على خلاف الفرزدق الذي بات يتقاسم زاده مع الذئب في كرم نادر ، كان للبحتري مع الذئب موقف آخر ...
فبعد الحفاوة التي حظي بها عند الفرزدق يلقى الموت الزؤام من البحتري في موقف درامي يواجه بعضهما بعضا في صراع وجودي شرس محكوم بهلاك أحدهما .
يخصص البحتري أربعة أبيات لتصوير الذئب في رسم جميل ، فهو ذئب بارز الصدر و الأضلاع ، له ذنب طويل كالرشاء ( الحبل) ، طواه الجوع فتقوس ظهره فلم يعد فيه إلا العظم و الجلد و الروح ، يكشر عن أنياب فيها الهلاك ، ولها اصطكاك كاصطكاك المرتعش من البرد .
تبدأ لحظة المواجهة حين ينتبه الذئب إلى إلى وجود الشاعر و تلتقي عينه بعينه .
سما لي و بي من شدة الجوع ما به
ببيداء لم تعرف بها عيشة رغد
كلانا بها ذئب يحدث نفسه
بصاحبه ، و الجد يتعسه الجد
جمع البحتري في هذين البيتين عامل الصراع الدموي : الجوع الذي يثير شراستهما إلى أقصى حد ومسرح الصراع الذي هو بيداء قفر لا طعام فيها إلا أحد طرفي الصراع للآخر . والبيداء في اللغة وصفت كذلك لأنها تبيد ساكنها أو عابرها لقلة أو انعدام موارد العيش بها " لم تعرف بها عيشة رغد " ، لهذا كان كلاهما يحدث نفسه بالآخر ، ولهذا خرج الشاعر من إنسانيته و دخل في ذئبية مطلقة " كلانا بها ذئب " .
ويدق طبل المعركة ، يعوي الذئب ، ثم يقعي متوثبا (يجلس على إليتيه) ، وحين يرتجزه الشاعر يهيجه فيقبل نحوه في هجوم خاطف صاخب :
عوى ، ثم أقعى فارتجزته فهجته ... فأقبل مثل البرق يتبعه الرعد
و البرق هنا هو وميض أنيابه ، أما الرعد فزئيره و هريره .
و يستقبله الشاعر بطعنة خرقاء (نافذة) ، إلا أنها لم تكن القاضية مما يزيده هياجا و تصميما على الفتك بالشاعر بكل ما في القلب من رعب و حقد ، والحيوان أشد ما يكون هياجا حين يكون جريحا ، و الشاعر يدرك خطورة ذلك ،
وعليه أن يتصرف بسرعة ، لهذا نراه يستعمل الفاء التي تفيد الترتيب و التعقيب أي : من غير فاصل زمني قصير بين الفعلين إذ يقول :
فأتبعتها أخرى فأضللت نصلها ... بحيث يكون اللب و الرعب و الحقد
أي أتبع طعنته الأولى بطعنة أخرى أغمدها في قلب الذئب حيث يتجمع الحقد و الرعب .وتكون القاضية التي أوردته منهل الردى ، ثم يعمد الشاعر إلى نار فيشوي عليها ذئبه و يأكل منه قليلا ، إذ ليس فيه كثير ما يؤكل ، ثم يمضي عنه و قد تركه لمصيره معفرا في التراب وحيدا .
النص :
وأطلس ملء العين يحمل زوره ................الزور: الصدر
و أضلاعه من جانبيه شوى نهد
له ذنب مثل الرشاء يجره
و متن كمتن القوس أعوج منأد
طواه الطوى حتى استمر مريره
فما فيه إلا العظم و الروح و الجلد
يقضقض عصلا في أسرتها الردى ............عصل : أنياب
كقضقضة المقرور أرعده البرد
سما لي و بي من شدة الجوع ما به
ببيداء لم تعرف بها عيشة رغد
كلانا بها ذئب يحدث نفسه
بصاحبه ، و الجد يتعسه الجد
عوى ، ثم أقعى ، فارتجزته فهجته
فأقبل مثل البرق يتبعه الرعد
فأوجرته خرقاء تحسب ريشها
على كوكب ينقض و الليل مسود
فما ازداد إلا جرأة و صرامة
و أيقنت أن الأمر منه هو الجد
فأتبعتها أخرى فأضللت نصلها
بحيث يكون اللب و الرعب و الحقد
فخر وقد أوردته منهل الردى
على ظمأ ، لو أنه عذب الورد
وقمت فجمعت الحصى فاشتويته
عليه و للرمضاء من تحته وقد
ونلت خسيسا منه ثم تركته
و أقلعت عنه و هو منعفر فرد