رأيتها طفلة حلوة في الثالثة تلمع عيناها بالذكاء والحيوية، تختبئ خلف أمها
حياء أو رغبة في لفت الانتباه لها حتى تُقابل بمزيد حفاوة، وتُستجدى للسلام
عليها. لا أدري أهكذا تستقبل الضيوف؟ أم أنها تشعر بمحبتي لها، وتعرف مكانتها المتميزة في نفسي فتزيد دلالاً...
تبعتها خلف أمها، وأمسكت بها، وقد تعالت ضحكاتها، فسلّمت عليها. وهي تخبي وجهها بشعرها المنسدل عليه، بالكاد ترى بصيص عينيها. وأنفاسها اللاهثة تبعد خصلات شعرها عن وجهها. وتفضح سراً خلفها ..... فقد دعجت عينيها بالكحل، ورسمت شفتيها بالروج، وورّدت خديها بأحمر الخدود، سألتها: أحقاً ما تقوله أمك أنك مثل بيكاسو؟ ضحكت، وقالت: أنتِ تعرفين أبطال الديجتال؟! قلت: لا. قالت: وبيكاسو؟ قلت :رسام كبير. أخذت بيدي سريعاً لتريني رسومها اللطيفة، ففي غرفتها رسم لوجه بنت صغيرة مبتسمة. طبعت عليها قبلة، وقالت: هذه صديقتي. ثم أخذت بيدي للصالة، وأرتني رسماً لرجل مبتسم كأنه أصلع له شعر بسيط فوق أذنيه. قلت: من هذا؟ ضحكت ونظرت لأمها. جرت و قالت: سأخبرك لاحقاً. جرت لغرفة الألعاب. وفي خفة اندست تحت طاولة صغيرة ملصقة بالجدار، وأخذت تزحف بمعونة كوعيها تحت الطاولة. نادتني وأرتني ثلاثة رسوم لأولاد. وسمّت كل واحد باسمه. وقالت: هؤلاء في الصف الثاني. إنهم أصدقاء أخي. وكانت مفاجأة للأم؛ إذ لم تعلم بوجود هذه النقوش في هذا المكان القصيّ المظلم.
كانت الأم تبدي تذمرها لتلوين ابنتها لجدران المنزل؛ فهو جديد، ولم تُتمّ العائلة فيه سنة بعد، وكانت قد بذلت شتى السبل في إبعادها عن الرسم على الجدران أحضرت لها سبورة، وعلّقت لها أوراقاً على الجدار لترسم عليها. لكن كل ذلك لم يجد على الرغم من أن البنت لطيفة جداً، وليست من الصنف العنيد. تابعت الأم: وحينما كانت أصغر من ذلك كانت ترسم على ساقيها ويديها. ترسم دوائر صغيرة متتابعة، ثم تقوم بقراءتها. وقد أُحرجت مرة حينما ذهبت بها للطبيب فكشف عن بطنها ليفحصه .فإذا به يردّد بسم الله.... بسم الله ..... ثم يغرق في الضحك. ولم أعلم السبب، فنظرت فإذا بطنها مليء بالكتابات والدوائر. أُحرجت من الطبيب .ولم يدُرْ في بالي أنها ستغير هذه المرة من الكتابة على ساقيها إلى الكتابة على بطنها،
وفي أثناء حديثي مع أمها عن الحل. وضعت يديها خلفها وفردت صدرها. وقاطعتني، وقالت: لم تري أجمل رسمة!! قلت: وهل يوجد أجمل من تلك الرسوم؟ فأخذت بيدي، وأرتني رسمة على جدار قريب من غرفة النوم، رأيت رسمة فتاة تلبس ملابس مقلمة، قد انسدل الشعر على وجهها بطريقة جميلة قد مدت ذراعيها وكأنها تستقبل أحداً.
ثم قالت الصغيرة: هل عرفتِ مَن هذه؟ فتحيّرت، ولا أريد أن أظهر جهلي قلت: لا شك أن هذه الحلوة هي أنتِ. قالت: لا إنها ماما حبيبتي، إنها ماما الحلوة. إذا
ذهبت ماما للمدرسة أحضن صورتها. وألصقت الصغيرة صدرها على الجدار، وفردت ذراعيها، وأخذت تطبع قبلاتها على الجدار. وأمها تنظر إليها. ولم أميز أكانت تبكي أم تضحك. وقد أُسقط في يدها. فعرفت حينها نقطة ضعف الأم. والتي استغلتها الصغيرة، إنها أم حنون تقدر للطفولة والمشاعر قدرها .
