ومن بات انتقادا في البرايـــــا === سيبقى دون صحب تاركينـا
ومن يترك فضول القول صمتا === سيؤتى حكمة في الناطقينـا
ومن يترك فضول الأكل زهـــدا === سيؤتى لذة المتعبدينــــــــــا
ومن ترك الدنا ورعا وتقـــوى === سيؤتى حـب آخراه يقينـــــــا
ومن يقلل من الضحك احترازا === سيؤتى هيبــة المتوكلينــــــــا
ومن يقلل مزاحا في أمـــور === سيؤتى من بهاء المشرقينـــا
وهل تدعى حكيما في البرايـــا === وتلهو مثل لهو المترفينــــــــا
فلن يزن الحياة سوى حكيــــم === يسايس أمرها شدا ولينــــــــا
فلين دون ضعف في البرايـــا === شديد دون عنف الجابرينـــــا
سلوا الأيام هل أبقت أناسا === تراب كلهم صاروا دفينــــــــا
فأين ملوك أرض في قصور === بأسوار وجند حارسينـــــــــا
لقد سقيتهم كأس المنايــا === جميعا في قبور الميتينـــــــــا
أتاهم هادم اللذات جهـــرا === وأفنى حلمهم متصارعينــــــا
غزاهم غفلة فتكا وقهـــرا === وهم ضنوا بدار آمنينــــــــــا
مضوا والكل ليس يروم تركـا === لمال أو لزوج أو بنينــــــــــا
فليس لهم خيار في حمام === وليسوا من حمام آبقينـــــــــا
وهذا حال دهر في أناس === يغير عليهم متضاحكينـــــــــا
ليالي الموت ليس لها مجيــــر === يدبرها حكيم العالمينــــــــــــا
كأن حياتهم كانت خيـالا === وما عاشوا على أرض سنينا
فمن ذا خالد يحصي الليالــــي === ومن ذا دائــم فيها مكينــــــــا
فكم بالموت من عبر توالت === كفى بالموت خير الواعظينــا
فما لك غير قبر في تراب === نعيم أو عذاب الخالدينــــــــــا
فلن يبقي لنا الدهر حبيبا === ولا كانت حياة الخالدينــــــــــا
ولو كان الخلود فأين رسل === من الرحمن فينا مرسلينـــــــا
ولكن البرايا في غــرور === قلوب كالحجارة لا تلينـــــــــا
وكل قد تهاون والمنايــا === إلى الحلقــوم للمتغافلينـــــــــا
فكل يدعي إخلاص حـــــــب === ولكن أين حــب المخلصينـــــا
وكل يدعي وصلا لرحــــــم === ولكن أين وصل الأقربينــــــــا
وكل يدعي نصحا ورشــــــدا === ولكن أين نصح الواعظينــــــا
وكل يدعي صدقا لقـــــول === ولكن أين صدق القائلينـــــــــا
وكل يدعي علما ودينـــــــا === ولكن أين علم الوارثينــــــــــا
وكل يدعي تقوى وزهـــــــدا === ولكن أين زهد الزاهدينـــــــــا
وكل يدعي دمعا لبيـــــــن === ولكن أين دمع الفاقدينـــــــــــا
وكل يدعي إخلاص فعـــــــل === ولكن أين فعل المخلصينـــــــا
وكل يدعي صدق التآخــــــــــي === وأين إخاء صحب أكرمينـــــا
وكل يدعي الإصــــــــلاح نهجا === ولكن أين نبض المصلحينــــا
فهذا حال طين في زمــــــــــان === تكدر صفوه دنيا ودينـــــــــــا
فهذا يفتك الأعراض فتكا === وهذا يلمـــــز الألقاب حينـــــا
ويفسد في التآخي وصل صحب === قد اعتصموا بحبل الله دينـــــا
كأن الناس قد أمنوا فعاشوا === وعاثوا يفسدون الناشئينـــــــا
كأن الأرض لن تطوى عليهم === ولن يحثوا بترب نازلينــــــــــا
قد اتخذوا الفساد لهم شعارا === وإبليس اللعين لهم قرينـــــــا
ويخفون النفاق بلا ضمير === ويبدون التآخي سالمينـــــــــا
يدسون التحاسد في نكوب === ويبدون الصفاء مخادعينـــــا
فقد باعوا ضمائرهم ببخس === إلى شيطان دهر خاسرينـــــــا
فأين مكارم الأخلاق ولت === وأين فضائل في الأفضلينــــــا
أكل فضيلة ولت وماتـت = == مع الخلصاء خير الفاضلينــــا
فليس الفقر في مـــــال وجــاه === ولكن في نفوس الخلق دينــــا
إذا مات الوفاء فلا حــياء === ولا شيم تصد المارقينــــــــــــا
وإن مات الحياء فلا أمـــان === وهز الخوف دار الآمنينــــــــــا
أنرجو الأمن في زمن خــــؤون === يقلب صرفه حينا فحينـــــــــــــا
فقد مكروا وقد ظلموا وعابـوا === وإن الله خير الماكرينــــــــــــــا
وعم الظلم بينهم جهــــارا === وناموا ليلهم متظالمينـــــــــــــا
وما في وعدهم إلا خــــداع === ومكر من صروف الماكرينـــــا
وصمت المرء خير من سفيـــه === وخير من لسان الشامتينــــــــا
فهم في غيهم ظلما بظلــــــــم === وهم في لغوهم يتفكهونــــــــــا
وصمت فيك يورثك المعالــي === وأنت به حكيــــم الناطقينـــــــا
وصمت منه تهوي في حضيض === إلى درك كأسفـل سافلينــــــــــا
وكن صما وبكما في ديـــــــــار === أتى فيها سفيه الفاحشينــــــــا
إذا جاريته سيزيد قبــــــــحا === وفحشا في محاوره مشينـــــا
يبش لكل ملتفت إليــــــــــه === بسوء القول يغوي السامعينـا
إذا جاريت في قول سفيهـــــا === تكون ومن معاك الأمثلينـــــــا
وهل في الناس من لا عيب فيه === فلسنا من عيوب سالينــــــــــا
نفتش عن عيوب الدهر سترا === ونحن ذوو العيوب وقد بلينــا
كمال المرء في الدنيا محال === وليس سوى لرب العالمينـــــا
وليس يكون دون النقص شيء === ولا خلق الإله الكاملينـــــــــا
وليس المرء يسلم من معيب === ولو يرقى برقي الراقيينـــــــا
نفاق في نفاق من برايـــــــــــا === وكبر في نفوس الطالحينا
فظاهرهم صلاح وهو مكـــــــر === وباطنهم خلاف ساترينا
فهل غدر الزمان أم البرايـا === بما اقترفوه ظلما ماكرينـــــا
يعقوب أحمد العبادي
نزوى