطلع الى الغد الأتعس لم يعطيه الوطن سوى شمسا متواجدة في كل الأوطان و بعض الأرصفة و طوابير الإنتظار.
و فيما كان منشغلا بهواجس القنوط و اليأس ، أثار إنتباهه نقاش حاد في طاولة مجاورة ، يتكلمون حول التأشيرة و الهجرة ، بالرغم من كل التنازلات و الإحباطات فإنه يرفض الهروب الى الخارج ، ربما هذا نابع من ذرة الوطنية الوحيدة التي ما زالت تجول في أعماقه ، الغرب يحتقرنا ، الضياع في وطني أهون من الإضمحلال في أوطان الآخرين .
حركت فيه الجلسة المحاذية بعض الأمل ، سرعان ما أعدم بطوفان الإحباط المنبعث من ذاته ، كيانه تحول الى غريم داخلي معارض لكل بواعث التفاؤل ، كانت المدينة ترتدي أبهى حلة و الأعلام الوطنية ترفرف في كل الشوارع ، كل مظاهر الإحتفال لم تغير في واقعه ، إنه يتجرع مرارة الذكرى و يتحسر على ما آل إليه الوطن ، شباب نوفمبر رفعوا الرهان و شباب اليوم لا ملاذ لهم إلا الرهان الرياضي ، كل الأبواب موصدة لقد جمدوهم في عمر الزهور و تناسوا أن بعد الربيع خريفا .
عاد الى البيت يجر عربات من الحزن ، الشيء الوحيد الذي حققه هو شطب هذا اليوم من رزنامة الضياع ، سيغمض عيناه هذا المساء ليرى أحلاما مهربة من الرقابة قد تتحقق يوما ما .