جميلة هي البراءة، جميلة هي الطفولة، فهي تغسل الكثير من همومكم. إذا أردتم
السعادة، عودوا صغاراً أو اتركوا الصغار ليعبروا عن حبهم بعفوية. دون تدخل
إنهم كرماء بنشر السعادة. لا يدّخرونها لأنفسهم. فللذين يبحثون عن جلسات الهدوء والاسترخاء، عودوا صغاراً، والعبوا مع صغاركم. ولتكن لهم السيطرة على قانون وأجواء اللعبة؛ حتى يطبعوها بطابعهم البريء، دون تدخل منكم في تفاصيل طفولية. وفي نهاية اللعبة. ستجدون أنكم نسيتم كثيراً من همومكم. بل اجتزتموها، وستجدون أنهم تعلّموا منكم برضاهم دون أمر أو نهي. ومتى أُشعروا
بالأمن، وبالحب أبدعوا في التعلم وفي التعبير عن حبهم. وأبدعوا في إيصال
مشاعرهم وآرائهم نحو كثير من أمور الحياة، فتحصلون على مفاتيح للتعامل معهم.
وسيكبرون ويتجاوزون تلك الخربشة على الجدران، وسوف تتمنون لو عادت أيام الخربشة على الجدران، وعادت تلك المشاكسات، وستظل تلك الذكريات رسوماً في مخيلة أطفالكم، وتكون دليلاً لهم في حياتهم، وفي تحديد علاقتهم بكم وبالآخرين.
انتهت الخربشات، وبقيت الآثار، وردود الفعل فشكلت.
التوقيع
اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين
وأصلح لي شأني كله
لا إله إلا أنت
آخر تعديل د. صفاء رفعت يوم 23-06-2006 في 12:03 AM.
نعم.. قد رأيتُ تلك الخربشات
فعالمي وإياك، وإيانا
عبارة عن دوائر نرسمها
على الساق وربما
على بطن الذكرى
فهل سيضحك الطبيب!!
آثار الخطوط تمعن جريانها في ذاكرتي
وكانت فرشاتك مركبة الانتقال الزمني
التي أقلّتني نحوي..
فمنذ زمن وأنا أشتاقُني
وأشتاقهم أطفالي
رائعة و الله يا أستاذ نايف
فلله ما أجمل عالمهم البريء و الممتلأ بالحكايا
فهل هناك أجمل و أندى و ألطف منهم
من الصغار
أولئك الذين يمتلكون مفاتيح الدهشة
و تلامس الفكرة عندهم كل مفردات الحياة بالتساؤل
كالمطر الساقط على مفردات الطريق
و هذا في رأيي هو الدرس الأفضل الذي علينا أن نتعلمه منهم
أن نندهش .... و نتسائل ....
و أن لا نسلم ببداهة الواقع المفروض علينا لنقبله بكل قبحه
فلا تراودنا فكرة نقضه من الأساس
و لا يغرينا بالتمرد
رائعة و الله يا أستاذ نايف
فلله ما أجمل عالمهم البريء و الممتلأ بالحكايا
فهل هناك أجمل و أندى و ألطف منهم
من الصغار
أولئك الذين يمتلكون مفاتيح الدهشة
و تلامس الفكرة عندهم كل مفردات الحياة بالتساؤل
كالمطر الساقط على مفردات الطريق
و هذا في رأيي هو الدرس الأفضل الذي علينا أن نتعلمه منهم
أن نندهش .... و نتسائل ....
و أن لا نسلم ببداهة الواقع المفروض علينا لنقبله بكل قبحه
فلا تراودنا فكرة نقضه من الأساس
و لا يغرينا بالتمرد
كل التحية
شكرا لمرورك د. صفاء وقراءتك العميقة لهذا النص الجميل
هؤلاء الأطفال عباقرة وأساتذة يعلموننا دروسا كبيرة بعفويتهم وبساطتهم وفهمهم المباشر الصادق والبريء للأشياء البعيد عن الزيف والبهرجة والتصنع ....
هؤلاء الأطفال يعيدون لنا الفطرة والبديهة بعد أن غرقنا في دهاليز الفلسفة والتعقيد والرسميات التي أرهقتنا في الحياة..
بالغ الشكر للأستاذة بدرية الغنيم الكاتبة السعودية التي أتحفتنا بهذا النص وهي كاتبة ماهرة في حوار الطفولة والاقتراب من مشاعر وحاجات الأطفال...
التوقيع
اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين
وأصلح لي شأني كله
لا إله إلا أنت
نعم.. قد رأيتُ تلك الخربشات
فعالمي وإياك، وإيانا
عبارة عن دوائر نرسمها
على الساق وربما
على بطن الذكرى
فهل سيضحك الطبيب!!
آثار الخطوط تمعن جريانها في ذاكرتي
وكانت فرشاتك مركبة الانتقال الزمني
التي أقلّتني نحوي..
فمنذ زمن وأنا أشتاقُني
وأشتاقهم أطفالي
تقبل تحيتي
مع الود الأكيد
أخي المبدع رحيم
شكرا لمرورك المعطر بالإبداع الشفاف الأنيق ...
أدام الله لك أطفالك قرة عين وبهجة .....
الطفولة هي أجمل ما فينا أخي رحيم ... فهنيئا لمن يحمل في حناياه قلب طفل ...
كل التحايا لشخصك الكريم ....
التوقيع
اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين
وأصلح لي شأني كله
لا إله إلا أنت